البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

ابن نجيم

[مقدمة الكتاب]

[مُقَدِّمَة الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَبَّرَ الْأَنَامَ بِتَدْبِيرِهِ الْقَوِيِّ، وَقَدَّرَ الْأَحْكَامَ بِتَقْدِيرِهِ الْخَفِيِّ، وَهَدَى عِبَادَهُ إلَى الرَّشَادِ وَأَنْطَقَهُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ وَجَعَلَ مَصَالِحَ مَعَاشِهِمْ بِالْعُقُولِ مَحُوطَةً وَمَنَاجِحَ مَعَادِهِمْ بِالْعِلْمِ مَنُوطَةً فَضَّلَ نَبِيَّهُ بِالْعِلْمِ تَفْضِيلًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - كُنُوزِ الْهُدَى وَعَلَى أَصْحَابِهِ بِدُورِ الدُّجَى (أَمَّا بَعْدُ) ، فَإِنَّ أَشْرَفَ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا وَأَوْفَقَهَا وَأَوْفَاهَا عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى وَبِهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى فَمَنْ شَمَّرَ لِتَحْصِيلِهِ ذَيْلَهُ وَادَّرَعَ نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ فَازَ بِالسَّعَادَةِ الْآجِلَةِ وَالسِّيَادَةِ الْعَاجِلَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ كَثِيرَةٌ وَالدَّلَائِلُ عَلَيْهَا شَهِيرَةٌ لَا سِيَّمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ لِلْفُرْقَانِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَالَ إنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهَ أَفْضَلُ مِنْ تَعَلُّمِ بَاقِي الْقُرْآنِ وَجَمِيعُ الْفِقْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ. اهـ. وَإِنَّ كَنْزَ الدَّقَائِقِ لِلْإِمَامِ حَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ أَحْسَنُ مُخْتَصَرٍ صُنِّفَ فِي فِقْهِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ وَضَعُوا لَهُ شُرُوحًا وَأَحْسَنُهَا التَّبْيِينُ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ لَكِنَّهُ قَدْ أَطَالَ مِنْ ذِكْرِ الْخِلَافِيَّاتِ وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ وَقَدْ كُنْت مُشْتَغِلًا بِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ حَالِي مُعْتَنِيًا بِمَفْهُومَاتِهِ فَأَحْبَبْت أَنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا يُفْصِحُ عَنْ مَنْطُوقِهِ وَمَفْهُومِهِ وَيَرُدُّ فُرُوعَ الْفَتَاوَى وَالشُّرُوحَ إلَيْهَا مَعَ تَفَارِيعَ كَثِيرَةٍ وَتَحْرِيرَاتٍ شَرِيفَةٍ وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ لَك الْكُتُبَ الَّتِي أَخَذْت مِنْهَا مِنْ شُرُوحٍ وَفَتَاوَى وَغَيْرِهِمَا فَمِنْ الشُّرُوحِ شَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَشَرْحُهُ لِلْبُرْهَانِيِّ وَالْمَبْسُوطُ وَشَرْحُ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَشَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِمَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَالْهِدَايَةُ وَشُرُوحُهَا مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ وَالْخَبَّازِيَّةُ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ وَالْكَافِي شَرْحُ الْوَافِي وَالتَّبْيِينُ وَالسِّرَاجُ الْوَهَّاجُ وَالْجَوْهَرَةُ وَالْمُجْتَبَى ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ الْعِلْمَ فِي الْأَعْصَارِ وَأَعْلَى حِزْبَهُ فِي الْأَمْصَارِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ الْمُخْتَصِّ بِهَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ فَازُوا مِنْهُ بِحَظٍّ جَسِيمٍ قَالَ مَوْلَانَا الْحَبْرُ النِّحْرِيرُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالْبَنَانِ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ كَاشِفُ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ مُبَيِّنُ الْكِنَايَاتِ وَالْإِرْشَادَاتِ مَنْبَعُ الْعُلَى عِلْمُ الْهُدَى أَفْضَلُ الْوَرَى حَافِظُ الْحَقِّ وَالْمِلَّةِ وَالدِّينِ شَمْسُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَارِثٌ لِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَبُو الْبَرَكَاتِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيُّ لَمَّا رَأَيْت الْهِمَمَ مَائِلَةً إلَى الْمُخْتَصَرَاتِ وَالطِّبَاعَ رَاغِبَةً عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ أَرَدْت أَنْ أُلَخِّصَ الْوَفِيَّ بِذِكْرِ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ وَكَثُرَ وُجُودُهُ لِتَكْثُرَ فَائِدَتُهُ وَتَتَوَفَّرَ عَائِدَتُهُ فَشَرَعْت فِيهِ بَعْدَ الْتِمَاسِ طَائِفَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأَفَاضِلِ وَأَفَاضِلِ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ لِلْعَيْنِ وَالْعَيْنِ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَا بِي مِنْ الْعَوَائِقِ (وَسَمَّيْته) بِكَنْزِ الدَّقَائِقِ، وَهُوَ، وَإِنْ خَلَا عَنْ الْعَوِيصَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ فَقَدْ تَحَلَّى بِمَسَائِلِ الْفَتَاوَى وَالْوَاقِعَاتِ مُعَلَّمًا بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ وَزِيَادَةِ الطَّاءِ لِلْإِطْلَاقَاتِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْإِتْمَامِ وَالْمُيَسِّرُ لِلِاخْتِتَامِ

وَالْأَقْطَعُ وَالْيَنَابِيعِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَلِابْنِ الْمِلْكِ وَالْعَيْنِيِّ وَشَرْحُ الْوِقَايَةِ وَشَرْحُ النُّقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ وَالْمُسْتَصْفَى وَالْمُصَفَّى وَشَرْحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَمِنْ الْفَتَاوَى الْمُحِيطُ وَالذَّخِيرَةُ وَالْبَدَائِعُ وَالزِّيَادَةُ لِقَاضِي خان وَفَتَاوَاهُ وَالْمَشْهُورَةُ وَالظَّهِيرِيَّةُ والولوالجية وَالْخُلَاصَةُ وَالْبَزَّازِيَّةُ وَالْوَاقِعَاتُ لِلْحِزَامِيِّ وَالْعُمْدَةُ وَالْعُدَّةُ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَمَآلُ الْفَتَاوَى وَمُلْتَقَطُ الْفَتَاوَى وَحِيرَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْقُنْيَةُ وَالسِّرَاجِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ وَالتَّجْنِيسُ وَالْعَلَّامَةُ وَتَصْحِيحُ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَعَ مُرَاجَعَةِ كُتُبِ الْأُصُولِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَنْ تَرَدَّدَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْته فِي هَذَا الشَّرْحِ فَلْيَرْجِعْ إلَى هَذِهِ الْكُتُبِ (وَسَمَّيْته بِالْبَحْرِ الرَّائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ) وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَأَنْ يُثِيبَنَا عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ بِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ تَعْرِيفِهِ لِمَا فِي الْبَدِيعِ لِابْنِ السَّاعَاتِيِّ حَقٌّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ عِلْمًا أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِحَدِّهِ أَوْ رَسْمِهِ وَيُعَرِّفَ مَوْضُوعَهُ وَغَايَتَهُ وَاسْتِمْدَادَهُ قَالُوا لِيَكُونَ الطَّالِبُ لَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ وَتَقُولُ مِنْهُ فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ وَفُلَانٌ لَا يَفْقَهُ وَأَفْقَهْتُك الشَّيْءَ ثُمَّ خُصَّ بِهِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَالْعَالِمُ بِهِ فَقِيهٌ وَفَقُهَ بِالضَّمِّ فَقَاهَةً وَفَقَّهَهُ اللَّهُ وَتَفَقَّهَ إذَا تَعَاطَى ذَلِكَ وَفَاقَهْتُهُ إذَا بَاحَثْته فِي الْعِلْمِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْفِقْهَ اللُّغَوِيَّ مَكْسُورُ الْقَافِ فِي الْمَاضِي وَالِاصْطِلَاحِيَّ مَضْمُومُهُمَا فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ خُصَّ بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَفَقِهَ بِالْكَسْرِ مَعْنَى الشَّيْءِ فِقْهًا وَفَقَهًا وَفِقْهَانًا إذَا عَلِمَهُ وَفَقُهَ بِالضَّمِّ فَقَاهَةً إذَا صَارَ فَقِيهًا اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ فَقِهَ الْمَعْنَى فَهِمَهُ وَأَفْهَمَهُ غَيْرَهُ اهـ. وَاصْطِلَاحًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ تَبَعًا لِلْأُصُولِيِّينَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ أَطْلَقُوا الْعِلْمَ عَلَى الْفِقْهِ مَعَ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهُ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَنُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَيَّنَ نُحُورَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِعُقُودِ شَرِيعَتِهِ الشَّرِيفَةِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْمَرْضِيَّةِ وَقَيَّضَ لَهَا عِبَادًا غَاصُوا فِي بَحْرِ رَقَائِقِهَا فَاسْتَخْرَجُوا مَكْنُونَ كَنْزِ دَقَائِقِهَا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ هُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي هَذَا الْمَدَدِ وَالْوَسِيلَةُ الْعُظْمَى لِكُلِّ أَحَدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِ وَأَحْزَابِهِ ذَوِي الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ مَنْ رَقَوْا فِي مِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ لِإِيضَاحِ طُرُقِ الْهِدَايَةِ إلَى غَايَةِ الْبَيَانِ (وَبَعْدُ) فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ الْمُكَنَّى بِابْنِ عَابِدِينَ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذُنُوبَهُ وَمَلَأَ مِنْ زُلَالِ الْعَفْوِ ذَنُوبَهُ. آمِينَ هَذِهِ حَوَاشٍ جَعَلْتهَا سِلْكًا لِدُرَرِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ فَبَدَتْ عُقُودَ الْجِيدِ لِمَنْ هُوَ إلَى جَيِّدِ مَعَانِيهِ مُسَارِعٌ وَمُسَابِقٌ عَلَّقْتهَا أَوَّلًا عَلَى هَامِشِ صَفَحَاتِهِ ثُمَّ جَمَعْتهَا هُنَا لِتَكُونَ تَذْكِرَةً لِلْعَبْدِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَتَحْت بِهَا مُقْفَلَهُ وَحَلَلْت بِهَا مُعْضِلَهُ وَلَسْت أَتَعَرَّضُ فِيهَا غَالِبًا إلَّا لِمَا فِيهِ إيضَاحٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ أَوْ لِمَا فِيهِ بَحْثٌ أَوْ إشْكَالٌ بِعِبَارَاتٍ تَفُكُّ الْأَسْرَ وَتُحِلُّ الْعِقَالَ، وَإِذْ هُوَ مَشْحُونٌ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ فَهُوَ غَنِيٌّ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الزِّيَادَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا فِي ذِكْرِهِ عَظِيمُ إفَادَةٍ ضَامًّا إلَى ذَلِكَ بَعْضَ أَبْحَاثٍ أَوْرَدَهَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ الْفَاضِلُ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ عُمَرُ عَلَى أَخِيهِ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ النَّبِيهِ الْعَلَّامَةِ زَيْنَ بْنَ نُجَيْمٍ سَدِيدِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ وَبَعْضِ مَا كَتَبَهُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ الْمُفْتِي الْحَنَفِيُّ تَارِكًا لِمَا وَجْهُهُ عَلَيَّ قَدْ خَفِيَ وَأَرْجُو مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْعُجَالَةِ أَنْ يَجْعَلَ عَثَرَاتِي مُقَالَةً، فَإِنَّ بِضَاعَتِي قَلِيلَةٌ وَفِكْرَتِي كَلِيلَةٌ وَسَمَّيْت ذَلِكَ بِمِنْحَةِ الْخَالِقِ عَلَى الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَأَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِمَنْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ تَتَوَالَى أَنْ يُلْهِمَنِي الصَّوَابَ وَأَنْ يَسْلُكَ بِي سَبِيلَ السَّدَادِ وَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُوجِبًا لِلْفَوْزِ الْعَظِيمِ نَافِعًا بِهِ جُلَّ الْعِبَادِ وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَشْيَاخِي بِالْعَفْوِ التَّامِّ وَكَمَا أَحْسَنَ لِي الْمَبْدَأَ يُحْسِنُ لِي الْخِتَامَ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (قَوْلُهُ: فَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ) أَقُولُ: وَفِي تَحْرِيرِ الدَّلَالَاتِ السَّمْعِيَّةِ لِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَسْعُودٍ نَقْلًا عَنْ التَّنْقِيحِ الْفِقْهُ لُغَةً هُوَ الْفَهْمُ وَالْعِلْمُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَلِمِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَيُقَالُ فَقِهَ بِكَسْرِ الْقَافِ إذَا فَهِمَ وَبِفَتْحِهَا إذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إلَى الْفَهْمِ وَبِضَمِّهَا إذَا صَارَ الْفِقْهُ لَهُ سَجِيَّةً. اهـ. رَمْلِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلَخْ) الِاصْطِلَاحُ لُغَةً الِاتِّفَاقُ وَاصْطِلَاحًا اتِّفَاقُ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى إخْرَاجِ الشَّيْءِ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى مَعْنًى آخَرَ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ زِيَادَةِ بَعْضِ الْكَتَبَةِ يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي، وَقَوْلُهُ وَمِنْ أَدِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ إلَخْ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهُ ظَنِّيَّةٌ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ وَمَا ثَبَتَ بِهِ قَطْعِيَّانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ فِيهَا بِالظَّنِّ تَغْلِيبٌ أَوْ بِأَنَّ قَطْعِيَّتَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ الْمُجْمِعِينَ فَهُوَ ظَنِّيٌّ مُسْتَنِدٌ إلَى إمَارَةٍ وَفِي حَوَاشِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيِّ قَالَ السَّيِّدُ بَعْدَ كَلَامٍ أَوْرَدَهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ تَكُونَ الْأَحْكَامُ الْمَعْلُومَةُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَيْ الْقَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ وَالثُّبُوتِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ خَارِجَةً عَنْ الْفِقْهِ فَإَمَّا أَنْ يُخْتَارَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ إلَّا ظَنًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَكَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مِنْ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مِمَّا عُلِمَ

الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى مُقَلِّدِيهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَانَ لِقُوَّتِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَرِيبًا مِنْ الْعِلْمِ فَعُبِّرَ بِهِ عَنْهُ تَجَوُّزًا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهِ ارْتِكَابَ مَجَازٍ دُونَ قَرِينَةٍ فَالْأَوْلَى مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْعِلْمِ وَالظَّنِّ بَدَلَ الْعِلْمِ، وَالْأَحْكَامُ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ عَلَى الْجِنْسِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ الَّذِي أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ الْمَجْمُوعُ وَمَعْنَى الْعِلْمِ بِهَا التَّهَيُّؤُ لِذَلِكَ وَرَدَّهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفِقْهِ وَالْقَرِيبُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ إذْ لَا يُعْرَفُ أَيُّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ مَضْبُوطٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا شَائِعٌ وَفِي التَّحْرِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْمَلَكَةِ أَدْنَى مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْأَهْلِيَّةُ، وَهُوَ مَضْبُوطٌ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْحُكْمِ هُنَا فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَرَدَّهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ عِلْمٌ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْفِقْهَ عِلْمٌ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصْدِيقٌ وَبِغَيْرِهَا تَصَوُّرٌ اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ التَّصْدِيقِ الْقَضِيَّةُ صَرَّحَ الْمَوْلَى سَعْدٌ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ بِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْإِدْرَاكِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْحُكْمِ هُنَا خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ تَكْرَارًا وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَحْكَامُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْعَقْلِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ أَوْ مِنْ الْحِسِّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ أَوْ مِنْ الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا النَّارُ مُحْرِقَةٌ لَيْسَ عَقْلِيًّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْعَقْلِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْحَوَاسِّ إنَّمَا هُوَ لِلْعَقْلِ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَالْإِيمَانِ وَاجِبًا؛ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ بِخُرُوجِ مِثْلِهِ عَنْهُ اهـ. وَجَزَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخُرُوجِ مَا عُلِمَ مِنْ الْأَحْكَامِ ضَرُورَةً مِنْ الدِّينِ اهـ. أَيْ خُرُوجُهَا عَنْ الْفِقْهِ وَعَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي حَيْثُ قَالَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَحْكَامُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْعَقْلِ إلَخْ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ وَبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً بِمَعْنَى حُصُولِهَا بِلَا دَلِيلٍ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ اسْتَنْبَطُوهَا وَحَصَّلُوهَا فِي أَصْلِهَا عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] بَلْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ ضَرُورِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا اُشْتُهِرَتْ حَتَّى عُدَّتْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ فَلَا يَخْرُجُ مَا عُلِمَ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ عَنْ أَدِلَّتِهَا. اهـ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ فَتَبَصَّرْ. (قَوْلُهُ: فَالْأُولَى مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ ذِكْرِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْعِلْمِ وَالظَّنِّ) أَيْ بِنَاءً عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَنْطِقِيِّينَ إيَّاهُ مُرَادًا بِهِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمَّ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ تَقْسِيمًا حَاصِرًا، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مُرَادَ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ الْإِدْرَاكُ الْقَطْعِيُّ سَوَاءٌ كَانَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا صَوَابًا أَوْ خَطَأً فَالتَّصْدِيقُ كَمَا قَالَ شَارِحُهُ: ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ جِنْسٌ لِسَائِرِ الْإِدْرَاكَاتِ الْقَطْعِيَّةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِهَارِ اخْتِصَاصِ التَّصْدِيقِ بِالْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. فَهُوَ غَيْرُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَظْنُونَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ إلَّا عَلَى الِاصْطِلَاحِ بِأَنَّهُ كُلَّهُ ظَنِّيٌّ أَوْ الِاصْطِلَاحِ بِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ قَطْعِيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ ظَنِّيٌّ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ هَذَانِ وَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ قَالَ شَارِحُهُ بَعْدَ كَلَامٍ بَقِيَ الشَّأْنُ فِي أَيِّ الِاصْطِلَاحَاتِ مِنْ هَذِهِ أَحْسَنُ أَوْ مُتَعَيِّنٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مُتَعَيَّنٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقِيهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَنَّ الثَّالِثَ أَحْسَنُ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ الْمُدْرَكِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ وَبِهِ ظَهَرَ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ عَزْوِهِ مَا ذُكِرَ لِلتَّحْرِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى نِحْرِيرٍ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ إلَخْ) أَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْعَلَّامَةِ جَلَالِ الدِّينِ الْمَحَلِّيِّ وَقَدْ بَسَطَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ مُحَشِّيهِ الْكَمَالُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْحُكْمِ هُنَا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: بَلْ الْمُرَادُ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصْدِيقٌ وَبِغَيْرِهَا تَصَوُّرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ عَلَى هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ إلَخْ) . اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْجَلَالَ الْمَحَلِّيَّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ حَيْثُ قَالَ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَزَادَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلِابْنِ قَاسِمٍ هُنَا كَلَامٌ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مُلَخَّصًا مَعَ بَعْضِ زِيَادَاتٍ تُشِيرُ إلَى كَلَامِ الشَّارِحِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِقَادَ إدْرَاكٌ وَالْحَقُّ فِي الْإِدْرَاكِ أَنَّهُ انْفِعَالٌ أَوْ كَيْفٌ لَا فِعْلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا فَلَا يَكُونُ عَمَلًا إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ أَوْ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَيُعَدُّ فِعْلًا عُرْفًا فَيُقَالُ صَدَقَ وَأَدْرَكَ وَعَلِمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالِاعْتِقَادُ مِثْلُ اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَتَحْرِيمِ الرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَعُمُّ عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مَانِعٍ إذْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الدِّينِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي، وَلَا تَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ إذْ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ فَالتَّعَلُّقُ فِي النِّيَّةِ وَنَحْوِهَا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ وَالتَّعَلُّقُ فِي الِاعْتِقَادَاتِ بِحُصُولِ الْعِلْمِ وَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ فِعْلِ الْقَلْبِ كَقَصْدِهِ إلَى الشَّيْءِ أَوْ تَمَنِّيه حُصُولَ الشَّيْءِ وَزَوَالَهُ وَبَيْنَ التَّصْدِيقِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ تَجَلٍّ وَانْكِشَافٌ يَحْصُلُ عَقِبَ قِيَامِ الدَّلِيلِ لَا فِعْلٌ لِلنَّفْسِ هُوَ أَنَّ الْقَصْدَ نَوْعٌ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالتَّصْدِيقَ نَوْعٌ مِنْ الْعِلْمِ وَالْوُجْدَانُ كَافٍ فِي الْفَرْقِ نَعَمْ يُعْتَبَرُ فِي الْإِيمَانِ مَعَ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ التَّجَلِّي وَالِانْكِشَافُ إذْعَانٌ وَاسْتِسْلَامٌ بِالْقَلْبِ لِقَبُولِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَتَسْمِيَةُ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ فِعْلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَقَدْ عَدَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذِكْرِ الْعَمَلِيَّةِ إلَى الْفَرْعِيَّةِ، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ الْإِيرَادُ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ أَيْ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبِهِ خَرَجَ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْأَحْكَامِ إذْ لَوْ تَعَلَّقَ بِهَا لَمْ يَخْرُجْ عِلْمُ الْمُقَلَّدِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِالْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ حَاصِلًا عَنْ الْأَدِلَّةِ، وَمَعْنَى حُصُولِ الْعِلْمِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ فَيَعْلَمُ مِنْهُ الْحُكْمَ، فَعِلْمُ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَنِدِ إلَى عِلْمِهِ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِلْبَيَانِ لَا لِلِاحْتِرَازِ إذْ لَا اكْتِسَابَ إلَّا مِنْ دَلِيلٍ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي قَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ، فَذَكَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيُرَى فِي الْآخِرَةِ تَارَةً يُنْظَرُ فِيهِ فِي نَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ بِقَوْلِهِ: الْعَمَلِيَّةُ بِمَعْنَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي تَبَعًا لِلْمَحَلِّيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ، وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُودِ لِلْجَنَّةِ لَكِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ كَيْفِيَّةٌ لِلْجَنَّةِ وَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ عَمَلًا وَأَيْضًا الْمُرَادُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ الْوُجُودِ وَنَحْوِهِ وَقِسْ الْبَاقِيَ وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْحُكْمِ اعْتِقَادِيًّا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ النِّسْبَةَ فِي قَوْلِنَا اللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ مُتَعَلَّقُهَا اعْتِقَادًا بَلْ مُتَعَلِّقُهَا الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ الْمَحْمُولُ، وَلَيْسَتْ اعْتِقَادًا وَكَذَا الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَالْإِيمَانُ وَاجِبٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ أَمْرًا الْغَرَضُ اعْتِقَادُهُ فَمَعْنَى كَوْنِهِ اعْتِقَادِيًّا أَنَّهُ أَمْرٌ يُعْتَقَدُ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَى مَا قَرَّرْنَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْفِقْهِ، وَلَا يَكُونُ خَارِجًا بِالِاعْتِقَادِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ وَتَارَةً يُنْظَرُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَيْفِيَّتِهِ، فَإِنَّ اعْتِقَادًا أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ مَثَلًا لَهُ كَيْفِيَّةٌ هِيَ الْوُجُوبُ وَالْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ هُوَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ وُجُوبِ اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ اعْتِقَادِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ اعْتِقَادٍ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ الثُّبُوتُ حُكْمٌ شَرْعِيُّ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ الشَّرْعِ وَذَلِكَ الْوُجُوبُ كَيْفِيَّةٌ لِاعْتِقَادٍ، وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِمْ الْعَمَلِيَّةُ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ وَلَوْ بِمُسَامَحَةٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَيْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي دَخَلَ فِي الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَخَرَجَ عَنْهُ نَفْسُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ إذْ لَيْسَتْ عِلْمًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أَيْ مُتَعَلِّقٍ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ إذْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّقُ تِلْكَ الِاعْتِقَادَاتِ مُتَعَلِّقَةً بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَعَلَى كُلٍّ يَكُونُ دَاخِلًا غَيْرَ خَارِجٍ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَكُونُ عَمَلًا وَفِعْلًا حَقِيقَةً خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ أَيْضًا إذْ لَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا حِينَئِذٍ عَمَلِيًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ إذْ صَاحِبُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ لَيْسَ عَمَلًا وَلَا يَخْرُجُ نَحْوُ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لِظُهُورِ أَنَّ صَاحِبَ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْوُجُوبُ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فِعْلٌ وَعَمَلٌ لَكِنْ يُنَافِي هَذَا الْوَجْهَ مَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نَحْوُ تَحْرِيمِ ظَنِّ السُّوءِ بِالْغَيْرِ بِلَا مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهِ مِنْ الْفِقْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَعَ أَنَّ الظَّنَّ لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ اهـ مُلَخَّصًا مَعَ بَعْضِ زِيَادَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لِلْمَقَامِ فَلْيُمْعِنْ النَّظَرَ ذَوُو الْأَفْهَامِ. وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا عَدَمُ خُرُوجِ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الضَّرُورِيَّاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْعِنَايَةِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ إخْرَاجُ أَكْثَرِ عِلْمِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَعْمَالِ عَنْ حَدِّ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَهُمْ لِتَلَقِّيهِمْ إيَّاهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِسًّا وَمِنْ الْمَعْلُومِ بَعْدَ هَذَا فَكَذَا مَا يُفْضِي إلَيْهِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ النِّحْرِيرُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ سَابِقًا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ

جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ وَغَلَّطَهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي التَّحْرِيرِ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُمْ التَّفْصِيلِيَّةُ تَصْرِيحٌ بِلَازِمٍ وَإِخْرَاجُ الْخِلَافِيِّ بِهِ غَلَطٌ وَوَضَّحَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا قُلْنَا إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ أَوْ انْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسْلِيمِهِ مِنْ الْفِقْهِ وُجُودَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي إجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ الْحِفْظُ الْمَذْكُورُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونُ هُوَ الدَّلِيلَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فَقِيهًا فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ إخْرَاجًا لِعِلْمِ الْخِلَافِيِّ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِلَازِمٍ اهـ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَيْدِ الِاسْتِدْلَالِ فَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالضَّرُورَةِ كَعِلْمِ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَحَقَّقَ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ عَنْ الدَّلِيلِ مُشْعِرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ إذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ مَأْخُوذًا مِنْ الدَّلِيلِ فَخَرَجَ مَا كَانَ بِالضَّرُورَةِ بِقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا فَهُوَ لِلتَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا أَوْ لِدَفْعِ الْوَهْمِ أَوْ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ وَمِثْلُهُ شَائِعٌ فِي التَّعْرِيفَاتِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِضَرُورَةٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ فَلَوْ قَالَ إنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِالِاسْتِدْلَالِ لَكَانَ مُخْرِجًا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي عِلْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَاصِلِ عَنْ اجْتِهَادٍ هَلْ يُسَمَّى فِقْهًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْحُكْمِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا وَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِنَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا وَيَصِحُّ تَعْرِيفُهُ بِنَفْسِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِيهِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ كَالْأُصُولِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهَا تَارَةً بِإِزَاءِ مَعْلُومَاتٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ أَيْ يَعْلَمُ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَتَارَةً بِإِزَاءِ إدْرَاكِ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ وَهَكَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَعَرَّفَهُ فِي التَّقْوِيمِ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِضَرْبِ عِلْمٍ أُصِيبَ بِاسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى وَضِدُّ الْفَقِيهِ صَاحِبُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِظَاهِرِ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِي مَعَانِيهَا وَلَا يَرَى الْقِيَاسَ حُجَّةً اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ لَهُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَبْ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ وَلِذَا أَطْلَقُوا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ وَغَيْرَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْأَرْبَعَةِ وَعَرَّفَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا لَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَالْوِجْدَانِيَّات أَيْ الْأَخْلَاقَ الْبَاطِنَةَ وَالْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ فَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ عِلْمُ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ هِيَ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ وَالتَّصَوُّفِ كَالزُّهْدِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ هِيَ الْفِقْهُ الْمُصْطَلَحُ، فَإِنْ أَرَدْت بِالْفِقْهِ هَذَا الْمُصْطَلَحَ زِدْت عَمَلًا عَلَى قَوْلِهِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا، وَإِنْ أَرَدْت عِلْمَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَمْ تَزِدْ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا لَمْ يَزِدْ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّمُولَ أَيْ أَطْلَقَ الْعِلْمَ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَوْ الْوِجْدَانِيَّاتِ أَوْ الْعَمَلِيَّاتِ وَمِنْ ثَمَّ سَمَّى الْكَلَامَ فِقْهًا أَكْبَرَ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خُسْرو أَنَّ الْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ آثَارِهَا التَّابِعَةِ لَهَا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَهِيَ مِنْ الْفِقْهِ اهـ. هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى الْفِقْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ فَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَمَا نَقَلَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَمِنْهُمْ الْوَلْوَالِجِيُّ بِقَوْلِهِ هَلْ رَأَيْت فَقِيهًا قَطُّ إنَّمَا الْفَقِيهُ الْمُعْرِضُ عَنْ الدُّنْيَا الزَّاهِدُ فِي الْآخِرَةِ الْبَصِيرُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَأَمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ) هُوَ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى عِلْمِ الْخِلَافِ يَعْنِي الْجَدَلَ، وَهُوَ الْعَارِفُ بِآدَابِ الْبَحْثِ قَالَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمُكْتَسِبِ لِلْخِلَافِيِّ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنَّافِي الْمُثْبِتُ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ فَعِلْمُهُ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ اهـ. وَالتَّمْثِيلُ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ وَالْمُقْتَضِي فِي الْوُضُوءِ وُجُودُ الْعَمَلِ وَالنَّافِي فِي الْوِتْرِ كَوْنُهَا صَلَاةً لَا يُؤَذَّنُ لَهَا كَذَا فِي بَعْضِ حَوَاشِيه، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ الدَّاخِلِ تَحْتَ حَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (قَوْلُهُ: وَوَضَّحَهُ الْكَمَالُ) يَعْنِي الْكَمَالَ بْنَ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِابْنِ السُّبْكِيّ (قَوْلُهُ: كَعِلْمِ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى عِلْمِهِمَا بِأَنَّ مَا أُوحِيَ إلَيْهِمَا هُوَ كَلَامُهُ تَعَالَى وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ كَذَا إلَّا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِهِ فَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ الْعِلْمِ بِالْأَدِلَّةِ لَا مُكْتَسَبٌ مِنْهَا هَذَا أَوْ قَالَ بَعْضُ: مُحَشِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَلَك أَنْ تَقُولَ حَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَزِمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَفْهُومِ بِأَسْرِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ: فِي حَوَاشِيهِ عَلَيْهِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِذَلِكَ وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْإِشْكَالِ (قَوْلُهُ: الزَّاهِدُ فِي الْآخِرَةِ) نَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ

[كتاب الطهارة]

مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الرَّوْضِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فَهُوَ مَنْ حَصَّلَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ؛ أَوْ الْمُتَفَقِّهَةُ الْمُشْتَغِلُ بِهِ اهـ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْفِقْهِ فِي اللُّغَةِ الْوُقُوفُ وَالِاطِّلَاعُ وَفِي الشَّرِيعَةِ الْوُقُوفُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ عَلَى مَعَانِي النُّصُوصِ وَإِشَارَاتِهَا وَدَلَالَاتِهَا وَمُضْمَرَاتِهَا وَمُقْتَضَيَاتِهَا وَالْفَقِيهُ اسْمٌ لِلْوَاقِفِ عَلَيْهَا وَيُسَمَّى حَافِظُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الثَّابِتَةِ بِهَا فَقِيهًا مَجَازًا لِحِفْظِ مَا ثَبَتَ بِالْفِقْهِ اهـ. ثُمَّ قَالَ ثُمَّ الْعِلْمُ أَوَّلُ مَا يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ اضْطِرَابٍ لِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ فَإِذَا دَامَتْ الرُّؤْيَةُ زَالَ الِاضْطِرَابُ فَصَارَ مَعْرِفَةً لِزِيَادَةِ الصُّحْبَةِ ثُمَّ تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ نَوْعَيْنِ الظَّاهِرُ دُونَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ وَالْبَاطِنُ الَّذِي هُوَ الْحِكْمَةُ وَبِهَا يُلْتَذُّ الْقَلْبُ إذَا صَارَ مَعْقُولًا لَهُ فَجَرَى مِنْهُ مَجْرَى الطَّبِيعَةِ فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ مَرِضْت مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى نَسِيت كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ صَارَ لِي كَالطَّبْعِ اهـ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْفِقْهُ قُوَّةُ تَصْحِيحِ الْمَنْقُولِ وَتَرْجِيحِ الْمَعْقُولِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِقْهَ فِي الْأُصُولِ عِلْمُ الْأَحْكَامِ مِنْ دَلَائِلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ الْفَقِيهُ إلَّا الْمُجْتَهِدُ عِنْدَهُمْ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْحَافِظِ لِلْمَسَائِلِ مَجَازٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِدَلِيلِ انْصِرَافِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَهَاءِ إلَيْهِمْ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّ الشَّائِعَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ الْفُرُوعَ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتْ بِدَلَائِلِهَا أَوْ لَا وَأَمَّا مَوْضُوعُهُ فَفِعْلُ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَعْرِضُ لِفِعْلِهِ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِهِ وَضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ إنَّمَا الْمُخَاطَبُ بِهَا الْوَلِيُّ لَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنْزِيلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِ، وَأَمَّا صِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا فَهِيَ عَقْلِيَّةٌ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ؛ وَلِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَيَّدْنَا بِحَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ لَا مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفُ لَيْسَ مَوْضُوعُهُ كَفِعْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُبَاحُ أَوْ الْمَنْدُوبُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فِيهِمَا لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِحَسَبِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَوْ بِحَسَبِ السَّلْبِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ تَجْوِيزَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ يَرْفَعُ الْكُلْفَةَ عَنْ الْعَبْدِ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ تُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَيُقَالُ فِعْلٌ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، وَأَمَّا وَصْفُ حُكْمِ اللَّهِ بِهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَةِ وَإِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفِعْلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ تَسْمِيَاتُهُ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى وَصْفِ الْمَفْعُولِ، فَإِنْ كَانَ وَصْفُ الْمَفْعُولِ كَوْنَهُ حَادِثًا سُمِّيَ إحْدَاثًا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا سُمِّيَ إحْيَاءً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا سُمِّيَ إمَاتَةً، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا سُمِّيَ إيجَابًا، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا سُمِّيَ تَحْلِيلًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا سُمِّيَ تَحْرِيمًا وَنَحْوُهَا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ التَّكْوِينِ وَالْمُكَوِّنِ إنَّهُمَا غَيْرَانِ عِنْدَنَا اهـ. وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ فَمِنْ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْمُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا فَتَابِعَةٌ لِلْكِتَابِ، وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فَتَابِعَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَأَمَّا تَعَامُلُ النَّاسِ فَتَابِعٌ لِلْإِجْمَاعِ وَأَمَّا التَّحَرِّي وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ فَتَابِعَانِ لِلْقِيَاسِ، وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) اعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ أُمُورِ الدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ وَالْآدَابِ فَالِاعْتِقَادَاتُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْعِبَادَاتُ خَمْسَةٌ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَالْمُعَامَلَاتُ خَمْسَةٌ: الْمُعَاوَضَاتُ الْمَالِيَّةُ وَالْمُنَاكَحَاتُ وَالْمُخَاصِمَاتُ وَالْأَمَانَاتُ وَالتَّرِكَاتُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَدَلَهُ عَنْ الْغَزْنَوِيَّة الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ (أَقُولُ) وَهَكَذَا رَأَيْته فِي إحْيَاءِ الْعُلُومِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ (قَوْلُهُ: وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إلَخْ) هَذَا لَا يُنَاسِبُ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ الَّذِي هُوَ فِي صَدَدِهِ بَلْ هُوَ مَعْنَاهُ الْأُصُولِيُّ فَتَدَبَّرْ. [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] ِ (قَوْلُهُ: وَالتَّرِكَاتُ) جَمْعُ تَرِكَةٍ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ كَمَا رَأَيْته فِي الْمُسْتَصْفَى لَا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْأَمَانَاتِ

وَالْمَزَاجِرُ خَمْسَةٌ: مَزْجَرَةُ قَتْلِ النَّفْسِ، وَمَزْجَرَةُ أَخْذِ الْمَالِ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ السِّتْرِ، وَمَزْجَرَةُ هَتْكِ الْعِرْضِ، وَمَزْجَرَةُ قَطْعِ الْبَيْضَةِ، وَالْآدَابُ أَرْبَعَةٌ: الْأَخْلَاقُ، وَالشِّيَمُ الْحَسَنَةُ، وَالسِّيَاسَاتُ وَالْمُعَاشَرَاتُ فَالْعِبَادَاتُ، وَالْمُعَامَلَاتُ، وَالْمَزَاجِرُ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَقُدِّمَ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْفِقْهِ الْعِبَادَاتُ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَزَاجِرِ؛ لِكَوْنِهَا أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ الصَّلَاةُ قُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَالِيَةُ الْإِيمَانِ وَثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَالْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [البقرة: 3] وَكَحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ثُمَّ قُدِّمَتْ الطَّهَارَةُ هُنَا عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا وَخَصَّهَا بِالْبُدَاءَةِ دُونَ سَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ وَتَعْلِيلُهُمْ لِلْأَهَمِّيَّةِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ أَصْلًا لَا يَخُصُّهَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ لِلصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهَا، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ فَتَخْرُجُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِصْحَابُهَا لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا بَلْ مِنْ خَصَائِصِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا ثُمَّ كِتَابُ الطَّهَارَةِ مُرَكَّبٌ إضَافِيٌّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ جُزْأَيْهِ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ فَالْكِتَابُ لُغَةً مَصْدَرُ كَتَبَ كِتَابَةً وَكِتْبَةً وَكِتَابًا بِمَعْنَى الْكَتْبِ، وَهُوَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَسُمِّيَ بِهِ الْمَفْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ تَقُولُ كَتَبْت الْبُلْغَةَ إذَا جَمَعْت بَيْنَ رَحِمِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ وَكَتَبْت الْقِرْبَةَ إذَا خَرَزْتهَا كَتْبًا وَالْكُتْبَةُ بِالضَّمِّ الْخَزْرَةُ وَالْجَمْعُ كُتَبٌ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْكَتِيبَةُ الْجَيْشُ الْمُجْتَمِعُ، وَتَكَتَّبَتْ الْخَيْلُ أَيْ تَجَمَّعَتْ وَسُمِّيَتْ الْكِتَابَةُ كِتَابَةً؛ لِأَنَّهَا جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَجَمْعُهُ كُتُبٌ بِضَمَّتَيْنِ وَكُتْبٌ بِسُكُونِ التَّاءِ وَمَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى الْجَمْعِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَقَوْلُهُمْ سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ مُكَاتَبَةً؛ لِأَنَّهُ ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا: هَذَا الْوَفَاءُ، وَهَذَا الْأَدَاءُ انْتَهَى، وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِجَوَازِهَا حَالَّةً وَضَعْفُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ تَحْصُلْ حُرِّيَّةُ الرَّقَبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَفِي الِاصْطِلَاحِ جَمْعُ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَخَرَجَ جَمْعُ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسَائِلَ وَخَرَجَ الْبَابُ وَالْفَصْلُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ كِتَابٍ وَشَمِلَ مَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ الْمَسَائِلِ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ أَوْ أَنْوَاعًا كَكِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً لِيَدْخُلَ مَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بَلْ اُعْتُبِرَ مُسْتَقِلًّا كَكِتَابِ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْلَالِ عَدَمُ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْمَسَائِلِ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهَا وَلَا شَيْءٍ بَعْدَهَا وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ كَذَلِكَ لَا الْأَصَالَةُ وَعَدَمُ التَّبَعِيَّةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لِخُصُوصِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ وَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ لِلشَّمْلِ وَالْإِحَاطَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَيْسَ هُوَ هُنَا وَضْعًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعٌ عُرْفِيٌّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كِتَابًا إلَّا إذَا أَحَاطَ بِمَسَائِلِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَشَمِلَهَا وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ فَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالطَّهَارَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْفِعْلُ لُغَةً، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَبِكَسْرِهَا الْآلَةُ وَبِضَمِّهَا فَضْلُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَاصْطِلَاحًا زَوَالُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ وَالْحَدَثُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ وَهُوَ طَبْعِيٌّ كَالْمَاءِ وَشَرْعِيٌّ كَالتُّرَابِ وَالْخَبَثُ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَكَلِمَةُ أَوْ فِي الْحَدِّ لَيْسَتْ لِمَنْعِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا إزَالَةُ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الزَّوَالِ بِدُونِ الْإِزَالَةِ كَمَا إذَا وَقَعَ الْمَطَرُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَيْسَ بِإِزَالَةٍ لِعَدَمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمَزْجَرَةُ قَطْعِ الْبَيْضَةِ) أَيْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ رَمْلِيٌّ وَاَلَّذِي فِي الْمُسْتَصْفَى خَلْعِ الْبَيْضَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الرِّدَّةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَبَيْضَةُ الْإِسْلَامِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِبَيْضَةِ النَّعَامَةِ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الْوَلَدِ وَكَلِمَةُ الشَّهَادَةِ مَجْمَعُ الْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالْبَيْضَةُ لِلنَّعَامَةِ وَكُلِّ طَائِرٍ ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ لِبَيْضَةِ الْحَدِيدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّبَهِ الشَّكْلِيِّ وَقِيلَ بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ لِلشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ أَنَّهَا مُجْتَمَعُهُ كَمَا أَنَّ تِلْكَ مُجْتَمَعُ الْوَلَدِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَذَلِكَ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّيَّةَ وَالطَّهَارَةَ لَا يَسْقُطَانِ بِهِ بَلْ قَدْ يَسْقُطَانِ بِهِ أَمَّا النِّيَّةُ فَفِي الْقُنْيَةِ مَنْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ مَا دَخَلَ الْوَقْتُ سَقَطَتْ عَنْهُ الطَّهَارَةُ بِهَذَا الْعُذْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْلِيلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّجْمَيْنِ ضَعِيفًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: غَيْرُ خَافٍ أَنَّ حُرِّيَّةَ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَكِنَّ الْفَقْدَ سَبَبُهَا وَالْأَصْلُ فِيهَا التَّنْجِيمُ فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ الْجَمْعُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَانِي أَوْ قَدْ أَمْكَنَ الْحَقِيقِيُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا يَعْنِي وَثِيقَةً جَمَعَ الْحُرُوفَ فِيهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّعِيفِ أَوْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكْتُبُ وَثِيقَةً، وَهَذَا أَظْهَرُ

[سبب وجوب الطهارة]

الصُّنْعِ مِنْهُ وَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَبِدُونِ الزَّوَالِ الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ إزَالَةِ الْآثَارِ الْحَاصِلَةِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ طَهَارَةً مَجَازٌ وَالتَّعْرِيفُ لِلْحَقِيقَةِ وَعَرَّفَهَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يَدْخُلُهُ فَقَالَ إيصَالُ مُطَهِّرٍ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوْ يُنْدَبُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُصُولِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِزَالَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ، وَهُوَ تَوَقُّفُ مُطَهِّرٍ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَهِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ التَّعْرِيفِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَعْرِيفَهَا بِالزَّوَالِ الْمَذْكُورِ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ فَقَالَ الطَّهَارَةُ لُغَةً وَشَرْعًا هِيَ النَّظَافَةُ وَالتَّطْهِيرُ التَّنْظِيفُ، وَهُوَ إثْبَاتُ النَّظَافَةِ فِي الْمَحَلِّ، فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُهَا بِوُجُودِ ضِدِّهَا، وَهُوَ الْقَذَرُ فَإِذَا أَزَالَ الْقَذَرَ أَيْ امْتَنَعَ حُدُوثُهُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ الْقَذِرَةِ تَحْدُثُ النَّظَافَةُ فَكَانَ زَوَالُ الْقَذَرِ مِنْ بَابِ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ حُدُوثِ الطَّهَارَةِ لَا أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَهَارَةً تَوَسُّعًا لِحُدُوثِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ زَوَالِهِ اهـ. وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِهَا فَقِيلَ الْحَدَثُ وَالْخَبَثُ وَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَهْلِ الطَّرْدِ قَالُوا لِلدَّوَرَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَعَزَاهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إلَيْهِمْ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَصْلِ وَيَبْعُدُ صِحَّتُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ وُجُودًا غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْحَدَثُ وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لِمَا نَقَلَهُ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَكَذَا فِي الْغُسْلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِيهِ أَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَحِينَئِذٍ لَمْ يَتَخَلَّفْ الدَّوَرَانُ وَرُدَّ أَيْضًا بِإِنَّهُمَا يُنْقِضَانِهَا فَكَيْفَ يُوجِبَانِهَا وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُمَا يُنْقِضَانِ مَا كَانَ وَيُوجِبَانِ مَا سَيَكُونُ فَلَا مُنَافَاةَ. وَأَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ السِّيرَامِيُّ بِأَنَّ الْحَدَثَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُوبِ وَالْوُجُوبُ إلَى الْوُجُودِ وَالْمُفْضِي إلَى الْمُفْضِي إلَى الشَّيْءِ مُفْضٍ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَالْحَدَثُ مُفْضٍ إلَى وُجُودِ الطَّهَارَةِ وَوُجُودُهَا مُفْضٍ إلَى زَوَالِ الْحَدَثِ، فَالْحَدَثُ مُفْضٍ إلَى زَوَالِ نَفْسِهِ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ السَّبَبِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِدَلِيلِ الْجَعْلِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّجْوِيزِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ اهـ. وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ لِمَا رَوَاهُ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ إلَّا عَنْ حَدَثٍ» وَحَرْفُ عَنْ يَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ «أَدَّوْا عَمَّنْ تَمُونُونَ» ؛ وَلِذَا كَانَ الرَّأْسُ بِوَصْفِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا دَلَّ عَلَى عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْحَدَثِ لِلسَّبَبِيَّةِ كَانَ دُخُولُ عَنْ عَلَى الْحَدَثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالسَّبَبِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّوَقُّفِ وَالتَّكَرُّرُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ الصَّلَاحِيَّةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ، فَلَا تَدُلُّ وَقِيلَ سَبَبُهَا إقَامَةُ الصَّلَاةِ فَهُوَ، وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَدْ نَسَبَهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَصَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِفَسَادِهِ لِصِحَّةِ الِاكْتِفَاءِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لِصَلَوَاتٍ مَا دَامَ مُتَطَهِّرًا وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ سَبَبٌ بِشَرْطِ الْحَدَثِ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ خُصُوصًا أَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَقِيلَ سَبَبُهَا إرَادَةُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَثِمَ، وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ الظِّهَارِ بِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ فَإِذَا رَجَعَ وَتَرَكَ التَّنَفُّلَ سَقَطَتْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِهَا وَفِي الْعِنَايَةِ سَبَبُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ لَا وُجُودُهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمُتَقَدِّمِ اهـ. يَعْنِي: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا هُوَ السَّبَبَ بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ نَحْوَ طَهَارَةِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمَارَةِ السَّبَبِيَّةِ لَكِنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَكِنَّهُ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيَّقًا وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ سَبَبِهَا وُجُوبَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ كَافٍ لِلسَّبَبِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ مُشْكِلٌ لِعَدَمِ شُمُولِهِ سَبَبَ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ النَّافِلَةِ إذْ لَا وُجُوبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: بِالزَّوَالِ وَالْمَذْكُورِ) أَيْ بِزَوَالِ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ. [سَبَبُ وُجُوب الطَّهَارَةُ] (قَوْلُهُ: قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ أَوْ إبْدَالٌ لَفْظَةِ قَبْلَ بِلَفْظَةِ بَعْدَ لِيُنَاسِبَ مَا بَعْدَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ السِّيرَامِيُّ) أَيْ عَنْ دَفْعِ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ فَهُوَ تَأْيِيدٌ لِلرَّدِّ السَّابِقِ وَحَاصِلُهُ لُزُومُ إفْضَاءِ الشَّيْءِ إلَى زَوَالِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ: لِصَلَوَاتٍ مَا دَامَ مُتَطَهِّرًا) مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيه ذَلِكَ بَلْ كُلَّمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ تَجِبُ الطَّهَارَةُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ:. وَاعْلَمْ أَنَّ أَثَرَ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي نَحْوِ التَّعَالِيقِ نَحْوُ إنْ وَجَبَ عَلَيْك طَهَارَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ دُونَ الْإِثْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ ذَكَرَهُ فِي التَّوْشِيحِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي السِّرَاجِ مِنْ إثْبَاتِ الثَّمَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ بَلْ وُجُوبُهَا مُوَسَّعٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مَضِيقًا هَذِهِ الْقَوْلَةُ قَدْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ بِهَامِشِ الْبَحْرِ

[أحكام الوضوء]

هُنَا لِيَكُونَ سَبَبًا لِلطَّهَارَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْإِرَادَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَيَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِتَرْكِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ أَوْ هُوَ الْإِرَادَةُ الْمُسْتَلْحِقَةُ لِلشُّرُوعِ فَلَا يَرِدُ مَا ذُكِرَ عَلَيْهَا. وَأَرْكَانُهَا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَفِي الْأَكْبَرِ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَفِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمَرْئِيَّةِ إزَالَةُ عَيْنِهَا وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ غَسْلُ مَحَلِّهَا ثَلَاثًا وَالْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْعَصِرُ وَالتَّجْفِيفُ فِي كُلِّ مَا لَا يَنْعَصِرُ وَحُكْمُهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ مِنْ حُكْمِهَا الثَّوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِيهَا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا وَآلَتُهَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالْمُلْحَقُ بِهِمَا وَأَنْوَاعُهَا كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي مُفَصَّلَةً وَمَحَاسِنُهَا شَهِيرَةٌ. [أَحْكَام الْوُضُوء] [فَرَائِض الْوُضُوء] وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا صَرِيحَةً فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى شُرُوطِ وُجُوبٍ وَشُرُوطِ صِحَّةٍ، فَالْأُولَى تِسْعَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَوُجُودُ الْحَدَثِ وَوُجُودُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورُ الْكَافِي وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَعَدَمُ الْحَيْضِ، وَعَدَمُ النِّفَاسِ وَتَنْجِيزُ خِطَابِ الْمُكَلَّفِ كَضِيقِ الْوَقْتِ، وَالثَّانِيَةُ أَرْبَعَةٌ: مُبَاشَرَةُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَانْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُ النِّفَاسِ وَعَدَمُ التَّلَبُّسِ فِي حَالَةِ التَّطْهِيرِ بِمَا يَنْقُضُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِذَلِكَ اهـ. وَالْإِضَافَةُ فِيهِ بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا لَا يَخْفَى وَجَعْلُهَا بِمَعْنَى مِنْ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ ضَابِطَهَا كَمَا فِي التَّسْهِيلِ صِحَّةُ تَقْدِيرِهَا مَعَ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْكِتَابُ طَهَارَةٌ (قَوْلُهُ: فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ وَجْهِهِ) قَدَّمَهُ عَلَى الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ أَكْثَرُ؛ وَلِأَنَّ مَحَلَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْغُسْلِ أَوْ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْضِ لُغَةً فَفِي الصِّحَاحِ الْفَرْضُ الْحَزُّ فِي الشَّيْءِ وَالْفَرْضُ جِنْسٌ مِنْ التَّمْرِ وَالْفَرْضُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا اهـ. وَفِي التَّلْوِيحِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ وَالْإِيجَابِ وَذَهَبَ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّقْدِيرِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى يُقَالُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إذَا قَدَّرَهَا اهـ وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَفِي التَّحْرِيرِ الْفَرْضُ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ مِنْ فَرْضٍ قَطْعً. اهـ. وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ مَا لَزِمَ فِعْلُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَعَرَّفَهُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرَادَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَظْهَرُ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي نُكَتِهِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ أَنَّهُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا اهـ. ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْثَمَ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ الْوَقْتِيَّةَ فِيهِ بَلْ عَلَى تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَأَنَّهُ إذَا أَرَادَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ اهـ. فَتَأَمَّلْ. [أَرْكَانُ الطَّهَارَة] (قَوْلُهُ: وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى شُرُوطِ وُجُوبٍ وَشُرُوطِ صِحَّةٍ إلَخْ) وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ بِقَوْلِي شُرُوطُ الْوُجُوبِ تِسْعَةٌ تَمَامُ ... الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَنَفْيُ حَيْضٍ وَانْتِفَا النِّفَاسِ ... وَحَدَثٌ وَضِيقُ وَقْتِ النَّاسِ وَمُطْلَقُ الْمَاءِ الطَّهُورِ الْكَافِي ... وَقُدْرَةُ اسْتِعْمَالِهِ الْمُوَافِي وَشُرُوطُ صِحَّةٍ وَذَاكَ أَرْبَعُ ... فَقْدُ النِّفَاسِ ثُمَّ حَيْضٌ يُقْطَعُ وَأَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ كُلَّ الْأَعْضَا ... ثُمَّ انْتِفَاءُ مَا يُفِيدُ النَّقْضَا (قَوْلُهُ: فَرْضُ الْوُضُوءِ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَلَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنَّمَا الْخَاصُّ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ اهـ. وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا ابْنِ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ: الْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَنُوزِعَ بِمَا وَرَدَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَالْأَصْلُ فِيمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ أُمَمِهِمْ وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ إنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْأُمَمِ لَا لِأَنْبِيَائِهِمْ لَكِنْ يُنَافِيه مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قِصَّةِ سَارَةُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا هَمَّ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا قَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَمِنْ قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ أَنَّهُ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ هَذَا الْوُضُوءُ وَالْمَخْصُوصُ وَمِنْهُ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا ذُكِرَ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ تَأَمَّلْ فَرُبَّمَا رَجَعَ حَاصِلُ هَذَا لِلْأَوَّلِ. اهـ. رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَفِي التَّحْرِيرِ الْفَرْضُ مَا قُطِعَ بِلُزُومِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِشُمُولِهِ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ وَالنَّوَافِلِ الثَّابِتِينَ بِدَلِيلٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَالْمُخْتَارُ فِي تَعْرِيفِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ أَنَّهُ الْحُكْمُ الَّذِي ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَاسْتَحَقَّ تَارِكُهُ كُلِّيًّا بِلَا عُذْرٍ الْعِقَابَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الثُّبُوتِ فِي قَوْلِ الْبَعْضِ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ إلَخْ عَلَى اللُّزُومِ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ مَانِعًا فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ اهـ. قُلْت: وَقَدْ كَتَبْت فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلْحَصْكَفِيِّ أَنَّ مَا ذَكَرَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَإِنَّ شُبْهَةً نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَعَمَّتْ الشُّبْهَةُ ثُبُوتًا وَدَلَالَةً فَلَا بُدَّ فِي دَلِيلِ الْفَرْضِ مِنْ قَطْعِيَّتِهِمَا وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهِمَا مِنْ مَنَافِعِنَا لَا عَلَيْنَا وَأَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ثَبَتَتْ لِلْفَرْضِيَّةِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْ مَا ثَبَتَتْ قَطْعِيَّتُهُ وَمَا ذُكِرَ ثَبَتَ إبَاحَتُهُ وَنَدْبُهُ

الْكَافِي بِمَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ، وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْضٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ الْمِقْدَارُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ لَكِنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ مُوجِبٌ لِلدَّوْرِ وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَحِقَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا إلَى الْمُجْمَلِ دُونَ الْبَيَانِ وَالْمُجْمَلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ. اهـ. وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ وَسَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، وَهُوَ فِي قُوَّةِ الْقَطْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَالْمُقَدَّرُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِكَمَالِهِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ الظَّنِّيِّ الْقَوِيِّ الْمُثْبِتِ لِلْفَرْضِ، وَبَيْنَ الظَّنِّيِّ الْمُثْبِتِ لِلْوَاجِبِ اصْطِلَاحًا خُصُوصُ الْمَقَامِ وَلَيْسَ إكْفَارُ جَاحِدِ الْفَرْضِ لَازِمًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْجَاحِدَ مَنْ لَا يَكُونُ مُؤَوِّلًا وَمُوجِبُ الْأَقَلِّ أَوْ الِاسْتِيعَابِ مُؤَوِّلٌ يَعْتَمِدُ شُبْهَةً قَوِيَّةً وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَمْ يُكَفَّرُوا بِمَا مَنَعُوا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ فِي نَظَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِتَأْوِيلِهِمْ اهـ. وَأَمَّا غَسْلُ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ فَفَرْضِيَّتُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ وَكَذَا الْعُقْدَةُ الْأَخِيرَةُ لَا بِفِعْلِهِ فِي الْأَوَّلِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الثَّانِي وَلَا بِمَا قِيلَ فِي الْغَايَةِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ لِالْتِقَائِهِمَا فِي مَعْنَى اللُّزُومِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إذْ لَا وَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَلْ يَحْصُلُ بِتَرْكِهِ النُّقْصَانَ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْوَاجِبِ الَّذِي يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ وَالْفُرُوضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ إذْ الْفَرْضُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْوُضُوءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ وَقَدْ وَضُؤَ يَوْضُؤُ وَضَاءَةً فَهُوَ وَضِيءٌ كَذَا فِي طِلْبَةِ الطَّلَبَةِ وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّهُ بِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ اهـ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ وَالْغَسْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ إزَالَةُ الْوَسَخِ عَنْ الشَّيْءِ وَنَحْوِهِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ لُغَةً وَبِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، هُوَ الْإِسَالَةُ مَعَ التَّقَاطُرِ، وَلَوْ قَطْرَةً حَتَّى لَوْ لَمْ يَسِلْ الْمَاءُ بِأَنْ اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالثَّلْجِ وَلَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ يَنْبَغِي لِلْمُتَوَضِّئِ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ بِالْمَاءِ شِبْهَ الدُّهْنِ ثُمَّ يَسِيلُ الْمَاءُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الشِّتَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ مُجَرَّدُ بَلِّ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ ثُمَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الدَّلْكُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَحَدُّهُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ وَالضَّمِيرُ فِي وَجْهِهِ عَائِدٌ إلَى الْمُتَوَضِّئِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْوُضُوءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ فَرْضًا حَقِيقِيَّةٌ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي شَرْحِ الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْفَرْضَ الْقَطْعِيَّ يُقَالُ عَلَى مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ أَصْلًا كَحُكْمٍ يَثْبُتُ بِمُحْكَمِ الْكِتَابِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ وَيُسَمَّى بِالْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ وَيُقَالُ لَهُ الْوَاجِبُ وَعَلَى مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ كَمَا ثَبَتَ بِالظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وَالْمَشْهُورِ وَيُسَمَّى بِالظَّنِّيِّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ مَا هُوَ لَازِمٌ فِي زَعْمِ الْمُجْتَهِدِ كَمِقْدَارِ الْمَسْحِ وَيُسَمَّى بِالْفَرْضِ الظَّنِّيِّ وَمَا هُوَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ كَالْفَاتِحَةِ وَيُسَمَّى بِالْوَاجِبِ اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّ الْفَرْضَ نَوْعَانِ قَطْعِيٌّ وَظَنِّيٌّ عَلَى زَعْمِ الْمُجْتَهِدِ اهـ. وَلَا يَخْفَى مُخَالَفَتُهُ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ الْحُكْمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْفَرْضُ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ تَارِكُهُ الْعِقَابَ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ إلَخْ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْفَرْضُ فَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عِلْمًا بِالْعَقْلِ وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَعَمَلًا بِالْبَدَنِ، وَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الشَّرَائِعِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَيَفْسُقُ تَارِكُهُ بِلَا عُذْرٍ وَأَمَّا حُكْمُ الْوُجُوبِ فَلُزُومُهُ عَمَلًا بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ لَا عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ لِمَا فِي دَلِيلِهِ مِنْ الشُّبْهَةِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَيَفْسُقَ تَارِكُهُ وَهَكَذَا فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ كَالْمُغْنِي وَالْمُنْتَخَبِ وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّلْوِيحِ وَالتَّحْرِيرِ وَالْمَنَارِ وَغَيْرِهَا وَفِي التَّصْرِيحِ ثُمَّ اسْتِعْمَالُ الْفَرْضِ فِيمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وَالْوَاجِبِ فِيمَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَقَوْلِهِمْ الْوِتْرُ وَاجِبٌ فَرْضٌ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسَمَّى فَرْضًا عَمَلِيًّا وَكَقَوْلِهِمْ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَفْظُ الْوَاجِبِ أَيْضًا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ فَرْضٌ عِلْمًا وَعَمَلًا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ كَالْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَمْنَعَ تَذَكُّرُهُ صِحَّةَ الْفَجْرِ كَتَذَكُّرِ الْعِشَاءِ وَعَلَى ظَنِّيٍّ هُوَ دُونَ الْفَرْضِ فِي الْعَمَلِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ كَتَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى لَا تَفْسُدَ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا لَكِنْ يَجِبُ سَجْدَةُ السَّهْوِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَحَدُّهُ) أَيْ الدَّلْكِ

(قَوْلُهُ، وَهُوَ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ) أَيْ الْوَجْهُ وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مَقْطَعُهُ وَمُنْتَهَى مَنْبَتِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ أَوْ حَوَالَيْهِ، وَهُوَ مُثَلَّثُ الْقَافِ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا وَفِي الصِّحَاحِ ذَقَنُ الْإِنْسَانِ مُجْتَمَعُ لَحْيَيْهِ. اهـ. وَاللَّحْيُ مَنْبِتُ اللِّحْيَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ لَحَوِيٌّ، وَهُمَا لِحْيَانَ وَثَلَاثَةُ أَلْحٍ عَلَى أَفْعِلَ إلَّا إنَّهُمْ كَسَرُوا الْحَاءَ لِتَسْلَمَ الْيَاءُ وَالْكَثِيرُ لُحَيٌّ عَلَى فُعُولٍ وَفِي الْمُغْرِبِ اللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ. اهـ. وَهَذَا الْحَدُّ لِلْوَجْهِ مَرْوِيٌّ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ، وَلَمْ يُذْكَرْ حَدُّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا تَحْدِيدٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يُنْبِئُ عَنْهُ اللَّفْظُ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ اسْمٌ لِمَا يُوَاجِهُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَوْ مَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ فِي الْعَادَةِ وَالْمُوَاجَهَةُ تَقَعُ بِهَذَا الْمَحْدُودِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ، فَإِذَا نَبَتَ الشَّعْرُ يَسْقُطُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَثِيفًا كَانَ الشَّعْرُ أَوْ خَفِيفًا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَاجَهُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الْحَاجِبِينَ وَالشَّارِبِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْخَفِيفَةِ الَّتِي لَا تُرَى بَشَرَتُهَا أَمَّا الَّتِي تُرَى بَشَرَتُهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ شَعْرِ الشَّارِبِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَبْدُو مَنَابِتُ الشَّعْرِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ مِنْ الْآدَابِ وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ كَالْحَاجِبِينَ، وَأَمَّا الشَّفَةُ فَقِيلَ تَبَعٌ لِلْفَمِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مَا انْكَتَمَ عِنْدَ انْضِمَامِهِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُ وَمَا ظَهَرَ فَلِلْوَجْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى لَا تُغْسَلُ الْعَيْنُ بِالْمَاءِ وَلَا بَأْسَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مُغْمِضًا عَيْنَيْهِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: إنَّ غَمْضَ عَيْنَيْهِ شَدِيدًا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ رَمِدَتْ عَيْنُهُ فَرَمِصَتْ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ تَحْتَ الرَّمَصِ إنْ بَقِيَ خَارِجًا بِتَغْمِيضِ الْعَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْمُغْرِبِ الرَّمَصُ مَا جَمَدَ مِنْ الْوَسَخِ فِي الْمُوقِ وَالْمُوقُ مُؤْخِرُ الْعَيْنِ وَالَمَاقُ مَقْدِمُهَا اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ النَّزَعَتَانِ، وَهُوَ مَا انْحَسَرَ مِنْ الشَّعْرِ مِنْ جَانِبَيْ الْجَبْهَةِ إلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ اهـ. وَالنَّزَعَةُ بِالْفَتْحِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَدَمُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ وَفِي تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَحَدُّ الْوَجْهِ فِي الطُّولِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. اهـ. لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَغَمُّ وَالْأَصْلَعُ؛ لِأَنَّ الْأَغَمَّ الَّذِي عَلَى جَبْهَتِهِ شَعْرٌ لَا يَكْفِي غَسْلُهُ مِنْ قُصَاصِ شَعْرِهِ وَالْأَصْلَعُ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ إلَى وَسَطِ رَأْسِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ مِنْ قُصَاصِ شَعْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِالْخِلَافِ فِيهِ، فَقِيلَ إنْ قَلَّ فَمِنْ الْوَجْهِ وَإِنْ كَثُرَ فَمِنْ الرَّأْسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ حَتَّى جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ عِذَارُ اللِّحْيَةِ جَانِبَاهَا، وَشَحْمَهُ الْأُذُنِ مَا لَانَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) أَيْ مَعَ مِرْفَقَيْهِ فَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى مَعَ نَحْوَ {اهْبِطْ بِسَلامٍ} [هود: 48] أَيْ مَعَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى مَعَ وَبَيْنَ الْبَاءِ أَنَّ مَعَ لِابْتِدَاءِ الْمُصَاحَبَةِ وَالْبَاءَ لِاسْتِدَامَتِهَا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي بَحْثِ الْقِيَاسِ وَالْمِرْفَقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَفِيهِ الْعَكْسُ اسْمٌ لِمُلْتَقَى الْعَظْمَاتِ: عَظْمِ الْعَضُدِ وَعَظْمِ الذَّارِعِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْيَدَ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ إذَا لَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ نَهْرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ الْوَجْهُ) تَفْسِيرٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ قَالَ الرَّمْلِيُّ (فَائِدَةٌ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ بِأَيٍّ وَالتَّفْسِيرِ بِيَعْنِي أَنَّ التَّفْسِيرَ بِأَيٍّ لِلْبَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ وَالتَّفْسِيرُ بِيَعْنِي لِدَفْعِ السُّؤَالِ وَإِزَالَةِ الْوَهْمِ. اهـ. وَهَذَا أَغْلَبِيٌّ وَاصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَإِلَّا فَبَعْضُهُمْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي حَوَاشِي ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْخَفِيفَةِ) تَأْوِيلٌ لِقَوْلِ الْبَدَائِعِ أَوْ خَفِيفًا لِإِيهَامِهِ عَدَمَ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ الَّتِي تَرَى بَشَرَتَهَا كَيْفَ وَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ وَفِي قَوْلِ الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا إلَخْ إشَارَةً إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ عَنْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ لَا أَنَّهُ قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَقَالَ بَدَلَ عَنْ وَعِنْدَ (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) قِيلَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمِرْفَقَيْهِ بِيَدَيْهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي النَّحْوِ أَنَّ مَدْخُولَ مَعَ هُوَ الْمَتْبُوعُ تَقُولُ جَاءَ زَيْدٌ مَعَ السُّلْطَانِ لَا عَكْسُهُ لَكِنْ نُقِلَ فِي الْأَطْوَالِ أَنَّ دُخُولَ مَعَ شَاعٍ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَمَا هُنَا إمَّا أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى غَيْرِ الشَّائِعِ أَوْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَتْبُوعِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ مُبَالَغَةً فِي الْأَنْكَارِ عَلَى الْمُخَالِفِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ فَهَذِهِ الْإِشَارَةُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ إذْ كَوْنُ الْبَاءِ بِمَعْنَى مَعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ إلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَاهَا حَتَّى يَرِدَ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا بَاقِيَةً عَلَى مَعْنَاهَا وَأَنَّ مَا فَوْقَ الْمَرَافِقِ خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ اغْسِلْ جَسَدَك

رُءُوسِ الْأَصَابِعِ لِلْمَنْكِبِ، فَإِذَا كَانَتْ إلَى بِمَعْنَى مَعَ وَجَبَ الْغَسْلُ إلَى الْمَنْكِبِ؛ لِأَنَّهُ كَاغْسِلْ الْقَمِيصَ وَكُمَّهُ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ كَإِفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ إذْ هُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى بَعْضِ مُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ بِتَعْلِيقِ عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ كَانَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمِرْفَقُ مُلْتَقَى الْعَظْمَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الذَّارِعِ وَلَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ وَجَبَ غَسْلُ الْمِرْفَقِ احْتِيَاطًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذِّرَاعِ لِيَجِبَ غَسْلُ مَا لَازَمَهُ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْيَدِ إلَى الْمِرْفَقِ وَمَا بَعْدَ إلَى لَمَّا لَمْ يَدْخُلْ جُزْآهُمَا الْمُلْتَقِيَانِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الدُّخُولَ وَاحْتَمَلَ الْخُرُوجَ صَارَ مُجْمَلًا وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ عَدَمَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ الْإِجْمَالَ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الدَّلَالَةَ الْمُتَشَبِّهَةُ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ فِعْلِهِ دَلِيلُ السُّنَّةِ وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ، وَقَدْ لَا تَدْخُلُ فَتَدْخُلُ احْتِيَاطًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ لَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَالِاحْتِيَاطُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلِينَ، وَهُوَ فَرْعُ تَجَاذُبِهِمَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ غَايَةٌ لِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُسْقِطِينَ إلَى الْمَرَافِقِ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِاغْسِلُوا وَتَعَلُّقُهُ بِمُقَدَّرٍ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِلَا مُلْجِئٍ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِسْقَاطُ، وَهُوَ لَا يُوجِبُهُ عَمَّا فَوْقَ الْمِرْفَقِ بَلْ عُمِلَ قَبْلَهُ بِاللَّفْظِ إذْ يَحْتَمِلُ أَسْقِطُوا مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْمِرْفَقِ أَوْ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ غَايَةِ الْإِسْقَاطِ وَبَيْنَ غَايَةِ الْمَدِّ بِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا بَعْدَ إلَى، فَهِيَ لِلْإِسْقَاطِ كَمَسْأَلَتِنَا، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمَدِّ نَحْوَ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ لِانْتِقَاضِهِ بِالْغَايَةِ فِي الْيَمِينِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ لَا يَدْخُلُ الْعَاشِرُ مَعَ تَنَاوُلِ الصَّدْرِ لَهُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَكَذَلِكَ رَأْسُ السَّمَكَةِ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ السَّمَكَةَ إلَى رَأْسِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُ مَعَ التَّنَاوُلِ الْمَذْكُورِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَمِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيّ وَالتَّفْتَازَانِي مِنْ أَنَّ إلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا عَنْهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ فَمَا فِيهِ دَلِيلُ الْخُرُوجِ قَوْله تَعَالَى {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] وَمِمَّا فِيهِ دَلِيلُ الدُّخُولِ آيَةُ الْإِسْرَاءِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُسْرَى بِهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَقَالُوا بِدُخُولِهِمَا احْتِيَاطًا إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ غَسْلِهِمَا فَلَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُفِيدُهُ وَتَقَدَّمَ مَنْعُ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَقُّ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرُوهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِرَاضِ، فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ: لَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَهَذَا مِنْهُ حِكَايَةٌ لِلْإِجْمَاعِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا فَزُفَرٌ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ وَكَذَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُ أَشْهَبُ كَلَامًا مُحْتَمِلًا وَحُكْمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى التَّرْقُوَةِ مَثَلًا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ غَسْلُ الْجَمِيعِ بَلْ الَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ أَنَّ الْمَغْسُولَ مَا تَحْتَهَا لِتَعَذُّرِ غَسْلِ مَا فَوْقَهَا دُونَهَا وَدُونَ مَا تَحْتِهَا إذْ يَحْتَاجُ إلَى غَايَةِ التَّكَلُّفِ فَهُوَ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ يُفْهَمُ مِنْهُ غَسْلُ الْأَيْدِي مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَرَافِقِ لَا مِنْ الْمَنْكِبِ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ إلَى بِمَعْنَى مَعَ نَعَمْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الْغَايَةِ وَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أُخْرِجَ كَانَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) أَيْ عِنْدَنَا كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاهِيمِ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَقُولُ: كَيْفَ يُمْكِنُ إخْرَاجُ غَيْرِهِ مَعَ تَنْصِيصِ الْحُكْمِ عَلَى الْكُلِّ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ قَوْلَك اضْرِبْ الْقَوْمَ مَعَ زَيْدٍ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ زَيْدٍ لَيْسَ مَأْمُورًا بِضَرْبِهِ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ نَعَمْ لَوْ قِيلَ اضْرِبْ زَيْدًا وَاقْتَصَرَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى ذَلِكَ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِجَامِدٍ كَفِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ كَمَا فِي التَّحْرِيمِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى آخِرِ هَذَا الْبَحْثِ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِذَلِكَ أَقُولُ: مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ هُنَا هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ وَمَا نَسَبَهُ إلَى الْهِدَايَةِ سَهْوًا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا رَدٌّ لِقَوْلِ زُفَرَ الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا يَعْنِي فَهِيَ دَاخِلَةٌ وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِاغْسِلُوا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالنَّقْضُ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ أَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي اللُّغَةِ وَالْأَيْمَانُ مُبِينَةٌ عَلَى الْعُرْفِ نَعَمْ يَرِدُ النَّقْضُ بِمِثْلِ قَرَأْت الْقُرْآنَ إلَى سُورَةِ كَذَا وَالْهِدَايَةِ إلَى كِتَابِ كَذَا، فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهِمَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا مَعَ تَنَاوُلِ الصَّدْرِ لَهَا وَقَوْلُهُ وَالْأَوْلَى إلَخْ مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ الْفُرُوضُ الْعَمَلِيَّةُ لَا تَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهَا إلَى الْقَاطِعِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لَا يَكُونُ حِكَايَةً لِلْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ غَيْرُهُ مَحْجُوجًا بِهِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ لَا خِلَافَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ وَوُجِدَ الرِّضَا مِنْ الْكُلِّ نَصًّا كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَأَمَّا إذَا نَصَّ الْبَعْضُ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ لَا عَنْ خَوْفٍ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْقَوْلِ فَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إجْمَاعًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا أَقُولُ: إنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَكِنْ أَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا اهـ

الْكَعْبَيْنِ كَالْمِرْفَقَيْنِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَظْفَارِهِ دَرَنٌ أَوْ طِينٌ أَوْ عَجِينٌ أَوْ الْمَرْأَةُ تَضَعُ الْحِنَّاءَ جَازَ فِي الْقَرَوِيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَلَوْ لُصِقَ بِأَصْلِ ظُفْرِهِ طِينٌ يَابِسٌ وَبَقِيَ قَدْرُ رَأْسِ إبْرَةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْغَسْلِ لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ إنْ كَانَ ضَيِّقًا فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ نَزْعُهُ أَوْ تَحْرِيكُهُ بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ شَيْءٌ سَقَطَ الْغُسْلُ، وَلَوْ بَقِيَ وَجَبَ، وَلَوْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَبَ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ خُلِقَ لَهُ يَدَانِ عَلَى الْمَنْكِبِ فَالتَّامَّةُ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ يَجِبُ غَسْلُهَا، وَالْأُخْرَى زَائِدٌ فَمَا حَاذَى مِنْهَا مَحَلَّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهُ وَمَا لَا فَلَا يَجِبُ بَلْ يُنْدَبُ غَسْلُهُ وَكَذَا يَجِبُ غَسْلُ مَا كَانَ مُرَكَّبًا عَلَى الْيَدِ مِنْ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالْكَفِّ الزَّائِدَةِ وَالسَّلْعَةِ وَكَذَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُلْتَحِمَةً (قَوْلُهُ: وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) أَيْ مَعَ كَعْبَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ أَيْ الْمُرْتَفِعَانِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ قَالُوا هُوَ سَهْوٌ مِنْ هِشَامٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ فَنَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الطَّهَارَةِ وَيُرَدُّ عَلَى هِشَامٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ تَثْنِيَتَهُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] أَيْ قَلْبَاكُمَا وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِهَا، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَهُ هِشَامٌ لَقِيلَ الْكِعَابُ كَالْمَرَافِقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْكَعْبَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لِلْمَرْءِ مِنْ جِنْسِ الرِّجْلِ، وَهُوَ اثْنَانِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ رِجْلٍ وَحْدَهَا فَالْأَوْلَى الرَّدُّ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاشِزُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ النَّاسِ إنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ اهـ. قَالُوا الْكَعْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُلُوِّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ لِارْتِفَاعِهَا وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَن اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ» وَمَا وَقَعَ فِي الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي غَسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ. وَالْجَوَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ وَاحِدَةٍ بِالْعِبَارَةِ وَالْأُخْرَى بِالدَّلَالَةِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ عَلَى افْتِرَاضِهِمَا بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِنْ الْبَحْثِ فِي إلَى وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْأَرْجُلِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى غَسْلِهِمَا وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ الرَّوَافِضِ فَلِذَا تَرَكْنَا مَا قَرَّرُوهُ هُنَا وَالزَّائِدُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ كَالزَّائِدِ عَلَى الْيَدَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى، وَلَوْ قَالَ وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ أَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَمَسَحَ رُبُعِ رَأْسِهِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا إصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ الْعُضْوَ، وَلَوْ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غَسْلٍ لَا بَعْدَ مَسْحٍ وَالْآلَةُ لَمْ تُقْصَدْ إلَّا لِلْإِيصَالِ إلَى الْمَحَلِّ فَإِذَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ قَدْرُ الْفَرْضِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ مَسَحَ بِبَلَلٍ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا، وَفِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ رِوَايَاتٌ أَصَحُّهَا رِوَايَةً وَدِرَايَةً مَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِاتِّفَاقِ الْمُتُونِ عَلَيْهَا، وَلِنَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَهَا كَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَرِوَايَةُ النَّاصِيَةِ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّاصِيَةَ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الدِّرَايَةُ فَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِهَا فَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْكِتَابَ مُجْمَلٌ، وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ مَنْ مَسَحَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنَاصِيَتِهِ الْتَحَقَ بَيَانًا لَهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَوْجُهٍ:. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا إجْمَالَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ غُسْلٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: قَالَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا فِي الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَأَمَّا الَّذِي بَقِيَ فِي الْعُضْوِ بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِهِ أَيْضًا وَخَطَّأَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ لِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفِّهِ بَعْدَ الْغُسْلِ جَازَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فَقَدْ نَصَّ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مُفَسَّرًا مُعَلَّلًا أَنَّهُ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ غَسْلِ ذَارِعَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِمَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَطَهَّرَ بِهِ مَرَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَدْ أَخَذَهُ ابْنُ الْكَمَالِ مِنْ الْمُجْتَبَى شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة بِرَمْزِ الْمُحِيطِ وَلَوْ فِي كَفِّهِ بَلَلٌ فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِأَنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إنَاءٍ حَتَّى ابْتَلَتْ أَمَّا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَبَقِيَ فِي كَفِّهِ بَلَلٌ لَا يَجُوزُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ بِذَلِكَ مَا إذَا غَسَلَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَبَقِيَ الْبَلَلُ فِي كَفِّهِ يَعْنِي لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إنَاءٍ حَتَّى تَبْتَلَّ كَمَا زَعَمَهُ الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ: وَالْآلَةُ لَمْ تُقْصَدْ لِلْإِيصَالِ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوُصُولِ لِيَصِحَّ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ بِمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَغْسُولًا أُمّ مَمْسُوحًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَوْجُهٍ إلَى قَوْلِهِ الرَّابِعُ) أَقُولُ: فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ عَدَمَ الْعُرْفِ لَا يُفِيدُ مَسْحَ الْكُلِّ لِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ التَّحْرِيرِ أَنَّ الْإِلْصَاقَ الْمَجْمَعَ عَلَيْهِ لِلْبَاءِ مُمْكِنٌ فَيَثْبُتُ التَّبْعِيضُ اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْمُلْصَقِ

فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ يُصَحِّحُ إرَادَةَ الْبَعْضِ أَفَادَ مَسْحَ مُسَمَّاهُ، وَهُوَ الْكُلُّ أَوْ كَانَ أَفَادَ بَعْضًا مُطْلَقًا وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ وَغَيْرِهِ فَلَا إجْمَالَ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ تَقْدِيرِ الْإِجْمَالِ بِأَنَّهَا احْتَمَلَتْ الْبَاءَ لِلصِّلَةِ وَالْإِلْصَاقِ وَالتَّبْعِيضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَعْيِينِ بَعْضِهَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْإِلْصَاقُ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّ التَّبْعِيضَ لَيْسَ مَعْنًى أَصْلِيًّا بَلْ يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ الْإِلْصَاقِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ فِي التَّحْرِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ادَّعَوْا التَّبْعِيضَ فِي نَحْوِ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَابْنُ جِنِّيٍّ يَقُولُ فِي سِرُّ الصِّنَاعَةِ لَا نَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْخِلَافِ الْقَوِيِّ؛ وَلِأَنَّ الْإِلْصَاقَ الْجَمْعُ عَلَيْهِ لَهَا مُمْكِنٌ فَيَثْبُتُ التَّبْعِيضُ اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْمُلْصَقِ لَا مَدْلُولًا اهـ. الثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ الْمُتَنَازَعَ فِيهَا مَوْجُودَةٌ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فَهِيَ مُجْمَلَةٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ فَكَيْفَ تُبَيِّنَ الْمُجْمَلَ فَيَعُودُ النِّزَاعُ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الثَّالِثُ أَنَّ جَعْلَ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مُبَيِّنًا لِلْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ أَوَّلُ وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَنُقِلَ، وَلَئِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْتَفِي التَّأْخِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا حُضُورًا فِي تِلْكَ السُّبَاطَةِ وَإِلَّا لَنُقِلَ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي الْآيَةِ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّاصِيَةَ لَيْسَتْ قَدْرَ الرُّبُعِ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ وَغَيْرَهُ نَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ الْمَفْرُوضُ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ الرُّبُعُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ رِوَايَةً مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا كَانَتْ النَّاصِيَةُ تَبْلُغُ رُبُعَ الرَّأْسِ، وَإِذَا كَانَتْ النَّاصِيَةُ لَا تَبْلُغُ الرُّبُعَ لَا يَجُوزُ فَدَلَّ عَلَى تَغَايُرِهِمَا، وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ النَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ النَّاصِيَةُ مَا بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ مِنْ الشَّعْرِ، وَهِيَ دُونَ الرُّبُعِ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَابْنِ السَّاعَاتِيِّ وَفِي الْبَدِيعِ وَابْنِ الْهُمَامِ أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَالْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْمَسْحُ قَدْ تَعَدَّى إلَى الْآلَةِ، وَهِيَ الْيَدُ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْآلَةِ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى كُلِّ الْمَمْسُوحِ كَمَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ بِيَدِي أَوْ عَلَى الْمَحَلِّ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ وَالتَّقْدِيرُ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ فَيَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْيَدِ دُونَ الرَّأْسِ وَاسْتِيعَابُهَا مُلْصَقَةً بِالرَّأْسِ لَا تَسْتَغْرِقُ غَالِبًا سِوَى رُبُعِهِ فَتَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالِاسْتِيعَابُ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنْ بِالْآيَةِ بَلْ بِالسُّنَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهَا رِوَايَةُ الْأُصُولِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى وَوَجَّهُوهَا بِأَنَّ الْوَاجِبَ إلْصَاقُ الْيَدِ وَالْأَصَابِعِ أَصْلُهَا وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَمَعَ ذَلِكَ، فَهِيَ غَيْرُ الْمَنْصُورِ رِوَايَةً وَدَارِيَةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِنَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ رِوَايَةَ الرُّبُعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْأَخِيرَةَ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلٍ الْمُقَدَّرِ الشَّرْعِيِّ بِوَاسِطَةِ تَعَدِّي الْفِعْلِ إلَى تَمَامِ الْيَدِ، فَإِنَّهُ بِهِ يَتَقَدَّرُ قَدْرُهَا مِنْ الرَّأْسِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ عَيْنُ قَدْرِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَزَاهَا فِي النِّهَايَةِ إلَى مُحَمَّدٍ وَعَزَا رِوَايَةَ الرُّبُعِ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْحَقُّ، وَلَوْ وَضَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ، وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ لَا الرُّبُعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةً غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لَمْ يَجُزْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقًا، وَلَوْ مَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَانَ أَيْ الْعُرْفُ أَفَادَ بَعْضًا مُطْلَقًا إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الْمُطْلَقَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ لَا يَدْرِي مِقْدَارَهُ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَنْتِفْ الْإِجْمَالُ وَحُصُولُهُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ لَا يَنْفِيه أَيْضًا بَلْ يَنْفِي الْحَاجَةَ إلَى بَيَانِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِإِفَادَةِ الْبَعْضِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ، وَإِنْ قَلَّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَبْقَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ لَنَا أَصْلًا. وَالْجَوَابُ عَنْهُ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بَلْ أُرِيدَ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ، وَإِلَّا كَانَ حَاصِلًا بِغَسْلِ الْوَجْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ عَلَى حِدَةٍ، فَإِنَّ الْمَفْرُوضَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مُقَدَّرٌ، فَكَذَا فِي هَذِهِ الْوَظِيفَةِ وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْهِدَايَةِ بِعَلَى دُونَ الْبَاءِ فَلَا يَعُودُ النِّزَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَعُودُ عَلَى رِوَايَةِ الْبَاءِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُصُولِ الْوَاجِبِ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيعَابِ فَتَنْتَفِي الْحَاجَةُ بِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ كَانَ كَذَلِكَ إلَخْ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَعَزَاهَا فِي النِّهَايَةِ إلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) وَعَلَيْهِ فَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا عَنْ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ) أَيْ وَلَا مَمْدُودَةٍ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ مَوْضُوعَةٍ أَنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا بِتَمَامِهَا عَلَى الرَّأْسِ بِأَنْ مَسَحَ بِأَطْرَافِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا مِقْدَارَ الرُّبْعِ فَلِذَا قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ مَدّهَا إلَخْ أَيْ هَذِهِ الْأَصَابِعَ الْمَنْصُوبَةَ الْغَيْرَ الْمَوْضُوعَةِ بِأَنْ مَسَحَ بِأَطْرَافِهَا وَمَدَّهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ مِقْدَارَ الرُّبْعِ لَمْ يَجُزْ بَقِيَ مَا إذَا وَضَعَ

[سنن الوضوء]

أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، وَكَذَا بِأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَعَادَهَا إلَى الْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ جَازَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَالْمَاءُ مُتَقَاطِرٌ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ مُتَقَاطِرًا فَالْمَاءُ يَنْزِلُ مِنْ أَصَابِعِهِ إلَى أَطْرَافِهَا، فَإِذَا مَدَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِبَطْنِهَا وَبِظَهْرِهَا وَبِجَانِبِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ اعْتِبَارِ الرُّبُعِ، وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا فِي الْأَصَحِّ فَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ صَرَّحَ بِالتَّصْحِيحِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الِاتِّفَاقِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ثُمَّ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي، وَلَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ الْإِنَاءَ أَوْ خُفَّهُ أَوْ جَبِيرَتَهُ، وَهُوَ مُحْدِثٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَمْ يَنْوِ يُجْزِئُهُ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ نَوَى الْمَسْحَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ وَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا فِي الْمَجْمَعِ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ لَا خِلَافَ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَمَحَلُّ الْمَسْحِ عَلَى الشَّعْرِ الَّذِي فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ لَا مَا تَحْتَهُمَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمَسْحُ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمْ يَجُزْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِحْيَتِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى رَأْسِهِ يَعْنِي وَرُبُعُ لِحْيَتِهِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَّاهُ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَإِنْ جَازَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ الْعَطْفُ عَلَى الرُّبُعِ لِيُفِيدَ مَسْحَ الْجَمِيعِ، وَهُنَا رِوَايَاتٌ فِي الْمَفْرُوضِ فِي اللِّحْيَةِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ بَشَرَةِ الْوَجْهِ فَرُوِيَ مَسْحُ رُبُعِهَا وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْكَافِي بِقَوْلِهِ وَلَنَا وَرُوِيَ مَسْحُ كُلِّهَا وَرُوِيَ مَسْحُ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ وَصَحَّحَهُ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَبِعَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَرُوِيَ مَسْحُ الثُّلُثِ وَرُوِيَ عَدَمُ وُجُوبِ شَيْءٍ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ غَسْلِهَا بِمَعْنَى افْتِرَاضِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَالْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ فِي ذِكْرِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَتَرْكِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ الْمُصَحَّحَ الْمُفْتَى بِهِ مَعَ دُخُولِهَا فِي حَدِّ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْكَثَّةِ أَمَّا الْخَفِيفَةُ الَّتِي تُرَى بَشَرَتُهَا فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَوْ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى شَعْرِ الذَّقَنِ ثُمَّ حَلَقَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الذَّقَنِ كَالرَّأْسِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللِّحْيَةِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِنْ عِذَارٍ وَعَارِضٍ وَالذَّقَنِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ اللِّحْيَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ بِمُجْتَمَعِ اللَّحْيَيْنِ وَالْعَارِضِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِذَارِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ يَتَّصِلُ مِنْ الْأَعْلَى بِالصُّدْغِ وَمِنْ الْأَسْفَلِ بِالْعَارِضِ. وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ سُنَنِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا وَاجِبَ فِيهِ لِمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ وَالدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ لَهُ هُوَ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَمَا كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْوُضُوءِ وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلَاثَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQثَلَاثَ أَصَابِعَ وَمَدّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ قَالَ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَرَ فِيهِ إلَّا الْجَوَازَ اهـ. وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِ الْبَدَائِعِ وَلَوْ مَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَجُزْ إلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مَدَّهَا لِلْأَصَابِعِ الْمَنْصُوبَةِ الْغَيْرِ الْمَوْضُوعَةِ كَمَا عَلِمْت وَكَلَامُ الْفَتْحِ فِي الْمَوْضُوعَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: بَلْ الصَّحِيحُ أَنْ لَا خِلَافَ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَا إذَا نَوَى الْمَسْحَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأُولَى أَيْضًا الصَّحِيحُ فِيهَا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ فَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ) أَقُولُ: وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى وَجْهِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَغَسْلُ لِحْيَتِهِ فَيُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ خِلَافَهُ فَيَنْدَفِعُ الْعَجَبُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَحِّحَهُ هُنَا، وَإِنْ اخْتَارَ فِي الْكَافِي غَيْرَهُ كَمَا وَقَعَ لِقَاضِي خان فَإِنَّهُ صَحَّحَ فِي فَتَاوَاهُ مَسْحَ كُلِّهَا وَصَحَّحَ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَسْحَ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ) الْمُرَادُ بِاسْتَرْسَلَ مَا خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُلَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُلَاقِيَ مَا كَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ كَذَا فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْعَارِضُ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَذَارِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ إلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ بِقُرْبِ الْأُذُنِ عَارِضًا وَالنَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ بِقُرْبِ الْأُذُنِ عِذَارًا. [سُنَن الْوُضُوءُ] (قَوْلُهُ: كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ)

أَنْوَاعٍ فَرْضٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَوَاجِبٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَمَنْدُوبٌ، وَهُوَ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ وَعَنْ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَمِنْ الْقَهْقَهَةِ وَالْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ لِغَسْلِ الْمَيِّتِ اهـ. لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَلَى نَفْسِ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَا أَنَّ فِيهِ وَاجِبًا، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّافِلَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَ إرَادَتِهَا الْجَازِمَةِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي بَيَانِ السَّبَبِ وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ الْوُضُوءُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ النَّاقِضِ فَفَرْضٌ (قَوْلُهُ: وَسُنَّتُهُ) أَيْ الْوُضُوءِ هِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ، وَلَوْ سَيِّئَةً وَاصْطِلَاحًا الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ فَزَادَ فِي الْكَشْفِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلَا وُجُوبٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْمُسْتَحَبَّ وَالْمَنْدُوبَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ لِيَخْرُجَ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهَا مَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَفِي تَرْكِهِ عِتَابٌ لَا عِقَابٌ فَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ وَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مِنْ أَنَّهَا مَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ فَفِيهِ نَظَرٌ لِشُمُولِهِ الْمُبَاحَ وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهَا مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَمَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا فَمُنْتَقَضٌ بِالْفَرْضِ، فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا حَصَلَتْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا لِعُذْرِ الْمَرَضِ؛ فَلِذَا زَادَ فِي التَّحْرِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ أَحْيَانًا بِلَا عُذْرٍ لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ بِلَا وُجُوبٍ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ بِلَا تَرْكٍ أَصْلًا لَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ بَلْ الْوُجُوبَ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ يُخَالِفُهُ، فَإِنَّهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى سُنِّيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ، وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى سُنِّيَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ «بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشَرَةِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ يُفِيدُ أَنَّهَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ مُطْلَقًا؛ وَلِذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَهَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ، وَإِلَّا كَانَتْ تَكُونُ دَلِيلَ الْوُجُوبِ انْتَهَى وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ لَكِنْ إنْ كَانَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ هُوَ مَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ عَكْسِهِ، وَهُوَ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلِيلِ وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَيْسَ كَذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ) قَالَ سَيِّدِي الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ. اعْلَمْ أَنَّ الشِّعْرَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُبَاحٌ وَمُثَابٌ عَلَيْهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلًا عَلَى أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَسَنَةِ كَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ عَلَى الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ فِي الْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْهَجْوِ، وَهُوَ مَا يُنَفِّرُ قَلْبَ الرَّجُلِ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صِدْقًا، فَقَدْ دَخَلَ فِي الْغِيبَةِ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَقَدْ دَخَلَ فِي الْكَذِبِ فَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ كَذِكْرِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ ذِكْرِ زَهْرٍ أَوْ رَوْضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ اللَّهْوَ وَالْغَفْلَةَ وَالْغُرُورَ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا؛ وَلَذَائِذِهَا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ لَهْوِ ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ» الْحَدِيثُ وَقَدْ مَدَحَ مَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْمَدْحَ، وَهُوَ عَارِضُ الدُّنْيَا الْقَبِيحُ الْمُنْتِنُ فَقَدْ أَصَابَتْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ بِإِنْشَادِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِمَا ذَكَرْنَا بَيَانَ صَنْعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمِ حِكْمَتِهِ وَعَجِيبِ مَا أَظْهَرَتْهُ قُدْرَتُهُ عَلَى صَفَحَاتِ الْأَكْوَانِ مِنْ بَدَائِعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَغَرَائِبِ الْمَصْنُوعَاتِ فَلَهُ إرَادَتُهُ وَنِيَّتُهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الشِّعْرِ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَهُوَ أَنْ لَا يَقْصِدَ شَيًّا مِمَّا ذَكَرْنَا فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الشِّعْرَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَلَا تُعَدُّ الِاسْتِعَارَاتُ فِيهِ وَلَا التَّشَابِيهُ وَلَا الْمُبَالَغَاتُ مِنْ قَبِيلِ الْكَذِبِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَأَحْسَنُ الْمُبَالَغَاتِ مَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] وَقَدْ وَرَدَ فِي مَدْحِ الشِّعْرِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَكَذَلِكَ فِي ذَمِّهِ اهـ. وَتَمَامُهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ الْوُضُوءُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ) هَذَا الَّذِي يَتَبَادَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْوُضُوءُ لِاسْتِيقَاظِهِ مِنْهُ فَيَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ إذْ يُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْوُضُوءُ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْهُ لِيَكُونَ مُبَادِرًا لِلطَّهَارَةِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَأَمَّا مَنْعُ الشَّارِحِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ إذْ الْوُضُوءُ الْفَرْضُ إنَّمَا هُوَ لِلصَّلَاةِ أَيْ إذَا أَرَادَهَا وَلَمْ يَكُنْ مُتَوَضِّئًا (قَوْلُهُ: لِشُمُولِهِ الْمُبَاحَ) أَيْ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ قَالَ فِي النَّهْرِ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ التَّوَقُّفُ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَلْهَجُونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ بِالْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ فَالتَّعْرِيفُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ اهـ. قُلْت وَفِي التَّحْرِيرِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ

لَا مَعَ التَّرْكِ فَهِيَ دَلِيلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا فَهِيَ دَلِيلُ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَهِيَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ بِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَسُنَنُهُ بِالْجَمْعِ وَنُكْتَةُ جَمْعِهَا وَإِفْرَادِ الْفَرْضِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْفُرُوضَ وَإِنْ كَثُرَتْ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِدَلِيلِ فَسَادِ الْبَعْضِ بِتَرْكِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ السُّنَنِ إذْ لَا يَبْطُلُ بَعْضُهَا بِتَرْكِ بَعْضِهَا وَالْإِضَافَةُ هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا لَا يَخْفَى وَجَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَحَلٌّ لِهَذِهِ السُّنَنِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهَا بِمَعْنَى مِنْ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. (قَوْلُهُ: غَسَلَ يَدَيْهِ إلَى رُسْغَيْهِ ابْتِدَاء) يَعْنِي: غَسْلُ الْيَدَيْنِ ثَلَاثًا إلَى رُسْغَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ وَالرُّسْغُ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الرُّسْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَوْصِلُ الْكَفِّ فِي الذِّرَاعِ وَالْقَدَمِ فِي السَّاقِ. اعْلَمْ أَنَّ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ ابْتِدَاءً ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قِيلَ إنَّهُ فَرْضٌ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ يَدَيْهِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ كَالْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ فَيُعِيدُ غَسْلَهُمَا ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا قَالَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّطْهِيرُ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ حَصَلَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ غَسْلَهُمَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَقِيلَ سُنَّةٌ قَبْلَهُ فَقَطْ وَقِيلَ بَعْدَهُ فَقَطْ وَقِيلَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى وَصَحَّحَهُ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى وَفِي النِّهَايَةِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا سُنِّيَّتَهُ قَبْلَهُ فِيمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ «حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غَسْلِهِ وَفِيهِ أَنَّهَا حَكَتْ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ» وَحِكْمَتُهُ قَبْلَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي إزَالَةِ رَائِحَةِ مَا يُصِيبُهُمَا وَأُورِدَ أَنَّ الْمُصَابَ الْيَدُ الْيُسْرَى فَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَتَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا تَغَوَّطَ. وَأُجِيبَ بِمَا فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا فِي كُلِّ فَرْدٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ وَاجِبٌ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً فِيهِمَا وَسُنَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ كَمَا إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ فَعَلِمَ بِهَذَا أَنَّ قَيْدَ الِاسْتِيقَاظِ الْوَاقِعِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَحِمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَغَيْرِهِ قَدَّمَ فِيهِ الْبَدَاءَةَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ عَنْ نَوْمٍ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هُنَا مَانِعًا مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ طَهَارَتُهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَكَأَنَّ الْغَسْلَ إلَى الرُّسْغَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَنْظِيفُ الْآلَةِ وَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْمُسْتَيْقِظِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ نَامَ غَيْرَ مُسْتَنْجٍ أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ ضَعِيفٌ أَوْ الْمُرَادُ نَفْيُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لَا أَصْلُهَا وَكَيْفِيَّةُ غَسْلِهِمَا كَمَا ذُكِرَ فِي الشُّرُوحِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ بَلْ يَرْفَعُهُ بِشِمَالِهِ وَيَصُبُّهُ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى وَيَغْسِلُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَأْخُذُ الْإِنَاءَ بِيَمِينِهِ وَيَصُبُّهُ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيَغْسِلُهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ يَفْعَلُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً فِي الْإِنَاءِ يَصُبُّ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ وَيَغْسِلُ الْيُسْرَى وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَيْرُ مَسْنُونٍ وَتَعَقَّبَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّ الْجَمْعَ سُنَّةٌ كَمَا تُفِيدُهُ الْأَحَادِيثُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَى الْيَسَرَيْ لِأَجْلِ التَّيَامُنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: قِيلَ إنَّهُ فَرْضٌ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ) الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ يَعُودُ إلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَا بِقَيْدِ الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَتَقْدِيمُهُ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: الَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ السَّرَخْسِيِّ عَلَيْهِ هُوَ عَدَمُ النِّيَابَةِ مِنْ حَيْثُ ثَوَابُ الْفَرْضِ لَوْ أَتَى بِهِ مُسْتَقِلًّا قَصْدًا إذَا لِسُنَّةٍ لَا تُؤَدِّيه وَيُؤَيِّدُهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدَثِ بِلَا نِيَّةٍ اهـ. أَقُولُ: وَعَلَى هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِي عَنْ الْفَرْضِ وَأَنَّ تَقْدِيمَ هَذَا الْغُسْلِ الْمُجْزِي عَنْ الْفَرْضِ سُنَّةٌ وَهُوَ مُؤَدَّى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ وَالسَّرَخْسِيُّ إمَامٌ جَلِيلٌ دَقِيقُ النَّظَرِ لَمَّا رَأَى فِي الْآيَةِ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ قَالَ يُعِيدُ غَسْلَ الْكَفَّيْنِ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ لِيَكُونَ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ قَصْدًا لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ سَقَطَ بِالْغَسْلِ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي ضِمْنِ الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ فَهُوَ كَسُقُوطِهِ بِالْغَسْلِ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَ الْغَسْلِ الْكَامِلِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَيُسَنُّ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَهُمَا لِمَا قُلْنَا وَلِهَذَا نُقِلَ فِي النَّهْرِ عَنْ الذَّخَائِرِ الْأَشْرَفِيَّةِ إنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا أَيْضًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى لِأَجْلِ التَّيَامُنِ) كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ

لَا لِمَا فِي الْمُحِيطِ كَمَا لَا يَخْفَى قَالُوا وَلَا يُدْخِلُ الْكَفَّ حَتَّى لَوْ أَدْخَلَهُ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْتَغَى وَمَعْنَاهُ صَارَ الْمَاءُ الْمُلَاقِي لِلْكَفِّ مُسْتَعْمَلًا إذَا انْفَصَلَ لَا جَمِيعُ مَاءِ الْإِنَاءِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَقَالُوا يُكْرَهُ إدْخَالُ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلْحَدِيثِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَتْزِيهٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَصْرُوفٌ عَنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ «، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ فَلَا يُدْخِلُ الْيَدَ فِيهِ أَصْلًا، وَفِي الْكَبِيرِ عَلَى إدْخَالِ الْكَفِّ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ الْجُنُبَ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ وَكَذَا إذَا وَقَعَ الْكُوزُ فِي الْجُبِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ إلَى الْمِرْفَقِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُسْتَيْقِظُ يَدَهُ فِيهِ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ كَمَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ غَيْرَهُ أَنْ يَغْتَرِفَ بِيَدَيْهِ لِيَصُبَّ عَلَى يَدَيْهِ لِيَغْسِلَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُرْسِلْ فِي الْمَاءِ مِنْدِيلًا وَيَأْخُذْ طَرَفَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يُخْرِجْ مِنْ الْبِئْرِ فَيَغْسِلْ الْيَدَ بِقَطَرَاتِهِ ثُمَّ يَغْسِلْ الْيَدَ الْأُخْرَى أَوْ يَأْخُذْ الثَّوْبَ بِإِسْنَانِهِ فَيَغْسِلْ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ الَّذِي يَتَقَاطَرُ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَرْفَعْ الْمَاءَ بِفَمِهِ فَيَغْسِلْ يَدَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ. وَفِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْمَاءِ بِفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَهُوَ مُزِيلٌ لِلْخَبَثِ (قَوْلُهُ: كَالتَّسْمِيَةِ) أَيْ كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا أَعْنِي: سَوَاءٌ كَانَ الْوُضُوءُ عَنْ نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفْظُهَا الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُبَسْمِلُ وَذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ أَنَّهُ إنْ جَمَعَ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَالْبَسْمَلَةِ فَحَسَنٌ وَفِي الْمُحِيطِ السُّنَّةُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُخْتَارُ الْقُدُورِيِّ وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ قِيلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ إلَّا مَعَ الِانْكِشَافِ، وَفِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ لِوُجُوبِ التَّسْمِيَةِ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ، وَهُوَ، وَإِنْ ضُعِّفَ ارْتَقَى إلَى الْحَسَنِ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. وَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِمُعَارَضَتِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ السَّلَامَ» وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُهَاجِرِينَ «قُنْفُذٌ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كُنْت عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ» فَهَذِهِ تُفِيدُ عَدَمَ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْمَهُ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَمُقْتَضَاهُ انْتِفَاؤُهُ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَتَعَقَّبَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَكُونَ التَّسْمِيَةُ أَفْضَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَأَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَالِيًا عَنْ التَّسْمِيَةِ وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ تَرْكِ الْأَفْضَلِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لَهُ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ كَوُضُوئِهِ مَرَّةً مَرَّةً تَعْلِيمًا لِجَوَازِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الْمُسْتَحَبِّ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ لَوَازِمِ إكْمَالِهِ فَكَانَ ذِكْرُهَا مِنْ تَمَامِهِ وَالذَّاكِرُ لَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ مُضْطَرٌّ إلَى ذِكْرِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْفَرْضِ فَخُصَّتْ مِنْ عُمُومِ الذِّكْرِ وَمُطْلَقُ الذِّكْرِ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْوُضُوءِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُطْلَقَ اللِّسَانُ بِهِ إلَّا عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَجْلِ الضَّرُورَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُزِيلٌ لِلْخَبَثِ) أَيْ فَيَرْفَعُ الْمَاءَ بِفِيهِ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مُزِيلُ الْخَبَثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْإِنَاءَ لِيُزِيلَ الْحَدَثَ وَفِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ بِفَمِهِ مَاءً مِنْ الْإِنَاءِ فَغَسَلَ بِهِ جَسَدَهُ أَوْ تَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ غَسَلَ بِهِ نَجَاسَةً مِنْ بَدَنِهِ أَجْزَاهُ، وَفِي مُتَفَرِّقَاتِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحْدِثٌ مَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَأَخَذَ الْمَاءَ بِفِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَ غَسْلَ فِيهِ ثُمَّ غَسَلَ بِهِ يَدَيْهِ قَالَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَطْهُرُ يَدُهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أَخَذَهُ بِفِيهِ خَالَطَهُ الْبُزَاقُ وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَاءً مُطْلَقًا فَالْتَحَقَ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ نَحْوُ الْخَلِّ وَالْمَرَقِ وَالدُّهْنِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَفِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ يَطْهُرُ كَالثَّوْبِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُدْفَعُ) أَيْ يُدْفَعُ قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ تَرْكِ الْأَفْضَلِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّرْكُ دَائِمًا بِدَلِيلِ سَابِقِ الْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَخُصَّتْ مِنْ عُمُومِ الذِّكْرِ) أَيْ الَّذِي تُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الذِّكْرِ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْوُضُوءِ نَعَمْ يَدْخُلُ فِي الْمَخْصُوصِ بَقِيَّةُ الْأَذْكَارِ لِلْوُضُوءِ بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ إذَا كَانَتْ مَخْصُوصَةً مِمَّا ذُكِرَ تَنْتَفِي الْمُعَارَضَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ فَيَبْقَى الْحَدِيثُ مُفِيدًا لِلْوُجُوبِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ تَأَمَّلْ

طَهَارَةٍ وَيَدْخُلُ فِي التَّخْصِيصِ الْأَذْكَارُ الْمَنْقُولَةُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِكَوْنِهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ لَكِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ فَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ إلَّا لِصَارِفٍ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّارِفَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ كَانَ طُهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْوُضُوءِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: ضَعْفُ الْحَدِيثِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. الثَّانِي: أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ النُّقْصَانَ فَقَطْ الثَّالِثُ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَجَزُّؤَ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ عِنْدَنَا كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَرَدَّهُ الْأَكْمَلُ فِي تَقْدِيرِهِ بِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مُقْتَصِرَةً عَلَى مَا غَسَلَ، نَعَمْ بَدَنُ الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ وَقِيلَ الصَّارِفُ عَدَمُ حِكَايَةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ لَهَا لَمَّا حَكَيَا وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ فَكَيْفَ بَعْدَ الثُّبُوتِ بِوَجْهٍ آخَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَا التَّخْلِيلَ وَالسِّوَاكَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الصَّارِفَ هُوَ عَدَمُ تَعْلِيمِهَا لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ، وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ضَعَّفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ فَأَدَّى النَّظَرُ إلَى وُجُوبِهَا غَيْرَ أَنَّ صِحَّةَ الْوُضُوءِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقَاطِعِ وَلَا يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِالِافْتِرَاضِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ أَفَادَ الْوُجُوبَ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِظَنِّيَّتِهَا مُشْتَرَكَهَا فَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّفْيَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ وَنَفْيُ الْكَمَالِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِظَنِّيَّتِهَا مَا فِيهِ احْتِمَالٌ، وَلَوْ مَرْجُوحًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ عَدَمُ النَّقْلِ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ إلَى آخِرِهِ لَا يَتِمُّ فِي الْوَاجِبِ إذَا لَا يَجُوزُ فِي التَّعْلِيمِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَلَوْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ وَاجِبَةً لَذَكَرَاهَا لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهَا بِخِلَافِ السُّنَنِ فَكَانَ هَذَا صَارِفًا سَالِمًا عَنْ الرَّدِّ وَمُرَادُهُمْ مِنْ ظَنِّيِّ الدَّلَالَةِ مُشْتَرَكُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ شَرْعِيٌّ أُطْلِقَ تَارَةً وَأُرِيدَ بِهِ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ نَحْوَ «لَا صَلَاةَ لِحَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» «وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَأُطْلِقَ تَارَةً مُرَادًا بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ نَحْوَ «لَا صَلَاةَ لِلْعَبْدِ الْآبِقِ» وَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَتَعَيَّنَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهِ عَلَى النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فَعِنْدَ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ الْحَدِيثُ ظَنِّيًّا، وَبِهِ تَثْبُتُ السُّنَّةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ التَّسْمِيَةِ وَالْعَجَبُ مِنْ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفَى ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ عَنْ حَدِيثِ التَّسْمِيَةِ بِمَعْنَى مُشْتَرَكِهَا وَأَثْبَتَهَا لَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ بِأَبْلَغِ وُجُوهِ الْإِثْبَاتِ بِأَنْ قَالَ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ نَفْيِ الْكَمَالِ قَائِمٌ فَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ابْتِدَاء الْوُضُوءِ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِهِ فَسَمَّى لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِخِلَافِ نَحْوِهِ فِي الْأَكْلِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْأَكْلِ، فَإِنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ اهـ. وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ كُلَّمَا أَكَلْت اللَّحْمَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ لُقْمَةٍ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ لُقْمَةٍ أَكْلٌ لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ هُوَ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَ اهـ. وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَإِتْيَانُهُ بِهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا مَطْلُوبٌ وَلَفْظُهُ، فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ أَتَى بِهَا إذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْوُضُوءُ مِنْهَا. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَوْ مَا مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَعْنِي «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» نَفْيُ الْفَضِيلَةِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الْجَوَازِ فَيُفِيدُ كَوْنَهَا فَرْضًا لَكِنْ لِكَوْنِهِ آحَادًا لَا يُفِيدُهَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا لِصَارِفٍ فَيُحْمَلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أُرِيدَ بِظَنِّهَا مَا فِيهِ احْتِمَالٌ وَلَوْ مَرْجُوحًا) أَيْ فَيَدْخُلُ فِيهِ احْتِمَالُ نَفْيِ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ) أَيْ قَوْلَ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ) فِي دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا ثَابِتًا) يَعْنِي بِخُصُوصِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ أَقْطَعُ» وَيُرْوَى «أَبْتَرُ» وَيُرْوَى «أَجْذَمُ» وَأَدْنَى مَا فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُذْهَبُ (قَوْلُهُ: فَإِتْيَانُهُ بِهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ أَمَّا أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَمَا فِي كَلَامِ الْكَمَالِ وَالزَّيْلَعِيِّ مَا يَمْنَعُهُ تَأَمَّلْ. اهـ. مَقْدِسِيٌّ هَذِهِ لِقَوْلِهِ لَيْسَتْ بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ كَلَامِ ابْنِهِ بِهَامِشِ الْبَحْرِ.

(قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْخَشَبَةِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَقَايِيسِ اللُّغَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَيْ الِاسْتِيَاكُ وَالْجَمِيعُ سُوُكٌ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَجَرُّهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِيُفِيدَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ أَيْضًا وَاسْتَدَلَّ فِي الْكَافِي لِلسُّنِّيَّةِ «بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِ مَعَ التَّرْكِ» وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ الْمُوَاظَبَةُ مِنْهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ عَلَى غَيْرِهَا فَيَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْحَقُّ؛ وَلِذَا صَحَّحَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ الِاسْتِحْبَابَ وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِهِ فَفِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْمُجْتَبَى قَبْلَ الْوُضُوءِ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ فِي الْإِنْقَاءِ لَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فِي مَوَاضِعَ: لِاصْفِرَارِ السِّنِّ وَتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ وَالْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَوَّلِ مَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ قَوْلَهُمْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ يُنَافِي مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَعَلَّلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَاكَ لِلصَّلَاةِ رُبَّمَا يَخْرُجُ مِنْهُ دَمٌ، وَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَالُوا فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ صَلَوَاتٍ يَكْفِيهِ السِّوَاكُ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَسْتَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَسْتَاكَ أَعَالِيَ الْأَسْنَانِ وَأَسَافِلَهَا وَالْحَنَكَ وَيَبْتَدِئَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ فِي الْأَعَالِي وَثَلَاثٌ فِي الْأَسَافِلِ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ عُقَدٍ فِي غِلَظِ الْأُصْبُعِ، وَطُولَ شِبْرٍ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ لَحْمَ الْأَسْنَانِ وَقَالَ الْغَزْنَوِيُّ يَسْتَاكُ طُولًا وَعَرْضًا وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيُسْتَحَبُّ إمْسَاكُهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ أَنْ تَجْعَلَ الْخِنْصَرَ مِنْ يَمِينِك أَسْفَلَ السِّوَاكِ تَحْتَهُ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ فَوْقَهُ وَاجْعَلْ الْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ تَحْتَهُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَا يَقْبِضُ الْقَبْضَةَ عَلَى السِّوَاكِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَيَبْدَأُ بِالْأَسْنَانِ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ السُّفْلَى كَذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَتَقُومُ الْأُصْبُعُ أَوْ الْخِرْقَةُ الْخَشِنَةُ مَقَامَهُ عِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ عَدَمِ أَسْنَانِهِ فِي تَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَا عِنْدَ وُجُودِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّبَّابَةِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِالْيُمْنَى وَالْعِلْكُ يَقُومُ مَقَامَهُ لِلْمَرْأَةِ لِكَوْنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ تُضْعِفُ أَسْنَانَهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا فِعْلُهُ. وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُرْضِي الرَّبَّ وَيُسْخِطُ الشَّيْطَانَ وَمَنْ خَشِيَ مِنْ السِّوَاكِ الْقَيْءَ تَرَكَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَاكَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ: وَغَسَلَ فَمَهُ وَأَنْفَهُ) عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَصْلِهِ الْوَافِي لِلِاخْتِصَارِ وَمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ فَكَانَ أَوْلَى، فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا اصْطِلَاحًا اسْتِيعَابُ الْمَاءِ جَمِيعَ الْفَمِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالسِّوَاكُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ السِّوَاكُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ وَمَجْهُولٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِطُرُقٍ أُخَرَ، فَصَارَ حَسَنًا أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ وَعَدَّ مِنْهَا السِّوَاكَ اهـ. ذَكَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَجَرُّهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ) نَبَّهَ صَاحِبُ النَّهْرِ عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَيَانِ وَقْتِهِ مَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ فَلَا تَغْفُلْ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ الْمُوَاظَبَةُ مِنْهُ عَلَى الْوُضُوءِ) الْأَوْلَى عِنْدَ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَقُّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَدْ عَدَّهُ الْقُدُورِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السُّنَنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الشَّرْحِ اهـ. فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ اخْتِلَافُ التَّصْحِيحِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ قَوْلَهُمْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ يُنَافِي مَا نَقَلُوهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمَا نَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا نَسِيَ السِّوَاكَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَاكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَضِيلَتَهُ وَتَكُونَ صَلَاتُهُ بِسِوَاكٍ إجْمَاعًا. اهـ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْدُوبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْوُضُوءِ وَبِهِ ظَهَرَ سِرُّ كَلَامِ الْغَزْنَوِيِّ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا نَقَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ مُرَادُهُمْ بِهِ بَيَانُ مَا بِهِ أَفْضَلِيَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي بِسِوَاكٍ عَلَى غَيْرِهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ «أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ» وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْوُضُوءِ لَا تَحْصُلُ تِلْكَ الْأَفْضَلِيَّةُ وَلَوْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، فَكَوْنُهُ عِنْدَنَا لِلْوُضُوءِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مُنَاجَاةٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى سِيَّمَا عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ مِنْ الْوُضُوءِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَهَا وَحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهَا مَعَ أَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوهُ عِنْدَ مَجَامِعِ النَّاسِ فَبِالْأَوْلَى مَعَ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ فِي هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ وَضَعَ مَلَكٌ فَاهُ عَلَى فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا دَخَلَ فَمَ الْمَلَكِ» أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. اهـ.

لُغَةً مِنْ النَّشَقِ: وَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إلَى دَاخِلِهِ وَاصْطِلَاحًا: إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَارِنِ الْأَنْفِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمَارِنُ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ وَالْمُبَالَغَةُ سُنَّةٌ فِيهِمَا أَيْضًا كَذَا فِي الْوَافِي لِحَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ، وَهِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ بِالْغَرْغَرَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ بِالِاسْتِنْثَارِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالِاسْتِنْثَارُ دَفْعُ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْأَنْفِ وَقَدْ وَافَقَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ فِي الثَّانِي: كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ وَفِي الْخُلَاصَةِ هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَصِلَ إلَى رَأْسِ الْحَلْقِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي فِيهِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَالْأَوْلَى مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَوْ تَمَضْمَضَ وَابْتَلَعَ الْمَاءَ وَلَمْ يَمُجَّهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَجَّ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُلْقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِالْبَاقِي جَازَ وَبِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ رَفَعَ الْمَاءَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ لِلْمَضْمَضَةِ جَازَ وَلِلِاسْتِنْشَاقِ لَا يَجُوزُ لِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ نَفْيَ الْجَوَازِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ لَا بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ لِمَا أَنَّ أَصْلَهُمَا سُنَّةٌ أَوْ تُحْمَلُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَقَالُوا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُشْتَمِلَتَانِ عَلَى سُنَنٍ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِالْإِجْمَاعِ وَمِنْهَا التَّثْلِيثُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِالْإِجْمَاعِ وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ فِي التَّثْلِيثِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُمَا مَاءٌ وَاحِدٌ وَإِزَالَةُ الْمُخَاطِ بِالْيَدِ الْيُسْرَى كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْمَبْسُوطِ وَفِعْلُهُمَا بِالْيَمِينِ سُنَّةٌ وَفِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَسْتَنْشِقُ بِالْيُسْرَى وَفِي الْمِعْرَاجِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ أُسْتَاذُنَا يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْغَسْلِ مَرَّةً مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَوْ ثَلَاثًا بِدُونِهِمَا يَغْسِلُ مَرَّةً مَعَهُمَا وَفِي السِّرَاجِ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ أَثِمَ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ مِمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ وَدَلِيلُ سُنِّيَّتِهِمَا الْمُوَاظَبَةُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ يَعْنِي مَعَ التَّرْكِ أَحْيَانًا، وَإِلَّا كَانَتَا وَاجِبَتَيْنِ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ وَجَمِيعُ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اثْنَانِ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا كُلُّهُمْ ذَكَرُوهُمَا فِيهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ شَرَحَ عَلَيْهَا مِسْكِينٌ غَسَلَ فَمَه وَأَنْفَهُ بِمِيَاهٍ وَقَالَ قَوْلُهُ بِمِيَاهٍ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي فِي الْوَافِي غَسَلَ فَمَه بِمِيَاهٍ وَأَنْفَهُ بِمِيَاهٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْكَنْزِ لِيَدُلَّ عَلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ قَوْلِهِ «فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ فَكَانَ حُجَّةً وَمَا وَرَدَ مِمَّا ظَاهِرُهُ الْمُخَالَفَةُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَصِرْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِسُنَّةِ الْمَضْمَضَةِ لَا بِسُنَّةِ كَوْنِهَا ثَلَاثًا بِمِيَاهٍ فَالنَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فِي الْقَوْلَيْنِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فَلَا اخْتِلَافَ (قَوْلُهُ: وَتَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْأَسْفَلِ إلَى فَوْقَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ فَسُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَهَلْ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُف وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ مُحَمَّدٌ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَصَحَّحَ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُسْتَحَبٌّ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ) أَيْ بِأَنْ اسْتَنْشَقَ بِبَعْضِهِ وَتَمَضْمَضَ بِالْبَاقِي (قَوْلُهُ: قَالَ أُسْتَاذُنَا يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمِعْرَاجِ ثُمَّ إنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ مِنْ هَذَا لَا يَظْهَرُ رُجُوعُهَا إلَى قَوْلِهِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ أَيْ تَكْرَارُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِمَا سُنَّتَيْنِ مُؤَكَّدَتَيْنِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِمَا وَعِبَارَةُ الْمِعْرَاجِ نَصُّهَا هَكَذَا، وَفِي الشِّفَاءِ الْمُضَمْضِمَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ مَنْ تَرَكَهُمَا يَأْثَمُ وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَرْكُ التَّكْرَارِ لَا يُكْرَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ أُسْتَاذُنَا: يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا إلَخْ (قَوْلُهُ: يَغْسِلُ مَرَّةً مَعَهُمَا) أَيْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَ عَنْهُ تَرْكُ التَّثْلِيثِ حَيْثُ غَسَلَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهَ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ تَرْكُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ) قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ وَمِنْ مَظَانِّهِ أَيْ الْحَسَنِ سُنَنُ أَبِي دَاوُد فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ فَعَلَى هَذَا مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُصَحِّحْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَمَدِينَ وَلَا ضَعَّفَهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد اهـ. (قَوْلُهُ: لَا بِسُنَّةٍ كَوْنُهَا ثَلَاثًا بِمِيَاهٍ) النَّفْيُ بِاعْتِبَارِ الْقَيْدِ الْأَخِيرِ أَيْ يَكُونُ آتِيًا بِسُنَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَبِسُنَّةِ التَّثْلِيثِ أَيْضًا دُونَ سُنَّةِ تَجْدِيدِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ سَيَأْتِي) فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ (قَوْلُهُ: وَهَلْ هُوَ) أَيْ الْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ

الْمُوَاظَبَةِ؛ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَدَاخِلُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ وَجْهُ الْأَصَحِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» وَسَكَتَ عَنْهُ وَكَذَا الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُغْنٍ عَنْ نَقْلِ صَرِيحِ الْمُوَاظَبَةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ حَامِلٌ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُمْ دَاخِلُ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ مَمْنُوعٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِهِ وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا فِي الْوَجْهِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْفَرْضِ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سُنَّةٍ تَكُونُ تَبَعًا لِلْفَرْضِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، وَإِلَّا يَخْرُجْ عَنْهُ بَعْضُ السُّنَنِ كَالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ التَّخْلِيلُ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ فِي «أَمَرَنِي رَبِّي وَخَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ» الْآتِي لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ التَّخْلِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا وَمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ لَزِمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ كَلَامٌ إذْ لَا يَلْزَمُ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِالِافْتِرَاضِ وَمَا فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ لَسَاوَى التَّبَعُ الْأَصْلَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهُ إذَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ فِي حُكْمٍ آخَرَ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، فَهُوَ إدْخَالُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ بِمَاءٍ مُتَقَاطِرٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ الْإِدْخَالُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا فَسُنَّةٌ اتِّفَاقًا أَعْنِي أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتَ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَتَقَدَّمَ الصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ وَكَذَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ لَا يَتَخَلَّلْهَا اللَّهُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ حَتَّى يُفِيدَ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُ أَنَّ تَخْلِيلَ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ يُرَادُ لِعَدَمِ تَخَلُّلِهَا نَارَ جَهَنَّمَ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ عَدَمَ التَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ يَسْتَلْزِمُ تَخَلُّلَ النَّارِ إلَّا لَوْ كَانَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ عِلَّةً مُسَاوِيَةً لِعَدَمِ تَخْلِيلِهَا بِالنَّارِ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ التَّخْلِيلُ بِالنَّارِ مَعَ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْوَعِيدَ مَصْرُوفٌ إلَى مَا إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ إذَا قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا وَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ هَذَا مَعَ أَنَّ مَا قَالُوهُ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِلْ يَكُونُ الْغَسْلُ فَرْضًا وَلَيْسَ التَّخْلِيلُ غَسْلًا كَمَا لَا يَخْفَى هَذَا مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيِّ ضَعِيفٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّخْلِيلُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ ثُمَّ قِيلَ الْأَوْلَى فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَنْ يَكُونَ تَخْلِيلُهَا بِالتَّشْبِيكِ وَصِفَتُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى خِنْصَرَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ اهـ. لَكِنْ وَرَدَ بَعْضُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» وَأَمَّا كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَسْفَلَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَيُشْكِلُ كَوْنُهُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الطَّهَارَةِ الْمُسْتَحَبِّ فِي فِعْلِهَا أَنْ تَكُونَ بِالْيَمِينِ وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهَا بِالْخِنْصَرِ كَوْنُهَا أَدَقَّ الْأَصَابِعِ فَهِيَ بِالتَّخْلِيلِ أَنْسَبُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَقَوْلُهُمْ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقُ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ أَسْفَلِ الْأَصَابِعِ إلَى فَوْقُ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ ثَانِيهمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ أَسْفَلِ الْأُصْبُعِ مِنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «خَلِّلُوا» الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى الرَّوَافِضِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) أَيْ تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأُولَى فَرْضٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُمْ دَاخِلَ اللِّحْيَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِمْ دَاخِلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُنْتَفٍ بِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ التَّخْلِيلُ بِالنَّارِ مَعَ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ) فِيهِ بَحْثٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ عِلَّةً مُسَاوِيَةً لِعَدَمِ تَخْلِيلِهَا بِالنَّارِ لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يُخَلِّلُهَا اللَّهُ بِالنَّارِ» فَائِدَةٌ وَلَمَّا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِلْأَمْرِ بِالتَّخْلِيلِ، وَلِلُزُومِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ حُصُولَ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَحُصُولَ مُقَابَلَةٍ بِالتَّرْكِ وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ بِالْوَعِيدِ فِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ «مَنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَهُ بِالْمَاءِ خَلَّلَهَا اللَّهُ بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَبْدَأُ أَيْ يَبْتَدِئُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِ الْقَدَمِ فَيُدْخِلُ خِنْصَرَ يَدِهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّجْلِ فَيُخَلِّلُ مِنْ أَسْفَلَ صَاعِدًا إلَى فَوْقٍ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَيَدْخُلُهَا مِنْ جِهَةِ بَاطِنِ الْقَدَمِ وَيَصْعَدُ بِهَا مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقٍ.

وَالثِّنْتَانِ سُنَّتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي السَّرَّاجِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَبْسُوطِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا تُوصَفُ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا أَوْ الثَّالِثَةُ وَحْدَهَا بِالسُّنِّيَّةِ إلَّا مَعَ مُلَاحَظَةِ الْأُخْرَى وَالسُّنَّةُ تَكْرَارُ الْغَسَلَاتِ الُمسْتَوْعِيَاتِ لَا الْغَرَفَاتِ، وَإِنْ اكْتَفَى بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ قِيلَ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الثَّانِي لِقَوْلِهِمْ وَالْوَعِيدُ فِي الْحَدِيثِ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ الثَّلَاثَ سُنَّةً فَلَوْ كَانَ الْإِثْمُ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرُوا، وَقِيلَ إنْ اعْتَادَ يُكْرَهْ، وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا دَلِيلَ السُّنَّةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعَفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» فَأَمَّا صَدْرُهُ إلَى قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ» فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَمَّا عَجُزُهُ مِنْ قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ» إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَقَوْلُهُ «تَوَضَّأَ مَرَّةً» أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْجَوَازُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْقَبُولَ لَا يُلَازِمُ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الصِّحَّةَ تَعْتَمِدُ وُجُودَ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْقَبُولُ يَعْتَمِدُ صِدْقَ الْعَزِيمَةِ وَخُلُوصَهَا، وَلَهُ شَرَائِطُ كَثِيرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا» عَلَى أَقْوَالٍ فَقِيلَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ تَكُونُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَقِيلَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ دُونَ نَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى لَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ وَاعْتَمَدَ أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لَوْ زَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَكَذَا إنْ نَقَصَ لِحَاجَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأَكْثَرِ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَكْرَارَ الْوُضُوءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَكَيْفَ يَدَّعِي الِاتِّفَاقَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لَوْ نَوَى وُضُوءًا آخَرَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الْأَوَّلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْحَدِيثِ لَفٌّ وَنَشْرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وَالظُّلْمَ إلَى النُّقْصَانِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْغَسْلِ احْتِرَازً عَنْ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَسْنُونٍ فَهَلْ يُكْرَهُ فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَعِنْدَنَا لَوْ مَسَحَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِثَلَاثِ مِيَاهٍ لَا يُكْرَهُ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ سُنَّةً وَلَا أَدَبًا. اهـ. وَهُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ: وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْمُتَوَضِّئِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي قُوَّةِ الْوَاجِبِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ اعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِثْمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قِيلَ لَا يَأْثَمُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَصْرِيحُهُمْ بِالْإِثْمِ لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِثْمَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَخَفُّ مِنْ الْإِثْمِ لِتَارِكِ الْوَاجِبِ وَقَالَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَيْ قَوِيَّةٌ تُشْبِهُ الْوَاجِبَ فِي الْقُوَّةِ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ وَنَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ إنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ لَيْسَ مُخَالِفًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ خُصُوصًا مَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ اهـ. وَفِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ تَارَةً دُونَ الْوَاجِبِ وَتَارَةً مِثْلَهُ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَّا بِحَمْلِ إفْرَادِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى التَّفَاوُتِ فِي التَّأَكُّدِ وَالْقُوَّةِ فَيَكُونُ بَعْضُهَا لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهِ فِي مَرْتَبَةِ الْوَاجِبِ كَالْجَمَاعَةِ وَبَعْضُهَا لِقِلَّةِ تَأَكُّدِهِ دُونَهُ كَتَثْلِيثِ الْغَسْلِ (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَدَّعِي الِاتِّفَاقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: لَا تَدَافُعَ فِي كَلَامِهِمْ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ فِيمَا إذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمَا فِي السِّرَاجِ فِيمَا إذَا كَرَّرَ مِرَارًا وَلَفْظُهُ فِي السِّرَاجِ لَوْ تَكَرَّرَ الْوُضُوءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا لَمْ يُسْتَحَبَّ بَلْ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِسْرَافِ فَتَدَبَّرْ اهـ. لَكِنْ قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا فَإِذَا لَمْ يُؤَدَّ بِهِ عَمَلٌ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ كَالصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ تَكْرَارُهُ قُرْبَةً لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ فَيَكُونُ إسْرَافًا مَحْضًا اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ) أَقُولُ: قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِالْحَدِيثِ الْمَارِّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» ؛ لِأَنَّ أَئِمَّتَنَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالْحَدِيثِ الْمُصَرَّحِ فِيهِ بِهَا وَحَمَلُوا مَا صُرِّحَ

رَفْعُ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْكَافِي فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ كَمَا لَا يَخْفَى وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكْفِي فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَى إزَالَةِ الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ فَلَمْ يَنْوِ خُصُوصَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلًا، وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْوُضُوءِ وَسَقَطَ بِهِ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَخَصُّ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْغُسْلَ فَعَلَى هَذَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ أَوْلَى قَالُوا الْمُعْتَبَرُ قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَ أَوْ اسْتِبَاحَتَهَا أَوْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَلَا يَتَأَتَّى الْأَخِيرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ إذْ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَشَرْطُهَا فَرْضٌ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَهِيَ لُغَةً عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ دُونَ الْمُنْهَيَاتِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْعِقَابُ فَالصَّوَابُ أَنْ تُفَسَّرَ النِّيَّةُ بِتَوَجُّهِ الْقَلْبِ نَحْوَ إيجَادِ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا اهـ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ لَيْسَ هُوَ الْكَفَّ الَّذِي هُوَ الِانْتِهَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَالرَّاجِحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَهُوَ فِي النَّهْيِ كَفُّهُ النَّفْسَ فَحِينَئِذٍ دَخَلَ فِي إيجَادِ الْفِعْلِ وَفِي الصِّحَاحِ الْعَزْمُ إرَادَةُ الْفِعْلِ وَالْقَطْعُ عَلَيْهِ وَالْقَصْدُ إتْيَانُ الشَّيْءِ وَذَكَرَ الْيَمَنِيُّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ ثُمَّ النِّيَّةُ مَعْنًى وَرَاءَ الْعِلْمِ فَهِيَ نَوْعُ إرَادَةٍ كَالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْهَمِّ وَالْحُبِّ وَالْوُدِّ فَالْكُلُّ اسْمٌ لِلْإِرَادَةِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ الْعَزْمَ اسْمٌ لِلْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْقَصْدَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ وَالنِّيَّةَ اسْمٌ لِلْمُقْتَرِنِ بِالْفِعْلِ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْمَنْوِيِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، فَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنْ قُعُودِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَرِيدًا لِلْقِيَامِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ إرَادَتُهُ الْقِيَامَ وَقَدْ يَرْكَعُ الرَّجُلُ وَيَسْجُدُ ذَاهِلًا عَنْ مَعْرِفَةِ إرَادَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا بِدُونِ الْإِرَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِنْوُ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا الْمَفْقُودُ الْعِلْمُ لَا غَيْرَ؛ وَلِذَا قُلْنَا لِلْمُكْرَهِ إرَادَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِمُقَابَلَةِ إرَادَةِ الْمُكْرِهِ لَكِنْ قَدْ تُذْكَرُ النِّيَّةُ مَقَامَ الْعَزِيمَةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا وَنَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَأَطَالَ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي غَيْرِ التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحَمَامِ وَبِنَبِيذِ التَّمْرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَالتَّلَفُّظُ بِهَا مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي التَّوَضُّؤِ بِسُؤْرِ الْحِمَامِ أَوْ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فَشَرْطٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالنُّقَايَةِ مَعْزِيَّيْنِ إلَى الْكِفَايَةِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا فِي كَوْنِهِ مِفْتَاحًا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ بِالثَّلَاثِ عَلَى التَّثْلِيثِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي فَوُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَيْسَ فِيهِ تَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمِيَاهٍ عِنْدَنَا فَتَرْجِعُ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا» إلَخْ إذَا لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ وُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَمَّلْ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ مَا نَصُّهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَالَ فِي الْكَافِي: التَّثْلِيثُ يَعْنِي بِمِيَاهٍ يُقَرِّبُهُ مِنْ الْغُسْلِ وَلَوْ بَدَّلَهُ بِهِ كُرِهَ كَذَا إذَا قَرَّبَهُ مِنْهُ اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ) عِبَارَتُهُ هَكَذَا وَنِيَّتُهُ أَيْ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي، فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ إمَّا عَائِدٌ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى قَوْلِ الْقُدُورِيِّ يَنْوِي الطَّهَارَةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ نِيَّةُ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَّا أَنْ يُقَاسَ عَلَى التَّيَمُّمِ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ وَمِثْلُهَا الْوُضُوءُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ شَيْءٌ وَحِينَئِذٍ فَاعْتِرَاضُ الشَّارِحِ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ أَوَّلًا حَيْثُ أَرْجَعَ الضَّمِيرَ إلَى الْوُضُوءِ وَمُقَدَّمًا لَهُ وَاحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَتْنِ أَرْجَعَهُ إلَى الْمُتَوَضِّئِ وَصَاحِبُ الدَّارِ أَدْرَى وَثَانِيًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَرَفْعَ الْحَدَثِ سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ مَا أَوْرَدَهُ بِقَوْلِهِ وَالْمَذْهَبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ هُوَ حَقِيقَةُ الْوُضُوءِ فَنِيَّةُ الْوُضُوءِ لَا تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ إلَخْ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدَثَ مُتَنَوِّعٌ إلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ وَقَدْ كَفَى نِيَّةُ رَفْعِهِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ. اهـ. قُلْت قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَكْبَرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَصْغَرِ فَالْحَدَثُ، وَإِنْ تَنَوَّعَ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْأَصْغَرُ حَاصِلٌ إمَّا اسْتِقْلَالًا وَإِمَّا ضِمْنًا بِخِلَافِ الْخَبَثِ (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) لِمُنَافَاتِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا

يُثَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ تُعْتَبَرُ شَرْعًا بِلَا نِيَّةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ إنَّمَا صِحَّةُ الْعِبَادَاتِ بِالنِّيَّةِ وَالْوُضُوءُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَصَارَ كَالتَّيَمُّمِ وَلَنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا التَّرْكِيبِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ، فَصَارَ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ فَالتَّقْدِيرُ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ: مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْإِثْمُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي دُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَالْفَسَادُ هُوَ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ وَشَرْحِ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنَارِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ هَذَا فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ أَمَّا الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ فَلَهُ عُمُومٌ كَالشَّيْءِ وَالْحُكْمِ مِنْهُ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ إذْ تَفْسِيرُ الْحُكْمِ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ اهـ. مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقُولًا عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَإِنْ كَانَا أَثَرَيْنِ ثَابِتَيْنِ بِالْأَعْمَالِ مُوجِبَيْنِ لَهَا لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ اهـ. يَعْنِي: لِتَخَلُّفِهِمَا فِي الْأَوَّلِ بِعَدَمِ الْقَبُولِ مَعَ الصِّحَّةِ وَفِي الثَّانِي بِالْعَفْوِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كَفُّ النَّفْسِ بِالنَّهْيِ، فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَلَا تَرِدُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ لِمَعْنًى يَخُصُّهَا، وَهُوَ لُزُومُ التَّسَلْسُلِ لَكِنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ لِلتُّرُوكِ إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ فِي النَّهْيِ هُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ فَمُجَرَّدُ تَرْكِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ الْوَعِيدِ وَمَنَاطُ الثَّوَابِ فِي الْمَنْهِيِّ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، وَهُوَ عَمَلٌ مُنْدَرِجٌ فِي الْحَدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَفَرْقُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ فِعْلٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَطَهَارَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَتَرْكِ الزِّنَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ أَبَدًا لَا يَقَعُ إلَّا بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَقْدُورُ الْمُكَلَّفِ لَا بِعَدَمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وُجُودُهُ قَبْلَ التَّكْلِيفِ كَمَا عُرِفَ فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ أَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكُ لَيْسَ بِفِعْلٍ؛ وَلِهَذَا لَا يُثَابُ الْمُكَلَّفُ عَلَى التَّرْكِ إلَّا إذَا تَرَكَ قَاصِدًا فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَّا إذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ قَصْدًا لَا إذَا اشْتَغَلَ عَنْهُ بِفِعْلٍ آخَرَ كَالنَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ وَتَرْكِهِ بِلَا قَصْدٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ الْمُوجِبَيْنِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْوُضُوءَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حُكْمُ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مَجَازٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ وَالْحُكْمُ الْمُقَدَّرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَنَزِيدُ مِنْهُمَا مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ إذَا لَا ثَوَابَ بِدُونِ النِّيَّةِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا الدُّنْيَوِيُّ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ إلَخْ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَالُوا لَمَّا صَارَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا أَرَدْنَا الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْأُخْرَوِيُّ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ الَّذِي لَا عُمُومَ لَهُ هُوَ الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِأَنْ يُوضَعَ بِإِزَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَضْعًا عَلَى حِدَةٍ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ بِالشَّيْءِ فَيَعُمُّ الْحُكْمَيْنِ كَمَا يَعُمُّ الْحَيَوَانُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَغَيْرَهُمَا وَاللَّوْنُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَنَحْوَهُمَا فَإِرَادَةُ النَّوْعَيْنِ لَا تَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا لِتَصْحِيحِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّارِحُ هُوَ عَيْنُ مَا قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا أُورِدَ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ بِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَيْهِ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَعْنَى تَقْرِيرِهِ أَنَّا نُرِيدُ بِالْحُكْمِ الْمَعْنَى الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَنَدَعُ الْآخَرَ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا لِمَا قَالُوا مِنْ عَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ اسْتِغْنَاءً مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَحَدِهِمَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا وَبِهَذَا يَحْصُلُ الدَّفْعُ لِلْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنْ يُنَافِي الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَحَاصِلُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلشَّارِحِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ إنْ كَانَ مُتَوَاطِئًا قَبِلَ الْعُمُومَ، وَإِنْ كَانَ مُشَكِّكًا لَا يَقْبَلُهُ (قَوْلُهُ: عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْحَكَمَيْنِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ) أَيْ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ الْأَعْمَالُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَامَاتٌ مَحْضَةٌ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا يَكُونُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِرَاكِ إلَّا هَذَا (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْوُضُوءَ) أَيْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمَقَامِ

عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ سَلَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عِبَادَةٌ بِدُونِهَا عِنْدَنَا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا بَلْ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ حَتَّى لَمْ يَقَعْ عِبَادَةٌ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَهَلْ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ حَتَّى تَصِحَّ بِهِ أَوْ لَا؟ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِهِ وَلَا إثْبَاتِهِ فَقُلْنَا نَعَمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَقْصُودُ التَّحْصِيلِ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ فَكَيْفَ حَصَلَ تَحْصِيلُ الْمَقْصُود، وَصَارَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَاقِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا يَفْتَقِرُ اعْتِبَارُهَا إلَى أَنْ تُنْوَى فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الشَّرْطَ وُضُوءٌ هُوَ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا لَا فِي نَفْسِهِ فَكَانَ التَّطْهِيرُ بِهِ تَعَبُّدًا مَحْضًا، وَفِيهِ يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَقِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مُتَأَخِّرًا وَالتَّيَمُّمُ شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْوُضُوءُ قَبْلَهَا إلَّا إنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِمَعْنًى لَمَّا شُرِعَ التَّيَمُّمُ بِشَرْطِ النِّيَّةِ ظَهَرَ وُجُوبُهَا فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَا فَارِقَ، فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ النِّيَّةَ، فَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَبَيَّنَهَا لَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَقَعُ عِبَادَةً فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ أَوْ مُرَادُهُ نَفْيُ الْعِبَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ نَفَى الْعِبَادَةَ عَنْ الْوُضُوءِ مُتَمَسِّكًا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ خَاصَّانِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَوْ دَلَّ عَلَيْهَا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَأَوْرَدَ الْعُقْدَةَ الْأَخِيرَةَ، فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ مَا تَتِمُّ بِهِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ بِأَنَّ إتْمَامَهَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ فَاحْتَاجَ إلَى الْبَيَانِ وَقَدْ بُيِّنَ بِالْحَدِيثِ فَالْفَرْضُ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَالْتَحَقَ بِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلِهِ فَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَحِقَ خَبَرُ الْفَاتِحَةِ كَذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي أَمْرِ الْقِرَاءَةِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ لِمَا ذُكِرَ أُجِيبَ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا لَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِخْلَاصَ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ النِّيَّةِ حَالًا لِلْعَابِدِينَ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ إشْكَالٌ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْعِبَادَاتِ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ إنَّ حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَمَسَحَ كُلَّ رَأْسِهِ مَرَّةً) أَيْ مَرَّةً مُسْتَوْعِبَةً لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَوَضَّأَ وَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَقَالَ «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِي الْهِدَايَةِ وَاَلَّذِي يُرْوَى عَنْهُ مِنْ التَّثْلِيثِ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْغَسْلِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمَسْحِ فَلَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ وَالتَّيَمُّمِ وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَمْسُوحِ وَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَغْسُولِ وَفِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَارَ الْبَلَلُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَكَيْفَ يُسَنُّ إمْرَارُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ لِإِقَامَةِ فَرْضٍ آخَرَ لَا لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُسَنُّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ تَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَمُدَّهُمَا إلَى الْقَفَا عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ وَالْمَدِّ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ فَكَذَا بِالثَّانِي فَلَا يُفِيدُ تَأْخِيرُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ) أَيْ بِمَاءِ الرَّأْسِ وَفِي الْمُجْتَبَى يَمْسَحُهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ دَاخِلَهُمَا وَبِالْإِبْهَامَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقُلْنَا نَعَمْ) أَيْ أَنَّهُ يَقَعُ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ) ، وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مُطَهِّرًا إلَّا لِلصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُجَرَّدِ إذَا مَسَحَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَانَ مَسْنُونًا (قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيعَابِ وَبَيَانُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ وَيَضَعَ بُطُونَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَعْزِلَ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ وَيُجَافِي الْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى الرَّأْسِ ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَيَمْسَحُ ظَاهِرَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَبَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ وَيَمْسَحُ رَقَبَتَهُ بِظَاهِرِ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ مَاسِحًا بِبَلَلٍ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا هَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَسْحَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ وَنُقِلَ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا يَعْنِي حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ

خَارِجَهُمَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُدْخِلُ الْخِنْصَرَ فِي أُذُنَيْهِ وَيُحَرِّكُهُمَا وَاسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ بِالْحَدِيثِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» أَيْ يُمْسَحَانِ بِمَا يُمْسَحُ بِهِ الرَّأْسُ وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاسْتَدَلَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ أَخَذَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ» عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا» فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لِفِنَاءِ الْبِلَّةِ قَبْلَ الِاسْتِيعَابِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا مِنْ غَيْرِ فَنَاءِ الْبِلَّةِ كَانَ حَسَنًا كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ مَاءً جَدِيدًا وَمَسَحَ بِالْبِلَّةِ الْبَاقِيَةِ هَلْ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَا أَمَّا لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا مَعَ بَقَاءِ الْبِلَّةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ) أَيْ كَمَا ذَكَرَ فِي النَّصِّ فِي أَصْلِهِ الْوَافِي، وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَى الْخِلَافَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَعْنَى الْوَاوِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَلَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمَنْ زَعَمَ مِنْ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّهَا لَهُ لِمَسَائِلَ اسْتَدَلَّ بِهَا فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهَا فِي الْأُصُولِ وَمَنْ زَعَمَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا لَهُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ بِالِافْتِرَاضِ فَنَفَاهُ أَئِمَّتُنَا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالُوا بِسُنِّيَّتِهِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ وَالْأَصْلُ جَمْعُ الْمُتَجَانِسَةِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ ثُمَّ عَطْفُ غَيْرِهَا لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ هُنَا وُجُوبُ التَّرْتِيبِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ التَّنْبِيهُ عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْجُلِ لِمَا أَنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي التَّوْشِيحِ وَأَبُو دَاوُد كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَيَمَّمَ فَبَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ» فَلَمَّا ثَبَتَ عَدَمُ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ ثَبَتَ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُونَ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَقَّبَ الْقِيَامَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْفَاءِ، وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَتَى وَجَبَ تَقْدِيمُ الْوَجْهِ تَعَيَّنَ التَّرْتِيبُ إذْ لَا قَائِلَ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْبَعْضِ وَمَا أَجَابُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْفَاءَ إنَّمَا تُفِيدُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ حَصَلَ لَهُ ذُهُولٌ وَاشْتِبَاهٌ فَاخْتَرَعَهُ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ» فَقَدْ اعْتَرَفَ النَّوَوِيُّ بِضَعْفِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَمَسَحَهَا وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ رِجْلَيْهِ» فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الِافْتِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمُدَّعِيهِ مُطَالَبٌ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْوِلَاءُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَهُوَ التَّتَابُعُ فِي الْأَفْعَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا جَفَافُ عُضْوٍ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ كَذَا فِي تَقْرِيرِ الْأَكْمَلِ وَغَيْرِهِ وَفِي السَّرَّاجِ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَالْبَدَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ بِأَنْ فَرَغَ مَاءُ الْوُضُوءِ أَوْ انْقَلَبَ الْإِنَاءُ فَذَهَبَ لِطَلَبِ الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَا إذَا فَرَّقَ فِي الْغَسْلِ وَالتَّيَمُّمِ. اهـ. وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعُضْوَ الْأَوَّلَ إذَا جَفَّ بَعْدَمَا غَسَلَ الثَّانِيَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوِلَاءٍ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْوِلَاءَ غَسْلُ الْعُضْوِ الثَّانِي قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وِلَاءٌ، وَهُوَ الْأَوْلَى وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ تَجْفِيفُ الْأَعْضَاءِ قَبْلَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَلَاءِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْمِعْرَاجِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الْوَلَاءِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ إلَى جِنَازَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا إلَخْ) مُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ مَطْلُوبًا عِنْدَنَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ لِتَكُونَ عِبَادَةً مُجْمَعًا عَلَيْهَا لَكِنَّ تَقْيِيدَ الْمُتُونِ كَوْنُهُ بِمَاءِ الرَّأْسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ السُّنَّةُ وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُ مَاءٍ لِلرَّأْسِ فَكَذَا لِمَا كَانَ مِنْهُ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ ثُمَّ السُّنَّةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَكُونَ بِمَاءِ الرَّأْسِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ إلَخْ فَمَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ رِوَايَةٌ وَالْمُتُونُ وَالشُّرُوحُ عَلَى خِلَافِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّصِّ) أَيْ فِي الْآيَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْ التَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ اهـ. فَإِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَتْنِ صَرَّحَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ) يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظَةِ الْأَوَّل وَالْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ بَدَلَهُ أَوْ تَأْخِيرُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ.

مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ اهـ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ حَسَنٌ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ بِحَضْرَةِ حَاضِرِي الْجِنَازَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَمُسْتَحَبُّهُ التَّيَامُنُ) أَيْ مُسْتَحَبُّ الْوُضُوءِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الشَّيْءُ الْمَحْبُوبُ ضِدُّ الْمَكْرُوهِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى وَالْمَنْدُوبُ مَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَتَرَكَهُ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَمَا جَعَلَهُ تَعْرِيفًا لِلْمُسْتَحَبِّ جَعَلَهُ فِي الْمُحِيطِ تَعْرِيفًا لِلْمَنْدُوبِ، فَالْأَوْلَى مَا عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ، وَأَنَّ مَا وَاظَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ سُنَّةٌ وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ مَا رَغَّبَ فِيهِ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَحُكْمُهُ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّيَامُنُ مُسْتَحَبًّا لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي طَهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ» والمحبوبية لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَحْبُوبَةٌ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى كُلِّهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَبَّةً بَلْ مَسْنُونَةً لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» وَغَيْرُ وَاحِدٍ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحُوا بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَذَلِكَ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَحْكُونَ وُضُوءَهُ الَّذِي هُوَ عَادَتُهُ فَيَكُونُ سُنَّةً وَبِمِثْلِهِ تَثْبُتُ سُنِّيَّةُ الِاسْتِيعَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَذَلِكَ حَكَوْا الْمَسْحَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ إلَّا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَتُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ وَالنَّدْبَ لَا السُّنِّيَّةَ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّيَامُنِ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي فَلَا تُفِيدُ السُّنِّيَّةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْيُمْنَى فَضِيلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ تَبَعًا لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَمْسُوحِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِيهِ كَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّ مَسْحَهُمَا مَعًا أَسْهَلُ كَالْحَدَّيْنِ، وَلَيْسَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عُضْوَانِ لَا يُتَسَحَّبُ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا إلَّا الْأُذُنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ أَقْطَعَ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْيُمْنَى وَبِالْحَدِّ الْأَيْمَنِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. (قَوْلُهُ: وَمَسَحَ رَقَبَتَهُ) يَعْنِي بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ بِلَّتِهِمَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ بِدْعَةٌ وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ وَبِهِ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَدَبٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا مَسْحُ الْحُلْقُومِ فَبِدْعَةٌ وَاسْتَدَلَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ ظَاهِرَ رَقَبَتِهِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ» فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ حَصْرَ مُسْتَحَبِّهِ فِيمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ مُسْتَحَبَّاتٍ كَثِيرَةً وَعَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُهُمْ بِمَنْدُوبَاتِهِ، وَقَدَّمْنَا عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَاَلَّذِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ وَكَلَامِ النَّاسِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَعَنْ الْوَبَرِيِّ لَا بَأْسَ بِصَبِّ الْخَادِمِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَبُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ وَالتَّمَسُّحُ بِخِرْقَةٍ يَمْسَحُ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ وَنَزْعُ خَاتَمٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيِّهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ وَكَوْنُ آنِيَتِهِ مِنْ خَزَفٍ وَأَنْ يَغْسِلَ عُرْوَةَ الْإِبْرِيقِ ثَلَاثًا وَوَضْعُهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَاءً يَغْتَرِفُ مِنْهُ فَعَنْ يَمِينِهِ وَوَضْعُ يَدِهِ حَالَةَ الْغَسْلِ عَلَى عُرْوَتِهِ لَا رَأْسِهِ وَالتَّأْهِيلُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَذِكْرُ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَتَعَاهُدِ مُوقَيْهِ وَمَا تَحْتَ الْخَاتَمِ وَالذِّكْرُ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى كُلِّهَا) يَنْبَغِي إسْقَاطُ لَفْظَةِ كُلِّهَا كَمَا وَقَعَ فِي النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْفَتْحِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى بَعْضِهَا فَيَكُونُ مَسْنُونًا لَا مُسْتَحَبًّا تَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ الشَّارِحُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا سَيَأْتِي فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّيَامُنِ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي) أَيْ الْعَادَةِ قَالَ فِي النَّهْرِ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَكِنَّ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ يُنَافِيهَا وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ. أَيْ عَدَمُ اخْتِصَاصِ التَّيَامُنِ بِالْوُضُوءِ يُنَافِي كَوْنَهُ مِنْ سُنَنِهِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهُ كَمَا يُنْدَبُ لِغَيْرِهِ كَالتَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ قُلْت يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمُ اخْتِصَاصِ السِّوَاكِ وَالنِّيَّةِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إلَّا الْأُذُنَيْنِ) أَيْ وَالْخَدَّيْنِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَالْمَاءُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ فَفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْخَادِمِ وَالْمَاءُ مَفْعُولٌ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالتَّمَسُّحُ إلَخْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْإِسْرَافِ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَأَنْ لَا يَمْسَحَ أَعْضَاءَهُ بِالْخِرْقَةِ الَّتِي مَسَحَ بِهَا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: وَنَزْعُ خَاتَمٍ) ذُكِرَ فِي الْفَتْحِ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ وَمِنْهَا اسْتِقَاءُ مَائِهِ بِنَفْسِهِ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ الَّتِي نُقِلَ عَنْهَا مَا بَيْنَ لَفْظَتَيْ الِاسْتِنْجَاءِ (قَوْلُهُ: وَالذِّكْرُ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ) ، وَهُوَ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ

بِالْمَاءِ وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ وَالتَّأَنِّي وَالدَّلْكُ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ وَتَجَاوُزُ حُدُودِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِيَسْتَيْقِنَ غَسْلَهُمَا وَقَوْلُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ إلَخْ وَأَنْ يَشْرَبَ فَضْلَ وُضُوئِهِ مُسْتَقْبِلًا قَائِمًا قِيلَ، وَإِنْ شَاءَ قَاعِدًا وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِيبَهُ وَمِلْءُ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا وَحِفْظُ ثِيَابِهِ مِنْ التَّقَاطُرِ وَالِامْتِخَاطِ بِالشِّمَالِ عِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ وَيُكْرَهُ بِالْيَمِينِ وَكَذَا إلْقَاءُ الْبُزَاقِ فِي الْمَاءِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَبِالْمَاءِ الْمُشْمِسِ اهـ. وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ وَقَدْ ذَكَرَ قَاضِي خان تَرْكَهُ مِنَّا السُّنَنِ وَلَعَلَّهُ الْأَوْجُهُ فَعَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا لَا يَكُونُ الْإِسْرَافُ مَكْرُوهًا وَعَلَى كَوْنِهِ سُنَّةً يَكُونُ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِكَرَاهَتِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَتَكُونُ تَحْرِيمِيَّةً وَقَدْ ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ آخِرًا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مِنْ الْإِسْرَافِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَاءَ نَهْرٍ أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ مَاءً مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ أَوْ يَتَوَضَّأُ حَرُمَتْ الزِّيَادَةُ وَالسَّرَفُ بِلَا خِلَافٍ وَمَاءُ الْمَدَارِسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوقَفُ وَيُسَاقُ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا أَطْلَقُوهُ هُنَا الثَّانِي أَنَّ تَرْكَ كَلَامِ النَّاسِ لَا يَكُونُ أَدَبًا إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ يُخَافُ فَوْتُهَا بِتَرْكِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ تَرْكُ الْأَدَبِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الثَّالِثُ أَنَّ التَّأَهُّبَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ صَاحِبِ الْعُذْرِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ الرَّابِعُ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّ لَطْمَ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ تَرْكُهُ سُنَّةً لَا أَدَبًا الْخَامِسُ أَنَّ ذِكْرَهُ الدَّلْكَ بَعْدَ ذِكْرِهِ إمْرَارَ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ الدَّلْكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ مَعَ الِاتِّكَاءِ السَّادِسُ أَنَّهُ ذَكَرَ الدَّلْكَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا السَّابِعُ أَنَّهُ ذَكَرَ مِنْهَا مِلْءَ آنِيَتِهِ اسْتِعْدَادًا، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوُضُوءُ مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ أَيْسَرُ مِنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْإِنَاءِ الثَّامِنُ: أَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَا أَصْلَ لَهَا، وَاَلَّذِي ثَبَتَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي التَّوْشِيحِ التَّاسِعُ: أَنَّ مِنْهَا غَسْلَ مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ، الْعَاشِرُ: إنَّ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ إنَّمَا تُنْدَبُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مِنْهَا الْجَمْعَ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَفِعْلِ اللِّسَانِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ فِي الْمَوَاضِعِ النَّجِسَةِ؛ لِأَنَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ حُرْمَةً كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ الثَّالِثَ عَشَرَ: مِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِمُقَدَّمِهِ، وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَا تُرِحْنِي رَائِحَةَ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وَعِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا وَرَاءَ ظَهْرِي وَلَا تُحَاسِبْنِي حِسَابًا عَسِيرًا وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّ عَرْشِك وَعِنْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ اللَّهُمَّ اعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَتِجَارَتِي لَنْ تَبُورَ اهـ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا لَا يَكُونُ الْإِسْرَافُ مَكْرُوهًا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الْجَنَائِزِ وَالشَّهَادَاتِ أَنْ مُرَجِّحَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا شَكَّ أَنَّ تَارِكَ الْمَنْدُوبِ آتٍ بِخِلَافِ الْأَوْلَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إذْ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ مَصْرُوفٌ إلَى التَّحْرِيمِ فَمَا فِي الْمُنْتَقَى مُوَافِقٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ وَبِهِ يَضْعُفُ جَعْلُهُ مَنْدُوبًا اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إلَخْ عَائِدٌ إلَى الْإِسْرَافِ وَقَوْلُهُ فَمَا فِي الْمُنْتَقَى مُوَافِقٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ صَوَابُهُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى إذْ لَا ذِكْرَ لِلسِّرَاجِ لَا فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَالْخَامِسُ أَنَّ ذِكْرَهُ الدَّلْكَ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ إمْرَارُ الْيَدِ الْمَبْلُولَةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي لِلْمُتَوَضِّئِ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَبُلَّ أَعْضَاءَهُ بِالْمَاءِ شِبْهَ الدُّهْنِ ثُمَّ يُسِيلَ الْمَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الشِّتَاءِ اهـ. لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالشِّتَاءِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الثَّامِنُ أَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ طُرُقٍ قَالَ مُحَقِّقُ الشَّافِعِيَّةِ الرَّمْلِيُّ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ اهـ.

[نواقض الوضوء]

بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ الرَّابِعَ عَشَرَ: مِنْهَا إدْخَالُ خِنْصَرَيْهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مِنْهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ عُضْوٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجَسٍ مِنْهُ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ نَجَسٍ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ وَالنَّجَسُ بِفَتْحَتَيْنِ اصْطِلَاحًا عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ مَا لَا يَكُونُ طَاهِرًا وَفِي اللُّغَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ أَعَمُّ فَيَصِحُّ ضَبْطُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالنَّقْضُ فِي الْجِسْمِ فَكُّ تَأْلِيفِهِ وَفِي غَيْرِهِ إخْرَاجُهُ عَنْ إفَادَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ كَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوُضُوءِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ خُرُوجُ نَجَسٍ أَنَّ النَّاقِضَ خُرُوجُهُ لَا عَيْنُهُ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّ الْخُرُوجَ عِلَّةُ الِانْتِقَاضِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى وَعَلَّلَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهَا نَاقِضَةً لَمَا حَصَلَتْ طَهَارَةٌ لِشَخْصٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ جِلْدَةٍ دَمًا لَكِنْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الظَّاهِرُ أَنَّ النَّاقِضَ النَّجَسُ الْخَارِجُ وَبَيَّنَهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ لِلنَّقْضِ وَالضِّدُّ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ ضِدِّهِ وَصِفَةُ النَّجَاسَةِ الرَّافِعَةُ لِلطَّهَارَةِ إنَّمَا هِيَ قَائِمَةٌ بِالْخَارِجِ، فَالْعِلَّةُ لِلنَّقْضِ هِيَ النَّجَاسَةُ بِشَرْطِ الْخُرُوجِ وَتَأَيَّدَ هَذَا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ «مَا الْحَدَثُ قَالَ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ» فَالْعِلَّةُ النَّجَاسَةُ، وَالْخُرُوجُ عِلَّةُ الْعِلَّةِ، وَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا قَالُوا مِنْ لُزُومِ عَدَمِ حُصُولِ طَهَارَةٍ لِشَخْصٍ عَلَى تَقْدِيرِ إضَافَةِ النَّقْضِ إلَى النَّجَاسَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ إلَّا لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَمَلِ الْعِلَّةِ، وَلَا عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَشَمَلَ كَلَامُهُ جَمِيعَ النَّوَاقِضِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ، وَهُوَ قِسْمَانِ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَخَارِجٌ مِنْ غَيْرِهِمَا فَالْأَوَّلُ نَاقِضٌ مُطْلَقًا فَتَنْقُضُ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ وَالْفَرْجِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي السَّرَّاجِ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّ الدُّودَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ فَرْجِهَا عَلَى الْخِلَافِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ يَكُونُ الدُّودَةُ نَاقِضَةً أَنَّهَا نَجِسَةٌ لِتَوَلُّدِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ فِيهَا طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ النَّاقِضَ مَا عَلَيْهَا وَاخْتَارَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ فِي الْحَصَاةِ مُسَلَّمٌ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ الرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنْ الذَّكَرِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا اخْتِلَاجٌ، وَلَيْسَ بِرِيحٍ خَارِجَةٍ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ بِمُنْبَعِثَةٍ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَالرِّيحُ لَا يَنْقُضُ إلَّا لِذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرَةٌ حَتَّى لَوْ لَبِسَ سَرَاوِيلَ مُبْتَلَّةً أَوْ ابْتَلَّ مِنْ أَلْيَتَيْهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَخَرَجَ الرِّيحُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي بِسَرَاوِيلِهِ فَوَرَعٌ مِنْهُ كَذَا قَالُوا فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَدَخَلَ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي دُبُرِهِ وَلَمْ يُغَيِّبْهَا، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْبِلَّةُ وَالرَّائِحَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَذَا فِي شَرْحِ قَاضِي خان وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا غَيَّبَهُ نُقِضَ مُطْلَقًا، وَكَذَا الذُّبَابُ إذَا طَارَ وَدَخَلَ فِي الدُّبُرِ وَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ بِلَّةٍ لَا يَنْقُضُ وَكَذَا الْمِحْقَنَةُ إذَا أَدْخَلَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بِلَّةٌ لَا تَنْقُضُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَإِذَا أَقَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ثُمَّ عَادَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا احْتَقَنَ بِدُهْنٍ ثُمَّ عَادَ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الثَّانِي اخْتَلَطَ الدُّهْنُ بِالنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْإِحْلِيلِ لِلْحَائِلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ النَّقْضِ قَوْلُهُ فَقَطْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ لَا يَنْقُضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَالْإِحْلِيلُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَكُلُّ شَيْءٍ إذَا غَيَّبَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ أَوْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ دَاخِلًا مُطْلَقًا فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَكُلُّ شَيْءٍ إذَا أُدْخِلَ بَعْضُهُ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ مُطْلَقًا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ اهـ. وَالْكُلِّيَّةُ الثَّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْبِلَّةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ احْتَشَتْ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ وَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [نَوَاقِض الْوُضُوء] (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ أَعَمُّ) اهـ. قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِيهِ الظَّرْفَانِ الْمُرَادُ مَا هُوَ مُتَنَجِّسٌ كَالثَّوْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَلَكٍ وَحِينَئِذٍ ضَبْطُهُ بِالْفَتْحِ مُتَعَيِّنٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا خَرَجَ مُتَنَجِّسًا بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي بِهِ فَصَدَقَ عَلَيْهِ خُرُوجُ النَّجَسِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ بِالْفَتْحِ أَشْمَلُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى) أَيْ وَالْعِلَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى وَالْخُرُوجُ كَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى (قَوْلِهِ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَمَلِ الْعِلَّةِ وَلَا عِلَّةِ الْعِلَّةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ شَرْطًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَيْنَهَا ظَاهِرَةٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فَيُشْكَلُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ دُخُولِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ فِي كَلَامِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنُهَا نَجِسَةً لَكِنَّهَا مُتَنَجِّسَةٌ فَتَدْخُلُ فِيهِ سَوَاءٌ قُرِئَ قَوْلُهُ نَجِسٌ بِالْفَتْحِ أَوْ بِالْكَسْرِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لُغَةً فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ) ، وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَالْكُلِّيَّةُ الثَّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْبِلَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ فَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَلَا لِتَعَلُّقِهِ بِالدُّخُولِ فَقَطْ ثُمَّ فِي الْكُلِّيَّةِ الْأُولَى إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى إطْلَاقِهَا أَنْ تُحْكَمَ بِنَقِيضِ الْوُضُوءِ بِغَيْرِ خَارِجٍ نَجِسٍ إذَا خَرَجَ ذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرَ مُبْتَلٍّ فَتَأَمَّلْ

فَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ عَالِيَةً أَوْ مُحَاذِيَةً لِحَرْفِ الْفَرْجِ كَانَ حَدَثًا لِوُجُودِ الْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ مُتَسَلِّفَةً عَنْهُ لَا يُنْقَضُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ كَانَتْ احْتَشَتْ فِي الْفَرْجِ الْخَارِجِ فَابْتَلَّ دَاخِلَ الْحَشْوِ انْتَقَضَ نَفَذَ وَلَمْ يَنْفُذْ فِي التَّبْيِينِ، وَإِنْ حَشَى إحْلِيلَهُ بِقُطْنَةٍ فَخَرَجَهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمَجْبُوبُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إمْسَاكِهِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَرْسَلَهُ، فَهُوَ بَوْلٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَسِلْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُنْثَى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ فَذَكَرُهُ كَالْجُرْحِ أَوْ رَجُلٌ فَفَرْجُهُ كَالْجُرْحِ وَيُنْقَضُ فِي الْآخِرِ بِالظُّهُورِ لَكِنْ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخُنْثَى يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مِنْ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا سَالَ أَوْ لَا تَبَيَّنَ حَالَةً أَوْ لَا وَفِي التَّوْشِيحِ يُؤْخَذُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكَلِ بِالْأَحْوَطِ، وَهُوَ النَّقْضُ، وَأَمَّا الْمُفْضَاةُ، وَهِيَ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا أَوْ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ بَوْلِهَا وَوَطْئِهَا وَاحِدًا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ مِنْ الرِّيحِ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَفْصٍ لِلِاحْتِيَاطِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الرِّيحِ كَوْنُهَا مِنْ الدُّبُرِ بَلْ لَا نِسْبَةً لِكَوْنِهَا مِنْ الْقُبُلِ بِهِ، فَيُفِيدُ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَقْرُبُ مِنْ الْيَقِينِ، وَهُوَ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ لَهُ حُكْمُ الْيَقِينِ، فَتَرْجُحُ الْوُجُوبُ اهـ. لَكِنْ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فِيهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ النَّقْضِ بِالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْفَرْجِ، وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّبُرِ يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلَهَا حُكْمَانِ آخَرَانِ: الْأَوَّلُ لَوْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَحْبَلْ لِاحْتِمَالِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ الثَّانِي وَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا جِمَاعُهَا إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ إتْيَانُهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّا بِهَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَلَا كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ بِذَكَرِهِ شِقٌّ لَهُ رَأْسَانِ إحْدَاهُمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَاءٌ يَسِيلُ فِي مَجْرَى الذَّكَرِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ فَفِي الْأَوَّلِ يُنْقَضُ بِالظُّهُورِ وَفِي الثَّانِي بِالسَّيَلَانِ وَفِي التَّوْشِيحِ بَاسُورٌ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، فَإِنْ عَالَجَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ حَتَّى أَدْخَلَهُ تُنْقَضُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَزِقُ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ إلَّا إنْ عَطَسَ فَدَخَلَ بِنَفْسِهِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ تَيَقَّنَ خُرُوجَ الدُّبُرِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الدُّودَةِ فَدَخَلَتْ اهـ. ثُمَّ الْخُرُوجُ فِي السَّبِيلَيْنِ يَتَحَقَّقُ بِالظُّهُورِ، فَلَوْ نَزَلَ الْبَوْلُ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ لَا يُنْقَضُ، وَإِلَى الْقُلْفَةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ. وَأَجَابَ فِي الْغُسْلِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الْإِيصَالِ عَلَى الْجُنُبِ فَلَا إشْكَالَ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيصَالِ فِي الْغُسْلِ لِلْحَرَجِ لَا؛ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ، فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ وَاسْتَدَلُّوا لِكَوْنِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضًا مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ يُقْصَدُ لِلْحَاجَةِ فَالْمَجِيءُ مِنْهُ يَكُونُ لَازِمًا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَأُطْلِقَ اللَّازِمُ، وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنْهُ وَأُرِيدَ الْمَلْزُومُ، وَهُوَ الْحَدَثُ كِنَايَةً كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ اللَّازِمَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ وَالْمَلْزُومَ الْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ، وَإِذَا كَانَ كِنَايَةً عَنْ اللَّازِمِ فَالْحَمْلُ عَلَى أَعَمِّ اللَّوَازِمِ أَوْلَى أَخَذَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ نَاقِضًا مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ، فَكَانَ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى إرَادَةِ أَعَمِّ اللَّوَازِمِ لِلْمَجِيءِ وَالْخَارِجُ النَّجَسُ مُطْلَقًا لَيْسَ مِنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْغَائِطَ لَا يُقْصَدُ قَطُّ لِلرِّيحِ فَضْلًا عَنْ جُرْحِ إبْرَةٍ وَنَحْوِهِ فَالْأَوْلَى كَوْنُهُ فِيمَا يَحِلُّهُ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى الرِّيحِ بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَى غَيْرِهِ بِالْخَبَرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» اهـ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ فِي التَّبْيِينِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ هُوَ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فِيهَا) أَيْ تَرْجِيحُ الْوُجُوبِ فِي الْمُفْضَاةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهِيَ أَنَّهَا الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا وَكَذَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِذَكَرِهِ شَقٌّ) الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ جُرْحٌ بَدَلَ شَقٍّ (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالْحَرَجِ أَنَّهُ فِيمَنْ لَا يُمْكِنُهُ فَسْخُهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَ فَلَا يَكُونُ مُنَافَاةً بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِالْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَكُونُ وُجُوبُ الْغَسْلِ مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ مُعْتَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ) بَيَانٌ لِعُمُومِ اللَّازِمِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ أَيْ لَا يُخَصُّ بِالْمُعْتَادِ

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَشَايِخَ إنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِالْآيَةِ عَلَى مَالِكٍ فِي نَفْيِهِ نَاقِضِيَّةَ غَيْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَالْقِيَاسُ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، فَالْأَصْلُ الْخَارِجُ النَّجَسُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ وَالْفَرْعُ مَا خَرَجَ مِنْهُمَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَنَاقِضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَذَا قَالُوا وَمُرَادُهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَمَكَانٍ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْحُكْمَ بِالْأَعَمِّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّ مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ لَا تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَصْلًا بَلْ تُنْدَبُ لِمَا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ مَسْنُونَةٌ وَأَنَّ حَدَّهَا أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِمَنْخِرَيْهِ يَصْعَدُ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْ الْأَنْفِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ نَقَضَ وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى صِمَاخِ الْأُذُنِ يَكُونُ حَدَثًا وَفِي الصِّحَاحِ صِمَاخُ الْأُذُنِ خَرْقُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِكَوْنِهِ يُنْدَبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ وَكَذَا إذَا افْتَصَدَ وَخَرَجَ دَمٌ كَثِيرٌ وَسَالَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِكَوْنِهِ وَصَلَ إلَى ثَوْبٍ أَوْ مَكَان يَلْحَقُهُمَا حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ كَلَامَ كَثِيرٍ مِنْ الشَّارِحِينَ؛ وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ خَرَجَ مِنْ جُرْحٍ فِي الْعَيْنِ دَمٌ فَسَالَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهَا لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ حُكْمٌ هُوَ وُجُوبُ التَّطْهِيرِ أَوْ نَدْبُهُ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْمُرَادُ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ وَقَوْلُ الْحَدَّادِيِّ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ لَا يَنْقُضُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَا يُسَنُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ حِينَئِذٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْعِبَارَاتِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ نَقَضَ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ النَّقْضِ إذَا وَصَلَ إلَى مَا اشْتَدَّ مِنْهُ لَا بِالْمَفْهُومِ، وَالصَّرِيحُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَشَايِخَ) تَعَقُّبٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ فَكَانَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إلَخْ حَيْثُ عَمَّ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا وَهْمٌ وَأَنَّى يُسْتَدَلُّ بِمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَقَدْ عَلَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا يَمْنَعُ هَذَا الِاسْتِخْرَاجَ فَقَالَ مَا لَفْظُهُ لَوْ نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَلَمْ يَظْهَرْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ وَصَلَ، فَإِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ اهـ. وَقَدْ أَفْصَحُ هَذَا التَّعْلِيلُ عَنْ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْقَصَبَةِ مَا لَانَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ لَوْ نَزَلَ الدَّمُ مِنْ الْأَنْفِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَحَمْلُ الْوُجُوبِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الثُّبُوتِ مِمَّا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالصِّمَاخِ الْخِرَقُ الَّذِي يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي الْجَنَابَةِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَهُمْ مُنَافٍ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ أَنَّ مُلَاحَظَتَهَا فِي الْمُجَاوَزَةِ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان يَقْتَضِي أَنَّ الدَّمَ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يُنْدَبُ تَطْهِيرُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَضَ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْرَفْ فِي فُرُوعِهِمْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ تَنَبُّهِهَا بَلْ الْمُرَادُ بِالتَّجَاوُزِ السَّيَلَانُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ. وَأَقُولُ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِنْشَاقِ فَرْضٌ وَأَنْ يَبْقَى أَوَّلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ النَّقْضَ بِالْوُصُولِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوُصُولِ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ قَوْلُ زُفَرَ وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ لِبَيَانِ الِاتِّفَاقِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ مُلَاحَظَتَهَا فِي الْمُجَاوَزَةِ إلَخْ مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَضْلًا عَنْ اقْتِضَائِهِ مَا ذَكَرَهُ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّجَاوُزِ السَّيَلَانُ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي آخَرِ كَلَامِهِ وَالْمُرَادُ بِالْوُصُولِ الْمَذْكُورِ سَيَلَانُهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا وَهْمَ فِي كَلَامِهِ وَأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُنَافِي تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الثُّبُوتِ فَتَدَبَّرْ مُنْصِفًا (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ) أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْ إلَى مَحَلِّ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لَيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ السَّابِقِ وَفِيهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ سَالَ إلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَبَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ مَثَلًا أَوْ عَذِرَةٍ أَوْ غَيْرِهِ ذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَكَانَ الظَّاهِرُ إبْدَالَ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَنَاقِضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَصِلَ إلَخْ بِقَوْلِنَا بِشَرْطِ أَنْ يَسِيلَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ أَوْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعٍ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَوْ تُنْدَبُ مِنْ الْبَدَنِ فَيَدْخُلُ فِي شَرْطِ السَّيَلَانِ ظَاهِرُ الْبَدَنِ مَسْأَلَةُ الِافْتِصَادِ حَيْثُ لَمْ يَتَلَطَّخْ رَأْسُ الْجُرْحِ وَمَسْأَلَةُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ مِمَّا سَالَ دَاخِلَهُ تَدْخُلُ فِي قَوْلِنَا أَوْ يَصِلَ إلَخْ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ أَيْ إلَى الْمَارِنِ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، فَإِنْ قُلْت لِمَ قُيِّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ مَسْطُورَةٌ فِي الْكُتُبِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الدَّمَ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يَنْزِلَ إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْقَيْدِ إذَنْ سِوَى التَّكْرَارِ بِلَا فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ عُلِمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ قُلْت بَيَانًا لِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يَنْزِلْ الدَّمُ إلَى مَا لَانَ مِنْ

وَالْمُرَادُ بِالْوُصُولِ الْمَذْكُورِ سَيَلَانُهُ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ فَفِي الْمُحِيطِ حَدُّهُ أَنْ يَعْلُوَ وَيَنْحَدِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا انْتَفَخَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ، وَصَارَ أَكْبَرَ مِنْ رَأْسِهِ نَقَضَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَفِي الدِّرَايَةِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَصَحَّ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَوَرَّمَ رَأْسُ الْجُرْحِ فَظَهَرَ بِهِ قَيْحٌ وَنَحْوُهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْوَرَمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ الْوَرَمِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ ثُمَّ الْجُرْحُ وَالنَّفْطَةُ وَمَاءُ السُّرَّةِ وَالثَّدْيِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ إذَا كَانَ لِعِلَّةٍ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ مَاءَ النَّفْطَةِ لَا يَنْقُضُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ لِمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ جُدَرِيٌّ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي التَّبْيِينِ وَالْقَيْحُ الْخَارِجُ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الصَّدِيدُ إنْ كَانَ بِدُونِ الْوَجَعِ لَا يَنْقُضُ، وَمَعَ الْوَجَعِ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجُرْحِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا يَنْقُضُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ وَجَعٍ أَوْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ إلَّا عَنْ عِلَّةٍ نَعَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مَاءً لَيْسَ غَيْرُ وَفِيهِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ يَسِيلُ مِنْهُمَا الدُّمُوعُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَدِيدًا أَوْ قَيْحًا اهـ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ نَعَمْ إذَا عُلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ بِعَلَامَاتٍ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي الْجُرْحِ فَأَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَكَلَهُ الذُّبَابُ فَازْدَادَ فِي مَكَانِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَزِيدُ وَيَسِيلُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِنَفْسِهِ بَطَلَ وُضُوءُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ تُرَابٌ أَوْ رَمَادٌ ثُمَّ ظَهَرَ ثَانِيًا وَتَرَّبَهُ ثُمَّ وَثُمَّ فَهُوَ كَذَلِكَ يَجْمَعُ كُلَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى أَمَّا إذَا كَانَ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَجْمَعُ، وَلَوْ رَبَطَ الْجُرْحَ فَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى ضَاقَ لَا إلَى الْخَارِجِ نَقَضَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَنْفِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ قَبْلَ ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَزْيِيفِ صَاحِبِ النَّهْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ التَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ) عِبَارَةُ الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الدِّرَايَةِ وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَوْلَى اهـ. وَالْأَوَّلُ فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الدِّرَايَةِ قَوْلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ ثَانِيًا ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالنَّفِطَةُ) هِيَ الْقُرْحَةُ الَّتِي امْتَلَأَتْ وَحَانَ قَشْرُهَا، وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ انْتَفَطَ فُلَانٌ إذَا امْتَلَأَ غَضَبًا قَالَ فِي الْجَمْهَرَةِ تَنَفَّطَتْ يَدُ الرَّجُلِ إذَا رَقَّ جِلْدُهَا مِنْ الْعَمَلِ وَصَارَ فِيهَا كَالْمَاءِ وَالْكَفُّ نَفِيطَةٌ وَمَنْفُوطَةٌ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ أَيْضًا بَعْدَهُ هَذَا أَيْ النَّقْضُ إذَا كَانَتْ النَّفِطَةُ أَصْلُهَا دَمًا وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الِابْتِدَاءِ مَاءً (قَوْلُهُ: نَعَمْ هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ فُرُوعٍ كَمَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَنْضَحُ فَيَصِيرُ صَدِيدًا (قَوْلُهُ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ إلَخْ) رَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ رَاجِحٌ وَبِأَنَّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ وَكَذَا فِي الْمُجْتَبَى قَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ (قَوْلُهُ: فَهُوَ كَذَلِكَ يَجْمَعُ كُلَّهُ) أَقُولُ: التَّشْبِيهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَلْ النَّظَرُ فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَسَالَ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْخَارِجَ إذَا تُرِكَ رُبَّمَا لَا يَسِيل لِانْسِدَادِ الْمَخْرَجِ بِمَا خَرَجَ فَإِذَا مَسَحَهُ وَخَرَجَ غَيْرُهُ مِمَّا لَا يَسِيلُ وَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءٌ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَسْمُوحَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إذَا جُمِعَ رُبَّمَا يَكُونُ سَائِلًا وَأَمَّا هَذَا فَيَقْتَضِي النَّقْضُ بِذَلِكَ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ ظَاهِرَةٌ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا أَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا حَيْثُ يَجْمَعُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ هُوَ النَّظَرُ فِيهِ لَوْ تُرِكَ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة يَجْمَعُ جَمِيعَ مَا نَشَفَ فَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ سَالَ جُعِلَ حَدَثًا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ رُبِطَ الْجُرْحُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ) أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْ هَذَا حُكْمُ مَاءِ الْحِمَّصَةِ لَوْ نَفَذَ إلَى الرِّبَاطِ وَيُقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْفَتْحِ فَالْحُكْمُ فِيهَا مَعَ السَّيَلَانِ وَعَدَمِهِ فَمَا لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ السَّيَلَانِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي مَحَالٍّ كَثِيرَةٍ لَا يُنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ لَا يَصِلُ مِنْهُ إلَيْهِ إلَّا بَلَلٌ غَيْرُ سَائِلٍ، وَهُوَ طَاهِرٌ وَكَذَا بَاقِي الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَ مَائِعًا لَا يُنَجِّسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَكَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ فِيهَا رِسَالَةٌ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ حَاصِلِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ سَرْدِ النُّقُولِ فَبِهَذَا عَلِمْت أَنَّ مَاءَ الْحِمَّصَةِ الَّذِي لَا يَسِيلُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ طَاهِرٌ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَلَا الْخِرْقَةَ الْمَوْضُوعَةَ عَلَيْهِ وَلَا الْمَاءَ إذَا أَصَابَهُ فَلَوْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ السَّيَلَانِ بِنَفْسِهِ يَكُونُ ذَلِكَ السَّائِلُ الْخَارِجُ نَجِسًا نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ وَيَلْزَمُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ الصَّلَاةُ حَالَ سَيَلَانِهِ، فَإِنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ نَجِسٌ وَلَا يَصِيرُ بِهِ صَاحِبَ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ عُذْرِهِ وَلَوْ بِالرَّبْطِ وَالْحَشْوِ الَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ النَّجَسِ وَصَاحِبُ الْحِمَّصَةِ الَّتِي يَسِيلُ الْخَارِجُ مِنْهَا بِوَضْعِهَا إذَا تَرَكَ الْوَضْعَ لَا يَبْقَى بِالْمَحِلِّ شَيْءٌ يَسِيلُ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ طَهَارَةٌ وَلَا صِحَّةُ صَلَاةٍ حِينَئِذٍ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَنْعِ بِتَرْكِ الْوَضْعِ فَلَا يَبْقَى مُخَلِّصٌ مَعَ الْوَضْعِ وَالسَّيَلَانِ إلَّا بِالتَّقْلِيدِ مَعَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ فِي مَذْهَبِ مَنْ قَلَّدَهُ احْتِرَازًا عَنْ التَّفْلِيقِ الْبَاطِلِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْلَا الرِّبَاطُ سَالَ؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ لَوْ تَرَدَّدَ عَلَى الْجُرْحِ فَابْتَلَّ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَفِي الْمُحِيطِ مَصَّ الْقُرَادَ فَامْتَلَأَ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَنْقُضُ كَمَا لَوْ مَصَّ الذُّبَابَ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا نَقَضَ كَمَصِّ الْعَلَقَةِ اهـ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الدَّمَ فِي الْكَبِيرِ يَكُونُ سَائِلًا قَالُوا وَلَا يَنْقُضُ مَا ظَهَرَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَرْتَقْ كَالنَّفْطَةِ إذَا قُشِّرَتْ وَلَا مَا ارْتَقَى عَنْ مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَسِلْ كَالدَّمِ الْمُرْتَقِي مِنْ مَغْرِزِ الْإِبْرَةِ. وَالْحَاصِلُ فِي الْخِلَالِ مِنْ الْأَسْنَانِ، وَفِي الْخُبْزِ مِنْ الْعَضِّ وَفِي الْإِصْبَعِ مِنْ إدْخَالِهِ فِي الْأَنْفِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ اسْتَنْثَرَ فَسَقَطَتْ مِنْ أَنْفِهِ كُتْلَةُ دَمٍ لَمْ تَنْقُضْ وُضُوءَهُ، وَإِنْ قُطِرَتْ قَطْرَةُ دَمٍ انْتَقَضَ اهـ. وَأَمَّا مَا سَالَ بِعَصْرٍ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْصَرْ لَمْ يَسِلْ قَالُوا لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَرَّجٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْقُضُ، وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْكَافِي؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ يَظْهَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِهِ، فَصَارَ كَالْفَصْدِ كَيْفَ وَجَمِيعُ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ يُفِيدُ تَعْلِيقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمُخْرَجِ اهـ. وَضَعَّفَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْإِخْرَاجَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ فَكَانَ ثُبُوتُهُ غَيْرَ قَصْدِيٍّ وَلَا مُعْتَبَرٍ بِهِ اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَحَادِيثَ ضَعَّفَهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ وَالْقِيَاسُ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ اسْتَحَاضَ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدْعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرْت فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ» قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَمَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ دُفِعَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى مُشَاكَلَةِ الْأَوَّلِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِنْ قَائِلِ الْأَوَّلِ فَكَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ وَكُلُّ الدِّمَاءِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَبَيَانُهُ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ شَرْعًا، وَقَدْ عُقِلَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَنَّ زَوَالَ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ أَنَّهُ نَجَسٌ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ إذَا لَمْ يَظْهَرُ لِكَوْنِهِ مِنْ خُصُوصِ السَّبِيلَيْنِ تَأْثِيرٌ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا وَفِيهِ الْمَنَاطُ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ، فَالْأَصْلُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَحُكْمُهُ زَوَالُ الطَّهَارَةِ وَعِلَّتُهُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ الْبَدَنِ وَخُصُوصُ الْمَحَلِّ مُلْغًى وَالْفَرْعُ الْخَارِجُ النَّجِسُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِيهِ الْمَنَاطُ فَيَتَعَدَّى إلَيْهِ زَوَالُ الطَّهَارَةِ الَّتِي مُوجِبُهَا الْوُضُوءُ فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ هَذَا الْقِيَاسِ ثُبُوتُ زَوَالِ طَهَارَةِ الْوُضُوءِ، وَإِذَا صَارَ زَائِلَ الطَّهَارَةِ فَعِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ خِطَابُ الْوُضُوءِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَإِذَا صَارَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَخُرُوجِهَا مِنْ السَّبِيلَيْنِ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا اشْتَرَطْتُمْ فِي الْفَرْعِ السَّيَلَانَ أَوْ مِلْءَ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الْأَصْلِ فَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْضَ بِالْخُرُوجِ وَحَقِيقَتُهُ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ وَذَلِكَ بِالظُّهُورِ فِي السَّبِيلَيْنِ يَتَحَقَّقُ وَفِي غَيْرِهِمَا بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ التَّطْهِيرُ؛ لِأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا، فَتَكُونُ بَادِيَةً لَا خَارِجَةً وَالْفَمُ ظَاهِرٌ مِنْ وَجْهٍ بَاطِنٌ مِنْ وَجْهٍ فَاعْتُبِرَ ظَاهِرًا فِي مِلْءِ الْفَمِ بَاطِنًا فِيمَا دُونَهُ. (قَوْلُهُ: وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ قَيْءٌ مَلَأَ فَمَ الْمُتَوَضِّئِ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ لِمُخَالَفَتِهِ فِي حَدِّ الْخُرُوجِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْرِدْ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْخَارِجِ مِنْهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَضَعَّفَهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَخْ) أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَنْك أَنَّ تَضْعِيفَ الْعِنَايَةِ لَا يُصَادِمُ قَوْلَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي حَاشِيَةِ أَخِي زَادَهْ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ قَوْلُهُ إذَا عَصَرَ الْقُرْحَةَ قَبْلَ عَدَمِ النَّقْضِ هَا هُنَا عَلَى اخْتِيَارِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْهِدَايَةِ وَذَهَبَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالسَّرَخْسِيِّ إلَى أَنَّ الْمَخْرَجَ نَاقِضٌ كَالْخَارِجِ قِيَاسًا عَلَى الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَمَصِّ الْعَلَقَةِ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الرِّفْقُ بِالنَّاسِ فِي الْأَوَّلِ وَتَحْقِيقُهُ عِنْدِي أَنَّ الْخُرُوجَ لَازِمُ الْإِخْرَاجِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَلْزُومِ فَيَحْصُلُ النَّاقِضُ حِينَئِذٍ لَا مَحَالَةَ فَافْهَمْ اهـ كَلَامُهُ. وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ فَلِأَنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ هِيَ الْخُرُوجُ بِالطَّبْعِ وَالسَّيَلَانِ وَقَدْ انْتَفَى وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا يَخْرُجُ الدَّمُ بَعْدَ قَطْعِ الْجِلْدَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَصَّ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسِيلُ الدَّمُ بَعْدَ سُقُوطِ الْعَلَقَةِ لَا يَنْقُضُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْخُرُوجِ هِيَ الْعَصْرُ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ شَقَّ زِقِّ الْغَيْرِ ثُمَّ عَصْرَهُ وَالْمَصُّ يُشْبِهُ شَقَّهُ ثُمَّ تَرْكَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي اهـ. وَإِذَا تَأَمَّلْت لَمْ يُعْجِزْك رَدُّ مَا أَتَى بِهِ فَتَأَمَّلْ قَالَهُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: أَيْ لَمْ يُعْجِزْك رَدُّ مَا وَجَّهَ بِهِ أَخِي زَادَهْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ مَنْعَ قَوْلِهِ إنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ هِيَ الْخُرُوجُ بِالطَّبْعِ وَالسَّيَلَانِ بَلْ الْعِلَّةُ هِيَ كَوْنُهُ خَارِجًا نَجَسًا وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ تُفِيدُ تَعْلِيقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَخْرَجِ.

كَمَا فِي الْوَافِي لِمَا أَنَّ السَّيَلَانَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْخُرُوجِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِخِلَافِ مِلْءِ الْفَمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ لِمَذْهَبِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ مِلْءِ الْفَمِ فَصُحِّحَ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَا لَا يُمْكِنْ إمْسَاكُهُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَصُحِّحَ فِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّجَسَ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَيْءَ لَيْسَ إلَّا مِنْ قَعْرِ الْمَعِدَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَصْحِبٌ لِلْجِنْسِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ فَلَا يَسْتَصْحِبُهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْفَمِ بُطُونًا مُعْتَبَرًا شَرْعًا حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ الصَّائِمُ رِيقَهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ فِي الْجَوْفِ وَظُهُورًا حَتَّى لَا يَفْسُدَ الصَّوْمُ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ فِيهِ فَرَاعَيْنَا الشَّبَهَيْنِ فَلَا يَنْقُضُ الْقَلِيلُ مُلَاحَظَةً لِلْبُطُونِ، وَيَنْقُضُ الْكَثِيرُ لِلْآخَرِ الْخُرُوجُ النَّجَسِ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ:، وَلَوْ مُرَّةً أَوْ عَلَقًا أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً) بَيَانٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ، وَالْعَلَقُ مَا اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ وَجَمُدَ أُطْلِقَ فِي الطَّعَامِ وَالْمَاءِ قَالَ الْحَسَنُ إذَا تَنَاوَلَ طَعَامًا أَوْ مَاءً ثُمَّ قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَحِلْ وَإِنَّمَا اتَّصَلَ بِهِ قَلِيلُ الْقَيْءِ فَلَا يَكُونُ حَدَثًا فَلَا يَكُونُ نَجَسًا وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا ارْتَضَعَ وَقَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ مَا إذَا وَصَلَ إلَى مَعِدَتِهِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ أَمَّا لَوْ قَاءَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَهُوَ فِي الْمَرِيءِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا كَمَا ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ قَاءَ دُودًا كَثِيرًا أَوْ حَيَّةً مَلَأَتْ فَاهُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مَنْ حَكَمَ بِنَجَاسَةِ الدُّودِ أَنْ يَنْقُضَ إذَا مَلَأَ الْفَمَ (قَوْلُهُ: لَا بَلْغَمًا) عُطِفَ عَلَى مُرَّةٍ أَيْ لَا يَنْقُضُهُ بَلْغَمٌ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْجَوْفِ مَلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا مَخْلُوطًا بِطَعَامٍ أَوْ لَا إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ مِلْءَ الْفَمِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ إنْ مَلَأَ الْفَمَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فِي الْمَعِدَةِ بِالْمُجَاوَرَةِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ صَقِيلٌ لَا يَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، فَصَارَ كَالْبُزَاقِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْقَيْءِ قَلِيلٌ وَلَا يَرِدُ مَا إذَا وَقَعَ الْبَلْغَمُ فِي النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ وَأَمَّا إذَا انْفَصَلَ قَلَّتْ ثَخَانَتُهُ وَازْدَادَتْ رِقَّتُهُ فَقَبِلَهَا هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْبَلْغَمَ لَيْسَ نَجِسًا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُ أَبُو يُوسُفَ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَهُمَا حَكَمَا بِطَهَارَتِهِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْمَعِدَةِ فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْبَلْغَمَ نَجِسٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ حَتَّى قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّ مَنْ صَلَّى وَمَعَهُ خِرْقَةُ الْمُخَاطِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَوَى النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ وَالْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ، وَقَدْ قَالُوا لَا خِلَافَ فِي طَهَارَةِ الْأَوَّلِ وَانْدَفَعَ بِهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَقِيقَةِ بِأَنَّ جَوَابَ أَبِي يُوسُفَ فِي الصَّاعِدِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَأَنَّهُ حَدَثٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَجَوَابُهُمَا فِي الصَّاعِدِ مِنْ حَوَاشِي الْخَلْقِ وَأَطْرَافِ الرِّئَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ صَافِيًا غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِالطَّعَامِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَصْعَدْ مِنْ الْمَعِدَةِ فَلَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوطًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَعِدَ مِنْهَا، فَيَكُونُ حَدَثًا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ أَنَّ الْبَلْغَمَ إذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ مَلَأَ الْفَمَ أَمَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ مَغْلُوبًا فَلَا يَنْقُضُ مَعَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مِنْ الْمَعِدَةِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَإِنْ اسْتَوَيَا لَا يَنْقُضُ وَفِي صَلَاةِ الْمُحْسِنِ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ، وَلَوْ اسْتَوَيَا يُعْتَبَرُ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَجْزُ هَذَا أَوْلَى مِنْ عَجْزِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خان الْخِلَافُ فِي الْبَلْغَمِ، وَهُوَ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا مُتَجَمِّدًا أَمَّا الْبُزَاقُ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ مُتَجَمِّدًا فَلَا يَنْقُضُ بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ يَعْقُوبُ بَاشَا أَنَّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْبَلْغَمِ مِنْ الْقَيْءِ قَلِيلٌ، وَهُوَ غَيْرُ نَاقِضٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِضَ الْوُضُوءُ بِقَيْءِ الْبَلْغَمِ إذَا تَكَرَّرَ جِدًّا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَوْ السَّبَبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي الْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِ) أَقُولُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِمُخَالَطَتِهِ النَّجَاسَةَ وَتَدَاخُلِهَا فِيهِ بِخِلَافِ الْبَلْغَمِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ) قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَا قِيلَ إنَّ السَّوْدَاءَ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهَا تُعَدُّ مِنْ الْأَخْلَاطِ لَا مِنْ الطَّبَائِعِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ قَالُوا الْأَخْلَاطُ أَرْبَعَةٌ الدَّمُ وَالْمَرَّةُ السَّوْدَاءُ وَالْمَرَّةُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ فَطَبْعُ الْأَوَّلِ حَارٌّ رَطْبٌ وَالثَّانِي بَارِدٌ يَابِسُ وَالثَّالِثُ حَارٌّ يَابِسٌ وَالرَّابِعُ بَارِدٌ رَطْبٌ فَعُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ طَبْعًا لَا أَنَّ ذَاتَه طَبْعٌ اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ فِي السَّوْدَاءِ يَجْرِي فِي الْبَلْغَمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْقُضُ رَاجِعٌ إلَى الْبَلْغَمِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا يَكُونُ النَّاقِضُ هُوَ الطَّعَامَ لَا الْبَلْغَمَ وَعِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنْ قَاءَ طَعَامًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مُخْتَلِطًا بِالْبَلْغَمِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّعَامِ وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ انْفَرَدَ الطَّعَامُ بِنَفْسِهِ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ نَقَضَ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْبَلْغَمِ، وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ انْفَرَدَ الْبَلْغَمُ بَلَغَ مِلْءَ الْفَمِ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ اهـ. أَيْ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَهُمَا.

وَيَبْلُغُ بِالْجَمْعِ حَدَّ الْكَثْرَةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ الظَّاهِرُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْمَعُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَهَلَكٍ أَمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلَكًا فَلَا وَصَرَّحُوا فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ أَنَّ نَجَاسَةَ الْقَيْءِ مُغَلَّظَةٌ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَاءَ طَعَامًا أَوْ مَاءً فَأَصَابَ إنْسَانًا شِبْرًا فِي شِبْرٍ لَا يَمْنَعُ، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُخَفَّفَةٌ وَحَمَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى مَا إذَا قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ وَأَلْحَقُوا بِالْقَيْءِ مَاءَ فَمِ النَّائِمِ إذَا صَعَدَ مِنْ الْجَوْفِ بِأَنْ كَانَ أَصْفَرَ أَوْ مُنْتِنًا، وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي نَصْرٍ وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ طَهَارَتَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَجِسٌ، وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ فَظَاهِرٌ اتِّفَاقًا وَفِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَيْفَمَا كَانَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (قَوْلُهُ: أَوْ دَمًا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ) مَعْطُوفًا عَلَى الْبَلْغَمِ أَيْ لَا يُنْتَقَضُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَمِ الْمَغْلُوبُ بِالْبُصَاقِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ كُلَّهُ بُزَاقٌ قُيِّدَ بِغَلَبَةِ الْبُزَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَغْلُوبًا وَالدَّمُ غَالِبٌ نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ اسْتَوَيَا نَقَضَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ سَيَلَانِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ أَسَالَهُ غَيْرُهُ فَوُجِدَ الْحَدَثُ مِنْ وَجْهٍ فَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْوُجُودِ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الشَّكِّ وَلَا عِبْرَةَ لَهُ مَعَ الْيَقِينِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالُوا عَلَامَةُ كَوْنِ الدَّمِ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا أَنْ يَكُونَ أَحْمَرَ وَعَلَامَةُ كَوْنِهِ مَغْلُوبًا أَنْ يَكُونَ أَصْفَرَ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ خَارِجًا مِنْ الْفَمِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَاعِدًا مِنْ الْجَوْفِ مَائِعًا غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِشَيْءٍ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْقُضُ إنْ مَلَأَ الْفَمَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلَهُمَا قَالَ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ مُحَمَّدٌ وَكَذَا فِي السَّرَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْوَجِيزِ، وَلَوْ كَانَ مَائِعًا نَازِلًا مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا، وَلَوْ كَانَ عَلَقًا مُتَجَمِّدًا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَأَمَّا الصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلَطِ بِالْبُزَاقِ فَحُكْمُهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ الْمُخْتَلِطِ بِالْبُزَاقِ لَا فَرْقَ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْبُزَاقِ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْفَمِ أَوْ الْجَوْفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِينَ كَصَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَجَامِعِ قَاضِي خان وَالْكَافِي وَالْيَنَابِيعِ وَالْمُضْمَرَاتِ وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَنَقَلَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجُمَعِ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ إذَا غَلَبَهُ الْبُزَاقُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطَ بِالْبُزَاقِ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى الْمُخْتَارِ وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَيَبْلُغُ بِالْجَمْعِ حَدَّ الْكَثْرَةِ) أَيْ يَبْلُغُ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْقَيْءِ حَدَّهَا (قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) عِبَارَتُهُ هَكَذَا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إذَا فَحُشَ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُ الْمُتَّصِلِ بِهِ الْقَدْرُ الْمَانِعُ، وَبِمَا دُونَهُ مَا دُونَهُ انْتَهَتْ فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ اتِّصَالِ الْقَدْرِ الْمَانِعِ، وَهُوَ مِلْءُ الْفَمِ فَلَا وَجْهَ لِلرَّدِّ وَالتَّخْطِئَةِ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ بِأَنَّ النَّجِسَ إذَا اتَّصَلَ بِالطَّاهِرِ يَصِيرُ نَجِسًا اهـ. أَيْ بِخِلَافِ الْبَلْغَمِ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لِلُزُوجَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ كَمَا مَرَّ؛ فَلِذَا اُعْتُبِرَ مِلْءُ الْفَمِ فِيمَا خَالَطَهُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَقًا إلَخْ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الصَّاعِدِ مِنْ الْجَوْفِ فَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ مَائِعًا الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ صَاعِدًا مِنْ الْجَوْفِ مَائِعًا أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَقًا نَازِلًا مِنْ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ دَمًا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَاءَ دَمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْجَوْفِ سَائِلًا أَوْ عَلَقًا فَالسَّائِلُ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ يَنْقُضُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَلَّ وَالصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ كَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ مَلَأَ الْفَمَ وَالْعَلَقُ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ الصَّاعِدُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَمْلَأَ الْفَمَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ الدَّمَ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ إلَخْ) اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ بِمَا مَعْنَاهُ لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ بَلْ ذَكَرَ الدَّمَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ الِاخْتِلَاطِ اهـ. وَأَقُولُ: قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ قَاءَ دَمًا إنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ عَلَقًا يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ احْتَرَقَتْ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا نَقَضَ، وَإِنْ قَلَّ ثُمَّ قَالَ فِيمَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ اهـ. فَذَكَرَ حُكْمَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُزَاقُ ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ إلَخْ فَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ خَرَجَ يَعْنِي الدَّمُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ غَلَبَ الْبُزَاقُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ إلَخْ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَ تَفَاصِيلَهُ الدَّمَ لَا بِهَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ تَفَاصِيلَهُ مَا إذَا كَانَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا مَلَأَ الْفَمَ أَوْ لَا وَاَلَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُزَاقُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِلْءَ الْفَمِ فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَلِيلِ مَا لَا يَمْلَأُ الْفَمَ وَبِالْكَثِيرِ مَا يَمْلَؤُهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْجَوْفِ لَا يُخَالِطُهُ الْبُزَاقُ إلَّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْفَمِ؛ لِأَنَّ الْبُزَاقَ

يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْقُولَ مَعَ عَدَمِ تَعَقُّلِ فَرْقٍ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ وَالْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطَيْنِ بِالْبُزَاقِ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا ذَكَرُوا هُنَا أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَعِدَةِ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَالدَّمِ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَمَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَعِدَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُصُولَ الطَّعَامِ إلَيْهَا مِنْهُ فَكَانَ مِنْهَا لِاتِّصَالِهِ بِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا فِي حَقِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا إذَا كَانَ قَلِيلًا بِخِلَافِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِهِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حُكْمِ الدَّمِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الطَّاهِرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْبُزَاقِ عُرُوقُ الدَّمِ فَهُوَ عَفْوٌ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِنْ اسْتَعَطَ فَخَرَجَ السَّعُوطُ إلَى الْفَمِ إنْ مَلَأَ الْفَمَ نَقَضَ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ لَا يَنْقُضُ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ، وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يَصِلْ إلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ خِلَافٌ فِي النَّقْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَوَجْهُهُ الْقَوْلُ بِالنَّقْضِ بِمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ: عَلَامَةُ كَوْنِهِ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَالتَّغَيُّرُ أَنْ يَسْتَحِيلَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَحِينَئِذٍ يَكُون نَجِسًا وَالْبُزَاقُ بِالزَّايِ وَالسِّينِ وَالصَّادِ لُغَاتٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الصَّوْمِ كَحُكْمِ الْوُضُوءِ هُنَا حَتَّى إذَا ابْتَلَعَ الْبُصَاقَ وَفِيهِ دَمٌ إنْ كَانَ الدَّمُ غَالِبًا أَوْ كَانَا سَوَاءً أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَالسَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَهُ) أَيْ مُتَفَرِّقَ الْقَيْءِ وَصُورَتُهُ لَوْ قَاءَ مِرَارًا كُلُّ مَرَّةٍ دُونَ مَلْءِ الْفَمِ، وَلَوْ جَمَعَ مَلَأَ الْفَمَ يُجْمَعُ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ اتَّحَدَ السَّبَبُ، وَهُوَ الْغَثَيَانُ، وَهُوَ مَصْدَرُ غَثَتْ نَفْسُهُ إذَا جَاشَتْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ لَا يُجْمَعُ وَتَفْسِيرُ اتِّحَادِهِ أَنْ يَقِيءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ مِنْ الْغَثَيَانِ وَإِنْ قَاءَ ثَانِيًا بَعْدَ سُكُونِ النَّفْسِ كَانَ مُخْتَلِفًا، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْمَعُ إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ يَعْنِي اتِّحَادَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَدَّادِيُّ؛ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ؛ وَلِهَذَا تَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ الْمُتَفَرِّقَةُ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَكَذَلِكَ التِّلَاوَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ لِآيَةِ السَّجْدَةِ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَلِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ ثُبُوتِ السَّبَبِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ وَمَاتَ مِنْهَا قَبْلَ الْبُرْءِ يَتَّحِدُ الْمُوجِبُ، وَإِنْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ اخْتَلَفَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: وَالْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلضِّرْوَةِ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ السَّبَبُ لَانْتَفَى التَّدَاخُلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تِلَاوَةٍ سَبَبٌ وَفِي الْأَقَارِيرِ اُعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ لِلْعُرْفِ وَفِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ اهـ. ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَتَّحِدَ السَّبَبُ وَالْمَجْلِسُ أَوْ يَتَعَدَّدَ أَوْ يَتَّحِدَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَفِي الْأَوَّلِ يُجْمَعُ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِي لَا يُجْمَعُ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّالِثِ يُجْمَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفِي الرَّابِعِ يُجْمَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ نَقَلُوا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مَسْأَلَةً اعْتَبَرَ فِيهَا مُحَمَّدٌ الْمَجْلِسَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ السَّبَبَ، وَهِيَ رَجُلٌ نَزَعَ خَاتَمًا مِنْ إصْبَعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهَا إنْ أَعَادَهَا فِي ذَلِكَ النَّوْمِ يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ إجْمَاعًا وَإِنْ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهَا ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُ فَأَعَادَهَا فِي النَّوْمَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَبَهَ وَجَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ حَتَّى نَامَ لَمْ يَبْرَأْ بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى نَائِمٍ وَهُنَا لَمَّا اسْتَيْقَظَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَى مُسْتَيْقِظٍ فَلَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ إلَى النَّائِمِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَكَرَّرَ نَوْمُهُ وَيَقَظَتُهُ، فَإِنْ قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ ثُمَّ نَامَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَرَدَّهَا إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ إجْمَاعًا لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَالسَّبَبِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْوَاقِعَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا قَوْلًا وَقَالَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ: مِنْ الْغَصْبِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّحْوِيلِ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَحَلُّهُ الْفَمُ لَا الْجَوْفُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ وَالْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ قَالَ الْخَارِجُ مِنْ الْفَمِ إنَّمَا كَانَ سَيَلَانُهُ بِسَبَبِ الْبُزَاقِ وَجَعَلَ غَلَبَتَهُ عَلَى الْبُزَاقِ دَلِيلَ سَيَلَانِهِ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْفَمِ إلَّا إذَا كَانَ سَائِلًا بِنَفْسِهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَبِهِ يُرَجَّحُ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى كَلَامِ ابْنِ مَلَكٍ وَيَظْهَرُ أَنَّ إطْلَاقَ كَلَامِ الشَّارِحِينَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ مُخَالِفًا لِلْمَنْقُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَالدَّمِ إلَخْ) هَذَا فِي غَيْرِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَوْفِ الْمُخْتَلِطِ بِالْبُزَاقِ إذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ الْفَمِ كَمَا قَدَّمَهُ.

السَّبَبِ أَوْ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ سَبَبًا فِي بَرَاءَتِهِ بَلْ السَّبَبُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَجَبَ الرَّدُّ إلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى نَامَ ثَانِيًا يَبْرَأُ وَمُحَمَّدٌ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَقَدْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْمَعِدَةِ فَلَا بَأْسَ بِضَبْطِهَا، وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. (قَوْلُهُ: وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ) بَيَانٌ لِلنَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ بَعْدَ الْحَقِيقِيَّةِ وَالنَّوْمُ فَتْرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَتَمْنَعُ الْحَوَاسَّ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ عَنْ الْعَمَلِ مَعَ سَلَامَتِهَا وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ مَعَ قِيَامِهِ فَيَعْجِزُ الْعَبْدُ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي النَّوْم طَرِيقَتَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَتَبِعَهُ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ إحْدَاهُمَا أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ إنَّمَا النَّاقِضُ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مُقَامَهُ كَمَا فِي السَّفَرِ وَكَمَا إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ وَشَكَّ فِي وُضُوئِهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ بِالتَّبَرُّزِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ عَيْنَهُ نَاقِضٌ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْأَوَّلَ فَاخْتَارَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاقِضًا لَاسْتَوَى وُجُودُهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا فَمَا فِي التَّوْشِيحِ مِنْ أَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ اتِّفَاقًا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَمَّا كَانَ النَّوْمُ مَظِنَّةَ الْحَدَثِ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الِاسْتِرْخَاءُ عَلَى الْكَمَالِ، وَهُوَ فِي الْمُضْطَجِعِ وَالِاضْطِجَاعُ وَضْعُ الْجَنْبِ عَلَى الْأَرْضِ يُقَالُ ضَجَعَ الرَّجُلُ إذَا وَضَعَ جَنْبَهُ بِالْأَرْضِ وَاضْطَجَعَ مِثْلُهُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَالنَّائِمُ الْمُسْتَلْقِي عَلَى وَجْهِهِ وَأَمَّا مَنْ نَامَ وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَصَارَ شِبْهَ الْمُنْكَبِّ عَلَى وَجْهِهِ وَاضِعًا بَطْنَهُ عَلَى فَخِذَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَعَزَاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي غَيْرِهَا لَوْ نَامَ مُتَرَبِّعًا وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذَيْهِ نُقِضَ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ قَاعِدًا وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ شِبْهَ الْمُنْكَبِّ قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ وَأَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الْأَصَحُّ أَطْلَقَ فِي الْمُضْطَجِعِ فَشَمِلَ الْمَرِيضَ إذَا نَامَ فِي صَلَاتِهِ مُضْطَجِعًا وَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ قَاعِدًا كَنَوْمِ الصَّحِيحِ قَائِمًا، وَأَمَّا التَّوَرُّكُ فَلَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَنَّ جِلْسَتَهُ تَكْشِفُ عَنْ الْمَخْرَجِ كَمَا إذَا نَامَ عَلَى أَحَدِ وِرْكَيْهِ أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى أَحَدِ مِرْفَقَيْهِ فَهَذَا نَاقِضٌ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِدَلِيلِ مَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْكَافِي وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَنْ يَبْسُطَ قَدَمَيْهِ مِنْ جَانِبٍ وَيُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ فَهَذَا غَيْرُ نَاقِضٍ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِنَادَ إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً عَنْ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارُ الْقُدُورِيِّ النَّقْضَ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً، فَإِنَّهُ يُنْقَضُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّوَرُّكِ فَلِذَا تَرَكَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ نَامَ عَلَى رَأْسِ التَّنُّورِ وَهُوَ جَالِسٌ قَدْ أَدْلَى رِجْلَيْهِ كَانَ حَدَثًا وَفِي الْمُبْتَغَى، وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَرَأْسُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يُنْقَضُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ عَلَى دَابَّةٍ، وَهِيَ عُرْيَانَةٌ قَالُوا إنْ كَانَ فِي حَالَةِ الصُّعُودِ وَالِاسْتِوَاءِ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنْ كَانَ فِي حَالَةِ الْهُبُوطِ يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّ مَقْعَدَتَهُ مُتَجَافِيَةٌ عَنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ اهـ. وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا حَدَثًا فَهُوَ بِمَعْنَى التَّوَرُّكِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَالْمُتَوَرِّكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْقَائِمِ وَلَا الْقَاعِدِ، وَلَوْ فِي السِّرَاجِ أَوْ الْمَحْمَلِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا الرَّاكِعِ وَلَا السَّاجِدِ مُطْلَقًا إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا فِي السُّجُودِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْأَوَّلَ) وَقَدْ سُئِلَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ عَنْ شَخْصٍ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ هَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ فَأَجَابَ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِنَاءً عَلَى هَذَا قَالَ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ نَاقِضٌ لَزِمَ نَقْضُ وُضُوءِ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ الرِّيحِ بِالنَّوْمِ اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ النَّهْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَيْنُهُ أَيْ النَّوْمُ نَاقِضًا اتِّفَاقًا فِيمَنْ فِيهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ إذْ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ لَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ لَمْ يَنْقَضِ فَالْمُتَوَهِّمُ أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَتَّبَ النَّقْضُ عَلَى وُجُودِ الِاسْتِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ وَيُوَفَّقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِهِ وَيَلُوحُ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ وَاضِعًا أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِطْلَاقُ مَسْأَلَةِ التَّرَبُّعِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ قَاعِدًا كَنَوْمِ الصَّحِيحِ) صَوَابُهُ؛ لِأَنَّ نَوْمَهُ مُضْطَجِعًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَلَا السَّاجِدُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ أَمْ لَا كَمَا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ السُّجُودُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِطْلَاقِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «الْعَيْنَانِ وِكَاءٌ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ» وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ وَالسَّهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَيُحَرَّكُ الِاسْتُ جَمْعُهُ أَسْتَاهٌ وَبِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ الْعَجُزُ أَوْ حَلْقَةُ الدُّبُرِ قَامُوسٌ

وَالِاسْتِطْلَاقَ مُنْعَدِمٌ بِخِلَافِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ فِيهَا بِالنَّصِّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَفِي هَذَا كَالصُّلْبِيَّةِ وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ مَا كَانَ عَنْ تَعَمُّدٍ وَمَا كَانَ عَنْ غَلَبَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ نُقِضَ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَفِي فَصْلِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مِنْ فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ نَامَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَسَدَتْ فِي السُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ اهـ. كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قِيَامِ الْمُسْكَةِ حِينَئِذٍ فِي الرُّكُوعِ دُونَ السُّجُودِ وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يَفْصِلَ فِي ذَلِكَ السُّجُودِ إنْ كَانَ مُتَجَافِيًا لَا تَفْسُدْ، وَإِلَّا تَفْسُدْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى الْأَصَحِّ الْمُتَقَدِّمُ أَنْ لَا يَنْتَقِضَ بِالنَّوْمِ فِي السُّجُودِ مُطْلَقًا وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي جَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النَّوْمَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَوْ تَعَمَّدَهُ وَلَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ جَنْبُهُ الْأَرْضَ أَوْ عِنْدَ إصَابَةِ جَنْبِهِ الْأَرْضَ بِلَا فَصْلٍ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ تُزَايِلَ مَقْعَدَتُهُ الْأَرْضَ لَمْ تَنْقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدَتَهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ قِيلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَسَوَاءٌ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَسْقُطْ وَإِنْ نَامَ جَالِسًا، وَهُوَ يَتَمَايَلُ رُبَّمَا تَزُولُ مَقْعَدَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَرُبَّمَا لَا تَزُولُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْتَيْقَظَ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ سَوَاءٌ وَضَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ النَّقْضُ حَالَةَ النَّوْمِ فِي السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ هُوَ الْقِيَاسُ فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ الِاسْتِمْسَاكِ كَمَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ الْقِيَاسُ فِيهَا وَاعْتُبِرَ فِي خَارِجِهَا لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، وَهُوَ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِالنَّصِّ هَذَا فَهُوَ كَمَا تَرَى غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةَ مَا رُوِيَ وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي» قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ وَجُعِلَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَسْرَارِ مِنْ الْمَشَاهِيرِ ثُمَّ إنَّ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ بَعْدَمَا ذَكَرَ النَّصَّ السَّابِقَ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ إنْ كَانَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَإِلَّا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ، اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَصَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ يَعُودُ إلَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا فِي السُّجُودِ إلَخْ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَالْأَحْسَنُ إرْجَاعُهُ إلَى قَوْلِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ قَوْلُهُ الْآتِي مُقْتَضَى الْأَصَحِّ الْمُتَقَدِّمُ إلَخْ وَبِهِ سَقَطَ نِسْبَةُ السَّهْوِ إلَى الْمُؤَلِّفِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ إنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَمِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْضًا أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ نُقِلَ فِي النَّهْرِ عَنْ عَقْدِ الْفَرَائِدِ مَا نَصُّهُ إنَّمَا لَا يَفْسُدُ الْوُضُوءُ بِنَوْمِ السَّاجِدِ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَسْنُونَةِ قُيِّدَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ نُورِ الْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَمِنْهَا نَوْمُ مُصَلٍّ وَلَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْهِدَايَةِ الصَّلَاةَ) صَوَابُهُ النَّوْمَ بَدَلَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) وَحِينَئِذٍ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدْ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ نُقِضَ وَكَذَا فِي الْفَتْحِ، وَهِيَ كَمَا تَرَى غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالسُّجُودِ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت غَايَةَ الْبَيَانِ مَا نَصُّهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدْ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ يَنْقُضُ، وَإِنْ غُلِبَتْ عَيْنَاهُ فَلَا يُنْقَضُ اهـ. وَبِهِ يَتَرَجَّحُ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ حِينَئِذٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ فِي سُجُودِهَا فَقَطْ فَافْهَمْ ثُمَّ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ اعْتِرَاضُ هَذَا الْحَمْلِ بِقَوْلِهِ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ لِمَا فِي السِّرَاجِ لَوْ قَرَأَ أَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ نَائِمٌ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً كَامِلَةً لَا يَعْتَدّ بِهَا وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ اهـ. وَلَمْ يَحْكُمْ فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْوُضُوءِ بِالنَّقْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْبَحْرِ غُفُولًا عَنْ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ اهـ. أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ

بَطْنَ الْكَفِّ أَوْ ظَهْرَ الْكَفِّ مَا لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ التَّيَقُّظِ اهـ. وَقَيَّدْنَا بِالنَّوْمِ؛ لِأَنَّ النُّعَاسَ مُضْطَجِعًا لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ وَأَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ: إنْ كَانَ لَا يَفْهَمُ عَامَّةَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ كَانَ حَدَثًا كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي سُنَنِ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَيَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَنَامُ ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّوْمَ مُضْطَجِعًا نَاقِضٌ إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» وَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ «أَنَّهُ نَامَ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانُ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ، وَلَيْسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقَلْبِ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. (قَوْلُهُ: وَإِغْمَاءٌ وَجُنُونٌ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ إغْمَاءٌ وَجُنُونٌ أَمَّا الْإِغْمَاءُ فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْمَرَضِ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا أَيْ الْعَقْلَ بَلْ يَسْتُرُهُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ، فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ؛ وَلِذَا لَمْ يُعْصَمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْإِغْمَاءِ كَالْأَمْرَاضِ وَعُصِمَ مِنْ الْجُنُونِ، وَهُوَ كَالنَّوْمِ فِي فَوْتِ الِاخْتِيَارِ وَفَوْتِ اسْتِعْمَالِ الْقُدْرَةِ حَتَّى بَطَلَتْ عِبَارَاتُهُ بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ فَتْرَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَإِذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ إذَا نُبِّهَ فَكَانَ حَدَثًا بِكُلِّ حَالٍ؛ وَلِذَا أَطْلَقَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بِخِلَافِ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَّا إذَا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ غَايَةَ الِاسْتِرْخَاءِ فَغَلَبَ الْخُرُوجُ حِينَئِذٍ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَهُ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهَا عَدَمُهُ فَلَا يُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَهُ فَكَانَ عَدَمُ النَّقْضِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَا يَنْقُضُ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَاقِضِيهِ: الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ يُقَالُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَغُمِّيَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ غَمًى أَيْ: مُغْمًى عَلَيْهِ وَكَذَا الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ وَقَدْ ثَنَّاهُ بَعْضُهُمْ وَجَمَعَهُ فَقَالَ رَجُلَانِ أَغْمَيَانِ وَرِجَالٌ أَغْمَاءٌ وَأَمَّا الْجُنُونُ فَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ وَنَقْضُهُ ظَاهِرٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ وَتَمْيِيزِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَّلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ فَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَأَمَّا الْعَتَهُ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ النَّوَاقِضِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَحُكْمِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ آفَةٌ تُوجِبُ الِاخْتِلَالَ بِالْعَقْلِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْرِبُ وَلَا يُشْتَمُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَفِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَنَارِ وَالْمُغْنِي وَالتَّوْضِيحِ أَنَّهُ كَالصَّبِيِّ مَعَ الْعَقْلِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ فَيُوضَعُ عَنْهُ الْخِطَابُ وَفِي التَّقْوِيمِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ مَعَ الْعَقْلِ إلَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّا لَمْ نُسْقِطْ عَنْهُ الْوُجُوبَ بِهِ احْتِيَاطًا فِي وَقْتِ الْخِطَابِ وَرَدَّهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ بِأَنَّهُ نَوْعُ جُنُونٍ فَمَنَعَ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى الْعَوَاقِبِ وَفِي أُصُولِ الْبُسْتِيِّ أَنَّ الْمَعْتُوهَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا زَالَ الْعَتَهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ حَالًا وَبِقَضَاءِ مَا مَضَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ كَالْقَلِيلِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقْضِي الْقَلِيلَ دُونَ الْكَثِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا فِيمَا قَبْلُ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ دُونَ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُغْنِي لِلْهِنْدِيِّ وَظَاهِرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقْضُ الْوُضُوءِ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ عِبَارَةِ جَوَامِعِ الْفِقْهِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الْفَسَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: لِأَنَّهُ نَوْمٌ قَلِيلٌ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ) أَيْ الدَّقَّاقِ وَالرَّازِيِّ وَعِبَارَةُ التَّبْيِينِ: هَكَذَا وَالنُّعَاسُ نَوْعَانِ: ثَقِيلٌ: وَهُوَ حَدَثٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَخَفِيفٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِيهَا وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ثَقِيلٌ انْتَهَتْ وَلَيْسَ فِيهَا التَّقْيِيدُ بِالْفَهْمِ فَهُوَ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ إلَّا أَنْ يَعْتَبِرَ تَقْيِيدَ السَّمَاعِ بِالْفَهْمِ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ عَامَّةٍ الْمُشْعِرَةِ بِفَهْمِ الْبَعْضِ بَلْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ سَمَاعِ الْجَمِيعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ عَامَّةٌ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ لَكِنْ يَبْقَى فِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ نَائِمٌ لَا نَاعِسٌ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنِهِمَا عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَسْهُو حَرْفًا أَوْ حَرْفَيْنِ فَلَا اهـ. فَعَامَّةٌ لَيْسَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ السَّمَاعُ عَلَى الْفَهْمِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَيُقَدَّرُ لَفْظُ أَكْثَرَ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَيْ إنْ كَانَ يَفْهَمُ أَكْثَرَ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَتَوَافَقُ الْكَلَامَانِ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي سُنَنِ الْبَزَّارِ) أَيْ يُحْمَلُ النَّوْمُ فِيهِ عَلَى النُّعَاسِ.

كَلَامِ الْكُلِّ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّةِ أَدَائِهِ الْعِبَادَاتِ أَمَّا مَنْ جَعَلَهُ مُكَلَّفًا بِهَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُكَلَّفًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ عِبَادَاتِهِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعَتَهَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. (قَوْلُهُ: وَسُكْرٌ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ سُكْرٌ وَهُوَ سُرُورٌ يَغْلِبُ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ فَيَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ عَنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِيلَهُ؛ وَلِذَا بَقِيَ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَقِيلَ إنَّهُ يُزِيلُهُ وَتَكْلِيفُهُ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ عَلَيْهِ وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِهِ الْعَقْلُ فِي الرَّأْسِ وَشُعَاعُهُ فِي الصَّدْرِ وَالْقَلْبِ فَالْقَلْبُ يَهْتَدِي بِنُورِهِ لِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ وَتَمْيِيزِ الْحَسَنِ مِنْ الْقَبِيحِ، فَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ خَلَصَ أَثَرُهَا إلَى الصَّدْرِ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ فَيَبْقَى الصَّدْرُ مُظْلِمًا فَلَمْ يَنْتَفِعْ الْقَلْبُ بِنُورِ الْعَقْلِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ سُكْرًا؛ لِأَنَّهُ سُكْرٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ هُنَا فَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَالْيَنَابِيعِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالتَّبْيِينِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَعَزَاهُ مِسْكِينٌ إلَى شَرْحِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ حَدَّهُ هُوَ حَدُّهُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَهُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هُوَ مَنْ حَصَلَ فِي مِشْيَتِهِ اخْتِلَالٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَشَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالْمُضْمَرَاتِ وَشَرْحِ مِسْكِينٍ قَالُوا: وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَكْرَانَ، وَكَانَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قُلْنَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَالٍ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ أَنَّ السُّكْرَ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ثُمَّ صَارَ فِي أَثْنَائِهَا إلَى حَالَةٍ لَوْ مَشَى فِيهَا يَتَحَرَّكُ. (قَوْلُهُ: وَقَهْقَهَةُ مُصَلٍّ بَالِغٍ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ قَهْقَهَةٌ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قِهْ قِهْ وَقَهْقَةٌ بِمَعْنًى وَاصْطِلَاحًا مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوَّلًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا لَيْسَتْ حَدَثًا، فَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِهَا عُقُوبَةً وَزَجْرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ خَارِجًا نَجِسًا بَلْ هِيَ صَوْتٌ كَالْبُكَاءِ وَالْكَلَامِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ جَعَلَهَا حَدَثًا مَنَعَ جَوَازَ مَسِّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ وَمَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عُقُوبَةً جَوَّزَ مَسَّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا هَكَذَا نُقِلَ الْخِلَافُ وَفَائِدَتُهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي لِمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ وَسَلَامَتِهِ مِمَّا يُقَالُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ نَجَاسَةً وَلَا سَبَبَهَا وَمُوَافَقَةَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهَا عَلَى مَا رَوَوْا لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ؛ وَلِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَهْقَهَةِ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ وَصَحَّحُوا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا أَوْجَبَتْ إعَادَةَ الْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ وَالنَّائِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا يُرَجِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنْ سَوَّى فَخْرُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ كَلَامِ النَّائِمِ وَقَهْقَهَتِهِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْكَلَامَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَازِلِ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْقَهْقَهَةُ مِنْ النَّائِمِ مُفْسِدَةً لِلصَّلَاةِ لَا الْوُضُوءَ، وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهَا حَدَثًا لِلْجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ مِنْ النَّائِمِ فَتَبْقَى كَلَامًا بِلَا قَصْدٍ فَيُفْسِدُ كَالسَّاهِي بِهِ اهـ. وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي الْمُبْتَغَى تَكَلُّمُ النَّائِمُ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْقَهْقَهَةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْقَهْقَهَةَ كَلَامٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ قَهْقَهَةَ النَّائِمِ تُبْطِلُهُمَا وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ احْتِيَاطًا وَكَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي النَّاسِي كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ فَجَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ وَذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ فِي السَّاهِي وَالنَّاسِي رِوَايَتَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِعَدَمِ النَّقْضِ أَنَّهُ كَالنَّائِمِ إذَا لَا جِنَايَةَ إلَّا بِالْقَصْدِ وَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الرِّوَايَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَسُكْرٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَطْلَقَ السُّكْرَ فَشَمِلَ السُّكْرَ مِنْ مُبَاحٍ لِقَوْلِهِمْ السُّكْرُ مِنْ مُبَاحٍ كَالْإِغْمَاءِ. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاعَةٍ إلَخْ) فِيهِ كَمَا قَالَ فِي النَّهْرِ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَالِغٍ إذْ لَوْ كَانَتْ حَدَثًا لَاسْتَوَى فِيهَا الْبَالِغُ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ أَيْضًا فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا حِلُّ الطَّوَافِ بِهَذَا الْوُضُوءِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَإِلْحَاقُ الطَّوَافِ بِالصَّلَاةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي إلَخْ) أَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ؛ وَلِذَا رَجَّحُوا عَدَمَ النَّقْضِ بِقَهْقَهَةِ النَّائِمِ اهـ. لَكِنْ أَوْرَدَ أَنَّ فِيهِ تَبْعِيضَ الْأَحْكَامِ وَالشَّيْءُ إذَا ثَبَتَ يَثْبُتُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِإِبْطَالِهَا الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا لِمُخَالَفَتِهَا لِلْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ إبْطَالَهَا الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ بِهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْحُرْمَةُ فَقَطْ مَعَ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، وَهَذَا إبْطَالُ الْمَذْهَبِ لِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَرِدُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوبُ إعَادَةِ الْوُضُوءِ زَجْرًا مَعَ بَقَائِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ سَوَّى فَخْرُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ كَلَامِ النَّائِمِ وَقَهْقَهَتِهِ) حِينَئِذٍ لَا مَحَلَّ لِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ هُنَا فَتَأَمَّلْ

الْقَائِلَةِ بِالنَّقْضِ لِمَا أَنَّ لِلصَّلَاةِ حَالَةً مُذَكِّرَةً لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا مُفْسِدٌ لَهَا بِخِلَافِ النَّوْمِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُتَيَمِّمًا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الْغُسْلَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ الَّذِي فِي ضِمْنِ الْغُسْلِ فَعَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا تَنْقُضُ وَصَحَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَقَاضِي خان النَّقْضَ عُقُوبَةً لَهُ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَفِي قَهْقَهَةِ الْبَانِي فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَجَزَمَ الزَّيْلَعِيُّ بِالنَّقْضِ قِيلَ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَلَا نِزَاعَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مُصَلٍّ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِ وَأَطْلَقَهَا فَانْصَرَفَتْ إلَى مَا لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنْ الْإِيمَاءِ لِعُذْرٍ أَوْ رَاكِبًا يُومِئُ بِالنَّفْلِ أَوْ بِالْفَرْضِ حَيْثُ يَجُوزُ فَلَا تَنْقُضُ الْقَهْقَهَة فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَكِنْ يَبْطُلَانِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَاكِبًا يُومِئُ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ قَهْقَهَةَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ صَلَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْتَقِضُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ عِنْدَهُ، وَلَوْ نَسِيَ الْبَانِي الْمَسْحَ فَقَهْقَهَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ نُقِضَ وَبَعْدَهُ لَا يَنْقُضُ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ مَسَائِلِ الِامْتِحَانِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ أَنَّهَا تَنْقُضُ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَلَوْ عِنْدَ السَّلَامِ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ ضَحِكَ الْقَوْمُ بَعْدَمَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ مُتَعَمِّدًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ وَكَذَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَقِيلَ إذَا قَهْقَهُوا بَعْدَ سَلَامِهِ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هَلْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مَعًا أَوْ قَهْقَهَ الْقَوْمُ ثُمَّ الْإِمَامُ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْكُلِّ، وَإِنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ أَوَّلًا ثُمَّ الْقَوْمُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ دُونَهُمْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ طَهَارَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ عَمْدًا اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ الْفَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ عَمْدًا وَحَدَثِهِ عَمْدًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ قَاطِعٌ لِلصَّلَاةِ لَا مُفْسِدٌ لَهَا إذْ لَمْ يُفَوِّتْ شَرْطَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ، وَلَوْ مَسْبُوقًا فَيُنْقَضُ وُضُوءُهُمْ بِقَهْقَهَتِهِمْ بِخِلَافِ حَدَثِهِ عَمْدًا لِتَفْوِيتِهِ الطَّهَارَةَ فَأَفْسَدَتْ جُزْءًا يُلَاقِيه فَيَفْسُدُ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَذَلِكَ فَقَهْقَهَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَنْقُضُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَدَثِ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَلَوْ أَنَّ مُحْدِثًا غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَفَنِيَ الْمَاءُ فَتَيَمَّمَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَقَهْقَهَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَغْسِلُ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ وَيُصَلِّي وَعِنْدَهُمَا يَغْسِلُ جَمِيعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ هَلْ تُبْطِلُ مَا غُسِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؟ عِنْدَهُ لَا، وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا كَانَ شَرَعَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَبَطَلَ الْوَصْفُ ثُمَّ قَهْقَهَ مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِ الْأَصْلِ لَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِالْقَهْقَهَةِ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِهِ انْتَقَضَتْ كَمَا إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَالتَّرْتِيبُ فَرْضٌ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ، وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ ثُمَّ قَهْقَهَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَنْ قَهْقَهَ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَكَذَا إذَا قَهْقَهَ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَمَا إذَا سَلَّمَ قَبْلَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْقُعُودِ ثُمَّ قَهْقَهَ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقُيِّدَ بِالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ قَهْقَهَةَ الصَّبِيِّ لَا تَنْقُضُ وُضُوءَهُ لَكِنْ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَنُقِلَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ نَقْضِ وُضُوئِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ الثَّانِي عَنْ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ دُونَ الصَّلَاةِ الثَّالِثُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُبْطِلُهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْقَوْلَانِ الْأَخِيرَانِ ضَعِيفَيْنِ كَانَا كَالْعَدَمِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهَا إنَّمَا أَوْجَبَتْ إعَادَةَ الْوُضُوءِ عُقُوبَةً وَزَجْرًا وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ كَامِلَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا فَلَا تَتَعَدَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَسِيَ الْبَانِي الْمَسْحَ فَقَهْقَهَ قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ نُقِضَ إلَخْ) أَيْ قَهْقَهَ فِي طَرِيقِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَذَكَرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَدَمَ النَّقْضِ فِيهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمُخْتَارِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ النَّقْضَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ وَلَا مَسْبُوقًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ مَسْبُوقًا

إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَلَاةِ الْبَانِي بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَلَاةِ النَّائِمِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لَا تَنْقُضُ أَصْلًا قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ نَقْضِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَنَا أَنَّ الْقِيَاسَ ذَلِكَ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْقَهْقَهَةُ فِي ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ، وَكَانَ فِي بَصَرِهِ ضَرَرٌ فَضَحِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْقَوْمِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا قِيلَ بِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ الضَّحِكُ بِالصَّحَابَةِ خَلْفَهُ قَهْقَهَةً أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّحَابِيُّونَ وَالْمُنَافِقُونَ وَالْأَعْرَابُ الْجُهَّالُ فَالضَّاحِكُ لَعَلَّهُ كَانَ بَعْضَ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ بَعْضَ الْأَعْرَابِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ كَمَا بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِاللَّهْوِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَإِلَّا فَلَيْسَ الضَّحِكُ كَبِيرَةً وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ الصَّغَائِرِ بِمَعْصُومِينَ وَلَا عَنْ الْكَبَائِرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً اهـ. وَالْمَنْقُولُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ فَهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنْ الْمَعَاصِي وَقَيَّدَ بِالْقَهْقَهَةِ؛ لِأَنَّ الضَّحِكَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ هَذَا أَصْلُهُ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْحَاءِ مَعَ فَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنْ الْقَهْقَهَةِ، وَهِيَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ فَقَطْ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بَلْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَأَمَّا التَّبَسُّمُ، وَهُوَ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ أَصْلًا بِأَنْ تَبْدُوَ أَسْنَانُهُ فَقَطْ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُمَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَسَّمَ فِي الصَّلَاةِ حِينَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْك مَرَّةً صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ» كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّبَسُّمَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَا حُكْمَ لِلتَّبَسُّمِ وَقَدْ رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِحَرْفَيْنِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عَمَلًا بِعَدَمِ تَبْعِيضِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْضُهُ وَقَعَ كُلُّهُ قِيَاسًا لِوُقُوعِهِ عَلَى ارْتِفَاعِهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَبَعَّضُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ النَّقْضُ مُعَلَّقٌ بِالْقَهْقَهَةِ فَإِذَا وُجِدَ بَعْضُهَا لَا يُوجَدُ الْحُكْمُ وَلَا بَعْضُهُ لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْضُهُ مَمْنُوعٌ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ) يَعْنِي أَنَّ مِنْ النَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ، وَهِيَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ مُتَجَرِّدَيْنِ وَلَاقَى فَرْجُهُ فَرْجَهَا مَعَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ مُلَاقَاةَ الْفَرْجِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَمْ يَشْتَرِطْ مُمَاسَّتَهُمَا وَشَرَطَ ذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ وَذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَيْضًا اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي الْيَنَابِيعِ وَقَالَ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ. فَقَوْلُ مَنْ قَالَ الظَّاهِرُ الِاشْتِرَاطُ أَرَادَ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ لَا الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ اشْتِرَاطَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ حَدَثًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُقَامُ مُقَامَ الْمُسَبَّبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَالْوَقْفُ عَلَى الْمُسَبَّبِ هُنَا مُمْكِنٌ بِلَا حَرَجٍ؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ يَقَظَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِقَامَةِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا الْيُسْرِ بَائِعَ الْعَسَلِ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ إنِّي أَصَبْت مِنْ امْرَأَتِي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ عَدَمُ مَذْيٍ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي مَقَامِ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ يَقُومُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ) الْمَذْكُورُ هُنَا ثَلَاثٌ لَكِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُمَا.

مَقَامَ الْأَمْرِ الْبَاطِنِ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ قِيَامِ هَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ مَقَامَ خُرُوجِ النَّجَسِ كَذَا فِي الْمُصَفَّى وَفِي الْحَقَائِقِ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُمَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُتُونِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْغُلَامِ، وَكَذَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَيْهِمَا، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَيْهَا أَيْضًا أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ أَيْضًا قَالَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا إلَّا عَلَى الرَّجُلِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ لِلرِّجَالِ ثَبَتَ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ إلَّا مَا نُصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْأَصْلُ فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا يُذْكَرْنَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْنَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى شَكَوْنَ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] إلَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَخْصُوصًا بِهِنَّ كَمَسْأَلَةِ الصَّغِيرَةِ الْآتِيَةِ فِي الْغُسْلِ. اهـ. وَلِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ عِبَارَاتِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُقَيِّدُوا بِوُضُوءِ الرَّجُلِ فَكَانَ وُضُوءُهَا دَاخِلًا فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى خُرُوجِ نَجَسٍ أَيْ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الدُّودَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الدُّودَةَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ بِلَّةٍ تَكُونُ مَعَهَا وَتَسْتَصْحِبُهَا وَتِلْكَ الْبِلَّةُ قَلِيلُ نَجَاسَةٍ وَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ وَمِنْ غَيْرِهِمَا غَيْرُ نَاقِضَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ الدُّودَةَ حَيَوَانٌ، وَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ وَالشَّيْءُ الطَّاهِرُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَقَضَ الْوُضُوءَ كَالرِّيحِ بِخِلَافِ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ: الثَّالِثُ: أَنَّ الدُّودَةَ فِي الْجُرْحِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْفَصَلَ قِطْعَةٌ مِنْ اللَّحْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، وَأَمَّا فِي السَّبِيلَيْنِ تَتَوَلَّدُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَتَكُونُ فِي الْخُرُوجِ كَالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّودَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ وَالْقُبُلِ وَالذَّكَرِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الدُّودَةَ مِنْ الْإِحْلِيلِ لَا تَنْقُضُ وَأَنَّ الدُّودَةَ مِنْ الْقُبُلِ فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَفِي شَرْحِ مِسْكِينٍ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ الْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ الْجُرْحِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُنَافِيه مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْجُرْحِ ثُمَّ خَرَجَ لَا يَنْقُضُ كَمَا لَا يَخْفَى بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. (قَوْلُهُ: وَمَسُّ ذَكَرٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ أَيْ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّ الذَّكَرِ وَكَذَا مَسُّ الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْمَسَّ لِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ إذَا كَانَ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ وَاسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ لَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِمَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَلَنَا مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَيُرَجَّحُ حَدِيثَ طَلْقٍ عَلَى حَدِيثِ بُسْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ الرِّجَالِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَحْفَظُ لِلْعِلْمِ وَأَضْبَطُ؛ وَلِهَذَا جُعِلَتْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَقَدْ أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثُ طَلْقٍ عِنْدَنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ حَدِيثَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَتِلْكَ الْبِلَّةُ قَلِيلُ نَجَاسَةٍ إلَخْ) إطْلَاقُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْقَلِيلِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ طَاهِرٌ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِهِمَا فَفِيهِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَمَا سَيَأْتِي وَقَدْ أَشَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَجِسٌ أَوْ يُرِيدُ حَقِيقَتَهُ اللُّغَوِيَّةَ لَا الشَّرْعِيَّةَ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْأَوَّلَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي مَادَّتُهُ مِنْ الْبَدَنِ. (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ) الْمُرَادُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْأَصَابِعِ لَا خُصُوصُ الْأَصَابِعِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي زَكَرِيَّا الشَّافِعِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَمَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ أَوْ مَحَلُّ قَطْعِهِ بِبَطْنِ كَفٍّ وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِهِ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ وَضْعِ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ قَالَ وَخَرَجَ بِبَطْنِ الْكَفِّ غَيْرُهُ كَرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الرَّاحَةِ وَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ، وَهُوَ الرَّاحَةُ مَعَ بُطُونِ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ التَّلَذُّذَ إنَّمَا يَكُونُ بِهِ اهـ.

طَلْقٍ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ قَدْ عَلِمْت مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ حَدِيثَ بُسْرَةَ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ أَيْضًا تَرْجِيحًا لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ قُدُومَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْنِي مَسْجِدَهُ وَرَاوِي حَدِيثِ بُسْرَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ وُرُودَ طَلْقٍ إذْ ذَاكَ ثُمَّ رُجُوعُهُ لَا يَنْفِي عَوْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُمْ قَدْ رَوَوْا عَنْهُ حَدِيثًا ضَعِيفًا مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَقَالُوا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَكَرَ أَنَّ الذَّكَرَ قِطْعَةُ لَحْمٍ فَلَا تَأْثِيرَ لِمَسِّهِ فِي الِانْتِقَاضِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ أَيْضًا إنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسِّ فَوْقَ حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ سَأَلْته عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فِي الصَّلَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ بِلَا حَائِلٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ تَعْلِيلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» يَأْبَى الْحَمْلَ وَالْبَضْعَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ، وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَى بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ عَدَّ جَمَاعَةً لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْحَدِيثَ يَعْنِيَ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَمَنْ رَأَيْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْهُمْ سَخِرْنَا مِنْهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ حَدِيثِ بُسْرَةَ بَاطِنًا أَنَّ أَمْرَ النَّوَاقِضِ مِمَّا يَحْتَاجُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ إلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ النَّقْضَ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ وَفِي السُّنَنِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْقَاضِي السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرْنَا رَجَاءُ بْنُ مُرَجَّى الْحَافِظُ قَالَ اجْتَمَعْنَا فِي مَسْجِدِ الْحَنِيفِ أَنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَتَنَاظَرْنَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَتَقَلَّدَ قَوْلَهُمْ وَاحْتَجَّ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَاحْتَجَّ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَقَالَ لِيَحْيَى كَيْفَ تَتَقَلَّدُ إسْنَادَ بُسْرَةَ وَمَرْوَانَ أَرْسَلَ شُرْطِيًّا حَتَّى رَدَّ جَوَابَهَا إلَيْهِ وَقَالَ يَحْيَى وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا قُلْتُمَا فَقَالَ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْ جَسَدِك فَقَالَ يَحْيَى عَمَّنْ قَالَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ فَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ نَعَمْ وَلَكِنْ أَبُو قَيْسٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ أَخْبَرَنَا مِسْعَرٌ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ مَا أُبَالِي مَسَسْتُهُ أَوْ أَنْفِي فَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ عَمَّارٌ وَابْنُ عُمَرَ اسْتَوَيَا فَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَذَا وَمَنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَذَا اهـ. وَإِنْ سَلَكْنَا طَرِيقَ الْجَمْعِ جُعِلَ مَسُّ الذَّكَرِ كِنَايَةً عَمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ الْبَلَاغَةِ يَسْكُتُونَ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ وَيَرْمِزُونَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَا هُوَ مِنْ رَوَادِفِهِ فَلَمَّا كَانَ مَسُّ الذَّكَرِ غَالِبًا يُرَادِفُ خُرُوجَ الْحَدَثِ مِنْهُ وَيُلَازِمُهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ كَمَا عَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ عَمَّا يُقْصَدُ لِأَجْلِهِ وَيَحِلّ فِيهِ فَيَتَطَابَقُ طَرِيقَا الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي التَّعْبِيرِ فَيُصَارُ إلَى هَذَا لِدَفْعِ التَّعَارُضُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ، وَهَذَا أَحَدُ مَا حُمِلَ بِهِ حَدِيثُ بُسْرَةَ فَقَالَ أَوْ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي قَوْلِهِ الْوُضُوءُ قَبْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: إذْ قَدْ عَلِمْت مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ إلَخْ) أَقُولُ: لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَلْ الَّذِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ بُسْرَةَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ) لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ عَنْ شَرْحِ الْآثَارِ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ لَا تَقْتَضِي إفْتَاءَهُمْ بِهِ وَلَا أَنَّهُمْ يَرْوُونَهُ فَافْهَمْ

[أحكام الغسل]

الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الِاسْتِحْبَابِ بِمَا إذَا كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ، وَهُوَ حَسَنٌ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَامْرَأَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ذَكَرٍ أَيْ مَسُّ بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ مُطْلَقًا كَانَ بِشَهْوَةٍ وَقَصْدٍ أَوْ لَا وَلَهُ فِي الْمَلْمُوسِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا النَّقْضُ إلَّا إذَا لَمَسَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْعَجُوزِ فَالصَّحِيحُ النَّقْضُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ مُعْتَبَرٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَؤُمُّ أَنْ يَحْتَاطَ فِيهِ فَمَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَذْهَبِنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] ، فَإِنَّ اللَّمْسَ يُطْلَقُ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ قَالَ تَعَالَى {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] وَبِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ اللَّمْسُ يَكُونُ بِالْيَدِ وَبِغَيْرِهَا وَقَدْ يَكُونُ بِالْجِمَاعِ فَنَعْمَلُ بِمُقْتَضَى اللَّمْسِ مُطْلَقًا فَمَتَى الْتَقَتْ الْبَشَرَتَانِ انْتَقَضَ سَوَاءٌ كَانَ بِيَدٍ أَوْ جِمَاعٍ وَلِأَئِمَّتِنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا أَوْجُهٌ أَحَدُهَا مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ حَقِيقَةَ اللَّمْسِ يَكُونُ بِالْيَدِ وَأَنَّ الْجِمَاعَ مَجَازٌ فِيهِ لَكِنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ بِالْآيَةِ فَبَطَلَتْ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ثَانِيهِمَا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّ اللَّمْسَ إذَا قُرِنَ بِالْمَرْأَةِ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْجِمَاعِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ اللَّمْسِ وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَعِنْدَهُمْ لَا يُشْتَرَطُ اللَّمْسُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ثَالِثُهَا أَنَّ اللَّمْسَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّمْسِ بِالْيَدِ وَبَيْنَ الْجِمَاعِ وَرَجَّحْنَا الْحَمْلَ عَلَى الْجِمَاعِ بِالْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَفَاضَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ بِقَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] إلَى قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْغُسْلُ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] إلَى قَوْلِهِ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [النساء: 43] إلَخْ فَإِذَا حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى الْجِمَاعِ كَانَ بَيَانًا لِحُكْمِ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَمَا بُيِّنَ حُكْمُهُمَا عِنْدَ وُجُودِهِ فَيَتِمُّ الْغَرَضُ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى بَيَانِهِمَا خِلَافَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَكْرَارًا مَحْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ بِقَوْلِهِ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَتْ فَقَدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْته فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُودُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك إلَى آخِرِ الدُّعَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَالْتَمَسْت بِيَدَيَّ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ سَاجِدٌ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَهَا فَتَقْبِضُهَا» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ» وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ فَوْقَ حَائِلٍ بَعِيدٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [أَحْكَام الْغُسْل] [فَرَائِض الْغُسْل] (قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْغُسْلِ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفَهُ وَبَدَنِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى الْغُسْلِ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَفَرْضُ إمَّا لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْفَرْضُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَقَوْلُهُ الْغُسْلُ يَعْنِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ فِي الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ حَتَّى يَصِحَّ بِدُونِهِمَا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْبَدَائِعِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ لَا مُطْلَقًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْحَدِيثَ أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» مَحْمُولٌ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ دُونَ الْمَاءِ فَإِذَا مَسُّوهُ بِأَيْدِيهِمْ كَانَتْ تَتَلَوَّثُ خُصُوصًا فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ فَأُمِرُوا بِالْغُسْلِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ إطْلَاقَ السَّرَخْسِيِّ أَوْلَى عَمَلًا بِعُمُومِ مَنْ اهـ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَ التَّلَوُّثِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَا مُسْتَحَبٌّ فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ حَدِيثِ بُسْرَةَ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ مَسِسْت ذَكَرِي وَمَعِي الْمُصْحَفُ فَقَالَ لِي أَبِي تَوَضَّأْ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِهِ: قَالَ فَقَالَ: لِي أَبِي قُمْ فَاغْسِلْ يَدَك اهـ. وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ كَوْنُ ذَلِكَ مَحَلُّ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فَرُبَّمَا تَكُونُ فِي الْيَدِ أَوْ الْمَحَلِّ رُطُوبَةٌ سِيَّمَا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ وَذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِلتَّلَوُّثِ أَوْ هُوَ تَعَبُّدِيٌّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ فِي الْغَسْلِ الْمَسْنُونِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ فِي الْمِنَحِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فِي الِاغْتِسَالِ الْمَسْنُونِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِشَرْطٍ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ فَمَمْنُوعٌ وَلَعَلَّ مُرَادَ صَاحِبِ السِّرَاجِ الْأَوَّلُ وَلَا كَلَامَ فِيهِ اهـ.

الْغُسْلِ فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَفِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ وَصِفَتِهِ وَحُكْمِهِ أَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَهُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَهُوَ تَمَامُ غَسْلِ الْجَسَدِ وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ أَيْضًا وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فَوَضَعْت لَهُ غُسْلًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالضَّمُّ هُوَ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَاصْطِلَاحًا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ غَسْلُ الْبَدَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغَسْلِ بِالْفَتْحِ لُغَةً وَشَرْعًا وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ إسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ إسَالَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَمْ يَجُزْ الْغُسْلُ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْأَطْهَرِ بِضَمِّ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ تَطَهَّرَ فَأُدْغِمَتْ التَّاءُ فِي الطَّاءِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ فَجِيءَ بِحَرْفِ الْوَصْلِ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى النُّطْقِ فَصَارَ اطَّهَّرُوا وَبَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ وَلَا دِرَايَةَ يَقْرَأُ بِالِاطِّهَارِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِحِرْمَانِهِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهُوَ تَطْهِيرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَاسْمُ الْبَدَنِ يَقَعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ قَضِيَّةِ النَّصِّ، وَكَذَا مَا يَتَعَسَّرُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَسِّرَ مَنْفِيٌّ كَالْمُتَعَذِّرِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، فَإِنَّ فِي غَسْلِهِمَا مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى فَإِنَّ الْعَيْنَ شَحْمٌ لَا تَقْبَلُ الْمَاءَ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُ مَنْ تَكَلَّفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِهَذَا لَا تُغْسَلُ الْعَيْنُ إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ؛ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي غَسْلِهِمَا فَشَمِلَهُمَا نَصُّ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ كَمَا شَمِلَهُمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَانْقُوَا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ بِخِلَافِهِمَا فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَلَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِدَاخِلِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَا يُعَارِضُهُ إذْ كَوْنُهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهَا الدِّينُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَالْمُرَادُ أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى الْأَقْوَالِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ الْمَرْوِيِّ عَلَى حَالَةِ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ» كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلَاثًا فَرِيضَةً» لَكِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خُرُوجِ اثْنَيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِأَعْلَى الْوَاجِبَاتِ الْإِسْلَامُ لَكِنْ قَالَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاوِي الْحُصَرِيُّ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَوْلُودَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مَرَّةً لَمْ يُنْقَلْ أَبَدًا إلَى غَيْرِهِ وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْخِلْقَةِ الْقَابِلَةِ لِلْإِسْلَامِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ نَظَرَ إلَى خِلْقَتِهِ وَتَفَكَّرَ فِيهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ لَدَلَّتْهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَلَوْ شَرِبَ الْمَاءَ عَبًّا أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَضْمَضَةِ لَا مَصًّا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا إلَّا أَنْ يَمُجَّهُ وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَا يَخْرُجُ بِالشُّرْبِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَمُجَّهُ، وَهُوَ أَحْوَطُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَحْوَطَ الْخُرُوجُ وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَحْوَطَ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْمَجَّ مِنْ شَرْطِ الْمَضْمَضَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ الْخُرُوجَ عَنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لُمْعَةٌ) بِضَمِّ اللَّامِ وَمَنْ فَتَحَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَدَنِ أَوْ الْعُضْوِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الِاغْتِسَالِ أَوْ الْوُضُوءِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنْ نَبْتٍ أَخَذَتْ فِي الْيُبْسِ. اهـ. تَعْرِيفَاتٌ (قَوْلُهُ: بِالْأَطْهَرِ) بِضَمِّ الْهَاءِ أَيْ مُشَدَّدَةً وَبِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْضًا، وَهُوَ مَصْدَرُ اطَّهَّرَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَصْلُهُ تَطَهَّرَ قُلِبَتْ التَّاءُ طَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ ثُمَّ جِيءَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسَّاكِنِ (قَوْلُهُ: وَاسْمُ الْبَدَنِ يَقَعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَخْ) نَقَلَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ عَنْ الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَدَنَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْأَلْيَةِ قَالَ وَحِينَئِذٍ فَالرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ خَارِجَةٌ لُغَةً دَاخِلَةٌ تَبَعًا شَرْعًا. اهـ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ شَمِلَهُمَا الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ يَعْنِي مَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَ يَعْنِي ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْحَامِلِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ الْمَرْوِيِّ وَالْمَعْنَى كَأَنَّ الْحَامِلَ قُصِدَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ) الْأَوْلَى تَذْكِيرُ الضَّمِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَعُودَانِ عَلَى الْمَجِّ (قَوْلُهُ: فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ الْخُرُوجَ عَنْ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ إلَخْ) أَقُولُ: شَنَّعَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ بِمَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ وَكَذَا أَخُو الشَّارِحِ فِي النَّهْرِ فَقَالَ أَنَّى يَكُونُ هَذَا وَجْهًا لِكَوْنِ الْمَجِّ أَحْوَطَ وَلَا أَرَى هَذَا إلَّا مِنْ طُغْيَانِ الْقَلَمِ بَلْ الْوَجْهُ هُوَ أَنَّ الْمَاجَّ خَارِجٌ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ اهـ. قُلْت: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ سُقُوطِ قَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْأَحْوَطَ الْخُرُوجُ بَعْدَ قَوْلِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ مِنْ وُجُودِ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَحْوَطَ أَيْ كَوْنُ الْخُرُوجِ بِدُونِ الْمَجِّ أَحْوَطَ تَوْجِيهًا لِقَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ لَا لِكَلَامِ الْخُلَاصَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَجَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَتَصْحِيحُهُ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَلَامَ عَلَى الشَّارِحِ وَلَا غُبَارَ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمِنَحِ قُلْت

الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا هُنَا الْخُرُوجُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ كَانَ سِنُّهُ مُجَوَّفًا أَوْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ أَوْ دَرَنٌ رَطْبٌ يُجْزِيه؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَطِيفٌ يَصِلُ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَالِبًا كَذَا فِي التَّجْنِيسِ ثُمَّ قَالَ ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا كَانَ فِي أَسْنَانِهِ كَوَّاتٌ يَبْقَى فِيهَا الطَّعَامُ لَا يُجْزِيه مَا لَمْ يُخْرِجْهُ وَيَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا، وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ وَالْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ خِلَافُ هَذَا فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْعَلَ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْزِيه وَالدَّرَنُ الْيَابِسُ فِي الْأَنْفِ كَالْخُبْزِ الْمَمْضُوغِ وَالْعَجِينِ يَمْنَعُ تَمَامَ الِاغْتِسَالِ، وَكَذَا جِلْدُ السَّمَكِ وَالْوَسَخُ وَالدَّرَنُ لَا يَمْنَعُ وَالتُّرَابُ وَالطِّينُ فِي الظُّفْرِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفَدُ فِيهِ وَمَا عَلَى ظُفْرِ الصَّبَّاغِ يَمْنَعُ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرَوِيِّ وَالْمَدَنِيِّ اهـ. وَلَوْ بَقِيَ عَلَى جَسَدِهِ خَرْءُ بُرْغُوثٍ أَوْ وَنِيمُ ذُبَابٍ أَيْ ذَرْقُهُ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ تَحْتَهُ جَازَتْ طَهَارَتُهُ وَيَجِبُ تَحْرِيكُ الْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ الضَّيِّقَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرْطٌ فَدَخَلَ الْمَاءُ الثُّقْبَ عِنْدَ مُرُورِهِ أَجْزَأَهُ كَالسُّرَّةِ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَتَكَلَّفُ فِي إدْخَالِ شَيْءٍ سِوَى الْمَاءِ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَيُدْخِلُ الْقُلْفَةَ اسْتِحْبَابًا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا الْخَارِجَ وُجُوبًا فِي الْغُسْلِ وَسُنَّةً فِي الْوُضُوءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّهُ كَالْفَمِ وَلَا تُدْخِلُ أَصَابِعَهَا فِي قُبُلِهَا وَبِهِ يُفْتَى وَلَوْ كَانَ فِي الْإِنْسَانِ قُرْحَةٌ فَبَرَأَتْ وَارْتَفَعَ قِشْرُهَا وَأَطْرَافُ الْقُرْحَةِ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ إلَّا الطَّرَفَ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْقَيْحُ، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ وَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ الْقِشْرَةِ أَجْزَأَهُ وُضُوءُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ الْغُسْلُ كَذَا فِي النَّوَازِلِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا، وَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ إذَا تَمَضْمَضَ هَكَذَا قَيَّدَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَفْظُهَا وَيَحِلُّ لِلْجُنُبِ شُرْبُ الْمَاءِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ لَا عَلَى وَجْهِهَا لَا؛ لِأَنَّهُ شَارِبُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَنَّهُ نَجِسٌ اهـ. فَيَنْبَغِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُفْتَى بِهَا مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنْ يُبَاحَ الشُّرْبُ مُطْلَقًا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ انْفِصَالَ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى الْبَاطِنِ أَوْ إلَى الظَّاهِرِ وَالْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان الْجُنُبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَاهُ، وَإِنْ تَرَكَ لَا بَأْسَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَالْجُنُبُ سَوَاءٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْتَحَبُّ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ بِالْغُسْلِ لَا تَزُولُ نَجَاسَةُ الْحَيْضِ عَنْ الْفَمِ وَالْيَدِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ اهـ. فَاحْفَظْهُ وَلِلْجُنُبِ أَنْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ إلَّا إذَا احْتَلَمَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي أَهْلَهُ مَا لَمْ يَغْتَسِلْ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ الْمُفَادِ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ الْبِلَّةِ فِي الْغُسْلِ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ، إذَا كَانَ مُتَقَاطِرًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَضُرُّ مَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِهِ فِي إنَائِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَرَ كُلُّهُ فِي الْإِنَاءِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَاسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا سُنَنُهُ وَآدَابُهُ وَصِفَتُهُ وَسَبَبُهُ فَسَتَأْتِي مُفَصَّلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا بَأْسَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ بِتَمَامِهِ وَالتَّكَلُّمِ عَلَى بَعْضِ مَعَانِيه رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ مُصْعَبٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. وَانْتِقَاصُ الْمَاء» بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الِاسْتِنْجَاءُ وَقِيلَ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَذَاكِيرِهِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ الِانْتِضَاحُ، وَهُوَ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ فَإِذَا أَرَاهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى الْمَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مَشَايِخُنَا فِي كُتُبِهِمْ لَكِنْ قَالُوا إنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَنْفَعُهُ إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَمْ يَجِفَّ الْبَلَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمُجَّ خَرَجَ عَنْ الْجَنَابَةِ عَلَى قَوْلٍ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى آخَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا مَجَّهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُمَا اتِّفَاقًا إلَخْ فَهُوَ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ كَمَا هُوَ مَبْنَى كَلَامِ الْخُلَاصَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ لِلْجُنُبِ شُرْبُ الْمَاءِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ إلَخْ) لِيُتَأَمَّلْ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ شُرْبُهُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا سَقَطَ الْفَرْضُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ مَذَاكِيرَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَنْتَقِصُ الْبَوْلُ أَيْ يُسْرِعُ فِي اسْتِنْقَائِهِ كَمَا قَالُوا فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ لَا يَحْلُبُهُ بَلْ يَنْضَحُ ضَرْعَهُ بِالنُّقَاخِ أَيْ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِيَنْقَطِعَ جَرَيَانُهُ تَأَمَّلْ

أَمَّا إذَا كَانَ بَعِيدًا وَجَفَّ الْبَلَلُ ثُمَّ رَأَى بَلَلًا يُعِيدُ الْوُضُوءَ. وَالِاسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ سُمِّيَ اسْتِحْدَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيدَةِ، وَهِيَ الْمُوسَى، وَهُوَ سُنَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ إلَى السُّرَّةِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ تَوْفِيرُهَا وَالْبَرَاجِمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْجِيمِ جَمَعَ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا كُلُّهَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَيَلْتَحِقُ بِالْبَرَاجِمِ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَسْحِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَوْسَاخِ، وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ الْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ أَنَّهَا الدِّينُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا السُّنَّةُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْخِلْقَةُ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَمْتَنِعُ قَرْنُ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، فَإِنَّ الْإِيتَاءَ وَاجِبٌ وَالْأَكْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ نَظِيرَ مَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْفِطْرَةَ إذَا فُسِّرَتْ بِالسُّنَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْمَعْدُودِ مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ جَاءَ عَشْرٌ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَالْأَوْلَى فِي الْفِطْرَةِ تَفْسِيرُهَا بِالدِّينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِمَا سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَالصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِهِ كَمَا نَقَلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» إلَخْ وَإِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ ضَعْفَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: لَا دَلْكَهُ) أَيْ لَا يُفْتَرَضُ دَلْكُ بَدَنِهِ فِي الْغُسْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ، فَلَوْ أَفَاضَ الْمَاءَ فَوَصَلَ إلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَمْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ أَجْزَأَهُ غَسْلُهُ وَكَذَا وُضُوءُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَالِكًا وَالْمُزَنِيِّ فَإِنَّهُمَا شَرَطَاهُ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَاحْتَجَّا بِأَنَّ الْغُسْلَ هُوَ إمْرَارُ الْيَدِ وَلَا يُقَالُ لِوَاقِفٍ فِي الْمَطَرِ اغْتَسَلَ وَنُقِلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا قَالَ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ خُصُوصُ صِيغَةِ اطَّهَّرُوا، فَإِنَّ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ إمَّا فِي الْفِعْلِ نَحْوَ حَوَّلْت وَطَوَّفْت أَوْ فِي الْفَاعِلِ نَحْوُ مَوَّتَّ الْإِبِلَ أَوْ فِي الْمَفْعُولِ نَحْو {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} [يوسف: 23] وَالثَّانِي يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْفَاعِلِ فَلَا يُقَالُ فِي شَاةٍ وَاحِدَةٍ مَوَّتَّ وَالثَّالِثُ كَثْرَةُ الْمَفْعُولِ فَلَا يُقَالُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ غَلَّقْته. وَإِنْ غَلَّقَهُ مِرَارًا كَمَا قِيلَ فَتَعَيَّنَ كَثْرَةُ الْفِعْلِ، وَهُوَ بِالدَّلْكِ اهـ. وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ هُنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي النَّصِّ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الدَّلْكِ فَمَنْ شَرَطَهُ فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ، وَهُوَ نَسْخٌ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُحْتَجُّ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِزِيَادَةٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُمْ لَا تُسَمَّى الْإِفَاضَةُ غُسْلًا مَمْنُوعٌ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ إلَى قَوْلِهِ فَتُعَيَّنُ كَثْرَةُ الْفِعْلِ قَدْ يُقَالُ إنَّ صِيغَةَ اطَّهَّرُوا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْثِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْدَادُ إلَخْ) لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ ذِكْرُ الِاسْتِحْدَادِ بَلْ الَّذِي مَرَّ هُوَ الْحَلْقُ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْجِيمِ) عُطِفَ عَلَى فَتْحٍ وَالْأَوْلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِالْجِيمِ بِإِعَادَةِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ، وَهِيَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ فَعَّلَ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَارِجٌ عَنْ الِانْتِظَامِ مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ وَلَوْلَا ضَرُورَةُ بَيَانِهِ لَكَانَ الْأَوْلَى لِمِثْلِي حِفْظُ لِسَانِهِ فَأَقُولُ. أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ ادِّعَاءَ الْمُحَقِّقِ أَنَّ اطَّهَّرَ مِنْ بَابِ فَعَّلَ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَلَعَلَّ الْمُحَقِّقَ الْكَمَالَ تَفَطَّنَ لِهَذَا فَأَضْرَبَ فِيمَا وُجِدَ بِخَطِّهِ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ إنَّ صِيغَةَ اطَّهَّرُوا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ فَمَمْنُوعٌ أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ اطَّهَّرُوا أَمْرٌ مِنْ تَطَهَّرَ الْقَوْمُ كَمَا عَلِمْت، وَهُوَ لَازِمٌ، وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْكَمَالِ مِنْ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ طَهَّرَ فَلَا مَفْعُولَ فِيهِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ وَأَمَّا ثَالِثًا؛ فَلِأَنَّا، وَإِنْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ فِي حُكْمِ قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَادَّعَيْنَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى اطَّهَّرُوا لِيُطَهِّرْ كُلُّ وَاحِدِ مِنْكُمْ بَدَنَهُ فَيَكُونُ فِيهِ مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى فَنَقُولُ لَا يَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَدَنَ كُلِّ أَحَدٍ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ كَمَا قَالَ الْكَمَالُ وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْمَفْعُولِ يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْمَفْعُولِ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْثِيرَ فِي الْفِعْلِ وَلَا عَكْسَ اهـ. وَقَوْلُهُ كَمَوْتِ الْإِبِلِ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ لِمَا عَلِمْت الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ تَكْثِيرٌ إلَخْ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ

فِي الْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّكْثِيرَ فِي الْمَفْعُولِ يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْمَفْعُولِ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ كَمَوْتِ الْإِبِلَ أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ تَكْثِيرٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدًا كَقَطَّعْتُ الثَّوْبَ، فَإِنَّ التَّكْثِيرَ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ وَاحِدًا وَطَهَّرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ طَهَّرْت الْبَدَنَ يَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ الْجَارْبُرْدِيُّ فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّصْرِيفِ بِمَا لَفْظُهُ قَوْلُهُ وَفَعَّلَ لِلتَّكْثِيرِ، وَهُوَ إمَّا فِي الْفِعْلِ نَحْوُ حَوَّلْت وَطَوَّفْت أَوْ فِي الْفَاعِلِ نَحْوُ مَوَّتَّ الْإِبِلَ أَوْ فِي الْمَفْعُولِ نَحْوُ غَلَّقْت الْأَبْوَابَ فَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ اسْتِعْمَالُهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مَوَّتَّ الشَّاةَ لِشَاةٍ وَاحِدَةٍ خَطَأً؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَسْتَقِيمُ تَكْثِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّاةِ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ تَكْثِيرُهَا وَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ ثَمَّ مَفْعُولٌ لِيَكُونَ التَّكْثِيرُ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ قَوْلِك قَطَعْت الثَّوْبَ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَاحِدًا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِدْخَالُ الْمَاءِ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِي لَمْ يَخْتَتِنْ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ فِي غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا لِلْحَرَجِ الْحَاصِلِ لَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ لَا لِكَوْنِهِ خِلْقَةً كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْقُلْفَةِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَجَعَلُوهُ كَالْخَارِجِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَفِي حَقِّ الْغُسْلِ كَالدَّاخِلِ حَتَّى لَا يَجِبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَقَالَ الْكُرْدِيُّ: يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ. اهـ. فَإِنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَعْلِيلِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلْنَا بِهِ تَبَعًا لِفَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْقُلْفَةِ وَصُحِّحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْخَالِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ دَاخِلَهَا مُسْتَحَبٌّ كَمَا أَنَّ الدَّلْكَ مُسْتَحَبٌّ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِكَوْنِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا سَابِقَةً فِي الْوُجُودِ عَلَى مَا بَعْدَهَا فَهِيَ بِالدَّلْكِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ السَّبْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ. (قَوْلُهُ: وَسُنَنُهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ إذْ كَيْفَ يَكُونُ التَّكْثِيرُ فِي الْمَفْعُولِ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدٌ بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ إلَّا أَنْ يَسْتَقِيمَ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ كَمَا كَتَبَهُ بِيَدِهِ فِي آخِرِ كَلَامِ الْجَارْبُرْدِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ فَيَكُونُ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ لَا الْمَفْعُولِ؛ وَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الرَّضِيُّ: فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ تَقُولُ ذَبَحْت الشَّاةَ وَلَا تَقُولُ ذَبَّحْتُهَا وَأَغْلَقْت الْبَابَ مَرَّةً وَلَا تَقُولُ لَا غَلَّقْته بَلْ تَقُولُ ذَبَحْت الْغَنَمَ وَغَلَّقْت الْأَبْوَابَ اهـ. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ قَطَّعْت الثَّوْبَ فِيهِ تَكْثِيرُ الْمَفْعُولِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ بِمَنْزِلَةِ مَفْعُولٍ وَلَكِنْ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَفْعُولًا اصْطِلَاحِيًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ بِهِ نَفْعًا فِي مُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّ طَهَّرْت الْبَدَنَ لَيْسَ نَظِيرَهُ بَلْ مِثْلُ ذَبَّحْت الشَّاةَ وَقَدْ عَلِمْت امْتِنَاعَ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ فِيهِ مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ كَتَبَهُ بِيَدِهِ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ طَهَّرْت الْبَدَنَ لَيْسَ نَظِيرَ قَطَّعْت الثَّوْبَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْت كَلَامَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ طَهُرَ بِمَنْزِلَةِ مَفْعُولٍ مُسْتَقِلٍّ فَهُوَ نَظِيرُهُ قُلْت لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُصَحَّحَ عَدَمُ تَجَزِّي الطَّهَارَةِ فَلَا يُوصَفُ الْعُضْوُ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَلِأَنَّ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِ الْجَارْبُرْدِيِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَشْهَدُ لَهُ بَلْ فِيهِ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا بِخِلَافِ قَوْلِك قَطَّعْت الثَّوْبَ، فَإِنَّهُ سَائِغٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمَفْعُولِ فِيهِ وَاحِدًا، وَهُوَ الثَّوْبُ وَلِهَذَا نُقِلَ بَعْدَهُ تَأْوِيلُ عِبَارَةِ الْمُفَصَّلِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهَا لَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فِي هَذَا الْمِثَالِ فَحَمَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِيهِ تَكْثِيرُ الْفِعْلِ مِثْلُ ذَبَّحْت الشَّاةَ لَا إذَا اسْتَقَامَ مِثْلُ قَطَّعْت الثَّوْبَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْجَارْبُرْدِيُّ تَوْطِئَةً لِرَدِّ مَا نَقَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الشَّافِيَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْثِيرِ فِي الْمَفْعُولِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ غَلَّقْت بِالتَّضْعِيفِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَفْعُولُ جَمْعًا حَتَّى لَوْ كَانَ وَاحِدًا وَغَلَّقَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا غَلَقَ بِلَا تَضْعِيفٍ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ اهـ. قَالَ الْجَارْبُرْدِيُّ، وَهَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ اهـ. وَوَجْهُ الْمُخَالَفَةِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ التَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْجَارْبُرْدِيِّ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ وَاحِدًا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَأَنَّ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ وَاحِدًا تَأَمَّلْ وَبِمَا تَلَوْنَا عَلَيْك عَلِمْت عَدَمَ اسْتِقَامَةِ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا بِدْعَ، فَإِنَّهُ لَا عِصْمَةَ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ) عَنْ هَذَا نَشَأَ مَا فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ لِلْحَصْكَفِيِّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ فَسْخُ الْقُلْفَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ يَجِبُ، وَإِلَّا لَا اهـ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الْمُخْتَارُ مَشَى الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ نُورِ الْإِيضَاحِ وَفِي حَاشِيَته عَلَى الدُّرَرِ.

[سنن الغسل]

وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ ثَلَاثًا) لِمَا رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ «وَضَعْت لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فَهَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَعَلَّلُوا بِأَنَّهُمَا آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْتَدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَاسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الْفَرْجِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ لَا كَتَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي سَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ لَا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِيهِ أَنْ يَقُولَ وَنَجَاسَةٌ عَنْ قَوْلِهِ وَفَرْجُهُ لِأَنَّ الْفَرْجَ إنَّمَا يُغْسَلُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ. اهـ. وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ الْفَرْجِ لَمْ يَنْحَصِرْ كَوْنُهُ لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لَهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَسَلَهُ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ رُبَّمَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ إلَّا دَاوُد الظَّاهِرِيَّ فَقَالَ بِالْوُجُوبِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِذَا تَوَضَّأَ أَوَّلًا لَا يَأْتِي بِهِ ثَانِيًا بَعْدَ الْغُسْلِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءَانِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَعْنِي لَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءَانِ لِلْغُسْلِ أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَيُسْتَحَبُّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ أَنْ يُدَلِّكَ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ يَدَهُ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالْحَائِطِ لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ غَسْلِ الرَّأْسِ فِي الصَّبِّ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ ثُمَّ بِالرَّأْسِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهِ يُضَعَّفُ مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الرَّأْسَ وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ إشَارَاتٌ الْأُولَى: أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ فِي هَذَا الْوُضُوءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْغَسْلِ وَالْمَسْحِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْهِدَايَةِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَيْ مُجْتَمَعِهِ وَلَا يُقَدِّمُ وَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ مُطْلَقًا وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يُؤَخِّرُ مُطْلَقًا وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ مَا وَقَعَ مِنْ رِوَايَتَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ فَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَأْخِيرَ الْقَدَمَيْنِ فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِمَا، فَأَخَذَ بِهَذِهِ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا لِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالضَّبْطِ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ صَرِيحًا تَأْخِيرُ غَسْلِهِمَا فَأَخَذَ بِهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا لِشُهْرَتِهَا، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ وَحُمِلَ مَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْجَوَازِ فَقَوْلُ الْمَشَايِخِ الْقَائِلِينَ بِالتَّأْخِيرِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [سُنَنُ الْغُسْل] (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ لَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْجُنُبَ قَدْ لَا يَكُونُ مُحْدِثًا وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَنَا وَكَانَ مَا ذَكَرَهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ اهـ. وَأَقُولُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا فِي كَافِرٍ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَهُوَ جُنُبٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ:؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ الْفَرْجِ إلَخْ) نُظِرَ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّنِّيَّةِ لَا النَّدْبِ وَدَفَعَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْبَحْرِ نَقْضُ حَصْرِ تَقْدِيمِهِ فِي كَوْنِهِ لِنَجَاسَتِهِ بِجَوَازِ كَوْنِهِ لِغَيْرِهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي الْجَوَازِ وَذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ يَحْتَاجُ عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ إلَى غَسْلِهِمَا فَلَمْ يُفِدْ الْغَسْلُ فَائِدَتَهُ فَوَجَبَ التَّأْخِيرُ تَحَامِيًا عَنْ الْإِسْرَافِ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَوْلَوِيَّةُ التَّأْخِيرِ مَعَ النَّجَاسَةِ أَيْضًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَنَجَاسَةٍ، وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ بَنَى الِاخْتِلَافَ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ الْمُفْتَى بِهَا أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ فَلَا كَلَامَ لَهُ فِي أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ لِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ الْهِنْدِيِّ وَالْمُحِيطِ هَذَا وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَلَى الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِ عِبَارَةِ النَّهْرِ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَأَقُولُ: كَوْنُ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُفِدْ إلَى قَوْلِهِ تَحَامِيًا عَنْ الْإِسْرَافِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ بِهِ حِينَئِذٍ مَسُّ الْمُصْحَفِ بَلْ مَا عَدَا الصَّلَاةِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لِزَوَالِ الْحَدَثِ وَهَلَّا تَكْفِي هَذِهِ الْفَائِدَةُ وَبَعْدَ حُصُولِهَا كَيْفَ يُقَالُ بِالْإِسْرَافِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْكُ إذْ قَدْ لَا يُصَلِّي إذْ ذَاكَ وَقَوْلُهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَنَجَاسَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا بَلْ الْفَرْقُ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ وَلَاقَاهَا الْمَاءُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدَثُ حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ تَنَجَّسَ بِهَا إلَّا إذَا تَطَهَّرَ الْمَحَلَّ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ أَيْضًا وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ انْتِشَارِهَا فِي الْبَدَنِ بِخِلَافِ

؛ لِأَنَّهُمَا يَتَلَوَّثَانِ بِالْغَسَلَاتِ بَعْدُ فَيُحْتَاجُ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الْفَائِدَةُ الْكَامِلَةُ فِي تَقْدِيمِ غَسْلِهِمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ غَسْلَهُمَا وَلَمْ يَغْسِلْهُمَا ثَانِيًا خَرَجَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي أَصَابَهُمَا مِنْ الْأَرْضِ الْمُجْتَمَعِ فِيهَا الْغَسَلَاتُ مُسْتَعْمَلٌ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَلَيْسَ الَّذِي أَصَابَ قَدَمَيْهِ مِنْ صَبِّهِ عَلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهِ غَيْرُ مَا اجْتَمَعَ فِي الْأَرْضِ مُسْتَعْمَلًا أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي فَلَا يُوصَفُ هَذَا الْمَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَالْمَاءُ الَّذِي أَصَابَ الْقَدَمَيْنِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ فِي الْغُسْلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَجُوزَ نَقْلُ الْبِلَّةِ فِيهِ مِنْ عُضْوٍ إلَى آخَرَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّهِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ لَا اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ مُجْتَمَعِ الْغَسَلَاتِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَقَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْحَدَثُ حَتَّى تَعَافَهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ فَقَالَ: وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُمَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَجَّسَانِ ثَانِيًا بِاجْتِمَاعِ الْغَسَلَاتِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَعَلَيْهَا فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً تَامَّةً، وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَ التَّقْدِيمُ فَائِدَةً، وَهِيَ حِلُّ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَإِنْ كَانَتْ قَدَمَاهُ مُتَنَجِّسَتَيْنِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْفَائِدَةِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي فَغَسْلُهُمَا مُفِيدٌ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَزُولُ عَنْ رِجْلَيْهِ إذَا غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَيَكُونُ طَاهِرًا فِي مُجْتَمَعِ الْمَاءِ بَعْدَ غَسْلِ سَائِرِ جَسَدِهِ، فَإِنَّهُ فُهِمَ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ بَاقِيَ بَدَنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ غَسْلِ رِجْلَيْهِ لِأَجَلِ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْجَنَابَةِ عَنْهُمَا، وَهَذَا ذُهُولٌ عَظِيمٌ وَسَهْوٌ كَبِيرٌ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فَرْضَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِتَقْدِيمِهِ وَلَكِنْ هَلْ زَالَتْ الْجَنَابَةُ عَنْهُمَا أَوْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي فَرِوَايَةُ التَّجَزِّي قَائِلَةٌ بِالْأَوَّلِ وَرِوَايَة عَدَمُ التَّجَزِّي قَائِلَةٌ بِالثَّانِي لَا أَنَّهَا قَائِلَةٌ بِوُجُوبِ إعَادَةُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَفَائِدَةُ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَوْ تَمَضْمَضَ الْجُنُبُ أَوْ غَسَلَ يَدَيْهِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ فَعَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي يَحِلُّ لَهُ لِزَوَالِ الْجَنَابَةِ عَنْهُ وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي لَا يَحِلُّ لَهُ لِعَدَمِ الزَّوَالِ الْآنَ وَقَدْ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَدْ انْدَفَعَ بِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مَا اسْتَشْكَلَهُ بَعْض الْمُحَشَّيْنِ مِنْ زَوَالِ الْجَنَابَةِ بِصَبِّ الْمَاءِ مِنْ الرَّأْسِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ عَلَى رِوَايَةِ التَّجَزِّي وَقَالَ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ وَسُوءُ فَهْمٍ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبَدَنَ فِي الْغُسْل كَعُضْوٍ وَاحِدٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بَعْد الِانْفِصَالِ عَنْ الْعُضْو فَعَلَى رِوَايَة التَّجَزِّي لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا إذَا انْفَصِلْ عَنْ جَمِيع الْبَدَنِ، وَإِنْ زَالَتْ الْجَنَابَة عَنْ كُلّ عُضْو انْفَصِلْ عَنْهُ الْمَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرِ لَا يَخْفَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّأْخِيرِ إنَّمَا اسْتَحَبُّوهُ لِيَكُونَ الِافْتِتَاح وَالِاخْتِتَام بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَخَذَا مِنْ حَدِيث مَيْمُونَةَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلهَا تَوَضَّأَ، وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ الْأَظْهَرُ فِيهِ إكْمَالُ وُضُوئِهِ وَقَوْلُهَا آخِرًا ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا نَالَهُمَا مِنْ تِلْكَ الْبُقْعَةِ اهـ. فَعَلَى هَذَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ غَسَلَهُمَا أَوْ لَا إكْمَالًا لِلْوُضُوءِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا وَسَوَاءٌ أَصَابَهُمَا طِينٌ أَوْ كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَخْفَى تَعَيُّنُ غَسْلِهِمَا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ إذَا كَانَتَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ، وَكَانَ عَلَى الْبَدَنِ نَجَاسَةٌ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَفِي الذَّخِيرَةِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ خَاضَ الرَّجُلُ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ بَعْدَ مَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ جُنُبًا أَجْزَأَهُ أَنْ لَا يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنْ فِي الْحَمَّامِ جُنُبًا قَدْ اغْتَسَلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ إذَا خَرَجَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي وَاقِعَاتِهِ وَعَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنَجُّسِ الرِّجْلَيْنِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ وَتَمَامِ الطَّهَارَةِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ فَقَالَ إلَخْ) أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَنَى عَلَيْهِ كَلَامَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ هُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ بَلْ فِي اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي لُزُومِ غَسْلِهِمَا بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُقَوَّى بِهِ كَلَامَهُ مَعَ أَنَّهُ يُنَابِذُ مَرَامَهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي إلَخْ) أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَزُولُ عَنْ رِجْلَيْهِ إلَخْ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ التَّجَزِّي خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي غَسْلِهِمَا أَوَّلًا وَأَنَّهُ يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا

[آداب الغسل]

مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ لَكِنْ اسْتَثْنَى الْجُنُبَ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرُهُ قَالَ إنَّمَا اسْتَثْنَى الْجُنُبَ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَكُونُ عَلَى بَدَنِهِ قَذَرٌ ظَاهِرًا وَغَالِبًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ سَوَاءً وَيَكُونُ طَاهِرًا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ. وَفِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ» قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ وَقَالَ الْإِمَامُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَنْشِيفُ الْمَاءِ عَنْ الْأَعْضَاءِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ رَدُّهُ لِلْمِنْدِيلِ لِشَيْءٍ رَآهُ أَوْ لِاسْتِعْجَالِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ تَوَاضُعًا أَوْ خِلَافًا لِعَادَةِ أَهْلِ التَّرَفُّهِ وَيَكُونُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ لِيُزِيلَ بَرْدَ الْمَاءِ عَنْ أَعْضَائِهِ اهـ. وَالْمَنْقُولُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَالِغَ وَيَسْتَقْصِيَ فَيَبْقَى أَثَرُ الْوُضُوءِ عَلَى أَعْضَائِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ إلَّا صَاحِبَ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِمِنْدِيلٍ بَعْدَ الْغُسْلِ الْإِشَارَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ جَمِيعَ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فِي الْوُضُوءِ ثَابِتَةٌ فِي هَذَا الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَتُسَنُّ النِّيَّةُ وَيُنْدَبُ التَّلَفُّظُ بِهَا. . قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا آدَابُ الْغُسْلِ فَهِيَ آدَابُ الْوُضُوءِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ مِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمِنْ مَكْرُوهَاتِهِ الْإِسْرَافُ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ وَلِهَذَا قَدَّرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الصَّاعَ لِلْغُسْلِ، وَالْمُدَّ لِلْوُضُوءِ، وَهُوَ تَقْدِيرُ أَدْنَى الْكِفَايَةِ عَادَةً وَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْبَغَ بِدُونِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ زَادَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَأَحْوَالَهُمْ تَخْتَلِفُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ التَّقْدِيرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ بَلْ يَغْتَسِلُ بِأَزْيَدَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْوَسْوَاسِ، فَإِنْ أَدَّى لَا يَسْتَعْمِلُ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الصَّاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ مَعَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» وَفِي الْبُخَارِيِّ «اغْتِسَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّاعِ» مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ إذَا اكْتَفَى بِهِ وَقَدْ قَالُوا إنْ مَكَثَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي قَدْرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. وَيُقَاسُ عَلَى مَا لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَوْ وَقَفَ فِي الْمَطَرِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا) أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفِيرَتَهَا إنْ بَلَّتْ فِي الِاغْتِسَالِ أَصْلَ شَعْرِهَا وَالضَّفِيرَةُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الذُّؤَابَةُ مِنْ الضَّفْرِ، وَهُوَ فَتْلُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ وَلَا يُقَالُ بِالظَّاءِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: لَا إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ وَفِي رِوَايَةٍ أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ» وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنَحْوِ مَعْنَاهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيصَالِ إلَى الْأُصُولِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ تَبْلِيغَ الْمَاءِ أُصُولَ الشَّعْرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ إلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ إذَا اغْتَسَلَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ إلَّا صَاحِبَ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَخْ) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْحَلَبِيُّ بِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَكِنْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعِي التَّنْشِيفُ بَعْدَ الْغُسْلِ وَالْمَرْوِيُّ فِي الْوُضُوءِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ آدَابَ الْغُسْلِ هِيَ آدَابُ الْوُضُوءِ سِوَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ تَأَمَّلْ. [آدَابُ الْغُسْلِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِقَوْلِهِ إنَّ بُلَّ أَصْلُهَا إذْ لَوْ بَنَاهُ لِلْفَاعِلِ لَقَالَ إنْ بَلَّتْ كَذَا فِي الشَّرْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْمَفْعُولِ نَعَمْ الْأَنْسَبُ كَوْنُ الْفِعْلَيْنِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى وُجُوبِ غَسْلِ أَثْنَائِهَا لَوْ كَانَتْ مَنْقُوضَةً لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ فِي الْمِعْرَاجِ وُجُوبَ النَّقْضِ فِي الْأَتْرَاكِ وَالْعَلَوِيَّةِ وَدَعْوَى الْحَرَجِ فِيهِمَا أَيْضًا مَمْنُوعَةٌ بَقِيَ أَنَّ بِنَاءَهُ لِلْمَفْعُولِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ وُجُوبِ النَّقْضِ فِيهِمَا أَيْضًا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْوِينَ بَدَلٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْ ضَفِيرَةُ الْمَرْأَةِ وَحَذَفَهَا اخْتِصَارًا كَمَا فِي الشَّرْحِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ مَنْقُوضَةً غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ مَعَ الضَّفْرِ الْوُصُولُ إلَى الْأَثْنَاءِ فَالذَّوَائِبُ أَوْلَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ مِنْ تَرْجِيحِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ اهـ. وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ وَبِهَذَا عُلِمَ إلَخْ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِيمَاءِ وَتَأَمَّلْ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ مَعَ الضَّفْرِ إلَخْ، فَإِنَّ الذَّوَائِبَ هِيَ الضَّفَائِرُ وَمَا وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ

[موجبات الغسل]

وَيَقُولُ يَا هَذِهِ أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِك وَشُؤُونَ رَأْسِك وَهُوَ مَجْمَعُ عِظَامِ الرَّأْسِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ مُعَارِضٌ لِلْكِتَابِ. وَأَجَابَ تَارَةً بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ مُؤَدَّى الْكِتَابِ غَسْلُ الْبَدَنِ وَالشَّعْرُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مُتَّصِلٌ بِهِ نَظَرًا إلَى أُصُولِهِ فَعَلِمْنَا بِمُقْتَضَى الِاتِّصَالِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ حَتَّى قُلْنَا يَجِبُ النَّقْضُ عَلَى الْأَتْرَاكِ وَالْعَلَوِيِّينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِيصَالُ إلَى أَثْنَاءِ شَعْرِهَا إذَا كَانَ مَنْقُوضًا لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَبِمُقْتَضَى الِانْفِصَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ إذْ لَا يُمْكِنُهُنَّ حَلْقُهُ وَتَارَةً بِأَنَّهُ خَصَّ مِنْ الْآيَةِ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ فَيَخُصُّ بِالْحَدِيثِ بَعْدَهُ وَأَمَّا أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِنَقْضِ النِّسَاءِ رُءُوسَهُنَّ إذَا اغْتَسَلْنَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إيجَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ فِي شُعُورٍ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا أَوْ يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ النَّقْضُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيّ أَوْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُنَّ بِذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي الْهِدَايَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا وهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ بَلُّهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بِلَّةٍ عَصْرَةٌ وَفِي صَلَاةِ الْبِقَالِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الذَّوَائِبِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْوُجُوبِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الْحُسَامِيِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ مَنْقُوضًا كَانَ أَوْ مَعْقُوصًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ الثَّانِي الِاكْتِفَاءُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأُصُولِ إذَا كَانَ مَضْفُورًا وَوُجُوبُ الْإِيصَالِ إلَى أَثْنَائِهِ إذَا كَانَ مَنْقُوضًا وَمَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي الثَّالِثُ وُجُوبُ بَلِّ الذَّوَائِبِ مَعَ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ أَلْزَقَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا بِالصَّيَّبِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَجَبَ عَلَيْهَا إزَالَتُهُ وَثَمَنُ مَاءِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَوُضُوئِهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَصَارَ كَمَاءِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَفْصِيلًا فِي غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فَعَلَى الزَّوْجِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى وَطْئِهَا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِعَشْرَةٍ فَعَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُحْتَاجَةُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَا فَالْأَوْجَهُ إطْلَاقُ مَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَفَرْضٌ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ عِنْدَ انْفِصَالِهِ) أَيْ وَفَرْضٌ الْغُسْلُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي سَبَبِ وُجُوبِهِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ إنْزَالَ الْمَنِيِّ وَنَحْوَهُ سَبَبٌ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ إلَى آخِرِهِ وَتَعَقَّبَهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ مُوجِبَةٌ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْغُسْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَإِنَّهَا تَنْقُضُهُ فَكَيْفَ تُوجِبُهُ وَرَدَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي مُوجِبَةً لِوُجُودِ الْغُسْلِ لَا لِوُجُوبِهِ وَرُدَّ أَيْضًا بِأَنَّهَا تَنْقُضُ مَا كَانَ وَتُوجِبُ مَا سَيَكُونُ فَلَا مُنَافَاةَ. وَأَجَابَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَيْضًا بِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ شُرُوطٌ فِي الْوُجُوبِ لَا أَسْبَابٌ فَأُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا كَقَوْلِهِمْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُودُ وَالْوُجُوبُ وَالشَّرْطُ يُضَافُ إلَيْهِ الْوُجُودُ فَشَارَكَ الشَّرْطُ السَّبَبَ فِي الْوُجُودِ وَقَالَ فِي الْكَافِي، وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَ مَنِيٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِمَنِيٍّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْغُسْلِ الصَّلَاةُ أَوْ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْإِنْزَالِ وَالِالْتِقَاءِ وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ إرَادَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ إذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْمَعَانِي وُجِدَتْ الْإِرَادَةُ أَوَّلًا فَكَيْفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِك وَشُؤُونَ رَأْسِك إلَخْ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَالشُّؤُونُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ فِي الْأَصْلِ الْخُطُوطُ الَّتِي فِي عَظْمِ الْجُمْجُمَةِ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ شُعَبِ عِظَامِهَا الْوَاحِدُ شَأْنٌ وَالْمُرَادُ هَا هُنَا أُصُولُ شَعْرِ رَأْسِهَا (قَوْلُهُ: مَنْقُوضًا كَانَ أَوْ مَعْقُوصًا) أَيْ مَضْفُورًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَقَصَ شَعْرَهُ يَعْقِصُهُ ضَفَّرَهُ وَفَتَلَهُ وَالْعِقْصَةُ بِالْكَسْرِ الْعَقِيصَةُ وَالضَّفِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الذَّخِيرَةِ) أَيْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ، وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اهـ. فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ ظَاهِرُ الْمَتْنِ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي اهـ. [مُوجِبَات الْغُسْل] (قَوْلُهُ: يَجِبُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ) أَيْ أَنَّ أَيَّ مَعْنًى إذَا وُجِدَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي يَجِبُ بِهِ الْغَسْلُ وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا فِي الرَّدِّ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَخْ

يَكُونُ سَبَبًا وَقِيلَ السَّبَبُ الْجَنَابَةُ وَرُدَّ أَيْضًا لِوُجُودِهِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاخْتَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ السَّبَبَ الْجَنَابَةُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لِيَدْخُلَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَيُرَدُّ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ يُوجَدُ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ كَمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ سَبَبُهُ وُجُوبُ مَا لَا يَحِلُّ مَعَ الْجَنَابَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ الْآنَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ وَعَلَى وُجُوبِهِ بِالْإِنْزَالِ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْآخَرِينَ وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مَعَ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ لَا يُنْزِلُ قَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَفِيهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَالْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالُوا إنَّهُ مَنْسُوخٌ وَيَعْنُونَ بِالنَّسْخِ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْجِمَاعِ بِغَيْرِ إنْزَالٍ كَانَ سَاقِطًا ثُمَّ صَارَ وَاجِبًا وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْسُوخًا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالرُّؤْيَةِ فِي النَّوْمِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ، وَهَذَا الْحُكْمُ بَاقٍ بِلَا شَكٍّ، وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَاشَرَهَا فِيمَا سِوَى الْفَرْجِ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنْ عِنْدَنَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِنْزَالِ أَنْ يَكُونَ انْفِصَالُ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ يُقَالُ دَفَقَ الْمَاءَ دَفْقًا صَبَّهُ صَبًّا فِيهِ دَفْعٌ وَشِدَّةٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ دَفَقَ الْمَاءَ دَفْقًا صَبَّهُ، وَدَفَقَ الْمَاءَ دُفُوقًا يَتَعَدَّى، وَلَا يَتَعَدَّى وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ نُزُولُ الْمَنِيِّ دُونَ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النُّزُولِ الْإِنْزَالُ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ مَنْ احْتَلَمَ أَوْ وَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِلَا قَصْدِ الْإِنْزَالِ ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذِكْرُ الدَّفْقِ اشْتِرَاطًا لِلْخُرُوجِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ دَفَقَ الْمَاءُ دُفُوقًا بِمَعْنَى خَرَجَ مِنْ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ دَفَقَ دَفْقًا، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى صَبَّهُ صَبًّا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْعَلَا الدَّفْقَ شَرْطًا بَلْ تَكْفِي الشَّهْوَةُ حَتَّى قَالَا بِوُجُوبِهِ إذَا زَايَلَ الْمَنِيَّ مِنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ خَرَجَ بِلَا دَفْقٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْعِنَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي كَلَامِهِ فَلِكَيْ يَسْتَقِيم غَايَتُهُ يَلْزَمُ تَرْكُ بَعْضِ مُوجِبَاتِهِ عِنْدَهُمَا فِي مَوْضِعِ بَيَانِهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ الْإِنْزَالِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّهْوَةِ دَخْلٌ فِي الْإِنْزَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَارِنَةً أَوْ سَابِقَةً عَلَيْهِ مُقَارِنَةً لِلِانْفِصَالِ هَذَا، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَشَدُّ إشْكَالًا؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهَا مَا وَرَدَ عَلَى عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ مِنْ أَنَّهَا لَا تَشْمَلُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا لَا يَكُونُ دَافِقًا كَمَاءِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى فَرْجِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَيَرِدُ عَلَى عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ خَاصَّةً التَّنَاقُضُ فِي التَّرْكِيبِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الدَّفْقِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ يَنْفِيه فَلَوْ حَذَفَ الدَّفْقَ لَكَانَ أَوْلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَرُدَّ أَيْضًا) أَيْ رُدَّ مَا تَعَقَّبَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، وَهَذَا الرَّدُّ يَئُولَ فِي الْمَعْنَى إلَى مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إلَخْ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ لِمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَ قَوْلِهِ الْآتِي، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى صَبَّهُ صَبًّا وَقَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَوْجُودُ فِيهَا بَعْدَ قَوْلِهِ هُنَا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا الْمَوْجُودَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا قُلْنَا أَحْسَنُ (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ الْإِنْزَالُ إلَخْ) لَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ يَنْفِيهِ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِطُ الشَّهْوَةَ وَالدَّفْقَ عِنْدَ الْخُرُوجِ عَنْ رَأْسِ الذَّكَرِ لَا عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ يُمْكِنُ: تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ وَلَكِنْ مَعَ نَوْعٍ مِنْ التَّكَلُّفِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ الدَّفْقُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ اللَّازِمِ كَمَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ أَيْ ذِي دَفْعٍ أَوْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ دَافِقًا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَدْفُقُ بَعْضًا أَيْ يَدْفَعُهُ فَمِنْهُ دَافِقٌ وَمِنْهُ مَدْفُوقٌ وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَرْضٌ كَالظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ مَنِيٍّ وَالْمُرَادُ بِالِانْفِصَالِ الْخُرُوجُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ صَادِقًا بِالْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ لَمْ تُقَيَّدْ بِكَوْنِهَا عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَلَا عِنْدَ الْخُرُوجِ أَوْ الظَّرْفُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضٍ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ مَنِيٍّ وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالدَّفْقِ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِمَا فَذِكْرُ الشَّهْوَةِ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا فَلَا يَكُونُ مُسْتَدْرِكًا كَمَا قِيلَ لِتَغَايُرِ مَفْهُومَيْهِمَا، وَإِنْ اسْتَلْزَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُشْعِرُ بِهَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي فِيمَا بَعْدُ وَالدَّفْقُ عَلَى تَفْسِيرَيْهِ الْمَارَّيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَيَشْمَلُ كَلَامُهُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَوْ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا التَّنَاقُضُ عَنْ كَلَامِهِ، وَهَذَا

وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الدَّفْقَ بِمَعْنَى الدُّفُوقِ مَصْدَرُ اللَّازِمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ إنْزَالَهُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ كَانَ عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ لَا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» أَيْ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْإِنْزَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ لَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، وَهُوَ فِي اللُّغَة اسْمٌ لِمَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ فَكَانَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ مُعَلَّقًا بِالْجَنَابَةِ لَا بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَأُورِدَ عَلَى هَذَا أَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِدْلَال بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَجِبْ عَنْهُ وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ بَلْ لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَا أَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ أَوْجَبَ عَدَمَ الْحُكْمِ، وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ اشْتَغَلَ بِأُصُولِ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَعِنْدَنَا الْعَدَمُ لَا يَثْبُتُ بِالتَّعْلِيقِ بَلْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ. وَأَجَابَ فِي الْهِدَايَةِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَةٍ قَالَ الشَّارِحُونَ: وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ يُرَادُ أَخَصُّ الْخُصُوصِ لِتَيَقُّنِهِ، وَهُنَا يَمْتَنِعُ إجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِإِنْزَالِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْبَوْلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْإِنْزَالُ عَنْ شَهْوَةٍ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ، وَهُوَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ لَا عَنْ شَهْوَةٍ مُرَادًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَوْفَقَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ أَخَصَّ الْخُصُوصِ الَّذِي أُرِيدَ بِالْإِجْمَاعِ مَا يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالِانْفِصَالِ جَمِيعًا فَالْأَوْلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةِ الِاحْتِلَامِ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَارِدًا عُدِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ طَرِيقَةِ الشَّارِحِينَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَيْ الْمَاءُ الْمَعْهُودُ وَاَلَّذِي بِهِ عَهْدُهُمْ هُوَ الْخَارِجُ عَنْ شَهْوَةٍ كَيْفَ وَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ جَمِيعُ عُمْرِهِ وَلَا يَرَى هَذَا الْمَاءَ مُجَرَّدًا عَنْهَا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمَنِيِّ يَكُونُ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ مَمْنُوعٌ. فَإِنَّ عَائِشَةَ أَخَذَتْ فِي تَفْسِيرِهَا إيَّاهُ الشَّهْوَةَ عَلَى مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْمَنِيَّ هُوَ الْمَاءُ الْأَعْظَمُ الَّذِي مِنْهُ الشَّهْوَةُ، وَفِيهِ الْغُسْلُ وَكَذَا عَنْ قَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ مَنِيٌّ إلَّا مِنْ خُرُوجِهِ عَنْ شَهْوَةٍ، وَإِلَّا يَفْسُدْ الضَّابِطُ ثُمَّ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إذَا انْفَصَلَ عَنْ مَقَرِّهِ مِنْ الصُّلْبِ بِشَهْوَةٍ إلَّا إذَا خَرَجَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الشَّهْوَةِ الْخُرُوجَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ وَعِنْدَهُمَا لَا وَقَدْ أَشَارَ إلَى اخْتِيَارِ قَوْلِهِمَا بِقَوْلِهِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ أَيْ فَرْضِ الْغُسْلِ عِنْدَ خُرُوجِ مَنِيٍّ مَوْصُوفٍ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ مَحَلِّهِ عِنْدَهُمَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُتَعَلِّقٌ بِانْفِصَالِ الْمَنِيِّ وَخُرُوجِهِ وَقَدْ شُرِطَتْ الشَّهْوَةُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ فَتُشْتَرَطُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْجَنَابَةَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْإِنْزَالِ فَإِذَا وُجِدَتْ مَعَ الِانْفِصَالِ صَدَقَ اسْمُهَا، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا ثُبُوتَ حُكْمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لَكِنْ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ الِانْفِصَالُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا بَقِيَ وَاحْتِيَاطٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْأَقْوَى مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَوَجَبَ وَأَوْرَدَ فِي النِّهَايَةِ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ الْمُفْضَاةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الْقُبُلِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ وَجَبَ فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ جَانِبِ الْوُجُوبِ احْتِيَاطًا كَمَا قَالَا هُنَا. وَأَجَابَ بِأَنَّ الشَّكَّ هُنَاكَ جَاءَ مِنْ الْأَصْلِ فَتَعَارَضَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ فَتَسَاقَطَا فَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ بِيَقِينٍ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ أَمَّا هُنَا جَاءَ دَلِيلُ عَدَمِ الْوُجُوبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّقْرِيرُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ كُلَّ الْبَعْدِ خُصُوصًا الثَّانِيَ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْمَرَّةِ وَخُرُوجُهُ عَنْ الِانْتِظَامِ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ يَتَكَلَّفُونَ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ بِأَبْعَدَ مِنْ هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بِذَلِكَ إلْمَامٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ (قَوْلُهُ: أَيْ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْإِنْزَالِ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَيْ وُجُوبُ الْمَاءِ مِنْ نُزُولِ الْمَنِيِّ لِيَكُونَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ فِيهِمَا وَلِيُوَافِقَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِوُجُوبِهِ بِالنُّزُولِ لَا بِالْإِنْزَالِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ لَوْ صَحَّ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ أَلْ عَلَى الْجِنْسِ أَيْ جِنْسِ الْمَاءِ النَّازِلِ مِنْ مَخْرَجِ الْإِنْسَانِ بَلْ هُوَ بَعِيدٌ لِعَدَمِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُونَ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَفْسُدْ الضَّابِطُ) أَيْ الضَّابِطُ الَّذِي وَصَفَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِتَمْيِيزِ الْمِيَاهِ لِتُعْطِيَ أَحْكَامَهَا، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَأَمَّا الْمَذْيُ فَالرَّجُلُ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ فَيَظْهَرُ عَلَى ذَكَرِهِ الشَّيْءُ فَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَأَمَّا الْوَدْيُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْبَوْلِ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ الْمَاءُ الْأَعْظَمُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا بَقِيَ) ، وَهُوَ الشَّهْوَةُ حَالَةَ الْخُرُوجِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِنْ الْجَوَابِ الْآتِي وَيَكُونُ حَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالِانْفِصَالِ وَالْخُرُوجِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الِانْفِصَالِ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا فَبِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الشَّهْوَةِ حَالَةَ الِانْفِصَالِ يَجِبُ وَبِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِهَا حَالَةَ الْخُرُوجِ لَا فَوَجَبَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَثُبُوتُهُ بِالْأَوَّلِ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى

مِنْ الْوَصْفِ، وَهُوَ الدَّفْقُ وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ مِنْ الْأَصْلِ، وَهُوَ نَفْسُ وُجُودِ الْمَاءِ مَعَ الشَّهْوَةِ، فَكَانَ فِي إيجَابِ الِاغْتِسَالِ تَرْجِيحٌ لِجَانِبِ الْأَصْلِ عَلَى جَانِبِ الْوَصْفِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ قَدْ سَبَقَ هُنَا، وَهُوَ مُزَايَلَةُ الْمَنِيِّ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى سَبِيلِ الشَّهْوَةِ وَخُرُوجُهُ مِنْ الْعُضْوِ لَا عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ بَقَاءُ ذَلِكَ وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْوُجُوبِ لِذَلِكَ وَأَمَّا هُنَاكَ فَاقْتَرَنَ الدَّلِيلَانِ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَافَعَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْحَادِثُ لِتَدَافُعِهِمَا بَلْ يَبْقَى مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَفِي الْمُصَفَّى وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي ثَلَاثِ فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ مَنْ احْتَلَمَ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. وَالثَّانِي: إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَزَالَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى انْكَسَرَتْ شَهْوَتُهُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا عَنْ دَفْقٍ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَجَامِعَ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ أَوْ يَنَامَ ثُمَّ سَالَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ يُعِيدُ الِاغْتِسَالَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ فَلَوْ خَرَجَ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْبَوْلِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ الْمَشْيِ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مَذْيٌ وَلَيْسَ بِمَنِيٍّ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ وَالنَّوْمَ وَالْمَشْيَ يَقْطَعُ مَادَّةَ الشَّهْوَةِ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَذَا لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُسْلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ مَا تَأَخَّرَ مِنْ الْمَنِيِّ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ الْمَشْيَ بِالْكَثِيرِ فِي الْمُجْتَبَى وَأَطْلَقَهُ كَثِيرٌ وَالتَّقْيِيدُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْخُطْوَةَ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُبْتَغَى بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ يَعْنِي تُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً إذَا اغْتَسَلَتْ ثَانِيًا بِخُرُوجِ بَقِيَّةِ مَنِيِّهَا وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ فِي بَيْت إنْسَانٍ وَاحْتَلَمَ مَثَلًا وَيَسْتَحْيِي مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ خَافَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِمْ رِيبَةٌ بِأَنْ طَافَ حَوْلَ أَهْلِ بَيْتِهِمْ اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الضَّيْفِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي غَيْرِهِ اهـ. وَلَوْ خَرَجَ مَنِيٌّ بَعْدَ الْبَوْلِ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّهُ إذَا وَجَدَ الشَّهْوَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ فِي حَالَةِ الِانْتِشَارِ وُجِدَ الْخُرُوجُ وَالِانْفِصَالُ جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ إطْلَاقَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَنِيَّ الْخَارِجَ بَعْدَ الْبَوْلِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إجْمَاعًا قِيلَ وَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ مُسْتَيْقِظٌ وَجَدَ بِثَوْبِهِ أَوْ فَخِذِهِ بَلَلًا وَلَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ يَجِبُ عِنْدَهُمَا لِاحْتِمَالِ انْفِصَالِهِ عَنْ شَهْوَةٍ ثُمَّ نَسِيَ وَرَقَّ هُوَ بِالْهَوَاءِ خِلَافًا لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ثَابِتٌ فِي الْخُرُوجِ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الِانْفِصَالِ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ بَلْ هُوَ يَقُولُ لَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُمَا احْتَاطَا لِقِيَامِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ، وَرَأَى مَاءً رَقِيقًا حَيْثُ يَجِبُ اتِّفَاقًا حَمْلًا لِلرِّقَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ أَقْيَسُ وَأَخَذَ بِهِ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو اللَّيْثِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَوْ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ أَوْ لَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا وَفِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: مِنْ الْوَصْفِ، وَهُوَ الدَّفْقُ) أَيْ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْخُرُوجِ بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ الْمَقْدِسِيَّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا حُمِلَ كَلَامُ الْمُبْتَغَى عَلَيْهِ وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعِيدُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاءُ الرَّجُلِ فَهَذَا وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ثَابِتٌ إلَخْ) أَيْ كَمَا أَنَّ الِاحْتِمَالَ مَوْجُودٌ فِي الِانْفِصَالِ عَنْ مَقَرِّهِ مَوْجُودٌ أَيْضًا فِي الِانْفِصَالِ عَنْ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيُحْتَمَلُ انْفِصَالُهُ عَنْ شَهْوَةٍ فَيَجِبُ اتِّفَاقًا فَلَا يَصِحُّ بِنَاؤُهَا عَلَى الْخِلَافِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَا جَعْلُهَا مِنْ ثَمَرَتِهِ كَالثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ) زَادَ بَعْضُهُمْ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ثُمَّ ضَبَطَهَا بِقَوْلِهِ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ وَعَلَى كُلٍّ أَمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ احْتِلَامًا أَوْ لَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِي سَبْعِ صُوَرٍ مِنْهَا، وَهِيَ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ فِيهَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ مُطْلَقًا وَلَا يَجِبُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ وَدْيٌ مُطْلَقًا وَفِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ وَيَجِبُ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا شَكَّ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَوْ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثَةٍ احْتِيَاطًا وَلَا يَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُوجِبِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ) أَقُولُ: ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَذَكَرَ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ هَذَا عَلَى مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَفِي الْمُصَفَّى ذَكَرَ فِي الْحُصْرِ وَالْمُخْتَلَفِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَيْقَظَ فَرَأَى مَذْيًا وَقَدْ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَا عَلَيْهِ الْغُسْلُ

أَوْ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ وَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ فِي الْكُلِّ وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَوْ لَا أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ، وَيَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الِاحْتِلَامَ فِيهِمَا، وَهَذَا التَّقْسِيمُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ فِيمَا رَأَيْت لَكِنَّهُ مُقْتَضَى عِبَارَتِهِمْ لَكِنْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ التَّيَقُّنُ مُتَعَذِّرٌ مَعَ النَّوْمِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَسْنَا نُوجِبُ الْغُسْلَ بِالْمَذْيِ لَكِنَّ الْمَنِيَّ يَرِقُّ بِإِطَالَةِ الْمُدَّةِ فَتَصِيرُ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَذْيِ لَا حَقِيقَةَ الْمَذْيِ اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي النَّائِمِ إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا أَمَّا إذَا غُشِيَ عَلَيْهِ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا أَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَأَفَاقَ فَوَجَدَ مَذْيًا لَا غُسْلَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَقَدْ ظَهَرَ فِي النَّوْمِ تَذَكَّرَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الِاحْتِلَامِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنِيٌّ رَقَّ بِالْهَوَاءِ أَوْ لِلْغِذَاءِ فَاعْتَبَرْنَاهُ مَنِيًّا احْتِيَاطًا وَلَا كَذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمَا هَذَا السَّبَبُ وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا مَاءً دُونَ تَذَكُّرٍ وَلَا مُمَيِّزَ بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ غِلَظُهُ وَرِقَّتُهُ وَلَا بَيَاضُهُ وَصُفْرَتُهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقَيْدَ فَقَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَقِيلَ إذَا كَانَ غَلِيظًا أَبْيَضَ فَعَلَيْهِ أَوْ رَقِيقًا أَصْفَرَ فَعَلَيْهَا فَيُقَيِّدُونَهُ بِصُورَةِ نَقْلِ الْخِلَافِ، وَاَلَّذِي يُظْهِرُ تَقْيِيدَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا بِمَا ذَكَرْنَا فَلَا خِلَافَ إذَنْ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ وَقَعَ طُولًا أَوْ عَرْضًا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ إنْ وَقَعَ طُولًا فَمِنْ الرَّجُلِ وَإِنْ وَقَعَ عَرْضًا فَمِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَعَلَّهُ لِضَعْفِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّمْيِيزِ عِنْدَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوُقُوعِ الشَّكِّ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَقْتَدِيَ بِهِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ ظَاهِرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْفِرَاشُ قَدْ نَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا قَبْلَهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ نَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ الْمَنِيُّ الْمَرْئِيُّ يَابِسًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ إلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا عَنْ مُحَمَّدٍ يَجِبُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّهَا إلَى فَرْجِهَا الْخَارِجِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فِي احْتِلَامِهِمَا وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةِ إنَّمَا يُوجِبُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لَمْ تَرَهُ خَرَجَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ وَذُكِرَ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ إذَا تَيَقَّنَ بِالِاحْتِلَامِ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَذْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا اهـ. أَقُولُ: وَعَلَى مَا فِي الْمُصَفَّى يَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا فِيمَا إذَا شَكَّ أَنَّهُ مَذْيٌ أَوْ وَدْيٌ مَعَ تَذَكُّرِ الِاحْتِلَامِ وَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا مَاءً إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ وَجَدَ الزَّوْجَانِ عَنْ غَيْرِهِمَا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي غَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ) يُوهِمُ أَنَّهُ صَحَّحَهُ مَعَ التَّقْيِيدِ بِدُونِ تَذَكُّرٍ وَلَا مُمَيِّزَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ وَفِي الْفَتَاوَى إذَا وُجِدَ فِي الْفِرَاشِ مَنِيٌّ وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَقُولُ مِنْ الزَّوْجِ إنْ كَانَ أَبْيَضَ فَمَنِيُّ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ مُدَوَّرًا فَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَوَّرٍ فَمَنِيُّ الرَّجُلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ وَأَخْذًا بِالثِّقَةِ اهـ. (قَوْلُهُ: بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فِي احْتِلَامِهِمَا) أَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي عِبَارَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْخِلَافِيَّةِ إنَّمَا يُوجِبُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَقِبَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيلُهُ فِي التَّجْنِيسِ احْتَلَمَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الْمَاءُ إنْ وَجَدَتْ شَهْوَةُ الْإِنْزَالِ كَانَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَإِلَّا لَا؛ لِأَنَّ مَاءَهَا لَا يَكُونُ دَافِقًا كَمَاءِ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا فَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفْهِمُك أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لَمْ تَرَهُ خَرَجَ إلَخْ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ سَابِقًا وَلَاحِقًا أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمَنِيُّ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَمُحَمَّدٌ قَالَ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْمَنِيِّ، وَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَقَوْلُهُمْ لَوْ احْتَلَمَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ عَلَى مَعْنَى وَلَمْ تَرَهُ خَرَجَ فَيَجِبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِهِ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ لَكِنَّ لَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ عَدَمَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَأَنَّ مُرَادَهُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا، فَإِنَّهُمْ قَيَّدُوا الْوُجُوبَ عِنْدَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ بِمَا إذَا خَرَجَ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ فَهُوَ مِمَّا لَا يَسَعُ أَحَدًا أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمِيَّةُ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِوُجُودِ الْمَنِيِّ فَالظَّاهِرُ وُجُودُ الْخِلَافِ وَأَنَّ مَا فِي التَّجْنِيسِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت شَارِحَ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةَ الْحَلَبِيَّ نَازَعَ الْكَمَالُ فِيمَا قَالَ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ أَقُولُ: هَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَ الْأَوْجَهِ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَبِهِ أَخَذَ الْحَلْوَانِيُّ وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ.

فَعَلَى هَذَا الْأَوْجَهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْخِلَافِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ فِي جَوَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سُلَيْمٍ لَمَّا «سَأَلَتْهُ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» الْعِلْمُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهَا لَوْ تَيَقَّنَتْ الْإِنْزَالَ بِأَنْ اسْتَيْقَظَتْ فِي فَوْرِ الِاحْتِلَامِ فَأَحَسَّتْ بِيَدِهَا الْبَلَلَ ثُمَّ نَامَتْ فَاسْتَيْقَظَتْ حَتَّى جَفَّ فَلَمْ تَرَ بِعَيْنِهَا شَيْئًا لَا يَسَعُ الْقَوْلُ بِأَنْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ لَا رُؤْيَةَ بَصَرٍ بَلْ رُؤْيَةُ عِلْمٍ وَرَأَى تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي عِلْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ: رَأَيْت اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيْءٍ اهـ. وَلَوْ جُومِعَتْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى فَرْجِهَا أَوْ جُومِعَتْ الْبِكْرُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا ظَهَرَ الْحَبَلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ وَتُعِيدُ مَا صَلَّتْ إنْ لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِلَا طَهَارَةٍ وَلَوْ جُومِعَتْ فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَوْ قَالَتْ مَعِي جِنِّيٌّ يَأْتِينِي فِي النَّوْمِ مِرَارًا وَأَجِدُ مَا أَجِدُ إذَا جَامَعَنِي زَوْجِي لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَرَ الْمَاءَ، فَإِنْ رَأَتْهُ صَرِيحًا وَجَبَ كَأَنَّهُ احْتِلَامٌ وَقَدْ يُقَال يَنْبَغِي وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لِوُجُودِ الْإِيلَاجِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ هَذَا الِاشْتِرَاطُ إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي إحْلِيلِهِ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إلَّا إذَا كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ وَهَذِهِ تُقَيِّدُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَصَاحِبَيْهِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا ثُمَّ إنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَوَاءٌ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْبَصَرِ أَوْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَرَ بِعَيْنِهَا وَلَا عَلِمَتْ خُرُوجَهُ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُرَادَ - يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ - بِرَأَتْ رُؤْيَا الْحُلْمِ وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَبِهِ أَخَذَ صَاحِبُ التَّجْنِيسِ مُعَلَّلًا بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ إذْ لَا أَثَرَ فِي نُزُولِ مَائِهَا مِنْ صَدْرِهَا غَيْرَ دَافِقٍ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِي الِاحْتِلَامِ مُتَعَلِّقٌ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ كَمَا تَعَلَّقَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بِخُرُوجِهِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ فَكَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ انْفَصَلَ مَنِيُّهُ عَنْ الصُّلْبِ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى مَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عَلَى أَنَّ فِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يُعْلَمُ انْفِصَالُ مَنِيِّهَا عَنْ صَدْرِهَا، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ وَأَكْثَرُ مَا يُرَى فِي النَّوْمِ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ كَانَتْ مُسْتَلْقِيَةً وَقْتَ الِاحْتِلَامِ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِاحْتِمَالِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الْعَوْدِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ احْتِيَاطًا، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَاءَهَا إذَا لَمْ يَنْزِلْ دَفْقًا بَلْ سَيَلَانًا يَلْزَمُ أَمَّا عَدَمُ الْخُرُوجِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَرْجُ فِي صَبَبٍ أَوْ عَدَمُ الْعَوْدِ إنْ كَانَ فِي صَبَبٍ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ) أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَبَلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ مَقَرِّهِ لَا عَلَى خُرُوجِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْحَلَبِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ جَازِمًا بِذَلِكَ فَقَالَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِ مَنِيِّهَا إلَى رَحِمِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصَحِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ حَتَّى لَوْ انْفَصَلَ مِنْهَا عَنْ مَكَانِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْفَرْجِ الدَّاخِلِ إلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَفِي النِّصَابِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (قَوْلُهُ: فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ يَأْتِيهَا فِي النَّوْمِ، وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَوْ رَأَتْ أَنَّهُ جَامَعَهَا مِائَةُ إنْسِيٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَا لَمْ تُنْزِلْ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي حَالَةِ الْيَقَظَةِ يَتَأَتَّى مَا قَالَ: وَكَانَ نَسِيَ التَّقْيِيدَ بِالنَّوْمِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ كَمَا عَلِمْت ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ إسْمَاعِيلَ ضَبَطَ قَوْلَهُ فِي الْيَوْمِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّ) أَقُولُ: هَذَا التَّقْيِيدُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ أَمَّا إذَا ظَهَرَ لَهَا فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إيلَاجِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ ذَكَرِهِ وَكَذَا إذَا ظَهَرَ لِلرَّجُلِ مِنْ الْإِنْسِ جِنِّيَّةٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَّةٍ فَوَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إيلَاجِ حَشَفَتِهِ فِيهَا إلْحَاقًا لَهُ بِإِيلَاجِ آدَمِيٍّ لِآدَمِيَّةٍ لِوُجُودِ الْمُجَانَسَةِ الصُّورِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا مُبَايَنَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَهِيَ مُحَقَّقَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَ بِهِ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ التَّنَاكُحِ بَيْنَهُمَا فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ كَمَا فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيِّتَةِ ثُمَّ أَوْرَدَ. وَأَجَابَ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ لَوْ ظَهَرَ لَهَا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَوَطِئَهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِأَنَّهُ جِنِّيٌّ أَوْ ظَهَرَتْ لَهُ جِنِّيَّةٌ كَذَلِكَ فَوَطِئَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَا بِمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ لِانْتِفَاءِ مَا يُفِيدُ قُصُورَ السَّبَبِيَّةِ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ ذَكَرُهُ مُنْتَشِرًا قَبْلَ النَّوْمِ إلَخْ) قَيَّدَ فِي الْمُنْيَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا إذَا نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَمَّا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَعَزَاهُ إلَى الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ

أَبَا حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةِ وَمَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ الْمُنْتَفِخَةِ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ وَأَبَا يُوسُفَ وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ لِوُجُودِ فِعْلٍ هُوَ سَبَبُ خُرُوجِ الْمَذْيِ وَخَالَفَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِانْعِدَامِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَمُحَمَّدًا وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ عِنْدَهُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَإِنَّ الْمُبَاشِرَ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَزَبًا بِهِ فَرْطُ شَهْوَةٍ لَهُ أَنْ يَسْتَمْنِي بِعِلَاجٍ لِتَسْكُنَ شَهْوَتُهُ وَلَا يَكُونُ مَأْجُورًا عَلَيْهِ لَيْتَهُ يَنْجُو رَأْسًا بِرَأْسٍ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ الْمُرَاهِقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْوُضُوءِ وَكَذَا الْمُرَاهِقَةُ اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَنْزَلَ الصَّبِيُّ مَعَ الدَّفْقِ، وَكَانَ سَبَبُ بُلُوغِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ اهـ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِ الْمُتُونِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَوْجِيهًا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ مَخْصُوصٌ مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَاتِهِمْ فَقَوْلُهُمْ وَمُوجِبُهُ إنْزَالُ مَنِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ إنْزَالَ الْمَنِيِّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي خِلَافُ هَذَا فِي آخِرِ بَحْثِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِنُزُولِ الْبَوْلِ إلَى الْقُلْفَةِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِوُصُولِ الْمَنِيِّ إلَيْهَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا) أَيْ وَفَرْضُ الْغُسْلِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ، وَكَذَلِكَ غَيْبُوبَةُ مِقْدَارِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَالتَّعْبِيرُ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْتِفَاءِ الْخِتَانَيْنِ لِتَنَاوُلِهِ الْإِيلَاجَ فِي الدُّبُرِ؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْفَرْجِ مُحَاذَاتُهُمَا لَا الْتِقَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ خِتَانَ الرَّجُلِ هُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، وَهُوَ مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ الْحَشَفَةِ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدَةٍ مِنْهَا كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ الْفَرْجِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ وَبَيْنَهُمَا جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ مُتَسَفِّلٌ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ فَإِذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَلَكِنْ يُقَالُ لِمَوْضِعِ خِتَانِ الْمَرْأَةِ الْخِفَاضُ فَذِكْرُ الْخِتَانَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ قُيِّدَ بِالتَّوَارِي؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّلَاقِي لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَكِنْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّ التَّوَارِي فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ التَّوَارِي فِي الْمَيِّتَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ لَكِنَّ أَصْحَابَنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَنَعُوهُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْجَنَابَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ ظَاهِرًا أَوْ حُكْمًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ مَعَ خَفَاءِ خُرُوجِهِ لِقِلَّتِهِ وَتَكَسُّلِهِ فِي الْمَجْرَى لِضَعْفِ الدَّفْقِ بِعَدَمِ بُلُوغِ الشَّهْوَةِ مُنْتَهَاهَا كَمَا يَجِدُهُ الْمُجَامِعُ فِي أَثْنَاءِ الْجِمَاعِ مِنْ اللَّذَّةِ بِمُقَارَبَةِ الْمُزَايَلَةِ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ إقَامَةُ السَّبَبِ مُقَامَهُ، وَهَذَا عِلَّةُ كَوْنِ الْإِيلَاجِ فِيهِ الْغُسْلُ فَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ وَعَلَى الْمُلَاطِ بِهِ إذْ رُبَّمَا يَتَلَذَّذُ فَيُنْزِلُ وَيَخْفَى لِمَا قُلْنَا وَأَخْرَجُوا مَا ذَكَرْنَا لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يُوجَدْ حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا لِنُقْصَانِ سَبَبِهِ لَكِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً وَالْعَامُّ لَا يُخَصَّصُ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً عِنْدَنَا فَيَحْتَاجُ أَئِمَّتُنَا إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتَمْنِي بِعِلَاجٍ لِتَسْكُنَ شَهْوَتُهُ) أَمَّا إذَا قَصَدَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ فَلَا يَحِلُّ كَمَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ إمْدَادِ الْفَتَّاحِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَصَرَّحَ بِالْإِثْمِ إذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ مَأْجُورًا عَلَيْهِ) قَالَ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَقِيلَ يُؤْجَرُ إذَا خَافَ الشَّهْوَةَ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ اهـ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ التَّوَارِيَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ إلَّا بِالْإِنْزَالِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ نَاقِصٌ فِي انْقِضَاءِ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ وَقَالُوا الْإِيلَاجُ فِي الْمَيِّتَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيلَاجِ فِي الْبَهَائِمِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي فَصْلِ مَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَمَا لَا يَجِبُ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي تَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ فَقَدْ وَافَقَ بَحْثَنَا الْمَنْقُولُ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى) أَيْ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً إلَخْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْعَامُّ قَطْعِيٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ حَتَّى يَجُوزَ نَسْخُ الْخَاصِّ بِهِ عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ابْتِدَاءً بِظَنِّيٍّ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يُخَصَّصْ أَوَّلًا بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ لَفْظِيٍّ مُقَارِنٍ، فَإِنْ خُصِّصَ بِذَلِكَ لَا يَبْقَى قَطْعِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ فَيُخَصُّ بِالْقِيَاسِ وَالْآحَادِ عَلَى مَا بُسِطَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ لَا يُخَصِّصُ الْقَطْعِيَّ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ

وَيَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى الْجَوَابِ عَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِوَطْءِ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي الْقُبْحِ الْعَمْيَاءِ الْبَرْصَاءِ الْمُقَطَّعَةِ الْأَطْرَافِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ لَذَّةً فِي الْعَادَةِ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ هَذَيْنِ الْإِيرَادَيْنِ جَوَابًا وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي الْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً وَبَيَانُهُ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ كَشْفٍ فَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّهُ قَدْ وَرَدَ حَدِيثَانِ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ الْأَوَّلُ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ فَمَعْنَاهُ جَمِيعُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْمَنِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَاءِ لَا مُطْلَقًا لِوُجُوبِهِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَالثَّانِي: حَدِيثُ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» وَمُقْتَضَاهُ عُمُومُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ فَيَشْمَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْبَهِيمَةَ وَالْمَيِّتَةَ فَيُعَارِضُ الْأَوَّلَ وَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ هُوَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَكِنَّ الْمَنِيَّ تَارَةً يُوجَدُ حَقِيقَةً وَتَارَةً يُوجَدُ حُكْمًا عِنْدَ كَمَالِ سَبَبِهِ وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ فِي مَحَلٍّ يُشْتَهَى عَادَةً مَعَ خَفَاءِ خُرُوجِهِ وَلَوْ كَانَ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ غَالِبًا كَالْإِيلَاجِ فِي الْقُبُلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا لِينًا وَحَرَارَةً وَشَهْوَةً حَتَّى إنَّ الْفَسَقَةَ اللِّوَاطَةُ رَجَّحُوا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ مِنْ الدُّبُرِ عَلَى قَضَائِهَا مِنْ الْقُبُلِ وَمِنْهُ خَبَرًا عَنْ قَوْمِ لُوطٍ {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] وَفِي الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَكُنْ الْإِيلَاجُ سَبَبًا كَامِلًا لِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ فَلَمْ يُوجَدْ إنْزَالُ الْمَنِيِّ حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ لَكَانَ فِيهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ أَصْلًا، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَكَانَ هَذَا مِنَّا قَوْلًا بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ لَا تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً وَكَوْنُ إنْزَالِ الْمَنِيِّ هُوَ الْمُوجِبُ، وَهُوَ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَشَايِخُنَا فِي أُصُولِهِمْ فِي بَحْثِ الْمَفَاهِيمِ قَاطِعِينَ النَّظَرَ عَنْ كَوْنِ الْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ مَنْسُوخًا كَمَا لَا يَخْفَى وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ الْعَامِّ بِالْمَعْنَى ابْتِدَاءً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُونَهُ لِكَوْنِهِ عِنْدهمْ قَطْعِيًّا وَالْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامُّ ظَنِّيًّا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يُشْتَهَى وَلَئِنْ سُلِّمَ فَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّنِيعَةِ فِي امْرَأَةٍ نَادِرٌ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُبْتَغَى خِلَافًا فِيمَنْ غَابَتْ الْحَشَفَةُ فِي فَرْجِهِ فَقَالَ وَقِيلَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْجِ الدُّبُرُ وَنَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ اهـ. وَجَعْلُ الدُّبُرِ كَالْبَهِيمَةِ بَعِيدٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ فِي إدْخَالِ الْإِصْبَعِ الدُّبُرَ خِلَافًا فِي إيجَابِ الْغُسْلِ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ اهـ. وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ التَّجْنِيسِ وَلَفْظُهُ رَجُلٌ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي دُبُرِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْقَضَاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِصْبَعَ لَيْسَ آلَةً لِلْجِمَاعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ ذَكَرَهُ فِي الصَّوْمِ وَقَدْ حَكَى عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ خِلَافًا فِي وَطْءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْإِيلَاجُ فِي مَحَلِّ الْجِمَاعِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَلَمْ يَفُضَّهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ لِي كَوْنُهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مَا يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُتَّفِقَةَ الْحُدُودِ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ وَلَعَلَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ إضَافَةِ شُعَبٍ إلَى الضَّمِيرِ، فَإِنَّ الْإِضَافَةَ تَأْتِي لَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُطْلَقِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيَحْتَاجُوا أَيْضًا) صَوَابُهُ وَيَحْتَاجُونَ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامُّ ظَنِّيًّا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً) قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْعَهُمْ تَخْصِيصَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ إنَّمَا هُوَ فِي عَامٍّ قَطْعِيِّ الثُّبُوتِ أَمَّا ظَنِّيُّهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّفَاقًا لِلْمُسَاوَاةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يُشْتَهَى) يَدُلُّ عَلَيْهِ إيجَابُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوُضُوءَ بِمَسِّ الْعَجُوزِ دُونَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى شَيْخًا يُقَبِّلُ عَجُوزًا فَقَالَ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ) قُيِّدَ فِي النَّهْرِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ دُبُرٍ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ قَالَ إذْ لَوْ غَيَّبَهَا فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ وَحَكَى فِي الْمُبْتَغَى فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الِاتِّفَاقِ إنَّمَا هُوَ فِي دُبُرِ الْغَيْرِ أَمَّا فِي دُبُرِ نَفْسِهِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْإِنْزَالِ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْمَيِّتَةِ فِي قُصُورِ الدَّاعِي وَعُرِفَ بِهَذَا عَدَمُ الْوُجُوبِ بِإِيلَاجِ الْإِصْبَعِ (قَوْلُهُ:، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ فِي إدْخَالِ الْإِصْبَعِ الدُّبُرَ خِلَافًا إلَخْ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ هُنَا تَفْصِيلًا فَقَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِي الْقُبُلِ إذَا قَصَدَ الِاسْتِمْتَاعَ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِنَّ غَالِبَةٌ فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْإِنْزَالُ دُونَ الدُّبُرِ لِعَدَمِهَا وَعَلَى هَذَا ذَكَرُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَذَكَرُ الْمَيِّتِ وَمَا يُصْنَعُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ

فَهِيَ مِمَّنْ تُجَامَعُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ وَعَزَاهُ لِلصَّيْرَفِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ بَقَاءَ الْبَكَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيلَاجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَأَوْلَجَ وَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُولِجًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَتْ الْخِرْقَةُ رَقِيقَةً بِحَيْثُ يَجِدُ حَرَارَةَ الْفَرْجِ وَاللَّذَّةَ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا وَالْأَحْوَطُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَهَذَا الذَّكَرُ مِنْهُ زَائِدٌ فَيَصِيرُ كَمَنْ أَوْلَجَ إصْبَعَهُ وَكَذَا فِي دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ فَرْجِ خُنْثَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ وَالْفَرْجَانِ زَائِدَانِ مِنْهُمَا وَكَذَا فِي فَرْجِ خُنْثَى مِثْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى الْمَوْلَجُ فِيهِ رَجُلًا وَالْفَرْجُ زَائِدٌ مِنْهُ، وَإِنْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي فَرْجِ خُنْثَى مُشْكِلٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى رَجُلًا وَالْفَرْجُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ أَمَّا إذَا أَنْزَلَ وَجَبَ الْغُسْلُ بِالْإِنْزَالِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي حَشَفَةٍ وَقُبُلٍ مُحَقَّقَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (قَوْلُهُ: وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ) أَيْ وَفُرِضَ الْغُسْلُ عِنْدَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْمُصَنِّفِ فِي كُتُبِهِ هَلْ الْمُوجِبُ الْحَيْضُ أَوْ انْقِطَاعُهُ فَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْمُوجِبَ رُؤْيَةُ الدَّمِ أَوْ خُرُوجُهُ وَعُلِّلَ بِأَنَّ الدَّمَ إذَا حَصَلَ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى وَلَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ أَمْكَنَ الْغُسْلُ فَوَجَبَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْحَدَثِ السَّابِقِ، فَأَمَّا الِانْقِطَاعُ فَهُوَ طَهَارَةٌ فَلَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَاخْتَارَ فِي الْكَافِي أَنَّ الْمُوجِبَ انْقِطَاعُ الدَّمِ لَا خُرُوجُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَجِبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ وَنَقِلَ نَظِيرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى عَنْ أُسْتَاذِهِ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَيْضِ فَقَدْ وُجِدَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ هَذَا وَاَللَّهِ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مَلْزُومًا وَالْحَيْضُ لَازِمًا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْحَيْضُ عِنْدَ وُجُودِ الْخُرُوجِ لِاسْتِحَالَةِ انْفِكَاكِ اللَّازِمِ عَنْ الْمَلْزُومِ وَوُجُودُ الْحَيْضِ عِنْدَ وُجُودِهِ مُحَالٌ بِمَرَّةٍ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْعَجَبِ وَمَا الْعَجَبُ إلَّا فَهْمُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ وَلَوْ فُهِمَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَقَدُّمِ الْحَيْضِ لَا لِنَفْسِ الْحَيْضِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ وَاسْتَبْعَدَ الزَّيْلَعِيُّ كَوْنَ الِانْقِطَاعِ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الطَّهَارَةُ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تُوجِبَ الطَّهَارَةُ الطَّهَارَةَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُهَا النَّجَاسَةُ وَيُدْفَعُ هَذَا الِاسْتِبْعَادُ بِأَنَّ الِانْقِطَاعَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِطُهْرٍ إنَّمَا الطُّهْرُ الْحَالَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَقِيبَهُ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَمَّا كَانَ الِانْقِطَاعُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْغُسْلِ بِدُونِهِ نُسِبَتْ السَّبَبِيَّةُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِي الْحَقِيقَةِ خُرُوجُ الدَّمِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ الْغُسْلُ يَجِبُ بِخُرُوجِ الدَّمِ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ أَوْ يَجِبُ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ بِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِدَمٍ مَخْصُوصٍ وَالْجَوْهَرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعْنَى وَالْحَقُّ غَيْرُ الْقَوْلَيْنِ بَلْ إنَّمَا يَجِبُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَالْغُسْلُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةِ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْخِلَافِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ قَبْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَظَهَرَ بِهَذَا ضَعْفُ مَا نَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ فَائِدَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَخَّرَتْ الْغُسْلَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ بَقَاءَ الْبَكَارَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَيْسَ هَذَا مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ إذْ الْكَبِيرَةُ كَذَلِكَ؛ وَلِذَا قَالُوا لَوْ جُومِعَتْ الْبِكْرُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا حَمَلَتْ لِإِنْزَالِهَا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْغُسْلَ هَلْ يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ لَا مَانِعَ إلَّا الصِّغَرُ اخْتَلَفُوا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ تُفْضِي بِالْوَطْءِ لَمْ يَجِبْ، وَإِنْ تَوَارَتْ الْحَشَفَةُ لِقُصُورِ الدَّاعِي وَإِلَّا وَجَبَ اهـ. وَحَاصِلُهُ تَقْيِيدُ قَوْلِ السِّرَاجِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ إذَا لَمْ يُفِضْهَا بِشَرْطِ زَوَالِ عُذْرَتِهَا لَا مُطْلَقًا، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ سَوِيٌّ قَوْلُهُ إلَّا إذَا حَمَلَتْ لِمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ إلَخْ) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ الْكَبِيرِ قُلْت وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ مُعَامَلَةُ الْخُنْثَى بِالْأَضَرِّ فِي أَحْوَالِهِ وَعَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ اهـ. أَقُولُ: مُعَامَلَتُهُ بِالْأَضَرِّ وَالْأَحْوَطِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ دَائِمًا بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا هَذِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ إشْكَالَهُ أَوْرَثَ شُبْهَةً، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ الثَّابِتَ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً يَقِينًا فَلَا تَرْتَفِعُ بِشُبْهَةِ كَوْنِ فَرْجِهِ الْمُولِجَ أَوْ الْمَوْلَجَ فِيهِ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ مَسَائِلِ تَوْرِيثِهِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقَ السَّبَبُ فَيُعَامَلُ بِالْأَضَرِّ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يَثْبُتُ لَهُ إلَّا نَفْعٌ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا فِي كِتَابِ الْخُنْثَى مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ إذَا وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ، وَهُوَ الْأَدَاءُ مَعْلُومٌ وَالْمُفْسِدُ وَهُوَ الْمُحَاذَاةُ مَوْهُومٌ وَلِلتَّوَهُّمِ أُحِبُّ إعَادَةَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَيُعِيدُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَاَلَّذِي خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ لِتَوَهُّمِ الْمُحَاذَاةِ اهـ.

الْعِرَاقِيِّينَ تَأْثَمُ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لَا تَأْثَمُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وُجُوبُ الْوُضُوءِ فَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِلْحَدَثِ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّينَ لِلصَّلَاةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فَائِدَتَهُ تَظْهَرُ فِي التَّعَالِيقِ كَأَنْ يَقُولَ إنْ وَجَبَ عَلَيْك غُسْلٌ فَأَنْت طَالِقٌ وَقَدْ ظَهَرَ لِي فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مَا إذَا اُسْتُشْهِدَتْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَمَنْ قَالَ السَّبَبُ نَفْسُ الْحَيْضِ قَالَ إنَّهَا تُغَسَّلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَرْفَعُ مَا وَجَبَ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْجَنَابَةِ وَمَنْ قَالَ إنَّ السَّبَبَ انْقِطَاعُهُ قَالَ لَا تُغَسَّلُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَقَدْ صُحِّحَ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الشَّهِيدِ أَنَّهَا تُغَسَّلُ فَكَانَ تَصْحِيحًا لِكَوْنِ السَّبَبِ الْحَيْضَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا دَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَالْإِجْمَاعُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِلْحَيْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَمْكِينُ الزَّوْجِ مِنْ الْوَطْءِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِالْغُسْلِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ثَبَتَ فِي الْعَشَرَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاغْتِسَالِ لِأَجْلِ خُرُوجِ الدَّمِ وَقَدْ وُجِدَ فِي الْعَشَرَةِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا وَجَبَ الِاغْتِسَالُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِتَتَأَكَّدَ بِهِ صِفَةُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَيْضِ وَزَوَالِ الْأَذَى لِيَثْبُتَ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ الْحِلُّ بِمُضِيِّ وَقْتِ صَلَاةٍ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ لِوُجُودِ التَّأَكُّدِ بِصَيْرُورَةِ الصَّلَاةِ دَيْنًا عَلَيْهَا، وَفِي الْعَشَرَةِ قَدْ تَأَكَّدَ صِفَةُ الطَّهَارَةِ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ، فَانْعَدَمَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ فَلَا يُمْكِنُ الْإِلْحَاقُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحَدِّ بِاللِّوَاطَةِ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ لِانْعِدَامِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ بَعْدَ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْوُقُوعِ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا الْحَدَثُ أَوْ إرَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخِلَافِ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ هُنَا فَأَمَّا الْفَرْقُ الَّذِي يَدَّعِيه، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ إذَا كَانَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ لِثُبُوتِ الْحِلِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَجَبَ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ مَعَ انْعِدَامِ الْمَعْنَى الَّذِي يَدَّعِيه وَلَكِنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ بِسَبَبٍ آخَرَ جُعِلَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ بِهِ يَنْتَهِي فَتَنْتَهِي الْحُرْمَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا بِعِبَارَةِ النَّصِّ فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ حِرْمَانَ الْقُرْبَانِ مُغَيَّا إلَى الِاغْتِسَالِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِإِشَارَتِهِ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ وَبِدَلَالَتِهِ وُجُوبُهُ فِي الْعَشَرَةِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا نَصَّ فِي النِّفَاسِ وَإِنَّمَا عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَبَرٍ فِي الْبَابِ لَكِنَّهُمْ تَرَكُوا نَقْلَهُ اكْتِفَاءً بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى دَمِ الْحَيْضِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا دَمًا خَارِجًا مِنْ الرَّحِمِ اهـ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَصٍّ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَإِذَا أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ، فَإِنْ شَاءَتْ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَّرَتْ حَتَّى تَطْهُرَ وَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَهَا أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَفِي اغْتِسَالِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ هَذِهِ الْفَائِدَةُ. (قَوْلُهُ: لَا مَذْيٍ وَوَدْيٍ وَاحْتِلَامٍ بِلَا بَلَلٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَنِيٍّ أَيْ لَا يُفْتَرَضُ الْغُسْلُ عِنْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْمَذْيُ فَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْمَذْيُ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْمَذِيُّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهَاتَانِ مَشْهُورَتَانِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ التَّخْفِيفُ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ وَالثَّالِثَةُ الْمَذْيِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَيُقَالُ مَذَى بِالتَّخْفِيفِ وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ شَهْوَةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرُبَّمَا لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ، وَهُوَ أَغْلَبُ فِي النِّسَاءِ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي فَائِدَةٌ أُخْرَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَمَّا إذَا قُتِلَتْ قَبْلَ إتْمَامِهَا لَا تُغَسَّلُ إجْمَاعًا إلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا سَبَقَ عَنْ الْهِنْدِيِّ فَيُحْمَلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ اهـ.

الرِّجَالِ. وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الشَّهْوَةِ يُسَمَّى الْقَذَى بِمَفْتُوحَتَيْنِ وَالْوَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَذَا وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأُمَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَكَى صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ لُغَةً أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهَذَانِ شَاذَّانِ يُقَالُ وَدَى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَأَوْدَى وَوَدَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يُشْبِهُ الْمَنِيَّ فِي الثَّخَانَةِ وَيُخَالِفُهُ فِي الْكُدُورَةِ وَلَا رَائِحَةَ لَهُ وَيَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ إذَا كَانَتْ الطَّبِيعَةُ مُسْتَمْسِكَةً وَعِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ وَيَخْرُجُ قَطْرَةً أَوْ قَطْرَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِهِمَا الْغُسْلُ وَجَبَ بِهِمَا الْوُضُوءُ وَفِي الْمَذْيِ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَشْهُورُ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْوَدْيِ وَقَدْ وَجَبَ بِالْبَوْلِ السَّابِقِ عَلَيْهِ قُلْنَا عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ أَحَدُهَا فَائِدَتُهُ فِيمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، فَإِنَّ الْوَدْيَ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ دُونَ الْبَوْلِ ثَانِيهَا فِيمَنْ تَوَضَّأَ عَقِبَ الْبَوْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَدْيِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَدْيُ فَيَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ ثَالِثُهَا يَجِبُ الْوُضُوءُ لَوْ تَصَوَّرَ الِانْتِقَاضَ بِهِ كَمَا فَرَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ مَسَائِلَ الْمُزَارَعَةِ لَوْ كَانَ يَقُولُ بِجَوَازِهَا قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَرَابِعُهَا الْوَدْيُ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ، وَهُوَ شَيْءٌ لَزِجٌ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْخِزَانَةِ وَالتَّبْيِينِ فَالْإِشْكَالُ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى مَنْ اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ خَامِسُهَا أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ بِالْبَوْلِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ بِالْوَدْيِ بَعْدَهُ وَيَقَعُ الْوُضُوءُ عَنْهُمَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ فَرَعَفَ ثُمَّ بَالَ أَوْ عَكْسُهُ فَتَوَضَّأَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا فَيَحْنَثُ وَكَذَا لَوْ حَلَفَتْ لَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ فَجَامَعَهَا زَوْجُهَا وَحَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ فَهُوَ مِنْهُمَا وَتَحْنَثُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ الطَّهَارَةُ مِنْ الْأُولَى دُونَ الثَّانِي مُطْلَقًا وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ كَأَنْ بَالَ ثُمَّ بَالَ فَالْوُضُوءُ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ اخْتَلَفَ كَأَنْ بَالَ ثُمَّ رَعَفَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَدْ رَجَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ يُثْبِتُ الْحَدَثَ ثُمَّ تَجِبُ إزَالَتُهُ عِنْدَ وُجُودِ شُرُوطِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِي أَسْبَابِهِ، فَالثَّابِتُ بِكُلِّ سَبَبٍ هُوَ الثَّابِتُ بِالْآخِرِ إذْ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ خِلَافَ ذَلِكَ فَالنَّاقِضُ الْأَوَّلُ لَمَّا أَثْبَتَ الْحَدَثَ لَمْ يَعْمَلْ الثَّانِي شَيْئًا لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ نَعَمْ لَوْ وَقَعَتْ الْأَسْبَابُ دَفْعَةً أُضِيفَ ثُبُوتُهُ إلَى كُلِّهَا وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ كَوْنَ كُلِّ عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ أَثَرَ وَهَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ ثَابِتَةٌ لِكُلٍّ فِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ يَجِبُ قَبُولُهُ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِتَعَدُّدِ الْحُكْمِ هُنَا، وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ وُقُوعَ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ وَهُمْ فِي الْأُصُولِ يُثْبِتُونَهُ، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْمَنَامَاتِ يُقَالُ: حَلَمَ فِي مَنَامِهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَاحْتَلَمَ وَحَلَمْت كَذَا وَحَلَمْت بِكَذَا هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَحْدُثُ مَعَهُ إنْزَالُ الْمَنِيِّ غَالِبًا فَغَلَبَ لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَحُكْمُهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْغُسْلِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي بَعْضِ الشَّرْحِ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ الِاحْتِلَامَ قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِتَعَدُّدِ الْحِكَمِ إلَخْ) هَذَا لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِتَوْجِيهِ قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ إذْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ بَلْ رَاجِعٌ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ نَاقِضٍ مُوجِبٌ لِحُكْمِهِ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ الْعِلَلُ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ رَفْعُ وُقُوعِهَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ أَثْبَتُوهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ الْحَدَثَ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِي أَسْبَابِهِ يَنْفِي مَا ذَكَرَهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحِنْثِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمُحَقِّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَالْحَقُّ أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَدَثِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَبَيْنَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِنَاؤُهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَدَثِ بَلْ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ بَوْلٍ وَرُعَافٍ تَوَضَّأْ مِنْهُمَا اهـ.

وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ الْمُتَقَدِّمُ،، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ انْعَدَمَ الْحُكْمُ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَا بِأَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ أَثَّرَ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ) أَيْ وَسُنَّ الْغُسْلُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَقِيلَ فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي فَبِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْوُجُوبِ إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَتَمَسَّكُوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ كَانَ وَنُسِخَ وَدُفِعَ بِأَنَّ النَّاسِخَ، وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَا يَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ فِيهِ تَارِيخٌ أَيْضًا فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَدَّمُ الْمُوجِبُ ثَانِيهَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءٍ عِلَّتِهِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ طَهُورٌ وَخَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدَأَ الْغُسْلُ «كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ إنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُ رِيَاحٌ حَتَّى أَذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمَّا وَجَدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِلْكَ الرِّيَاحَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَمْثَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ الْعَرَقِ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ النَّسَبُ وَبِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ شَرْعًا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَحُسْنُ السُّنَّةِ بِقَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ، فَهِيَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِمَا لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ وَالطِّيبُ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الْهَيْئَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ لَا فِي كَوْنِهِ فَرْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» ، وَأَمَّا كَوْنُ الْغُسْلِ سُنَّةً لِلْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[الغسل المسنون]

وَزَادَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ» ، وَأَمَّا كَوْنُهُ سُنَّةً لِلْإِحْرَامِ فَبِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَجِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ الْأَرْبَعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ حَسَنٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهُوَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْوُجُوبَ انْتَسَخَ لَا يَبْقَى حُكْمٌ آخَرُ بِخُصُوصِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ وَإِنْ حَمَلْنَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ فَدَلِيلُ النَّدْبِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ إذْ لَا سُنَّةَ دُونَ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمَ النَّدْبِ ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِ بَاقِي الْأَغْسَالِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ مِنْ حَدِيثَيْ الْفَاكِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فَضَعِيفَانِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِهْلَالِ فَوَاقِعَةُ حَالٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةَ فَاللَّازِمُ الِاسْتِحْبَابُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إهْلَالُهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَعُمُّ لَفْظًا كُلَّ إهْلَالٍ صَدَرَ مِنْهُ فَثَبَتَتْ سُنِّيَّةُ هَذَا الْغُسْلِ اهـ. لَكِنْ قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اسْتِنَانُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ لِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَمِنْ الْحِجَامَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ وَمَا تَقَدَّمَ يُفِيدُ جَوَازَ التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَثْبُتُ السُّنَّةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْغُسْلُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ لِلْيَوْمِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ ذُكِرَ مُحَمَّدٌ مَكَانَ الْحَسَنِ وَقَالُوا الصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ هَلْ يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ أَوْ لَا وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعِنْد أَبِي يُوسُفَ لَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ نَعَمْ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ وَالْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي؛ لِأَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الْغُسْلِ لِأَجْلِ إزَالَةِ الْأَوْسَاخِ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ اللَّازِمِ مِنْهَا حُصُولُ الْأَذَى عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ كَانَ يَقُولُ هُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ الْحَدَثِ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضُرُّ وَفِي الْكَافِي لِلْمُصَنِّفِ وَخُلَاصَةِ الْفَتَاوَى تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ لَا وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الِاغْتِسَالِ بِمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ لَا أَنْ يُنْشِئَ الْغُسْلَ فِيهِ اهـ. وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْيَوْمُ يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهِ فَلَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِهِ أَمْكَنَ بِخِلَافِ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهَا فَافْتَرَقَا لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ إنْ اغْتَسَلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْغُسْل الْمُسِنُّونَ] (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْكَافِي مَسْطُورٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَسَنِ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى صَرْفُ النَّظَرِ فِي إبْدَاءِ وَجْهِهَا وَلَا مَانِعَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اشْتَرَطَ إيقَاعَ الْغُسْلِ فِيهِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ اخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَعَرَفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ لِلثَّانِي إيقَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنَافَاةِ نَعَمْ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ فَيَجُوزُ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي صَدْرِ كَلَامِهِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ فِي ثُبُوتِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إشْكَالُهُ فِي كَلَامِ الْحَسَنِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ

[الغسل الواجب]

قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَتْ صَلَاةً بِغُسْلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَوْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَنَّ بِالسُّنَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ قَطْعُ الرَّائِحَةِ اهـ. وَلَمْ يَنْقُلْ خِلَافًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ السُّنَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِاشْتِرَاطِهِ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَدَثٌ وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الزَّمَانِ حُصُولُ حَدَثٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ أَمَّا عَلَى مَا فِي الْكَافِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى مَا فِي غَيْرِهِ؛ فَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ اتَّفَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْعِيدِ أَوْ عَرَفَةَ وَجَامَعَ ثُمَّ اغْتَسَلَ يَنُوبُ عَنْ الْكُلِّ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ فِي الْبَدَائِعِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِلْوُقُوفِ أَوْ لِلْيَوْمِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلْوُقُوفِ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَى اسْتِنَانِهِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ عَرَفَاتٍ وَفِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، فَإِنْ قُلْت هَلْ يَتَأَتَّى هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي غُسْلِ الْعِيدِ أَيْضًا قُلْت يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ اهـ. قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا صَحَّ فِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي عَرَفَةَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ السُّنَّةَ إلَّا إذَا اغْتَسَلَ فِي نَفْسِ الْجَبَلِ بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ بِمَا إذَا اغْتَسَلَ خَارِجَهُ لِأَجْلِهِ ثُمَّ دَخَلَهُ. . (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ) أَيْ الْغُسْلُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَافِي فِي الْجَنَائِزِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قِيلَ يُيَمَّمُ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلُهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِهَذَا الْغُسْلِ النِّيَّةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ، وَهُوَ وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَائِزِ وَمَا نَقَلَهُ مِسْكِينٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَقِيلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَفِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ فَلَا يَقْدَحُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَلِمَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا، وَإِلَّا نُدِبَ) أَيْ اُفْتُرِضَ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ حَالَ كَوْنِهِ جُنُبًا فَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ، وَإِلَّا نُدِبَ إذْ لَوْ كَانَتْ اللَّامُ عَلَى حَقِيقَتِهَا لَاسْتَوَتْ الْحَالَتَانِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ الْوَافِي أَحْسَنُ وَلَفْظُهُ وَنُدِبَ لِمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَإِلَّا لَزِمَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَهُوَ جُنُبٌ فَقِيلَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ جَنَابَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْجَنَابَةِ السَّابِقَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْمَشْرُوطِ بِزَوَالِهَا إلَّا بِهِ فَيُفْتَرَضُ، وَلَوْ حَاضَتْ الْكَافِرَةُ فَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُ أَجْنَبَ بَعْدَهُ، وَالِانْقِطَاعُ فِي الْحَيْضِ هُوَ السَّبَبُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ؛ فَلِذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا ثُمَّ طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ هِيَ بِالْحَيْضِ قِيلَ يَجِبُ عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ قَالَ قَاضِي خان: وَالْأَحْوَطُ وُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ إذَا أَسْلَمَ مُحْدِثًا وَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ، فَإِنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ حَالُ الْبُلُوغِ أَوْ إنَّ انْعِقَادَ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ، فَهُوَ كَحَالِ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ اُعْتُبِرَ أَوْ إنْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ حَتَّى اتَّحَدَ زَمَانُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا وَالْحَيْضُ إمَّا حَدَثٌ أَوْ يُوجِبُ حَدَثًا فِي رُتْبَةِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ فِي بَابِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُ بِاَلَّذِي أَسْلَمَ جُنُبًا، وَجَوَابُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي الْحَيْضِ الِانْقِطَاعُ، وَثُبُوتُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِتَحَقُّقِ الْبُلُوغِ بِابْتِدَاءِ الْحَيْضِ كَيْ لَا يَثْبُتَ الِانْقِطَاعُ إلَّا وَهِيَ بَالِغَةٌ. اهـ. وَهَذَا الْجَوَابُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ يَصْلُحُ جَوَابًا عَمَّا يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ إذَا بَلَغَتْ بِالْحَيْضِ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ وَلِقَائِلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ) أَيْ فِي الْحِلْيَةِ عَلَى الْمُنْيَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ أَقُولُ: وَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِسُنِّيَّتِهِ لِلْيَوْمِ لِفَضِيلَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِّ تَطْلُقُ يَوْمَ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَدَارَ بَيْنَ الْأَقْوَامِ وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ بِأَفْضَلِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْعَقْلُ بِخِلَافِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِي الدُّرَرِ لِمُنْلَا خُسْرو مَا لَفْظُهُ وَيُسَنُّ لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ وَلِعِيدٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ أَعَادَ اللَّامَ لِئَلَّا يُفْهَمَ كَوْنُهُ سُنَّةً لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لِلْيَوْمِ فَقَطْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ فِيهِ عَامٌّ فَيُنْدَبُ فِيهِ التَّنْظِيفُ لِكُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ صَلَّى أَمْ لَا اهـ. أَقُولُ: نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدَيْنِ فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ. [الْغُسْل الواجب] (قَوْلُهُ: وَلَنَا فِيهِ نَظَرٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَائِزِ) هُوَ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خان مَيِّتٌ غَسَّلَهُ أَهْلُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ اهـ. قَالَ وَاخْتَارَهُ فِي الْغَايَةِ والإسبيجابي؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْحَيِّ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ فَكَذَا غُسْلُ الْمَيِّتِ. (قَوْلُهُ: بِزَوَالِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشْرُوطِ وَقَوْلُهُ إلَّا بِهِ أَيْ بِالْغُسْلِ.

[أحكام المياه]

أَنْ يَمْنَعَهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ السَّبَبَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْحَائِضِ لَيْسَ الْحَيْضُ وَلَا انْقِطَاعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى أَمَالِي قَاضِي خان، وَأَمَّا مَا يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ جُنُبًا فَلَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ الْمُحَقِّقِ فَالْأَوْلَى الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان وَإِلَى هُنَا تَمَّتْ أَنْوَاعُ الِاغْتِسَالِ، وَهِيَ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ وَمَنْدُوبٌ فَالْفَرْضُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ بِشَهْوَةٍ وَتَوَارِي حَشَفَةٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَمِنْ انْقِطَاعِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَالْخَامِسُ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالسَّادِسُ الْغُسْلُ عِنْدَ إصَابَةِ جَمِيعِ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ بَعْضِهِ وَخَفِيَ مَكَانُهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ قَسَّمُوا أَنْوَاعَهُ إلَى فَرْضٍ وَوَاجِبٍ وَسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ وَجَعَلُوا الْوَاجِبَ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَغُسْلَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ جُنُبًا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي سَمَّوْهُ وَاجِبًا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَالْمَنْقُولُ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضٌ فَالْأَوْلَى عَدَمُ إطْلَاقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ غَيْرُ الْفَرْضِ بِنَاءً عَلَى اصْطِلَاحِنَا الْمَشْهُورِ وَالْمَسْنُونُ أَرْبَعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْمَنْدُوبُ غُسْلُ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ غَيْرُ جُنُبٍ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَدُخُولِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِلْحِجَامَةِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ إذَا رَآهَا وَلِلتَّائِبِ مِنْ الذَّنْبِ وَلِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ وَلِمَنْ يُرَادُ قَتْلُهُ وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا لِخِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْكُسُوفَيْنِ وَغُسْلُ الِاسْتِسْقَاءِ وَمِنْهُ ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ رَمْيُ الْجِمَارِ وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْغُسْلُ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ مَجْمَعِ النَّاسِ وَلَمْ أَجِدْهُ لِأَئِمَّتِنَا فِيمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ: وَيُتَوَضَّأُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ) يَعْنِي الطَّهَارَةُ جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمَشَايِخُ تَارَةً يُطْلِقُونَ الْجَوَازَ بِمَعْنَى الْحِلِّ وَتَارَةً بِمَعْنَى الصِّحَّةِ، وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالْغَالِبُ إرَادَةُ الْأَوَّلِ فِي الْأَفْعَالِ وَالثَّانِي فِي الْعُقُودِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَمَنْ قَالَ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ اسْتَعْمَلَ الْجَوَازَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ وَالْمَاءُ هُوَ الْجِسْمُ اللَّطِيفُ السَّيَّالُ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ كُلِّ نَامٍ وَأَصْلُهُ مَوَهَ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَصْلٌ مَرْفُوضٌ فِيمَا أُبْدِلَ مِنْ الْهَاءِ إبْدَالًا لَازِمًا، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ عَنْ الْهَاءِ فِي مَوْضِعِ اللَّامِ وَيُجْمَعُ عَلَى مِيَاهٍ جَمْعَ كَثْرَةٍ وَجَمْعَ قِلَّةٍ عَلَى أَمْوَاهٍ وَالْعَيْنُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْيَنْبُوعِ وَالذَّهَبِ وَالدِّينَارِ وَالْمَالِ وَالنَّقْدِ وَالْجَاسُوسِ وَالْمَطَرِ وَوَلَدِ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَخِيَارِ الشَّيْءِ وَنَفْسِ الشَّيْءِ وَالنَّاسِ الْقَلِيلِ وَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَمَا عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ وَعَيْنٍ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْيَنْبُوعُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَفِي قَوْلِهِ وَالْبَحْرُ عَطْفًا عَلَى السَّمَاءِ أَيْ وَبِمَاءِ الْبَحْرِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَيْسَ بِمَاءٍ حَتَّى حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَسَّمَ هَذِهِ الْمِيَاهَ بِاعْتِبَارِ مَا يُشَاهَدُ عَادَةً، وَإِلَّا فَالْكُلُّ مِنْ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} [الزمر: 21] وَقِيلَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ قُلْنَا بَلْ تَعُمُّ بِقَرِينَةِ الِامْتِنَانِ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ بِهِ فَلَوْ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ لَفَاتَ الْمَطْلُوبُ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تُفِيدُ الْعُمُومَ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14] أَيْ كُلُّ نَفْسٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ فَالْمُطْلَقُ هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا مَاءٌ، وَلَمْ يَقُمْ بِهِ خَبَثٌ وَلَا مَعْنَى يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ فَخَرَجَ الْمَاءُ الْمُقَيَّدُ وَالْمَاءُ الْمُتَنَجِّسُ وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَالْمُطْلَقُ فِي الْأُصُولِ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَجِدْهُ لِأَئِمَّتِنَا فِيمَا عِنْدِي) قَالَ فِي النَّهْرِ صَرَّحَ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِنَدْبِ غُسْلِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ اهـ. قُلْت: وَمِثْلُهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَتْنِهِ ثُمَّ رَأَيْته أَيْضًا فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِرَمْيِ الْجِمَارِ ثُمَّ رَأَيْت فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قِيلَ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ وَفِي كُلِّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَاجْتِمَاعِ النَّاسِ. [أَحْكَام الْمِيَاه] [الْوُضُوء بِمَاءِ السَّمَاءِ] (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ) أَيْ الْحِلُّ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَكُونُ بِمَا هُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الظَّاهِرُ هُنَا الصِّحَّةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْحِلِّ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ اسْتَعْمَلَ الْجَوَازَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ) أَقُولُ: أَمَّا وَجْهُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الْحِلِّ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ؛ فَلِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْحِلِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَصِحُّ وَتَحِلُّ وَقَدْ تَصِحُّ وَلَا تَحِلُّ كَالطَّهَارَةِ بِمَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ بِمَاءِ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْيَنْبُوعُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَاءٍ وَبَعْدَهُ لَا يَخْفَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُعْطَفَ عَلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَا ذُكِرَ نَعَمْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الْبَاصِرَةِ وَالثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ اهـ. وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْ مَاءُ الْيَنْبُوعِ فَيَئُولُ إلَى مَا ذُكِرَ

بِالْإِثْبَاتِ كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ بِخِلَافِ الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، فَإِنَّ الْقَيْدَ لَازِمٌ لَهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِدُونِ الْقَيْدِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَاسْتَدَلُّوا بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وَقَدْ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سَأَلَ سَائِلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأُوِردَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الطَّهُورُ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] وَصَفَهُ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ وَقَالَ جَرِيرٌ عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ وَمَعْنَاهُ طَاهِرٌ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ فَعُولٌ مِنْ طَهُرَ، وَهُوَ لَازِمٌ وَالْفِعْلُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَكُنْ الْفَعُولُ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِمْ نَئُومٌ مِنْ نَامَ وَضَحُوكٌ مِنْ ضَحِكَ، وَإِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فَالْفَعُولُ مِنْهُ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ قَتُولٌ مِنْ قَتَلَ وَضَرُوبٌ مِنْ ضَرَبَ قُلْنَا إنَّمَا تُفِيدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ التَّطْهِيرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ فِي الشَّكُورِ وَالْغَفُورِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْغَافِرِ وَالشَّاكِرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّهُورِ مَعْنًى زَائِدٌ لَيْسَ فِي الطَّاهِرِ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ سَوَاءٌ فَتَكُونُ صِفَةُ التَّطْهِيرِ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا أَنَّ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكَشَّافِ وَالْمُغْرِبِ قَالَ وَمَا حُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ الطَّهُورَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ إنْ كَانَ هَذَا زِيَادَةَ بَيَانٍ لِبَلَاغَتِهِ فِي الطَّهَارَةِ كَانَ سَدِيدًا وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وَإِلَّا فَلَيْسَ فَعُولٌ مِنْ التَّفْعِيلِ فِي شَيْءٍ وَقِيَاسُهُ عَلَى مَا هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ كَقَطُوعٍ وَمَنُوعٍ غَيْرُ سَدِيدٍ وَالطَّهُورُ يَجِيءُ صِفَةً نَحْوَ: مَاءً طَهُورًا وَاسْمًا لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالْوُضُوءِ اسْمٌ لِمَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَمَصْدَرًا نَحْوُ تَطَهَّرْت طَهُورًا حَسَنًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ» أَيْ طَهَارَةٍ فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ صَحَّ الِاسْتِدْلَال وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ حَيْثُ يَلْزَمُ جَعْلُ اللَّازِمِ مُتَعَدِّيًا كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْلَى الصِّفَاتِ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ الثَّانِي أَنَّ جَرِيرًا قَصَدَ تَفْضِيلَهُنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ فَوَصَفَ رِيقَهُنَّ بِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ لِكَمَالِهِنَّ وَطِيبِ رِيقِهِنَّ وَامْتِيَازِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ النِّسَاءِ رِيقُهُنَّ طَاهِرٌ بَلْ كُلُّ حَيَوَانٍ طَاهِرِ اللَّحْمِ كَذَلِكَ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَتِهِ وَجَوْدَتِهِ فِي نَفْسِهِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ وَالْمُرَادُ بِمَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مَسُوقٌ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَمَا فِي الْحَدِيثِ مَاءُ الْبَحْرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمِيَاهَ كُلَّهَا مِنْ السَّمَاءِ وَسَيَأْتِي عَنْهُ جَوَابٌ آخَرُ (قَوْلُهُ: كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ سَوَاءٌ) الصِّفَتَانِ هُمَا أَصْلُ الطَّهَارَةِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ) أَيْ فِيمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ الْإِيرَادِ وَالْجَوَابِ وَالْبَحْثُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلَانِ عَلَى الْإِيرَادِ وَالثَّالِثُ عَلَى الْجَوَابِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ الْبَحْثَ الثَّالِثَ يَدْفَعُ الْبَحْثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَبَقِيَ الْإِيرَادُ السَّابِقُ مُتَوَجِّهًا وَلَا يَنْفَعُهُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ قُلْنَا إنَّمَا تُفِيدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ إلَخْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَحْثِ الثَّالِثِ وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَلِمَا عَلِمْت؛ وَلِأَنَّ الْمُورَدَ سَابِقًا اسْتَنَدَ إلَى أُصُولِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَقَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ عُلَمَاءِ آدَابِ الْبَحْثِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ الْمُدَلِّلَ لَا يُمْنَعُ إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُوَجَّهًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ السُّؤَالُ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالطَّهُورِ الْوَاقِعِ فِي الْجَوَابِ هُوَ كَثِيرُ الطَّهَارَةِ وَلَا تَطْهِيرَ فِيهِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّهَارَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِكَثْرَةِ الطَّهَارَةِ فِي مَكَانِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ فِيهِ سَوَاءٌ كَمَا مَرَّ وَحَاشَا مَنْ حَازَ مِنْ الْفَصَاحَةِ الْقِدْحَ الْمُعَلَّى أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ حُمِلَ مَا فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي مَاءِ الْبَحْرِ لَا مَاءِ السَّمَاءِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهُورِ فِي الْآيَةِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ يَحْتَمِلُ الْبَحْثُ فَالْأَوْلَى مَا قَدَّمْنَاهُ

السَّمَاءِ مَاءُ الْمَطَرِ وَالنَّدَى وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إذَا كَانَ مُتَقَاطَرًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةً يَقُولُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْهَا اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَفِي رِوَايَةٍ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» وَلَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ، وَهُوَ يَجْمُدُ فِي الصَّيْفِ، وَيَذُوبُ فِي الشِّتَاءِ عَكْسُ الْمَاءِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَلَوْ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الَّتِي هِيَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الْمُخَالِطُ الطَّاهِرُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْمَاءِ عَنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ الْمِلْحِ وَالنُّورَةِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ تُرَابًا طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالدَّقِيقِ وَالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ وَالطُّحْلُبِ الْمَدْقُوقِ بِمَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ كَذَا فِي الْمُهَذَّبِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ هَلْ صَارَ بِهِ مُقَيَّدًا أَمْ لَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يُقَيَّدُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ مَا دَامَ الْمُخَالِطُ مَغْلُوبًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِ هَذَا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُ يُقَالُ فِي مَاءِ الْمُدِّ وَالنِّيلِ حَالَ غَلَبَةِ لَوْنِ الطِّينِ عَلَيْهِمَا وَتَقَعُ الْأَوْرَاقُ فِي الْحِيَاضِ زَمَنَ الْخَرِيفِ فَيَمُرُّ الرَّفِيقَانِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ هُنَا مَاءٌ تَعَالَ نَشْرَبْ نَتَوَضَّأْ فَيُطْلِقُهُ مَعَ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهِ فَظَهَرَ لَنَا مِنْ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَغْلُوبَ لَا يَسْلُبُ الْإِطْلَاقَ فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَهُ لِمُحْرِمٍ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ اغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَالْمَيِّتُ لَا يُغَسَّلُ إلَّا بِمَاءٍ يَجُوزُ لِلْحَيِّ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ وَالْغُسْلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِخَلْطِ السِّدْرِ بِالْمَاءِ أَوْ بِوَضْعِهِ عَلَى الْجَسَدِ وَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَالتَّغْيِيرِ. وَقَدْ «اغْتَسَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ لِلْمَغْلُوبِيَّةِ «وَأَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» فَلَوْلَا أَنَّهُ طَهُورٌ لَمَا أَمَرَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ دُونَ النَّاقِصِ وَفِي الْمَاءِ الْمُخْتَلِطِ بِطَاهِرٍ غَيْرِهِ قُصُورٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ ذَاتًا لَا وَصْفًا وَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِطَاهِرٍ كَامِلٌ ذَاتًا فَيَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ هَذَا الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُحْرِمُ الْمَاءَ الْمُخْتَلِطَ بِالزَّعْفَرَانِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَاءً فَاشْتَرَى هَذَا الْمَاءَ لَا يَجُوزُ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ أَقُولُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَالْجَوَابُ: أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ وَالْوَكَالَةِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِمَا لِلْعُرْفِ وَفِي الْعُرْفِ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُشْرَبُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ عَيْنَ الطِّيبِ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا (قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالدَّوَامُ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَضَمُّهَا كَمَا يَجُوزُ فِي عَيْنِ فِعْلِهِ الْمَاضِي، وَهِيَ بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارِعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ بِالْمُكْثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَنْتَنَ لِلنَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: لَا بِمَا تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ) عُطِفَ عَلَى بِمَاءِ السَّمَاءِ يَعْنِي لَا يَتَوَضَّأُ بِمَا تَغَيَّرَ بِوُقُوعِ الْأَوْرَاقِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ بِأَنْ صَارَ ثَخِينًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَسَاتِذَةِ أَنَّ أَوْرَاقَ الْأَشْجَارِ وَقْتَ الْخَرِيفِ تَقَعُ فِي الْحِيَاضِ فَيَتَغَيَّرُ مَاؤُهَا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ ثُمَّ إنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَرُوِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْلَال لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.

[الوضوء بالماء ولو خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه]

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إنْ ظَهَرَ لَوْنُهَا فِي الْكَفِّ لَا يُتَوَضَّأُ بِهَا لَكِنْ يُشْرَبُ. (قَوْلُهُ: أَوْ بِالطَّبْخِ) أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَا تَغَيَّرَ بِسَبَبِ الطَّبْخِ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ كَمَاءِ الْمَرَقِ وَالْبَاقِلَاءِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ لِعَدَمِ تَبَادُرِهِ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ وَلَا نَعْنِي بِالْمُطْلَقِ إلَّا مَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ أَمَّا لَوْ كَانَتْ النَّظَافَةُ تُقْصَدُ بِهِ كَالسِّدْرِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ يُطْبَخْ بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ إلَّا إذَا خَرَجَ الْمَاءُ عَنْ طَبْعِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيْلَانِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَصَاحِبُ الْيَنَابِيعِ أَنَّ الْبَاقِلَاءَ أَوْ الْحِمَّصَ إذَا طُبِخَ إنْ كَانَ إذَا بُرِّدَ ثَخُنَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثْخُنُ وَرِقَّةُ الْمَاءِ بَاقِيَةٌ جَازَ لَيْسَ هُوَ الْمُخْتَارَ بَلْ هُوَ قَوْلُ النَّاطِفِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ بِمَا لَفْظُهُ، وَلَوْ طُبِخَ الْحِمَّصُ وَالْبَاقِلَاءُ فِي الْمَاءِ وَرِيحُ الْبَاقِلَاءِ تُوجَدُ فِيهِ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا لَمْ تَذْهَبْ عَنْهُ رِقَّةُ الْمَاءِ، وَلَمْ يُسْلَبْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ. اهـ. وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ أَيْضًا عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمَطْبُوخَ بِشَيْءٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ يَصِيرُ مُقَيَّدًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ مُقَيَّدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ. (قَوْلُهُ: أَوْ اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ تَغَيَّرَ أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ كَالرِّيبَاسِ أَوْ ثَمَرٍ كَالْعِنَبِ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ مُقَيَّدٌ، وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ، فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَفِي ذِكْرِ الْعَصْرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرِ بِلَا عَصْرٍ كَمَاءٍ يَسِيلُ مِنْ الْكَرَمِ يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْجَوَازَ بِصِيغَةِ قَبْلُ. وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْأَوْجَهُ عَدَمُ الْجَوَازِ، فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى لِمَا أَنَّهُ كَمُلَ امْتِزَاجُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي فَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ امْتِزَاجُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ بِالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ ثُمَّ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ طَاهِرٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا فِي تَحْقِيقِ الْغَلَبَةِ بِمَاذَا تَكُونُ فَعِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كَعِبَارَةِ الْكَنْزِ وَالْمُخْتَارُ تُفِيدُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْ كَانَ وَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ، وَهِيَ قَوْلُهُ وَنُجِيزُهُ بِغَالِبٍ عَلَى طَاهِرٍ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيَّرَ بِهِ بَعْضُ أَوْصَافِهِ تُفِيدُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْ كَانَ وَصْفَيْنِ يَجُوزُ أَوْ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ حُكِيَ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَفِي الْمَجْمَعِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَعْتَبِرُ الْغَلَبَةَ بِالْأَجْزَاءِ وَمُحَمَّدٌ بِاللَّوْنِ، وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الْخِلَافِ الْأَوَّلُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْغَلَبَةَ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الطَّعْمُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ نُقِعَ الْحِمَّصُ وَالْبَاقِلَاءُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الصَّابُونِ إذَا كَانَ ثَخِينًا قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ وَكَذَا مَاءُ الْأُشْنَانِ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الطِّينُ غَالِبًا عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَصَرَّحَ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ بِالْأَجْزَاءِ قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ إذَا طُرِحَ الزَّاجُّ أَوْ الْعَفْصُ فِي الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقَشُ إذَا كُتِبَ بِهِ، فَإِنْ نُقِشَ لَا يَجُوزُ، وَالْمَاءُ هُوَ الْمَغْلُوبُ، وَهَكَذَا جَاءَ الِاخْتِلَافُ ظَاهِرًا فِي عِبَارَاتِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ، فَنَقُولُ إنَّ التَّقْيِيدَ الْمُخْرِجَ عَنْ الْإِطْلَاقِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: كَمَالُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَلَوْ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ] (قَوْلُهُ: فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا تَغَيَّرَ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَا يَنْبَغِي عَطْفُهُ عَلَى بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ لَا مَا ذَكَرَهُ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَاعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ) أَسْقَطَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَجْزَأَ فَكَانَ الْوَاجِبُ ذِكْرَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ فَنَقُولُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ) أَقُولُ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَأَطَالَ بِهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ وَلِلَّهِ دَرُّهُ حَيْثُ قَالَ الْغَلَبَةُ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ أَوْ بِطَبْخٍ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّنْظِيفُ وَإِمَّا بِغَلَبَةِ الْمُخَالِطِ فَلَوْ جَامِدًا فَبِثَخَانَةٍ مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ كَنَبِيذِ تَمْرٍ وَلَوْ مَائِعًا فَلَوْ مُبَايِنًا لِأَوْصَافِهِ فَبِتَغَيُّرِ أَكْثَرِهَا أَوْ مُوَافِقًا كَلَبَنٍ فَبِأَحَدِهَا أَوْ مُمَاثِلًا كَمُسْتَعْمَلٍ فَبِالْأَجْزَاءِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِالْكُلِّ، وَإِلَّا لَا، وَهَذَا يَعُمُّ لِيَلْقَى وَلِيُلَاقِيَ فَفِي الْفَسَاقِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِتَسَاوِي الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ قُلْت لَكِنَّ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْوَهْبَانِيَّةِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا اهـ. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى ضَعْفِ مَا فِي الشرنبلالية مِنْ الْفَرْقِ وَسَتَطَّلِعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ هَذَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَجْهُ أَنْ يَخْرُجَ

الِامْتِزَاجِ، وَهُوَ بِالطَّبْخِ مَعَ طَاهِرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ أَوْ بِتَشَرُّبِ النَّبَاتِ سَوَاءٌ خَرَجَ بِعِلَاجٍ أَوْ لَا. الثَّانِي غَلَبَةُ الْمُخَالِطِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَبِانْتِفَاءِ رِقَّةِ الْمَاءِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَا فِي الْيَنَابِيعِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إذَا طُرِحَ الزَّاجُّ فِي الْمَاءِ حَتَّى اسْوَدَّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا مُوَافِقًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ كَالْمَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالتَّقْطِيرِ مِنْ لِسَانِ الثَّوْرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ الَّذِي انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ وَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ طَهَارَتِهِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمُطْلَقِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَكْثَرَ جَازَ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْبَدَائِعِ قَالُوا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمَغْلُوبِ احْتِيَاطًا وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ بِالْأَجْزَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ جَامِدًا فَغَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ فِيهِ بِثُخُونَتِهِ فَإِنْ كَانَ مَائِعًا مُوَافِقًا لِلْمَاءِ، فَغَلَبَةُ الْأَجْزَاءِ فِيهِ بِالْقِدْرِ وَذَكَرَ الْحَدَّادِيُّ أَنَّ غَلَبَةَ الْأَجْزَاءِ فِي الْجَامِدِ تَكُونُ بِالثُّلُثِ، وَفِي الْمَائِعِ بِالنِّصْفِ فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ كُلِّهَا، فَإِنْ غَيَّرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ فَالْعِبْرَةُ لِغَلَبَةِ مَا بِهِ الْخِلَافُ كَاللَّبَنِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ، فَإِنْ كَانَ لَوْنُ اللَّبَنِ أَوْ طَعْمُهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ وَكَذَا مَاءُ الْبِطِّيخِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ فَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِالطَّعْمِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ الْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ ثُمَّ الطَّعْمِ ثُمَّ الْأَجْزَاءِ فَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَائِعَ لِلْمَاءِ إنْ كَانَ لَوْنُهُ مُخَالِفًا لِلَوْنِ الْمَاءِ فَالْغَلَبَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ، وَإِنْ كَانَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَاءِ فَالْعِبْرَةُ لِلطَّعْمِ إنْ غَلَبَ طَعْمُهُ عَلَى الْمَاءِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ. وَأَمَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْءٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْبَعْضِ الْبَعْضُ الْأَقَلُّ، وَهُوَ الْوَاحِدُ كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الْقُدُورِيِّ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي شَرْحِهِ فَغَيَّرَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ لَوْنٍ ذَكَرَهُ بِأَوْ الَّتِي هِيَ لِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ مِنْ الَّتِي أَوْقَعَهَا بَيَانًا لِلْبَعْضِ وَلَا يَظْهَرُ لِتَغْيِيرِ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ فَائِدَةٌ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ مُهِمَّةٌ لَا بَأْسَ بِإِيرَادِهَا الْأَوَّلُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْجَامِدَ لَا يُقَيَّدُ الْمَاءُ إلَّا إذَا سَلَبَهُ وَصْفَ الرِّقَّةِ وَالسَّيْلَانِ جَوَازُ التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلَوْ غَيَّرَ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ وَقَدْ صَرَّحُوا قُبَيْلَ بَابِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَأَنَّ تِلْكَ رِوَايَةٌ مَرْجُوعٌ عَنْهَا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ وَفِي مَسْأَلَةِ نَبِيذِ التَّمْرِ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ، فَلَا مُخَالَفَةَ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّانِي أَنَّهُ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْأَقْسَامِ مَا خَالَطَ جَامِدًا فَسَلَبَ رِقَّتَهُ وَجَرَيَانَهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَاءٍ مُقَيَّدٍ وَالْكَلَامُ فِيهِ بَلْ لَيْسَ بِمَاءٍ أَصْلًا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي الْمُخْتَلَطِ بِالْأُشْنَانِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَا فِي الْيَنَابِيعِ) الَّذِي قَدَّمَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُخَالِفُ هَذَا ظَاهِرًا حَتَّى يُحْمَلَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا فِي الْيَنَابِيعِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأَجْزَاءِ أَيْ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ إنْ كَانَ لَا يُخَالِفُ فِي الْأَوْصَافِ وَعَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ جَامِدًا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَائِعًا تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ وَتَفْصِيلٌ لِمَا عُلِمَ إجْمَالًا. (قَوْلُهُ: كَاللَّبَنِ يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الْمُشَاهَدُ فِي اللَّبَنِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْمُشَاهَدُ فِي الْبِطِّيخِ مُخَالَفَتُهُ لِلْمَاءِ فِي الرَّائِحَةِ فَجُعِلَ الْأَوَّلُ مِمَّا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفَيْنِ فَقَطْ وَالثَّانِي فِي وَصْفٍ فَقَطْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَيْضًا فِي الْبِطِّيخِ مَا لَوْنُهُ أَحْمَرُ وَفِيهِ مَا لَوْنُهُ أَصْفَرُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْبَعْضِ الْبَعْضُ الْأَقَلُّ إلَخْ) أَقُولُ: قَوْلُ الْمَجْمَعِ وَنُجِيزُهُ بِغَالِبٍ عَلَى طَاهِرٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ أَوْ عَلَى الْجَامِدِ فَقَطْ وَلَا سَبِيلَ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَائِعِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ كَزَعْفَرَانٍ. فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْأَعَمِّ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْبَعْضِ عَلَى الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الْمُخَالِطِ الْجَامِدِ تُعْتَبَرُ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ لَا بِالْأَوْصَافِ فَضْلًا عَنْ وَصْفٍ وَاحِدٍ وَأَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُخَالِطِ الْمَائِعِ لَا تَثْبُتُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي كُلِّ الْأَوْصَافِ يُعْتَبَرُ ظُهُورُهَا كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَامِدِ فَقَطْ فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْنَاهُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ انْتِفَاءُ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا مَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ كَمَا يَأْتِي التَّقْيِيدُ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَبَيْنَ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَالْجَازِ الَّذِي فِي الْيَنَابِيعِ وَالظَّهِيرِيَّةِ فَكَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ انْتِفَاءُ الرِّقَّةِ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الزَّعْفَرَانِ نَعَمْ فِي عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ تَأَمُّلٌ مِنْ حَيْثُ إفْهَامُهَا أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَيُقَيَّدُ بِانْتِفَاءِ الرِّقَّةِ أَوْ يُقَالُ إذَا تَغَيَّرَتْ الْأَوْصَافُ كُلُّهَا بِنَحْوِ الزَّعْفَرَانِ يَزُولُ اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ غَالِبًا فَقَدْ ظَهَرَ لَك إمْكَانُ حَمْلِهَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ وَإِنْ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ الْوَاحِدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ شَرْحِهِ يُقَوِّي الْأَشْكَالَ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ مَا فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَغْيِيرَ وَاحِدٍ فَقَطْ أَوْ عَلَى أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ

مَا دَامَ رَقِيقًا سَيَّالًا وَلَوْ غَيَّرَ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْجَامِدَاتِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنْ أَمْكَنَ الصَّبْغُ فِيهِ، فَلَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الثُّخُونَةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ إلَّا إذَا غَلَبَهُ أَوْ سَاوَاهُ إمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا إذَا اُسْتُعْمِلَ الْمَاءُ خَارِجًا ثُمَّ أَلْقَى الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ وَاخْتَلَطَ بِالطَّهُورِ أَوْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» لَا يُقَالُ إنَّهُ نَهْيٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهِّرِ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُطَهِّرِ غَالِبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا وَهَاهُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا اهـ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيمَنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِأَنْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا لَا يُنْزَحُ شَيْءٌ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا وَجَعَلَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَعْمَلِ أَكْثَرُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَهُورًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَعْمَلُ غَالِبًا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ صَبَّ اللَّبَنَ فِي الْبِئْرِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بَالَتْ شَاةٌ فِيهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَوْ اخْتَلَطَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ قَلَّ، وَهَذَا فَاسِدٌ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ فَلِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ صِفَةِ الطَّهُورِ كَاللَّبَنِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ثُمَّ الْكَثِيرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا يَغْلِبُ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعِنْدَهُمَا أَنْ يَسْتَبِينَ مَوَاضِعَ الْقَطْرَةِ فِي الْإِنَاءِ اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ جُنُبٌ اغْتَسَلَ فَانْتَضَحَ مِنْ غُسْلِهِ شَيْءٌ فِي إنَائِهِ لَمْ يَفْسُدْ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَمَّا إذَا كَانَ يَسِيلُ فِيهِ سَيَلَانًا أَفْسَدَهُ وَكَذَا حَوْضُ الْحَمَّامِ عَلَى هَذَا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُفْسِدُهُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ يَعْنِي لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ اهـ. بِلَفْظِهِ فَإِذَا عَرَفْت هَذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِي الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمَدَارِسِ عِنْدَ عَدَمِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْ وُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِي الصِّغَارِ مِنْهَا فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَوْ صُبَّ مَاءُ الْوُضُوءِ فِي الْبِئْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ إنْ كَانَ اسْتَنْجَى بِذَلِكَ الْمَاءِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى بِهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ نَجِسًا لَكِنْ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا لِيَصِيرَ الْمَاءُ طَاهِرًا اهـ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِوُقُوعِ قَلِيلٍ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَزَلَ فِي الْبِئْرِ بِقَصْدِ الِاغْتِسَالِ يَفْسُدُ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ صَرَّحَ بِهِ الْأَكْمَلُ وَصَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرُهُمَا وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَوْلَا أَنَّ الْكُلَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِمَا نُزِحَ مِنْهَا، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ وَكَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَاءَ يَفْسُدُ إذَا أَدْخَلَ الْكَفَّ فِيهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ الْكُلِّ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ والْوَلْوَالِجِيِّ فِي فَتَاوِيهِ جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي بِئْرٍ ثُمَّ فِي بِئْرٍ إلَى الْعَشَرَةِ عَلَى قَصْدِ الِاغْتِسَالِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُنَجَّسُ الْآبَارُ كُلُّهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ نَجَاسَةٍ تَنَجَّسَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ نَجَاسَةٍ صَارَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا مُسْتَعْمَلًا إلَى آخِرِ الْفُرُوعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا هَكَذَا كُنْت تَوَهَّمْت وَكَتَبْت بَعْضَ مَقُولَاتٍ عَلَى عِبَارَةِ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الطَّهُورَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ لَا عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ قَاضِي خان إلَخْ) جَوَابُ الشَّرْطِ سَيَأْتِي بَعْدَ صَفْحَةٍ وَمَنْشَأُ السُّؤَالِ مَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الطَّهُورَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ نَجَاسَةٍ تَنَجَّسَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمِيَاهِ مِيَاهَ الْآبَارِ الْعَشَرَةِ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ وَكَذَا تَنَجُّسُ الْآبَارِ كُلِّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُشْكِلٌ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَنْ نَزَلَ فِي الْبِئْرِ، وَهُوَ جُنُبٌ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا وَالرَّجُلُ نَجِسٌ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ جحط وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِسْبِيجَابِيَّ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْفُرُوعَ بَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُفَرَّعَةٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ بِحَالِهِ وَالْمَاءَ بِحَالِهِ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيَاهِ الْمُتَنَجِّسَةِ أَوْ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِيَاهُ الْآبَارِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ بِدَلِيلِ تَكْمِلَةِ عِبَارَةِ الْإِسْبِيجَابِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ هُنَا ثُمَّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ إنْ وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ النِّيَّةُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ. اهـ. فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةً فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَوْضَحِ مِمَّا ذَكَرَهُ

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْمَاءِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالِاغْتِسَالِ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ: فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ» إلَى آخِرِهِ قَالَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ طَهُورٌ لَا يَجْعَلُ الِاغْتِسَالَ فِيهِ حَرَامًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا وَقَعَ فِي مَاءِ آخَرَ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ يَقَعُ فِيهِ وَقَدْرُ مَا يُلَاقِي بَدَنَ الْمُسْتَعْمَلِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُغْتَسَلُ فِيهِ عَادَةً يَكُونُ أَقَلَّ مِمَّا فَضُلَ عَنْ مُلَاقَاةِ بَدَنِهِ فَلَا يَفْسُدُ وَيَبْقَى طَهُورًا لِذَلِكَ وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ الِاغْتِسَالُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ فَيَفْسُدُ الْكُلُّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْغُسَالَةِ كَقَطْرَةِ خَمْرٍ تَقَعُ فِي حُبٍّ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا اهـ. فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ كَشَفَتْ اللَّبْسُ وَأَوْضَحَتْ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، فَإِنَّهَا أَفَادَتْ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِاخْتِلَاطِ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا حَكَمَ بِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا لَا حَقِيقَةً فَمَا فِي الْبَدَائِعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ عَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ بِخِلَافِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ تَوَضَّأَ فِي طَسْتٍ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي بِئْرٍ يُنْزَحُ مِنْهُ الْأَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا وَمِمَّا صُبَّ فِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ صَيْرُورَةَ مَاءِ الْبِئْرِ مُسْتَعْمَلًا بِصَبِّ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَيْهِ فَبِالْأَوْلَى إذَا تَوَضَّأَ فِيهَا أَوْ اغْتَسَلَ قُلْت قَدْ وَقَعَ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَسَاقِي الصِّغَارِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْمَدَارِسِ كَلَامٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الطَّلَبَةِ وَالْأَفَاضِلِ فِي عَصْرِنَا وَقَبْلَهُ وَقَدْ أَلَّفَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِيهَا رِسَالَةً وَسَمَّاهَا رَفْعَ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمِيَاهِ وَاسْتَدَلَّ فِيهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ وَأَفْتَى بِهِ وَتَعَقَّبَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ وَأَلَّفَ فِيهَا رِسَالَةً وَسَمَّاهَا زَهْرَ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنُ وَهْبَانَ. وَقَالَ لَا تَغْتَرَّ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَاسْتَنَدَ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْأَسْرَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّارِحُ مَعَ النَّصِّ عَلَى مَا اسْتَظْهَرْنَاهُ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَنَّ الْجُنُبَ اغْتَسَلَ فِي الْبِئْرِ ثُمَّ فِي بِئْرٍ إلَى الْعَشَرَةِ أَوْ أَكْثَرَ تُنَجَّسُ الْمِيَاهُ كُلُّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ أَوْ لَا وَالرَّجُلُ عَلَى حَالِهِ جُنُبٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ الثَّالِثَةَ طَاهِرًا وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ يُنْظَرُ فِيهَا إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ صَارَ الْمَاءُ نَجِسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا الرَّابِعُ وَمَا وَرَاءَهُ إنْ وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَإِلَّا فَلَا يَعْنِي إذَا لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ فَالْمِيَاهُ طَاهِرَةٌ اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ اغْتَسَلَ أَنَّ الْغُسْلَ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ كَانَ بِنِيَّةٍ وَوَجْهُ اسْتِعْمَالِهَا سُقُوطُ الْفَرْضِ بِهَا مَعَ الْقُرْبَةِ وَسُنِّيَّةُ التَّثْلِيثِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مَا بَعْدَهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ أَيْضًا لِحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِتَجْدِيدِ الْغُسْلِ لِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ كَالْوُضُوءِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلَا يَتَنَجَّسُ الرَّابِعُ وَمَا بَعْدَهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لِطَهَارَتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ الثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ: فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ كَشَفَتْ اللَّبْسَ إلَخْ) قَالَ أَخُوهُ الْمُحَقِّقُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَوَامِشِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ نَعَمْ كَشَفَتْ اللَّبْسَ مِنْ حَيْثُ آخِرُهَا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَمَّا اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا فَلَنَا صُورَتَانِ صُورَةُ وُقُوعِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فِي مَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ فَيُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الْمَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مَاءٌ وَاحِدٌ تَوَضَّأَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ لِحَاجَةٍ صَارَ مُسْتَعْمَلًا كُلُّهُ حُكْمًا كَمَا رَأَيْت اهـ. (قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْبَدَائِعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ عَدَمُ الِاسْتِعْمَالِ) أَيْ حَقِيقَةً يَعْنِي أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ نَسَبَ إلَى مُحَمَّدٍ عَدَمَ الِاسْتِعْمَالِ بِنَاءً عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَذْهَبُهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَغْلِبْهُ أَوْ يُسَاوِهِ لَكِنَّ مُحَمَّدًا مَا قَالَ بِذَلِكَ الَّذِي اقْتَضَاهُ مَذْهَبُهُ بَلْ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةُ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا حُكْمًا كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ الدَّبُوسِيِّ. (قَوْلُهُ: وَمِمَّا صُبَّ فِيهِ) أَيْ وَيُنْزَحُ مَا ذُكِرَ أَيْضًا مِنْ بِئْرٍ أُخْرَى صُبَّ فِيهَا دَلْوٌ مَثَلًا مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْعِشْرِينَ دَلْوًا وَفِي الْمَصْبُوبِ فَأَيُّهُمَا أَكْثَرُ يُنْزَحُ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْآبَارِ لَوْ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي جُبٍّ فَأُرِيقَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَصْبُوبَةِ وَمِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا يُنْزَحُ عِشْرُونَ فَكَذَا إذَا صُبَّ فِيهَا مَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا إذَا زَادَ الْمَصْبُوبُ عَلَى ذَلِكَ فَتُنْزَحُ الزِّيَادَةُ مَعَ الْعِشْرِينَ اهـ. (قَوْلُهُ: وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ إلَخْ) ، وَهُوَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشِّحْنَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ إذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ مَا نَصُّهُ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ عِنْدِي أَنَّهُ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ أُصُولِ أَئِمَّتِنَا فِيهِ وَالتَّحْقِيقُ النَّزْحُ لِلْجَمِيعِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ عِنْدَهُ وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الْإِمَامِ وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى يُنْزَحُ مِنْهُ عِشْرُونَ لِيَصِيرَ طَهُورًا، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ أَمَّا لَوْ اُعْتُبِرَتْ الضَّرُورَةُ وَدَفْعُ الْحَرَجِ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِي الِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ أَوْ إدْخَالِ الْعُضْوِ فِيهِ وَاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الصُّغْرَى وَغَيْرهَا وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الدِّينِ قَاسِمٌ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ

وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَكْشِفُ لَك عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ فَأَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ مُسْتَعْمَلًا بِاخْتِلَاطِ الْمُسْتَعْمَلِ الْأَقَلِّ مِنْهُ بِهِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ كَالزَّيْلَعِيِّ وَالْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ وَالسِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ كَمَا نَقَلْنَاهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الدَّبُوسِيِّ فِي الْأَسْرَارِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا وَمَا ذَكَرَهُ الْأَكْمَلُ وَشُرَّاحُ الْهِدَايَةِ مِنْ كَوْنِهِ يَفْسُدُ عِنْدَ الْكُلِّ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ والْوَلْوَالِجِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فَكُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ وَسَيَظْهَرُ لَك صِدْقُ هَذِهِ الدَّعْوَى الصَّادِقَةِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَإِذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبِئْرِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْزَحُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى بِرَحْمَتِهِ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِرَفْعِ الِاشْتِبَاهِ فَإِنَّهُ خَالَفَ فِيهَا صَرِيحَ الْمَنْقُولِ عَنْ أَئِمَّتِنَا وَاسْتَنَدَ إلَى كَلَامٍ وَقَعَ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ يُوهِمُ عَدَمَ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ مُسْتَعْمَلًا بِالِانْغِمَاسِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مِنْهُ مَا لَاقَى بَدَنَ الْمُحْدِثِ، وَهُوَ قَلِيلٌ لَاقَى طَهُورًا أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا يَسْلُبُهُ وَصْفَ الطَّهُورِيَّةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي فِقْهِهِمْ وَكَتَبَ فِيهِ كِتَابَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى خَلْطٍ وَخَبْطٍ وَمُخَالَفَةِ النُّصُوصِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمه اللَّهُ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي مُقَدَّمَةٍ كَتَبْتهَا حَقَّقْت فِيهَا الْمَذْهَبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ الدَّبُوسِيَّ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ أَوْرَدَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ مِنْ أَبِي يُوسُفَ لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَذَكَرَ جَوَابَ مُحَمَّدٍ عَنْهُ فَكَشَفَ اللَّبْسَ وَأَوْضَحَ كُلَّ تَخْمِينٍ وَحَدْسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ مَذَاهِبِ عُلَمَائِنَا فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدٍ وَعَامَّةِ مَشَايِخِنَا يَنْصُرُونَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ قَالَ يُحْتَجُّ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ بِمَا رُوِيَ فَذَكَرَ حَدِيثَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» ثُمَّ قَالَ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ طَهُورٌ لَا يُجْعَلُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ حَرَامًا إلَى آخِرِ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ هُنَا عَنْ الدَّبُوسِيِّ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطَّاهِرَ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِلِاغْتِسَالِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَصَرَّحَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان بِأَنَّ إدْخَالَ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ لِلْغَسْلِ يُفْسِدُ الْمَاءَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَتَكَفَّلَ بِإِيضَاحِ هَذَا وَتَحْرِيرِهِ رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةُ بِزَهْرِ الرَّوْضِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوْضِ وَمَا كَتَبْته بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ رُؤْيَةِ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَانْظُرْهُ اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ حَسَنٌ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِالْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِي جَسَدُهُ دُونَ بَاقِي الْمَاءِ فَيَصِرْ ذَلِكَ الْجُزْءُ مُسْتَهْلَكًا فِي كَثِيرٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِسَرَيَانِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَمِيعِ حُكْمًا، وَلَيْسَ كَالْغَالِبِ بِصَبِّ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ اهـ. يَعْنِي: أَنَّهُ لَمَّا انْغَمَسَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مَثَلًا صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي انْغَمَسَ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ حَقِيقَةً هُوَ مَا لَاقَى جَسَدَهُ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا صُبَّ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعْمَلَ حَقِيقَةً وَحُكْمًا هُوَ ذَلِكَ الْمُلْقَى فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ عَلَى الْمُلْقَى فِيهِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا لَمْ يُسَاوِهِ أَوْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ جَسَدَهُ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ حُكْمًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْأَسْرَارِ لِلدَّبُّوسِيِّ وَقَوْلُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ جحط لَوْ انْغَمَسَ بِقَصْدِ الِاغْتِسَالِ لِلصَّلَاةِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ مَا فِي الْأَسْرَارِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَالسِّرَاجِ الْهِنْدِيِّ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَاقَاهُ الْمُسْتَعْمَلُ أَوْ أُلْقِيَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْهِنْدِيِّ فِي الْمُلْقَى وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمُلَاقَى فَيَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ عَدَمِ الْفَرْقِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ مَا يُثْبِتُهُ. (قَوْلُهُ: فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْخِلَافُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ أَهْلِ الْعَصْرِ فِي جَوَازِ التَّوَضُّؤِ مِنْ الْفَسَاقِي وَعَدَمِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِانْغِمَاسٍ بِجَسَدٍ أَوْ يَدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَاهُ مِنْ الْجَوَازِ فَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي الِانْغِمَاسِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ بِالِانْغِمَاسِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا وَأَيَّدْنَاهَا بِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الدَّبُوسِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا إلَخْ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُلْقَى وَالْمُلَاقَى فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ النُّقُولِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْمُلَاقَى سِوَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ ابْنِ الشِّحْنَةِ. وَأَمَّا غَيْرُ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ فَهُوَ فِي الْمُلْقَى وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ وَلِذَا قَالَ أَخُو الشَّارِحِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي هَوَامِشِ هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ الْآتِي قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إلَخْ مَا نَصُّهُ لَا يَخْفَاك أَنَّ الْعِبَارَةَ فِي وُقُوعِ الْمَاءِ لَا الْمُغْتَسَلِ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ اهـ. وَكَذَا مَا نَقْلنَا عَنْهُ سَابِقًا وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُسَلِّمُ عَدَمَ الْفَرْقِ فَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْإِلْهَامِ هَكَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُحَشِّي قَوْلُهُ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةٍ إلَخْ إلَى قَوْلِهِ الْآتِي إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ عَلَى حَسَبِ مَا وُجِدَ بِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ حَيْثُ كَانَ هُوَ الْأَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ الْمُجَرَّدُ لِخَطِّهِ فِي الْمُبَيَّضَةِ فَلِذَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ اهـ مُصَحَّحَةً

وَيَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَصَارَ كَالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ اهـ. بِلَفْظِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبِئْرِ لَا يَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَالْمَاءِ الْمُقَيَّدِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَفِي التُّحْفَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَإِذَا وَقَعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْقَلِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بِخِلَافِ بَوْلِ الشَّاةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ مِنْ جِنْسِ مَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يُسْتَهْلَكُ فِيهِ وَالْبَوْلُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ فِيهِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ صَبَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي بِئْرٍ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَكَانَ دُونَ الْفَأْرَةِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُجَوَّزُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ الْبِئْرِ اهـ. كَلَامُ الْعَلَّامَةِ السَّرَّاجِ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْأَكْثَرِ مِنْهُ الْقَلِيلِ فِي نَفْسِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَصِيرُ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِ الشَّاةِ فَأَفَادَ الْفَرْقَ بِقَوْلِهِ، وَالْفَرْقُ لَهُ إلَى آخِرِهِ، وَهِيَ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْمُطْلَقِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْعَلَّامَةُ كَمَا رَأَيْت وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَمِنْهَا حَمْلُ مَا نَقَلَهُ قَاضِي خان وَغَيْرُهُ مَنْ نَزْحِ عِشْرِينَ دَلْوًا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فَلَا يُنْزَحُ شَيْءٌ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا تَعَيَّنَ عَلَيْك حَمْلُ قَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَدَمَ الْجَوَازِ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ لَا الصَّحِيحِ كَمَا فَعَلَهُ الْعَلَّامَةُ. وَأَمَّا مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ فَسَدَ الْمَاءُ، فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا عَلَى الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجِسِ لِلْمَاءِ الْقَلِيلِ تَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ لَا مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لَهُ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ هَذَا خِتَامُ الْمُحَقِّقِينَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ حِجَابِ الْأَسْتَارِ فَقَالَ حَوْضَانِ صَغِيرَانِ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَدْخُلُ فِي الْآخَرِ فَتَوَضَّأَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ الْجَارِي مِنْ فَوْقُ وَقَدْ بَقِيَ جَرْيُ الْمَاءِ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَا يَجْرِي فِي النَّهْرِ. وَذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَالَ: وَالْمَاءُ الَّذِي اجْتَمَعَ فِي الْحَفِيرَةِ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ، وَهَذَا مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ نَجِسًا وَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا، فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا فَلْتُحْفَظْ لِيُفَرَّعَ عَلَيْهَا وَلَا يُفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْفُرُوعِ اهـ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ فَهْمَ الْمَسَائِلِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إطْلَاقَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي الْغَالِبِ مُقَيَّدَةٌ بِقُيُودٍ يَعْرِفُهَا صَاحِبُ الْفَهْمِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُمَارِسُ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَإِنَّمَا يَسْكُتُونَ عَنْهَا اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ فَهْمِ الطَّالِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ اجْتِهَادِيَّةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لَا يُعْرَفُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ إلَّا بِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الْحُكْمِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ وَتَفَرَّعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَتَشْتَبِهُ الْمَسَائِلُ عَلَى الطَّالِبِ وَيَحَارُ ذِهْنُهُ فِيهَا لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْوَجْهِ وَالْمَبْنَى وَمَنْ أَهْمَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ حَارَ فِي الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا ظَهَرَ لَك ضَعْفُ مَنْ يَقُولُ فِي عَصْرِنَا إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا صُبَّ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَكَانَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ غَالِبًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْكُلِّ، وَإِذَا تَوَضَّأَ فِي فَسْقِيَّةٍ صَارَ الْكُلُّ مُسْتَعْمَلًا إذْ لَا مَعْنًى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ فِي الْفَرْقِ مِنْ أَنَّ فِي الْوُضُوءِ يَشِيعُ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْجَمِيعِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّبِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الشُّيُوعَ وَالِاخْتِلَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلْقَاءُ الْغُسَالَةِ مِنْ خَارِجٍ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّشْخِيصِ وَتَشَخُّصِ الِانْفِصَالِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُعْقَلُ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ الْفَسَاقِي الصِّغَارِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ أَكْثَرُ أَوْ مُسَاوٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فَلَا) قَالَ أَخُوهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ أَيْ فَلَا يُقَالُ فَاسِدٌ بَلْ يُقَالُ هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَإِنَّهَا لِغَفْلَةٍ عَنْ فَهْمِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ اهـ أَقُول اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَدْ كُشِفَ عَنْ هَذَا لِكَوْنِ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَحْمُولًا عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا شَكَّ فِي كَشْفِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَيْضًا رِوَايَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ النَّجِسَ يُنَجِّسُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُلْقًى أَوْ مُلَاقِيًا فَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ سِيَّمَا وَقَدْ اخْتَارَهُ كَثِيرُونَ وَعَامَّةُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الشَّارِحِ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَاحِبُ النَّهْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجِ الْعَظِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ نَجَاسَةٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ: فِي رِسَالَتِهِ، فَإِنْ قُلْت إدًّا تَكَرَّرَ الِاسْتِعْمَالُ قَدْ يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ قُلْت الظَّاهِرُ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى فِي النَّجِسِ فَكَيْفَ بِالطَّاهِرِ قَالَ فِي الْمُبْتَغَى يَعْنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَوْمٌ يَتَوَضَّئُونَ صَفًّا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ جَازَ فَكَذَا فِي الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَاءِ الْحَوْضِ فِي حُكْمِ مَاءٍ جَارٍ اهـ بِلَفْظِهِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْمَعُ وَيَمْنَعُ. وَأَمَّا مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُبْتَغَى فَلَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْحَوْضِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْجَارِي، وَمَا فِي الْمُبْتَغَى مُصَوَّرٌ فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَاءِ الْحَوْضِ فِي حُكْمِ مَاءٍ جَارٍ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ عِبَارَةَ الْمُبْتَغَى ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ بِالضَّرُورَةِ وَأَيْضًا مَا فِي الْمُبْتَغَى مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَدَّادِيَّ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ ذَكَرَ مَا فِي الْمُبْتَغَى تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَكَلَامُنَا هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَالَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْيَةِ. وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ لَوْ تَوَضَّأَ فِي أَجَمَةِ الْقَصَبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ جَازَ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْجَوَازُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُخَالِفُ لِجَوَابِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَمَّا عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا بَلْ يَجُوزُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَغْتَرِفُهُ مِنْهُ لِإِسْقَاطِ فَرْضٍ مِنْ مَسْحٍ أَوْ غَسْلِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ مَاءٍ اخْتَلَطَ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ غَالِبٍ عَلَيْهِ اهـ. وَالْأَجَمَةُ مُحَرَّكَةٌ الشَّجَرُ الْكَثِيرُ الْمُلْتَفُّ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا وَاتِّصَالُ الزَّرْعِ بِالزَّرْعِ لَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْلُصُ فَيَجُوزُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ فِي طَهَارَةِ الْمُسْتَعْمَلِ بِالشَّرْطِ الَّذِي سَلَفَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ أَيْضًا مَسَائِلَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ قَلِيلٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ فِي فَتَاوِيهِ الَّتِي جَمَعَهَا تِلْمِيذُهُ خِتَامُ الْمُحَقِّقِينَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ بِمَا لَفْظُهُ سُئِلَ عَنْ فَسْقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ يَتَوَضَّأُ فِيهِ النَّاسُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهَا مَاءٌ جَدِيدٌ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا أَجَابَ إذَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ اهـ يَعْنِي: إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَتْ لِصِغَرِهَا اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ بِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) أَيْ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ سَاكِنٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ أَوْ لَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةٍ. اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا جَارِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَارٍ هَكَذَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ فِي كُتُبِنَا، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ أَيْضًا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا فَاتَّفَقَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِهَا دُونَ الْكَثِيرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ إنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِهَا، فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ وَحِينَئِذٍ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّجَاسَةِ فِي الْكَمِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَإِلَّا جَازَ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: إنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ مَا تَيَقَّنَّا فِيهِ جُزْءًا مِنْ النَّجَاسَةِ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ جَارِيًا أَوْ لَا. اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَمَا كَانَ مِنْ الْمِيَاهِ فِي الْغُدْرَانِ أَوْ فِي مُسْتَنْقَعٍ مِنْ الْأَرْضِ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ نَظَرَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَخْتَلِطْ بِجَمِيعِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لِكَثْرَتِهِ تَوَضَّأَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ فِي إصَابَةِ الطَّاهِرِ مِنْهُ وَمَا كَانَ قَلِيلًا يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ خَلَصَتْ إلَى جَمِيعِهِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَالِبِ رَأْيِهِ لَمْ يُتَوَضَّأْ مِنْهُ اهـ. وَقَالَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ: وَالظَّاهِرُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يُوَقَّتْ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي خُلُوصِ النَّجَاسَةِ اهـ. وَقَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي: الَّذِي هُوَ جَمَعَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو عِصْمَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُوَقِّتُ عَشْرَةً فِي عَشْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ لَا أُوَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: ثُمَّ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ الْخُلُوصُ، وَهُوَ أَنْ يَخْلُصَ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَلَمْ يُفَسِّرْ الْخُلُوصَ فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ. وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ حَدِّ الْحَوْضِ فَقَالَ مِقْدَارُ مَسْجِدِي فَذَرَعُوهُ فَوَجَدُوهُ ثَمَانِيَةً فِي ثَمَانِيَةٍ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَسَحُوا مَسْجِدَ مُحَمَّدٍ فَكَانَ دَاخِلُهُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ وَخَارِجُهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ لَا أُوَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَالَ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي خُلُوصِ النَّجَاسَةِ مِنْ طَرَفٍ إلَى طَرَفٍ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ وُصُولِ النَّجَاسَةِ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ تَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الرَّائِي وَظَنِّهِ اهـ. وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالْمُجْتَبَى وَفِي الْغَايَةِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. وَفِي الْيَنَابِيعِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ اهـ. وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّقُولِ الْمُعْتَبَرَةِ عَنْ مَشَايِخِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبُ إمَامِنَا الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ عَامَّتُهُمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّقُولِ إلَخْ) أَيْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا عَدَمُ التَّقْدِيرِ بِشَيْءٍ. هَذَا وَفِي الْهِدَايَةِ الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّك أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ ثُمَّ إنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَضُّؤِ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمَسَّاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ. وَمِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ ثُمَّ قَالَ وَصَحَّحَ فِي الْوَجِيزِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَتَفْسِيرُ الْخُلُوصِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ حُرِّكَ جَانِبٌ يَتَحَرَّك الْجَانِبُ الْآخَرُ فَيَكُونُ صَغِيرًا، وَإِلَّا كَانَ كَبِيرًا. وَفِي الشَّرْحِ لِلزَّيْلَعِيِّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالتَّحْرِيكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالْمَسَّاحَةِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْمُحِيطِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِطَبْعِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمَسَّاحَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ وَمِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَمِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ بِالتَّحْرِيكِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ بِالِاغْتِسَالِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِالتَّوَضُّؤِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِغَمْسِ الرِّجْلِ وَقِيلَ يُلْقَى فِيهِ قَدْرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الصَّبْغِ فَمَوْضِعٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصَّبْغُ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِالتَّكَدُّرِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْخُلُوصَ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اعْتَبَرُوهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقِيلَ بِوُصُولِ الْكُدْرَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَقِيلَ بِالصَّبْغِ وَقِيلَ بِعَشْرِ فِي عَشْرٍ إلَخْ وَمِثْلُهُ فِي غَيْرِ كِتَابٍ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ نَقَلُوا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارَ الْخُلُوصِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِلَا تَقْدِيرٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ نَقَلُوا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ اعْتِبَارَهُ بِالتَّحْرِيكِ وَبَيْنَ النَّقْلَيْنِ مُنَافَاةٌ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الظَّانِّينَ وَالتَّحْرِيكُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ ظَاهِرٌ لَا يَخْتَلِفُ وَلَعَلَّ التَّوْفِيقَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ لَوْ حَرَّكَ لَوَصَلَ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّحْرِيكُ بِالْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ ثُمَّ حَيْثُ عَلِمْت أَنَّ اعْتِبَارَ التَّحْرِيكِ مَنْقُولٌ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ يَظْهَرُ لَك أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ لَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْمَذْهَبِ بِالْكُلِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا تَخْتَلِفُ الْآرَاءُ فِي عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ فَقَدَّرُوا بِهِ لِئَلَّا يَقَعَ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ أَوْ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ فِي تَنْجِيسِهِ أَوْ تَنْجِيسِ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْحَرَكَةِ هَلْ هِيَ حَرَكَةُ الْيَدِ أَوْ حَرَكَةُ الِاغْتِسَالِ أَوْ حَرَكَةُ الْوُضُوءِ، وَهَذِهِ الْحَرَكَةُ هِيَ الْمُتَوَسِّطَةُ؛ وَلِذَا رَجَّحُوهَا وَاعْتَبَرُوا لَهَا عَشْرًا فِي عَشْرٍ

مِنْ اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا، وَإِنْ كَانَ قَدَّرَ بِهِ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا نَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فَإِنْ قُلْت إنَّ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ تَرْجِيحُ غَيْرِ الْمَذْهَبِ قُلْت لَمَّا كَانَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ التَّفْوِيضَ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَكَانَ الرَّأْيُ يَخْتَلِفُ بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ اعْتَبَرَ الْمَشَايِخُ الْعَشْرَ فِي الْعَشْرِ تَوْسِعَةً وَتَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَعْمَلُ بِمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ بِفَتْوَى الْمَشَايِخِ قُلْت يُعْمَلُ بِمَا صَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ سُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ مَا تَقُلْ رَحِمَك اللَّهُ وَقَعَتْ عِنْدَك كُتُبٌ أَرْبَعَةٌ كِتَابُ إبْرَاهِيمَ بْنِ رُسْتُمَ وَأَدَبِ الْقَاضِي عَنْ الْخَصَّافِ وَكِتَابُ الْمُجَرَّدِ وَكِتَابُ النَّوَادِرِ مِنْ جِهَةِ هِشَامٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُفْتِيَ مِنْهَا أَوْ لَا وَهَذِهِ الْكُتُبُ مَحْمُودَةٌ عِنْدَك فَقَالَ مَا صَحَّ عَنْ أَصْحَابِنَا فَذَلِكَ عِلْمٌ مَحْبُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَرَضِيٌّ بِهِ. وَأَمَّا الْفُتْيَا، فَإِنِّي لَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ وَلَا يَتَحَمَّلُ أَثْقَالَ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَتْ مَسَائِلَ قَدْ اُشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ وَانْجَلَتْ عَنْ أَصْحَابِنَا رَجَوْت أَنْ يَسَعَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِي النَّوَازِلِ انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ رُجُوعِ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذَا التَّقْدِيرِ فَمَا قُدِّرَ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيرَهُ بِهِ إلَّا فِي نَظَرِهِ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ كَوْنُهُ مَا اسْتَكْثَرَهُ الْمُبْتَلَى فَاسْتِكْثَارُ وَاحِدٍ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِ كُلِّ إنْسَانٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَأَصَحُّ حَدِّهِ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ بِظَنِّ الْمُبْتَلَى بِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَلَا يُنَاظِرُ الْمُجْتَهِدَ فِيهِ اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّقْدِيرَ بِعَشْرٍ فِي عَشْرٍ لَا يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فَإِنْ قُلْت قَالَ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ حَوْلَهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا» فَيَكُونُ لَهُ حَرِيمُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَةٌ فَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ آخَرُ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا بِئْرًا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَنْجَذِبُ الْمَاءُ إلَيْهَا وَيَنْقُصُ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ الْأُولَى، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرَ بَالُوعَةٍ يَمْنَعُ أَيْضًا السِّرَايَةُ النَّجَاسَةَ إلَى الْبِئْرِ الْأُولَى وَيَنْجُسُ مَاؤُهَا وَلَا يُمْنَعُ فِيمَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ وَهُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ الْعَشْرَ فِي الْعَشْرِ فِي عَدَمِ سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ تَسْرِي يَحْكُمُ بِالْمَنْعِ قُلْت هُوَ مَرْدُودٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كَوْنَ حَرِيمِ الْبِئْرِ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَوْلُ الْبَعْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: الثَّانِي: أَنَّ قِوَامَ الْأَرْضِ أَضْعَافُ قِوَامِ الْمَاءِ فَقِيَاسُهُ عَلَيْهَا فِي مِقْدَارِ عَدَمِ السِّرَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُخْتَارَ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبُعْدِ بَيْنَ الْبَالُوعَةِ وَالْبِئْرِ نُفُوذُ الرَّائِحَةِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ تَنَجَّسَ، وَإِلَّا فَلَا هَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهِمَا. وَصَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ أَرَاضِيهِمْ وَالْجَوَابُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صَلَابَةِ الْأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا وَحَيْثُ اخْتَارَ فِي الْمَتْنِ اعْتِبَارَ الْعَشْرِ لَا بَأْسَ بِإِيرَادِ تَفَارِيعِهِ وَالتَّكَلُّمِ عَلَيْهَا، فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الذِّرَاعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَفِي التَّجْنِيسِ الْمُخْتَارُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةِ إصْبَعٍ قَائِمَةٍ فَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا بِعَدَدِ حُرُوفِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُرَادُ بِالْإِصْبَعِ الْقَائِمَةِ ارْتِفَاعُ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ أَنَّ ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ سَبْعُ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٍ قَائِمَةٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهَا الْأَصَحُّ ذِرَاعُ الْمَسَّاحَةِ، وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ وَالْكَافِي الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمَسَّاحَةِ وَالْكِرْبَاسِ وَالْأَقْوَالُ الْكُلُّ فِي الْمُرَبَّعِ، فَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ مُدَوَّرًا فَفِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمَا سَاغَ لَهُمْ الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَالِ كَيْفَ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ تَفَارِيعِهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ اهـ

الظَّهِيرِيَّةِ يُعْتَبَرُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مُبَرْهَنٌ عِنْدَ الْحِسَابِ وَفِي غَيْرِهَا الْمُخْتَارُ الْمُفْتَى بِهِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ كَيْلًا لِعُسْرِ رِعَايَةِ الْكَسْرِ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَحْوَطُ اعْتِبَارُ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْكُلُّ تَحَكُّمَاتٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحَكُّمِ بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَصُورَةُ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ الْمُقَدَّرِ بِعَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْحَوْضِ عَشَرَةٌ وَحَوْلَ الْمَاءِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَوَجْهُ الْمَاءِ مِائَةُ ذِرَاعٍ هَذَا مِقْدَارُ الطُّولِ وَالْعَرْضِ. اهـ. وَأَمَّا الْعُمْقُ فَفِي الْهِدَايَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْ لَا يَنْكَشِفُ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ ثُمَّ اتَّصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ إذَا أَخَذَ الْمَاءُ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَهُوَ الْأَوْجُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْفَتَاوَى غَدِيرٌ كَبِيرٌ لَا يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ فِي الصَّيْفِ وَتَرُوثُ فِيهِ الدَّوَابُّ وَالنَّاسُ ثُمَّ يُمْلَأُ فِي الشِّتَاءِ وَيُرْفَعُ مِنْهُ الْجَمَدَانِ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي يَدْخُلُهُ يَدْخُلُ عَلَى مَكَان نَجِسٍ فَالْمَاءُ وَالْجَمَدُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِي مَكَان طَاهِرٍ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ انْتَهَى إلَى النَّجَاسَةِ، فَالْمَاءُ وَالْجَمَدُ طَاهِرَانِ اهـ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا دَخَلَ عَلَى مَاءِ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ لَا يُنَجِّسُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى الْحَوْضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْحَوْضِ الْكَبِيرِ يَصِيرُ مِنْهُ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَعَلَى هَذَا فَمَاءُ بَرَكَةِ الْفِيلِ بِالْقَاهِرَةِ طَاهِرٌ إذَا كَانَ مَمَرُّهُ طَاهِرًا أَوْ أَكْثَرُ مَمَرِّهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَاءِ السَّطْحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِفُّ كُلُّهَا بَلْ لَا يَزَالُ بِهَا غَدِيرٌ عَظِيمٌ فَلَوْ أَنَّ الدَّاخِلَ اجْتَمَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِهَا فِي مَكَان نَجِسٍ حَتَّى صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ بِذَلِكَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ كَانَ الْكُلُّ طَاهِرًا هَذَا إذَا كَانَ الْغَدِيرُ الْبَاقِي مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي التَّجْنِيسِ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ لَهُ طُولٌ وَعُمْقٌ وَلَيْسَ لَهُ عَرْضٌ وَلَوْ قَدْرٌ يَصِيرُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ فِيهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْعِبْرَةُ لِحَالَةِ الْوُقُوعِ، فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَهُ لَا يَنْجُسُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَطْهُرُ؛ وَلِذَا صُحِّحَ فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ مَا فِي التَّجْنِيسِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّقْدِيرِ بِعَشْرٍ وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ لَوْ ضُمَّ وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ وَلَوْ بُسِطَ بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ جَعْلَهُ كَثِيرًا وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فِي عَدَمِ خُلُوصِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَعِنْدَ تَقَارُبِ الْجَوَانِبِ لَا شَكَّ فِي غَلَبَةِ الْخُلُوصِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْضٌ فَأَقْرَبُ الْأُمُورِ الْحُكْمُ بِوُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ عَرْضِهِ وَبِهِ خَالَفَ حُكْمَ الْكَثِيرِ إذْ لَيْسَ حُكْمُ الْكَثِيرِ تَنَجُّسُ الْجَانِبِ الْآخَرِ بِسُقُوطِهَا فِي مُقَابِلِهِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت الْأَصْلَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ قَبِلْت مَا وَافَقَهُ وَتَرَكْت مَا خَالَفَهُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوْجَهَ إلَّا أَنَّ الْمَشَايِخَ وَسَّعُوا الْأَمْرَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا بِالضَّمِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّجْنِيسِ بِقَوْلِهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّجْنِيسِ الْحَوْضُ إذَا كَانَ أَعْلَاهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَأَسْفَلُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُمْتَلِئٌ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِيهِ وَالِاغْتِسَالُ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْمَاءُ حَتَّى صَارَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فِي عَشْرَةٍ لَا يُتَوَضَّأُ فِيهِ وَلَكِنْ يُغْتَرَفُ مِنْهُ وَيُتَوَضَّأُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ أَعْلَاهُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَوَقَعَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْهُ رَجُلٌ ثُمَّ انْتَقَصَ الْمَاءُ وَصَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي تَنَجَّسَ فِي أَعْلَى الْحَوْضِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي فِي أَسْفَلِهِ وَوَقَعَ الْمَاءُ النَّجِسُ فِي الْأَسْفَلِ جُمْلَةً كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا، وَيَصِيرُ النَّجِسُ غَالِبًا عَلَى الطَّاهِرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ وَقَعَ الْمَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلِذَا صُحِّحَ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا فِي التَّجْنِيسِ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ) هَذَا نَاظِرٌ إلَى قَوْلِهِ وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ عُمْقٌ بِلَا سَعَةٍ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ السَّطْحِ لَا مِنْ الْعُمْقِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ تَصْحِيحِ مَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمْقِ وَالطُّولِ.

النَّجَسُ فِي أَسْفَلِ الْحَوْضِ عَلَى التَّدْرِيجِ كَانَ طَاهِرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَطْهُرُ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ انْبَسَطَ اهـ. وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الْأَشْبَهَ الْجَوَازُ وَفِي التَّجْنِيسِ حَوْضٌ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ إلَّا أَنَّ لَهُ مَشَارِعَ فَتَوَضَّأَ رَجُلٌ مِنْ مَشْرَعَةٍ أَوْ اغْتَسَلَ وَالْمَاءُ مُتَّصِلٌ بِأَلْوَاحِ الْمَشْرَعَةِ لَا يَضْطَرِبُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْ الْأَلْوَاحِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَعَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ، وَفِي الثَّانِي حَوْضٌ كَبِيرٌ مُسَقَّفٌ، وَعَلَى هَذَا الْحَوْضِ الْكَبِيرِ إذَا جَمَدَ مَاؤُهُ فَنَقَبَ فِيهِ إنْسَانٌ نَقْبًا فَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمَدِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحَوْضِ الْمُسَقَّفِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا لَا لِأَنَّهُ صَارَ كَالْقَصْعَةِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاتِّصَالُ الْقَصَبِ بِالْقَصَبِ لَا يَمْنَعُ اتِّصَالَ الْمَاءِ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ غَدِيرًا عَظِيمًا، فَيَجُوزُ لِهَذَا التَّوَضُّؤُ فِي الْأَجَمَةِ وَنَحْوِهَا اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ الْأَجَمَةُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ وَالْجَمْعُ أَجَمٌ وَآجَامٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ فِي الْفَسَاقِيِ مَسْأَلَةَ الْأَجَمَةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ. وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ وَخَرَجَ حَالَ دُخُولِهِ طَهُرَ، وَإِنْ قَلَّ وَقِيلَ لَا حَتَّى يَخْرُجَ قَدْرُ مَا فِيهِ وَقِيلَ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ وَصُحِّحَ الْأَوَّلُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ قَالَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ وَكَذَا الْبِئْرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْحَوْضِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ حَالَةَ الدُّخُولِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الْمَعْنَى جَارِيًا لَكِنْ إيَّاكَ وَظَنَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَوْضُ غَيْرَ مَلْآنَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ لَمَّا امْتَلَأَ خَرَجَ مِنْهُ بَعْضُهُ لِاتِّصَالِ الْمَاءِ الْجَارِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَاهِرًا حِينَئِذٍ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ عِنْدَ امْتِلَائِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْهُ نَجِسٌ فَيَطْهُرُ بِخُرُوجِ الْقَدْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الطَّهَارَةُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَاءُ الْجَارِي الطَّهُورُ كَمَا لَوْ كَانَ مُمْتَلِئًا ابْتِدَاءً مَاءً نَجِسًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ لِاتِّصَالِ الْمَاءِ الْجَارِي بِهِ ثُمَّ كَلَامُهُمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُ نَجِسٌ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَى الْحَوْضِ بِالطَّهَارَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَإِذَا كَانَ حَوْضٌ صَغِيرٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجُ مِنْ جَانِبٍ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلَّ فَيَجُوزُ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَجُوزُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ يُفْتَى بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَاعْتَمَدَهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَقَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ إلَّا فِي مَوْضِعِ خُرُوجِ الْمَاءِ إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَالْجَوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهَا مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْمُتَوَضِّئِ أَنَّ مَا يَغْتَرِفُهُ لِإِسْقَاطِ فَرْضِ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ مَا يُخَالِطُهُ مِنْهُ مِقْدَارُ نِصْفِهِ فَصَاعِدًا فَكُنْ عَلَى هَذَا مُعْتَمِدًا كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ التَّفَارِيعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ اعْتِبَارِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَيُوضَعُ مَكَانَ لَفْظِ عَشْرٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَفْظُ كَثِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ثُمَّ تَجْرِي التَّفَارِيعُ اهـ. وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ يَعْنِي كُلُّ مِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مَاءً تَنَجَّسَ فَإِذَا كَانَ غَيَّرَهُ يُنَجَّسُ. وَحَيْثُ انْتَهَيْنَا مِنْ التَّفَارِيعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ نَرْجِعُ إلَى بَيَانِ الدَّلَائِلِ لِلْأَئِمَّةِ فَنَقُولُ اسْتَدَلَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّجْنِيسِ حَوْضٌ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ إلَّا أَنَّ لَهُ مَشَارِعَ) هِيَ جَمْعُ مَشْرَعَةٍ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْحَوْضَ مُسَقَّفٌ وَفِيهِ طَاقَاتٌ لِأَخْذِ الْمَاءِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَّصِلًا بِالْأَلْوَاحِ الَّتِي سُقِّفَ بِهَا هَذَا الْحَوْضُ لَا يَضْطَرِبُ بِالِاسْتِعْمَالِ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَشْرَعَةٍ مِنْهُ حِينَئِذٍ كَحَوْضٍ صَغِيرٍ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَلْوَاحِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ حَوْضٌ وَاحِدٌ لِاضْطِرَابِهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ وَخَرَجَ إلَخْ) أَقُولُ: سَيَأْتِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ إذَا جَرَى طَهُرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدَدٌ وَسَيَذْكُرُ فُرُوعًا مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الْحَوْضُ مُنْتَقِصًا وَتَنَجَّسَ ثُمَّ أُفْرِغَ فَوْقَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَحْوِ قِرْبَةٍ حَتَّى جَرَى مَاءُ الْحَوْضِ وَكَذَا الْإِبْرِيقُ إذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ ثُمَّ صُبَّ فَوْقَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ هَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَمُقْتَضَى مَا سَيَأْتِي الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي عَصْرِنَا الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ جَارِيًا وَبَعْضُهُمْ قَالَ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمِيزَابِ الْآتِيَةِ حَتَّى أَفْتَى فِي آنِيَةٍ فِيهَا مَاءُ وَرْدٍ وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ بِأَنَّهَا تَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهَا بِأَنْ يُصَبَّ فَوْقَهَا مَاءٌ قَرَاحٌ أَوْ مَاءُ وَرْدٍ طَاهِرٍ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ وَمِمَّا سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ لَكِنْ أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي حَلَبَ أَفْتَى بِذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَائِعَاتِ فَأَقَامَ عَلَيْهِ النَّكِيرَ أَهْلُ عَصْرِهِ وَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قُلْت وَرَأَيْت فِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي تَطْهِيرِ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ قَالَ مَا نَصُّهُ وَعَلَى هَذَا حَوْضُ الْحَمَّامِ أَوْ الْأَوَانِي إذَا تَنَجَّسَتْ اهـ. وَمُقْتَضَاهُ طَهَارَةُ الْأَوَانِي بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمَاءِ وَخُرُوجِهِ وَإِنْ قَلَّ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّهُ يُعَدُّ جَارِيًا وَقَدْ عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا الْقَوْلَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَاءً جَارِيًا وَلَمْ نَسْتَيْقِنْ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَالَ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ كَلَامُهُمْ إلَخْ) أَيْ إذَا قُلْنَا

الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خَبَثًا وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَالنَّجَاسَاتُ لَا مَحَالَةَ مِنْ الْخَبَائِثِ فَحَرَّمَهَا اللَّهُ تَحْرِيمًا مُبْهَمًا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ اخْتِلَاطِهَا وَانْفِرَادِهَا بِالْمَاءِ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ كُلِّ مَا تَيَقَّنَّا بِهِ جُزْءًا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَتَكُونُ جِهَةُ الْحَظْرِ مِنْ طَرِيقِ النَّجَاسَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ قُدِّمَ الْمُحَرِّمُ وَأَيْضًا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سَائِرِ الْمَائِعَاتِ إذَا خَالَطَهُ الْيَسِيرُ مِنْ النَّجَاسَةِ كَاللَّبَنِ وَالْأَدْهَانِ أَنَّ حُكْمَ الْيَسِيرِ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْكَثِيرِ وَأَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ أَكْلُ ذَلِكَ وَشُرْبُهُ فَكَذَا الْمَاءُ بِجَامِعِ لُزُومِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ الْقَلِيلَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَا يُغَيِّرُ لَوْنَهُ وَلَا طَعْمَهُ وَلَا رَائِحَتَهُ وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الْإِنَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدِ احْتِيَاطًا مِنْ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ وَلَوْلَا أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَعْنًى وَحُكْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِقَوْلِهِ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا» ، وَهُوَ لَا يُغَيَّرُ اهـ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ نَجَاسَةٍ فِي الْمَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ أَصْلًا بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ تَغَيَّرَ أَوْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالتَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَلَمْ يُوجَدْ وَفِي بَعْضِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهُوَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ ضَعِيفٌ بِرِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ صَرَّحَ بِضَعْفِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي يَحْيَى قَالَ دَخَلْت عَلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي نِسْوَةٍ فَقَالَ لَوْ أَنِّي أَسْقَيْتُكُمْ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُمْ ذَلِكَ وَقَدْ وَاَللَّهِ سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ مِنْهَا قُلْنَا هَذَا وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْمُغْرِبِ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ بِسَنَدِهِ إلَى الْوَاقِدِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْوَاقِدِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يُسْنِدُهُ فَضْلًا عَمَّا يُرْسِلُهُ قُلْنَا قَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَارِيًا أَنَّ الْمَاءَ الرَّاكِدَ إذَا وَقَعَ فِيهِ عَذِرَةُ النَّاسِ وَالْجِيَفُ وَالْمَحَائِضُ وَالنَّتِنُ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ وَلَوْنُهُ وَيَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ إجْمَاعًا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاءٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَرَيَانِ مَائِهَا فَإِنْ قِيلَ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ مَدَدْت رِدَائِي عَلَى بِئْرِ بُضَاعَةَ ثُمَّ ذَرَّعْتهَا فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا قَالَ رَأَيْت فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرًا قُلْنَا مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ إثْبَاتٌ وَمَا نَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْبُسْتَانِيِّ نَفْيٌ وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَالْبُسْتَانِيُّ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ مَجْهُولُ الشَّخْصِ وَالْحَالُ عِنْدَهُ فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ أَبَا دَاوُد تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةٌ كَثِيرَةٌ وَدَلِيلُ التَّغَيُّرِ غَالِبٌ، وَهُوَ مُضِيُّ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQإنَّهُ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يُخْرِجْ قَدْرَ مَا فِيهِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِ، فَذَلِكَ الْخَارِجُ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِطَهَارَةِ الْحَوْضِ فَكَذَا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَارِجَ طَاهِرٌ لِحُكْمِنَا بِطَهَارَةِ الْحَوْضِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ، وَإِنْ رَفَعَ إنْسَانٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي خَرَجَ وَتَوَضَّأَ بِهِ جَازَ اهـ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهَذِهِ صِفَتُهَا فِي زَمَنِ أَبِي دَاوُد وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ هَكَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ إلْقَاءَ الْعَذِرَةِ وَالْجِيَفِ وَخُرُوقِ الْحُيَّضِ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ كَانَ عَادَةً وَتَعَمُّدًا، وَهَذَا لَا يُظَنُّ بِذِمِّيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ فَضْلًا عَنْ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَزَلْ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ تَنْزِيهُ الْمَاءِ وَصَوْنُهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَهُمْ أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ الدِّينِ وَأَفْضَلُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَاءُ بِبِلَادِهِمْ أَعَزُّ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ أَمَسُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَنِيعَهُمْ بِالْمَاءِ وَامْتِهَانُهُمْ لَهُ وَقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَغَوَّطَ فِي مَوَارِدِ الْمَاءِ وَمَشَارِعِهِ» فَكَيْفَ مَنْ اتَّخَذَ عُيُونَ الْمَاءِ وَمَنَابِعَهُ مَطْرَحَ الْأَنْجَاسِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ مَوْضِعُهَا فِي حُدُورٍ مِنْ الْأَرْضِ وَكَانَتْ السُّيُولُ تَمْسَحُ هَذِهِ الْأَقْذَارَ مِنْ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَتَحْمِلُهَا فَتُلْقِيهَا فِيهِ، وَكَانَ الْمَاءُ لِكَثْرَتِهِ وَغَزَارَتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَكَانَ جَوَابُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُمْ إنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الَّذِي صِفَتُهُ هَذِهِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْغَزَارَةِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ إنَّمَا وَقَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَالْجَوَابُ إنَّمَا يَقَعُ عَنْهُ اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَقْطَعِ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرٍ هَذِهِ صِفَتُهَا مَعَ نَزَاهَتِهِ وَإِيثَارِهِ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ وَنَهْيِهِ عَنْ الِامْتِخَاطِ فِي الْمَاءِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَشَكَّ الْمُسْلِمُونَ فِي أَمْرِهَا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ النَّزْحِ اهـ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَنَّهُ لَا يَبْقَى نَجِسًا بَعْدَ إخْرَاجِ النَّجَاسَةِ مِنْهُ بِالنَّزْحِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى حَالِ كَوْنِ النَّجَاسَةِ فِيهَا، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ حِيطَانَ الْبِئْرِ لَمْ تُغْسَلْ وَطِينُهَا لَمْ يُخْرَجْ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ يُعْفَى لِلضَّرُورَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ، فَإِنْ قِيلَ الْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَهُوَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهُوَ بِئْرُ بُضَاعَةَ فَكَيْفَ خَصَّ هَذَا الْعُمُومَ بِوُرُودِهِ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ قُلْنَا إنَّمَا لَا يُخَصُّ عُمُومُ اللَّفْظِ بِسَبَبِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُخَصِّصُ مِثْلَهُ فِي الْقُوَّةِ، وَهَاهُنَا قَدْ وَرَدَ مَا يُخَصِّصُهُ، وَهُوَ يُسَاوِيهِ فِي الْقُوَّةِ، وَهُوَ حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ، وَحَدِيثُ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» ، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهُ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ لَا مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ؛ وَلِأَنَّا مَا خَصَّصْنَاهُ بِبِئْرِ بُضَاعَةَ بَلْ عَدَّيْنَا حُكْمَهُ مِنْهَا إلَى مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي، وَتَرْكُ عُمُومِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ وَاجِبٌ كَذَا ذَكَرَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ وَصَاحِبُ الْمِعْرَاجِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ تَنَجُّسُ الْمَاءِ الدَّائِمِ فِي الْجُمْلَةِ لَا كُلُّ مَاءٍ إذْ لَيْسَتْ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِتَغَيُّرِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَاءِ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَعَدَمُ تَنَجُّسِ الْمَاءِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِحَسَبِ مَا هُوَ الْمُرَادُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا تَعَارَضَ بَيْنَ مَفْهُومَيْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ الْيَدِ نَجِسَةً بَلْ ذَلِكَ تَعْلِيلٌ مِنَّا لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ أَعْنِي تَعْلِيلَهُ بِتَنَجُّسِ الْمَاءِ عَيْنًا بِتَقْدِيرِ نَجَاسَتِهِمَا لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْكَرَاهَةِ فَنَقُولُ: نَهْيٌ لِتَنْجِيسِ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُتَنَجِّسَةً بِمَا يُغَيِّرُ أَوْ لِلْكَرَاهَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا بِمَا لَا يُغَيَّرُ وَأَيْنَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ لَكِنْ يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْمُعَارِضِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ» الْحَدِيثُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْمَاءِ وَلَا يُغَيَّرُ بِالْوُلُوغِ فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الْحَمْلُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ اللَّامَ فِي حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ» لِلْعُمُومِ حَتَّى حَرُمَ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ جَمِيعًا فَاخْتَصَّتْ الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِالْقَلِيلِ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهَا حَتَّى لَمْ يَحْرُمْ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ الْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ إلَخْ) مَنْشَأُ السُّؤَالِ قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ قُلْنَا هَذَا وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَاخْتَصَّتْ الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِالْقَلِيلِ) الْمُرَادُ بِالْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ تَتِمَّةُ حَدِيثِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» ، وَهِيَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا

الْكَثِيرِ مِثْلُ الْغَدِيرِ الْعَظِيمِ هَكَذَا ذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ فَعَلَى هَذَا حَاصِلُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ تَنَجُّسُ كُلِّ مَاءٍ رَاكِدٍ فَعَارَضَ قَوْلَهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَكَوْنُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ أَمْرٌ آخَرُ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ، وَإِثْبَاتُ التَّعَارُضِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومَيْنِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَاءَ بِئْرِ بُضَاعَةَ كَانَ كَثِيرًا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ «يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا قُلْنَا هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّونَ، وَنَقَلَ ضَعْفَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ لِوَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَقْدِيرِ الْمَاءِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَضْعِيفُ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ رَوَاهُ فِي كِتَابِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ وَكَذَا ضَعَّفَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ اخْتِيَارِي وَاخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ رَأَيْتهمْ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْمَخْرَجُ، وَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كِتَابِ الْإِمَامِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَرِوَايَاتِهِ وَاخْتِلَافَ أَلْفَاظِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ إطَالَةً لَخَّصَ مِنْهَا تَضْعِيفَهُ لَهُ فَلِذَلِكَ أَضْرِبَ عَنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الْإِلْمَامِ مَعَ شِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاضْطِرَابَ وَقَعَ فِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ وَمَعْنَاهُ أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ فَمَرَّةً يَقُولُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ وَمَرَّةً عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَرَّةً يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمَرَّةً يُرْوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ اضْطِرَابًا؛ لِأَنَّ الْوَلِيدَ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمُحَمَّدَيْنِ فَحَدَّثَ مَرَّةً عَنْ أَحَدِهِمَا، وَمَرَّةً عَنْ الْآخَرِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا وَهُمَا أَيْضًا ثَبْتَانِ وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ فَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ «لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِسَنَدِهِ «سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ فَتَرِدُهُ السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ فَقَالَ: إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْكِلَابُ وَالدَّوَابُّ وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ: عَنْهُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ دَخَلْت مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بُسْتَانًا فِيهِ مَقَرُّ مَاءٍ فِيهِ جِلْدُ بَعِيرٍ مَيِّتٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقُلْت: أَتَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَفِيهِ جِلْدُ بَعِيرٍ مَيِّتٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْقَاسِمِ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يَنْجُسْ وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ جِهَةِ بِشْرِ بْنِ السُّرِّيِّ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالُوا أَرْبَعِينَ غَرْبًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا وَهَذَا الِاضْطِرَابُ يُوجِبُ الضَّعْفَ، وَإِنْ وُثِّقَتْ الرِّجَالُ. وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ أَمَّا عَنْ الشَّكِّ فِي قَوْلِهِ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، فَهِيَ مَتْرُوكَةٌ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا لَكِنَّ الطَّحَاوِيُّ أَثْبَتَهَا بِإِسْنَادِهِ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَرْبَعِينَ قُلَّةً أَوْ أَرْبَعِينَ غَرْبًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا نُقِلَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَرْبَعِينَ غَرْبًا أَيْ دَلْوًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا حَاصِلُ النَّهْيِ إلَخْ) مُرَادُهُ رَدُّ مَا قَدَّمَهُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَخْصِيصِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّعَارُضَ بِالنَّظَرِ إلَى مَفْهُومَيْهِمَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْإِجْمَاعِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ إلَخْ) قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَدَارُهُ عَلَى مَطْعُونٍ عَلَيْهِ أَوْ مُضْطَرِبٍ فِي الرِّوَايَةِ أَوْ مَوْقُوفٍ حَسْبُك أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَاهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ هُوَ إبَاضِي مَنْسُوبٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَاضٍ مِنْ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ وَاضْطِرَابُهُ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ رُوِيَ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَرُوِيَ أَرْبَعُونَ قُلَّةً وَرُوِيَ أَرْبَعُونَ غَرْبًا فَلَا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَيْنَا وَلَئِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ تَرَكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَذْهَبَهُ فِيهِ لِضَعْفِهِ كَالْغَزَالِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ

عَلَى غَيْرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مَا نَعْتَمِدُهُ فِي الْجَوَابِ. وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي مَعْنَاهُ فَذَكَرَ شَمْسٌ السَّرَخْسِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ النَّجَاسَةِ فَيَتَنَجَّسُ كَمَا يُقَالُ هُوَ لَا يَحْمِلُ الْكَلَّ أَيْ لَا يُطِيقُهُ، وَهَذَا مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَبِي دَاوُد «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» فَتُحْمَلُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَيْهَا فَمَعْنَى لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا لَمْ يَنْجُسْ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَحْسَنُ تَفْسِيرِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ حَدًّا فَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ لَكَانَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ بَاطِلًا فَإِنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يُسَاوِي الْقُلَّتَيْنِ فِي هَذَا زَادَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ هَذَا إنْ اُعْتُبِرَ مَفْهُومُ شَرْطِهِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُ شَرْطِهِ فَيَلْزَم عَدَمُ إتْمَامِ الْجَوَابِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ حُكْمَهُ إذَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَالسُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ كَيْفَمَا كَانَ وَالنَّوَوِيُّ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ حُجَّةٌ لَكِنْ قَالَ الْخَبَّازِيُّ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ يَعْنِي انْتِقَاصًا لَا ازْدِيَادًا، فَإِنْ قِيلَ فَمَا فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، فَهُوَ أَيْضًا يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِهِ بِالْقُلَّتَيْنِ قِيلَ لَهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ كَانَ يُوحِي إلَيْهِ بِأَنَّ مُجْتَهِدًا سَيَجِيءُ وَيَقُولُ بِأَنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدًّا لِذَلِكَ الْقَوْلِ اهـ. وَهُوَ كَمَا تَرَى فِي غَايَةِ الْبُعْدِ قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الِاضْطِرَابُ فِي مَعْنَى الْقُلَّةِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ عَلَى الْجَرَّةِ وَالْقِرْبَةِ وَرَأْسِ الْجَبَلِ وَمَا فَسَّرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مُنْقَطِعٌ لِلْجَهَالَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ بِقِلَالِ هَجَرَ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ تُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا فَإِذَا كَانَ خَمْسَ قِرَبٍ كِبَارٍ كَقِرَبِ الْحِجَازِ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ وَهَجَرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ضَعِيفٌ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ قُلْت مَنْ صَحَّحَهُ اعْتَمَدَ بَعْضَ طُرُقِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى أَلْفَاظِهِ وَمَفْهُومِهَا إذْ لَيْسَ هَذَا وَظِيفَةَ الْمُحَدِّثِ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْفَقِيهِ إذْ غَرَضُهُ بَعْدَ صِحَّةِ الثُّبُوتِ الْفَتْوَى وَالْعَمَلُ بِالْمَدْلُولِ، وَقَدْ بَالَغَ الْحَافِظُ عَالِمُ الْعَرَبِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي تَضْعِيفِهِ وَقَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ غَلِطَ فِي رَفْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: زَادَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) أَيْ زَادَ وَجْهًا آخَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومَ شَرْطٍ يَلْزَمُ عَدَمُ إتْمَامِ الْجَوَابِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَعْنِي اعْتِبَارَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ فَهُوَ حَاصِلُ الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَجْهَ الثَّانِيَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ لِكَوْنِ النَّوَوِيِّ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ هَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ لَا فِيمَا دُونَهُمَا كَمَا هُوَ مَبْنَى اعْتِرَاضِ النَّوَوِيِّ: الثَّانِي: فَإِنَّ مَا دُونَهُمَا يُنَجَّسُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] فَإِذَا تَنَجَّسَ مَا كَانَ قُلَّتَيْنِ فَبِالْأَوْلَى تَنَجَّسَ مَا دُونَهُمَا فَلَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ بَلْ الدَّاخِلُ فِيهِ الزَّائِدُ عَلَيْهِمَا أَيْ يُفْهَمُ مِنْهُ ثُمَّ مَا زَادَ لَا يُنَجَّسُ فَلَا يُنَاسِبُ الْحَنَفِيَّ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ أَعْنِي أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ النَّجَاسَةِ إذْ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ نَجَاسَةِ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ غَدِيرًا، وَهَذَا كَمَا تَرَى غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَقَوْلُهُ هَذَا إنْ اُعْتُبِرَ مَفْهُومُ شَرْطِهِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ غَيْرُ صَوَابٍ فَكَانَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ وَجْهًا مُسْتَقِلًّا وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ تَوْضِيحًا لِمَا قُلْنَا فَنَقُولُ قَالَ فِي الْفَتْحِ مُعْتَرِضًا عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا عَدَمُ إتْمَامِ الْجَوَابِ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُ شَرْطِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ حُكْمُهُ إذَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَالسُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ كَيْفَ كَانَ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ لِيَتِمَّ الْجَوَابُ وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ لَا إنْ زَادَ فَإِنْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ هُنَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَيْ لَا يَلْزَمَ إخْلَاءُ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ الْمُطَابِقِ كَانَ الثَّابِتُ بِهِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ إذْ لَمْ نَقُلْ بِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى قُلَّتَيْنِ شَيْئًا مَا لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الْإِيرَادَ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا بَلْ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِهِ هُنَا لِدَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ عَلِمْته فَتَبَصَّرْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ الْخَبَّازِيُّ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ كَثِيرًا ثُمَّ انْتَقَصَ، وَصَارَ قُلَّتَيْنِ ضَعُفَ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ فَيَتَنَجَّسُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِدْرَاكًا عَلَيْهِ نَعَمْ يَصْلُحُ اسْتِدْرَاكًا عَلَى مَا رَدَّ بِهِ صَاحِبُ الْفَتْحِ الْوَجْهَ الثَّانِيَ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُ بِهِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ وَيَكُونُ مَا بِهِ الِاسْتِدْرَاكُ مُسْتَفَادًا مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قِيلَ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ لَا يَرِدُ عَلَيْنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ نَجِسًا حَيْثُ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّجَاسَةِ بِالْقُلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِذَلِكَ لِفَائِدَةِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَيَقُولُ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ، وَاَلَّذِي أَوْقَعَ الشَّارِحَ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِصَارُهُ عِبَارَةَ الْفَتْحِ.

الْحَدِيثِ وَعَزَوْهُ إلَى ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ دَائِمًا يُفْتِي النَّاسَ وَيُحَدِّثُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا عِنْدَ سَالِمٍ ابْنِهِ وَنَافِعٍ مَوْلَاهُ، وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ لَا سَالِمٌ وَلَا نَافِعٌ وَلَا عَمِلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَذُكِرَ عَنْ التَّابِعِينَ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى فِيهَا، وَلَا يَنْقُلُهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَّا رِوَايَةً مُخْتَلِفَةً مُضْطَرِبَةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلَا أَهْلِ الشَّامِ وَلَا أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْكَلَامَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ وَلَا يَضُرُّ الْحَافِظَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ لِضَعْفِهِ وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ بِأَنَّ حَدَّهَا هُوَ مَا حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ وَحَرَّمَ مُخَالَفَتَهُ وَحَدُّهُمْ يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ مُخَالِفٌ حَدَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ حَدٌّ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا ضَبْطَ فِيهِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا صِرْنَا إلَيْهِ يَشْهَدُ لَهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ أَمَّا الشَّرْعُ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّا نَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا وَالظَّنُّ كَالْيَقِينِ فَقَدْ اسْتَعْمَلْنَا الْمَاءَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَقِينًا وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ بَلْ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ مُؤَيَّدٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيِّنًا؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَنَا، وَهُوَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرٌ وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَإِسْلَامِهِ مُتَقَدِّمٌ وَالْمُتَأَخِّرُ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمَ لَوْ ثَبَتَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَحْمَدُ لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الْقُلَّتَيْنِ بِنَفْسِهِ طَهُرَ الْمَاءُ مَعَ بَقَاءِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ نَجَاسَةُ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ وَالْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ لَا لِذَاتِهَا، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ وَلَا تَشْهَدُ لَهُ أُصُولُ الشَّرْعِ وَلَوْ أُضِيفَتْ قُلَّةٌ نَجِسَةٌ إلَى قُلَّةٍ نَجِسَةٍ عَادَتَا طَاهِرَتَيْنِ عِنْدَهُمْ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَنَجُّسِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ دُونَ كَثِيرِهَا؛ لِأَنَّهُمْ نَجَّسُوا الْقُلَّةَ الطَّاهِرَةَ بِرِطْلِ مَاءٍ نَجِسٍ، وَلَمْ يُنَجِّسُوهَا بِقُلَّةٍ نَجِسَةٍ مِنْ الْمَاءِ بَلْ طَهَّرُوهَا بِهَا، وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى تَوَلُّدِ طَاهِرٍ بِاجْتِمَاعِ نَجِسَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ كَالْجَارِي) أَيْ، وَإِنْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَالْجَارِي فَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ كَالْجَارِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْن الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يَقْتَضِي عِنْدَ كَثْرَةِ الْمَاءِ عَدَمَ التَّنَجُّسِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَهُوَ أَيْضًا الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصُحِّحَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُفِيدُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْقُدُورِيِّ بِقَوْلِهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَطَهُ النَّجَسُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ جَارِيًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: فَعَلَى هَذَا إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَّا كَالْجَارِي فَإِذَا تَنَجَّسَ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ مِنْ الْجَارِي فَمِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَتَنَجَّسَ وَفِي الْبَدَائِعِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَلَكِنْ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتْرُكُ مِنْ مَوْضِع النَّجَاسَةِ قَدْرَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِالنَّجَاسَةِ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَشَكَكْنَا فِيمَا وَرَاءَهُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ اسْتَنْجَى فِي مَوْضِعٍ مِنْ حَوْضٍ لَا يُجْزِيه أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلِ تَحْرِيكِ الْمَاءِ، وَلَوْ وَقَعَتْ الْجِيفَةُ فِي وَسَطِ الْحَوْضِ عَلَى قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إنْ كَانَ بَيْنَ الْجِيفَةِ وَبَيْنَ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ الْحَوْضِ مِقْدَارُ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ بِأَنْ بَالَ إنْسَانٌ أَوْ اغْتَسَلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي) أَيْ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ لَكِنَّهُ ذَكَرَ عِبَارَةَ النِّصَابِ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْجَارِي (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ إلَخْ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ مَا عُلِمَ فِيهِ النَّجَسُ بِأَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ لَا مُجَرَّدُ الْمُخَالَطَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَوْ جَارِيًا إذْ لَوْ كَانَ جَارِيًا وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَسِ كَيْفَ يَكُونُ الصَّحِيحُ عَدَمَ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ فَتَدَبَّرْ ثُمَّ رَأَيْت فِي الشرنبلالية ذِكْرُ مَا قُلْته وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

جُنُبٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ مَشَايِخُ: الْعِرَاقِ إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَرْئِيَّةِ حَتَّى لَا يَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ بِخِلَافِ الْجَارِي وَمَشَايِخُنَا مِمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ كَمَا قَالُوا جَمِيعًا فِي الْمَاءِ الْجَارِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَرْئِيَّةِ لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكَان وَاحِدٍ بَلْ يَنْتَقِلُ لِكَوْنِهِ مَائِعًا سَيَّالًا بِطَبْعِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِنْ بِالنَّجَاسَةِ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَرْئِيَّةِ اهـ. وَهَكَذَا مَشَى قَاضِي خان أَنَّهُ يَتْرُكُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ قَدْرَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ وَقُدِّرَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ بِأَرْبَعِ أَذْرُعٍ فِي أَرْبَعٍ وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ يُحَرِّكُ الْمَاءَ بِيَدِهِ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ، فَإِنْ تَحَرَّكَتْ النَّجَاسَةُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَحَرَّى فِي ذَلِكَ إنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَخْلُصْ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ تَوَضَّأَ وَشَرِبَ مِنْهُ قَالَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ وَاخْتَارَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى لِعُمُومِ الْبَلْوَى حَتَّى قَالُوا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ قَبْلَ التَّحْرِيكِ. (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ) أَيْ الْمَاءُ الْجَارِي مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُشْتَغِلِينَ أَنَّ هَذَا الْحَدَّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْجَمَلُ وَالسَّفِينَةُ، فَإِنَّهُمَا يَذْهَبَانِ بِتِبْنٍ كَثِيرٍ وَمَنْشَأُ التَّوَهُّمِ أَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ فِي كَلَامِهِ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهَا فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ قَالَ الْكَلَامُ مَا يَتَضَمَّنُ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ فَقِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْوَرَقَةُ وَالْحَجَرُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ كَلِمَتَانِ فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُمَا أَنَّ مَا لَيْسَتْ مَوْصُولَةً، وَإِنَّمَا هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ فَالْمَعْنَى الْجَارِي مَاءٌ بِالْمَدِّ يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ وَالْكَلَامُ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ كَلِمَتَيْنِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجَارِي عَلَى أَقْوَالٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالتَّبْيِينِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ (قَوْلُهُ: فَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوعِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَرَ أَثَرَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَثَرَ النَّجِسِ فِيهِ وَرَأَى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى عَلِمَ قَالَ الشَّاعِرُ رَأَيْت اللَّهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ لَا تَعَلُّقَ لِلْبَصَرِ بِهِمَا، وَإِنَّمَا الطَّعْمُ لِلذَّوْقِ وَالرَّائِحَةُ لِلشَّمِّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ) أَيْ الْأَثَرُ مَا ذُكِرَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ إنْ ظَهَرَ أَثَرُهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِلَّا جَازَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَثَرِ دَلِيلُ وُجُودِ النَّجَاسَةِ، فَكُلُّ مَا تَيَقَّنَّا فِيهِ نَجَاسَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ جَارِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ أَنَّ الْجَارِيَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إنْ لَمْ يَرَ أَثَرَهَا سَوَاءٌ كَانَ النَّجَسُ جِيفَةً مَرْئِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، فَإِذَا بَالَ إنْسَانٌ فِيهِ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ جَازَ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْجَرْيَةِ أَثَرُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ: وَلَوْ كُسِرَتْ خَابِيَةٌ خَمْرٍ فِي الْفُرَاتِ وَرَجُلٌ يَتَوَضَّأُ أَسْفَلَ مِنْهُ فَمَا لَمْ يَجِدْ فِي الْمَاءِ طَعْمَ الْخَمْرِ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَكَذَا لَوْ اسْتَقَرَّتْ الْمَرْئِيَّةُ فِيهِ بِأَنْ كَانَتْ جِيفَةً إنْ ظَهَرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا جَازَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُشْتَغِلِينَ إلَخْ) قِيلَ هُوَ عَلِيٌّ الرُّومِيُّ شَيْخُ الْمَدْرَسَةِ الْأَشْرَفِيَّةِ أَوْرَدَ الرَّدَّ فَضَحِكَ مِنْهُ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ بِقَائِلِهِ وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْهُ بَلْ الْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ هُنَا (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُمَا أَنَّ مَا لَيْسَتْ مَوْصُولَةً وَإِنَّمَا هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ) أَقُولُ: النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ هِيَ الَّتِي تُقَدَّرُ بِقَوْلِك شَيْءٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ فَمَا وَرَدَ عَلَى كَوْنِهَا مَوْصُولَةً يَرِدُ عَلَى كَوْنِهَا مَوْصُوفَةً بِالْأَوْلَى وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ فَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لَهُ وَيَجُوزُ تَقْدِيرهَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً لَكِنْ مَعَ تَخْصِيصِ لَفْظِ شَيْءٍ أَيْ وَالْمَاءُ الْجَارِي شَيْءٌ مِنْ الْمَاءِ يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَأَنَّ الْإِيرَادَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ إذْ لَا يَخْطِرُ فِي بَالِ عَاقِلٍ فَضْلًا عَنْ فَاضِلٍ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَاءِ الرَّاكِدِ) أَقُولُ: هَذَا هُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَارِيَ لَمْ يُذْكَرْ مَقْصُودًا بَلْ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ الْمَاءُ الدَّائِمُ وَالْجَارِي ذُكِرَ مُعْتَرِضًا فِي الْبَيْنِ فَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا بِعَشْرٍ أَيْ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا بِعَشْرٍ فَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَرَ أَثَرَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا إلَخْ) سَبَقَهُ إلَى هَذَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّهْرِ فَقَالَ مُعْتَرِضًا عَلَى الْعِنَايَةِ حَيْثُ فَسَّرَ يَرَى بِيُبْصِرُ فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ، وَهُوَ طَعْمٌ إلَخْ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَلْ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهَا أَثَرٌ بِالطَّرِيقِ الْمَوْضُوعِ لِعِلْمِهِ كَالذَّوْقِ وَالشَّمِّ وَالْإِبْصَارِ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِبْصَارَ بِالْبَصِيرَةِ كَمَا حَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ فِي قَوْله تَعَالَى {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَفْسِيرَ الرُّؤْيَةِ بِالْإِبْصَارِ ثُمَّ ادِّعَاءُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِبْصَارُ بِالْبَصِيرَةِ خِلَاف الظَّاهِرِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَفَسَّرَهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْعِلْمِ.

سَوَاءٌ أَخَذَتْ الْجِيفَةَ الْجَرْيَةُ أَوْ نِصْفَهَا إنَّمَا الْعِبْرَةُ لِظُهُورِ الْأَثَرِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْيَنَابِيعِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي سَاقِيَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا كَلْبٌ مَيِّتٌ سَدَّ عَرْضَهَا فَيَجْرِي الْمَاءُ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ أَسْفَلَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فِيهَا أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ خَاصَّةً أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَسْفَلَ مِنْ الْكَلْبِ اهـ. مَا فِي الْيَنَابِيعِ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْفَتَاوَى كَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالتَّجْنِيسِ والْوَلْوَالِجِيِّ وَالْخُلَاصَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْجِيفَةِ أَمَّا فِي الْجِيفَةِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ يَجْرِي عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ يَجُوزُ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ فَالْقِيَاسُ الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَنَظِيرُ هَذَا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا جَرَى فِي مِيزَابٍ مِنْ السَّطْحِ، وَكَانَ عَلَى السَّطْحِ عَذِرَةٌ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَجْرِي عَلَى غَيْرِ الْعَذِرَةِ أَكْثَرُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَذِرَةُ عِنْدَ الْمِيزَابِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ يُلَاقِي الْعَذِرَةَ فَهُوَ نَجَسٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ لَا يُلَاقِي الْعَذِرَةَ فَهُوَ طَاهِرٌ وَكَذَا أَيْضًا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا جَرَى عَلَى عَذِرَاتٍ وَاسْتَنْقَعَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِظُهُورِ الْأَثَرِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ، وَهُوَ قَوْلُهُ «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» لَمَّا حُمِلَ عَلَى الْجَارِي كَانَ مُقْتَضَاهُ جَوَازَ التَّوَضُّؤِ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَإِنْ أَخَذَتْ الْجِيفَةُ أَكْثَرَ الْمَاءِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَقَوْلُهُمْ إذَا أَخَذَتْ الْجِيفَةُ أَكْثَرَ الْمَاءِ أَوْ نِصْفَهُ لَا يَجُوزُ يَحْتَاجُ إلَى مُخَصِّصٍ قَالَ وَيُوَافِقُهُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ نَقَلْنَاهُ عَنْ الْيَنَابِيعِ وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي رِسَالَتِهِ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ. لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْأَوْجَهُ مَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَقَدْ صَحَّحَهُ فِي التَّجْنِيسِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إنَّمَا قَالُوا بِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إذَا لَمْ يَرَ أَثَرَهَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ ذَهَبَ بِعَيْنِهَا وَلَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا مَوْجُودَةً فَجَازَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَمَّا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جِيفَةً، وَكَانَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى أَكْثَرِهَا أَوْ نِصْفِهَا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ مَا تَيَقَّنَّا وُجُودَ النَّجَاسَةِ فِيهِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا وُجُودُهَا فِيهِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فَكَانَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا حُمِلَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَجْلِ أَنَّهُ عِنْدَ التَّغَيُّرِ تَيَقَّنَ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ كَانَ التَّغَيُّرُ دَلِيلَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ أَمَّا فِي الْجِيفَةِ فَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الَّتِي هِيَ فِيهِ أَوْ أَكْثَرُهَا أَوْ نِصْفُهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ التَّغَيُّرِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ لَمَّا كَانَ عَلَامَةً عَلَى وُجُودِ النَّجَاسَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاؤُهُ فَكَانَ الْإِجْمَاعُ مُخَصِّصًا لِلْحَدِيثِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ لَمَّا كَانَ عَلَامَةً عَلَى وُجُودِ النَّجَاسَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاؤُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْجَارِيَ، وَمَا فِي حُكْمِهِ لَا يَتَأَثَّرُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا فِيهِ فَمُجَرَّدُ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَإِلَّا لَاسْتَوَى الْحَالُ بَيْنَ جَرْيِهِ عَلَى الْأَكْثَرِ أَوْ الْأَقَلِّ فَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْجَهُ اهـ. وَأَقُولُ: لَا يَخْفَى مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَقَلُّ جَارِيًا عَلَى الْجِيفَةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ بِوُجُودِهَا وَلَكِنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مَثَلًا لَمْ يَحْصُلْ التَّيَقُّنُ بِكَوْنِهِ جَرَى عَلَيْهَا بَلْ وَلَا غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ بَلْ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِاسْتِعْمَالِ مَا جَرَى عَلَيْهَا بِدَلِيلِ التَّفْرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ لَكِنَّهُ مُرَادٌ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ لِشَيْخِ شُيُوخِ مَشَايِخِنَا الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِكَلَامِ النَّهْرِ قُلْت نَعَمْ مُجَرَّدُ التَّيَقُّنِ بِالنَّجَاسَةِ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَكِنَّ هَذَا فِي نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ فِي الْمَاءِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ إذَا تَيَقَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ فَلَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْأَثَرُ، وَأَمَّا فِي نَحْوِ الْجِيفَةِ الْمَرْئِيَّةِ الْمُتَحَقِّقَةِ أَيْ احْتِيَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ الْأَثَرِ مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِهَا فِي الْمَاءِ فَمَا فِي الْبَحْرِ أَوْجَهُ اهـ. قُلْت: وَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ مَا قُلْنَاهُ لِيَتِمَّ الْجَوَابُ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يَكْفِي وَبَعْدَ هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبِعَ فِيهِ مَا فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ مَا فِي الْمُتُونِ اعْتِبَارَ ظُهُورِ الْأَثَرِ مُطْلَقًا وَمِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ وَمَا فِي الشُّرُوحِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ وَقَدْ مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ قَالَ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ عَنْ النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. (تَنْبِيهٌ) : هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ لَا بَأْسَ بِالتَّعَرُّضِ لَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرِهَا طُولًا لِاغْتِفَارِهِ بِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فَنَقُولُ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ مُفْتِي دِمَشْقَ فِي كِتَابِهِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ: مَسْأَلَةٌ: قَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى فِي الْخِزَانَةِ مَاءُ الثَّلْجِ إذَا جَرَى عَلَى طَرِيقٍ فِيهِ سِرْقِينٌ وَنَجَاسَةٌ إنْ تَغَيَّبَتْ النَّجَاسَةُ وَاخْتَلَطَتْ حَتَّى لَا يُرَى أَثَرُهَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ جَمِيعُ بَطْنِ النَّهْرِ نَجِسًا، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يُرَى فَهُوَ نَجِسٌ وَفِي الْمُلْتَقَطِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمَاءُ طَاهِرٌ، وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ جَارِيًا قُلْت وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ يُسْتَأْنَسُ بِهَا لِمَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي بِلَادِنَا مِنْ اعْتِيَادِهِمْ إجْرَاءَ الْمَاءِ بِسِرْقِينِ الدَّوَابِّ فَلْتُحْفَظْ، فَإِنَّهَا أَقْرَبُ مَا ظَفِرْنَا بِهِ

وَمَا قُلْنَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُمْ إذَا أَخَذَتْ الْجِيفَةُ أَقَلَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ إذَا أَخَذَتْ الْجِيفَةُ الْأَكْثَرَ أَوْ النِّصْفَ لَا يَجُوزُ يَعْنُونَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا التَّوَضُّؤُ فِي عَيْنٍ وَالْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ خُرُوجِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْرُهُ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ فَأَقَلَّ وَإِنْ كَانَ خَمْسًا فِي خَمْسٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَاخْتَارَ السَّعْدِيُّ جَوَازَهُ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَخْرُجُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ قَبْلَ تَكَرُّرِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْمِسَاحَةِ أَوْ لَا وَهَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي ذَلِكَ بَعْدَ التَّنْقِيبِ وَالتَّنْقِيرِ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ وَلَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ وَغَيْرُهُ فِي فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَعْذُورِ وَعَدَمِ الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسَ إلَّا بِالِانْفِصَالِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّمَا لَاقَى النَّجَاسَةَ يَنْجُسُ وَبِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ وَكُلَّمَا يَعْسُرُ صَوْنُهُ عَنْهُ اهـ. وَقَدْ أَطَالَ هُنَا سَيِّدِي الْعَارِفُ فِي شَرْحِهِ وَلَكِنْ أَذْكُرُ مِنْهُ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ فَنَقُولُ السِّرْقِينُ هُوَ الزِّبْلُ وَمَعْنَى كَوْنِ النَّجَاسَةِ تَغَيَّبَتْ عَدَمُ ظُهُورِ أَثَرِهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمَدَدِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ لَا تُرَى النَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ فِي بَطْنِ النَّهْرِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ تُرَى وَالْمَاءُ يَمُرُّ عَلَيْهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجِيفَةِ وَمُقْتَضَاهُ نَجَاسَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُلْتَقَطِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَاءِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَيَكُونُ هَذَا كَالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِيفَةِ النَّاظِرِ إلَى ظُهُورِ الْأَثَرِ وَعَدَمِهِ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ تَغَيُّرُ أَحَدِ الْأَوْصَافِ بِنَجَاسَةِ السِّرْقِينِ وَعَدَمِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ السِّرْقِينَ فِي مَقْسِمِ الْمَاءِ إلَى الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا الْمُسَمَّى بِالطَّالِعِ وَجَرَى مَعَ الْمَاءِ فِي الْقَسَاطِلِ فَالْمَاءُ نَجِسٌ فَإِذَا رَكَدَ الزِّبْلُ فِي وَسَطِ الْقَسَاطِلِ وَجَرَى الْمَاءُ صَافِيًا كَانَ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ مَا لَوْ جَرَى مَاءُ الثَّلْجِ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ كَانَ بَطْنُ النَّهْرِ نَجَسًا وَجَرَى الْمَاءُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ طَاهِرٌ كُلُّهُ وَكَذَلِكَ هَذَا فَإِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى الْحِيَاضِ فِي الْبُيُوتِ، فَإِنْ وَصَلَ مُتَغَيِّرَ أَحَدِ الْأَوْصَافِ بِالزِّبْلِ أَوْ عَيْنُ الزِّبْلِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ فَهُوَ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي حَوْضٍ دُونَ الْقَدْرِ الْكَثِيرِ فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ صَفَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَوْضِ وَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ نَجَسٌ وَالْمَاءُ النَّجِسُ لَا يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَكَدَ الزِّبْلُ فِي أَسْفَلِهِ، وَإِنْ اسْتَقَرَّ فِي حَوْضٍ كَبِيرٍ فَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا مَا دَامَ مُتَغَيِّرًا أَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا وَأَمَّا إذَا اسْتَمَرَّ الْمَاءُ جَارِيًا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ أَتَى الْمَاءُ صَافِيًا وَزَالَ تَغَيُّرُ الْحَوْضِ بِذَلِكَ الْمَاءِ الصَّافِي، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ الْمَاءُ كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَوْضُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَإِنْ كَانَ الزِّبْلُ فِي أَسْفَلِهِ رَاكِدًا مَا دَامَ الْمَاءُ الصَّافِي فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ يَدْخُلُ مِنْ مَكَان وَيَخْرُجُ مِنْ مَكَان فَإِذَا انْقَطَعَ الْجَرَيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْحَوْضُ صَغِيرًا وَالزِّبْلُ فِي أَسْفَلِهِ رَاكِدًا فَالْحَوْضُ نَجِسٌ إلَى أَنْ يَصِيرَ الزِّبْلُ الَّذِي فِي أَسْفَلِهِ حَمْأَةً، وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا حِينَئِذٍ، وَإِذَا كَانَ الْحَوْضُ كَبِيرًا فَالْأَمْرُ فِيهِ يَسِيرُ هَذَا مَا نُعَامَل بِهِ أَنْفُسَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ اُبْتُلِينَا بِهَا وَلَمْ نَجِدْ فِيهَا نَقْلًا صَرِيحًا اهـ. كَلَامُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ قُلْت وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَالْحَوْضُ نَجِسٌ إلَى أَنْ يَصِيرَ الزِّبْلُ الَّذِي فِي أَسْفَلِهِ حَمْأَةٌ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا حِينَئِذٍ يَعْنِي إذَا جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ لَا بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَةِ الزِّبْلِ حَمْأَةً كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ ثُمَّ قَالَ قُدِّسَ سِرُّهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا أَنَّ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ كَائِنٌ وَإِنْ ظَهَرَ أَثَر السِّرْقِينُ فِي الْمَاءِ حَمْلًا عَلَى التَّغَيُّرِ بِالْمُكْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الضَّرُورَةُ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَنَّ أَثَرَ النَّجَاسَةِ إذَا ظَهَرَ فِي الْمَاءِ فَلَا عَفْوَ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ بِانْتِظَارِ صَفْوِ الْمَاءِ غَايَتُهُ الْعَفْوُ عَنْ النَّجَاسَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي بَاطِنِ الْقَسَاطِلِ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا صَافِيًا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَعَدَمُ تَنْجِيسِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِالزِّبْلِ النَّجِسِ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ لَا يَجْرِيَ الْمَاءُ إلَّا بِهِ لِكَوْنِهِ يَسُدُّ خُرُوقَ الْقَسَاطِلِ فَلَا يَنْفُذُ الْمَاءُ مِنْهَا وَيَبْقَى جَارِيًا فَوْقَهُ اهـ. قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ ظُهُورِ الْأَثَرِ فِي الْجَارِي يَكُونُ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَوْلِ بِالْعَفْوِ عَنْهُ بِنَاءً عَلَيْهِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ الشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ أَنْهُرِ الشَّامِ بِمَا فِيهَا مِنْ الزِّبْلِ وَلَوْ قَلِيلَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَرْيُهَا الْمُضْطَرُّ إلَيْهِ النَّاسُ إلَّا بِهِ اهـ. قَالَ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَضُرُّ إلَخْ أَنَّ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ عِنْدَهُ أَثَرُ الزِّبْلِ لَا عَيْنُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ الزِّبْلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَحَاصِلُهَا أَنَّ الرَّوْثَ وَالْخِثَى عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَاهِرَانِ وَعَنْ زُفَرَ رَوْثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ وَعَنْهُ أَيْضًا مُطْلَقًا كَمَالِكٍ ثُمَّ قَالَ وَفِي كِتَابِ الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْأَرْوَاثُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إلَّا رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ لِلْبَلْوَى، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَوْسِعَةً لِأَرْبَابِ الدَّوَابِّ فَقَلَّ مَا يَسْلَمُونَ عَنْ التَّلَطُّخِ بِالْأَرْوَاثِ وَالْأَخْثَاءِ فَتُحْفَظُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ اهـ. كَلَامُ الْمُبْتَغَى قَالَ: وَإِذَا أَرَدْت تَقْلِيدَ مَنْ يَقُولُ بِالطَّهَارَةِ فَانْظُرْ فِي شُرُوطِهِ فِي بَاقِي الْمَسْأَلَةِ وَاعْمَلْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بِالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ زُفَرَ فِي طَهَارَةِ الْأَرْوَاثِ كُلِّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهَا فِي بِلَادِنَا هَذِهِ فَلَا يَبْعُدُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ كَمَا أَفْتَى عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي

قَدَّمْنَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَأَلْحَقُوا بِهَا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهُ حَتَّى لَوْ أُدْخِلْت الْقَصْعَةُ النَّجِسَةُ وَالْيَدُ النَّجِسَةُ فِيهِ لَا تَتَنَجَّسُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ وَمَعَ ذَلِكَ تَدَارَكَ اغْتِرَافَ النَّاسِ مِنْهُ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْيَةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَدْخُلُ الْمَاءُ مِنْ الْأُنْبُوبِ وَالْغُرَفُ مُتَدَارِكٌ فَهُوَ مِنْ كَالْجَارِي وَتَفْسِيرُ الْغُرَفِ أَنْ لَا يَسْكُنَ وَجْهُ الْمَاءِ فِيمَا بَيْنَ الْغَرْفَتَيْنِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ جَرَيَانِهِ لِمَدَدٍ لَهُ كَمَا فِي الْعَيْنِ وَالنَّهْرِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي الْمَدَدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ وَفِي التَّجْنِيسِ وَالْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهِمَا الْمَاءُ الْجَارِي إذَا سُدَّ مِنْ فَوْقٍ فَتَوَضَّأَ إنْسَانٌ بِمَا يَجْرِي فِي النَّهْرِ وَقَدْ بَقِيَ جَرْيُ الْمَاءِ كَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ جَارٍ اهـ فَهَذَا يَشْهَدُ لِمَا فِي السَّرَّاجِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَنَّ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا مِنْ حَوْضٍ صَغِيرٍ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي النَّهْرِ وَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ فِي حَالِ جَرَيَانِهِ فَاجْتَمَعَ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي مَكَان وَاسْتَقَرَّ فِيهِ فَحَفَرَ رَجُلٌ آخَرُ نَهْرًا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِيهِ وَتَوَضَّأَ بِهِ فِي حَالِ جَرَيَانِهِ فَاجْتَمَعَ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي مَكَان آخَرَ أَيْضًا فَفَعَلَ رَجُلٌ ثَالِثٌ كَذَلِكَ جَازَ وُضُوءُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ حَالَ جَرَيَانِهِ وَالْمَاءُ الْجَارِي لَا يَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وُضُوءِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حُفْرَتَيْنِ يَخْرُجُ الْمَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدْخُلُ فِي الْأُخْرَى فَتَوَضَّأَ فِيمَا بَيْنَهُمَا جَازَ وَالْحَفِيرَةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا الْمَاءُ تَفْسُدُ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ كَمِيزَابٍ وَاسِعٍ وَمَعَهُ إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَكِنْ لَا يَتَيَقَّنُ ذَلِكَ مَاذَا يَصْنَعُ حَكَى عَنْ الشَّيْخِ الزَّاهِدِ أَبِي الْحَسَنِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَأْمُرُ أَحَدَ رُفَقَائِهِ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ فِي طَرَفٍ مِنْ الْمِيزَابِ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَعِنْدَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ الْمِيزَابِ إنَاءٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ فَالْمُجْتَمِعُ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ حَصَلَ فِي حَالِ جَرَيَانِهِ وَالْمَاءُ الْجَارِي لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِاسْتِعْمَالِهِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا كَانَ لَهُ مَدَدٌ كَالْعَيْنِ وَالنَّهْرِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدَدٌ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ أَنَّ النَّهْرَ إذَا سُدَّ مِنْ فَوْقٍ فَتَوَضَّأَ إنْسَانٌ بِمَا جَرَى، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَمْ يَبْقَ لِلْمَاءِ مَدَدٌ وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ اهـ. مَا ذَكَرَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَا اجْتَمَعَ فِي الْحُفَيْرَةِ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ، وَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ طَهَارَتِهِ فَلَا فَلْتُحْفَظْ لِيُفَرَّعَ عَلَيْهَا وَلَا يُفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْفُرُوعِ. (فُرُوعٌ) فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يَخَافُ فِيهِ قَذَرًا وَلَا يَتَيَقَّنُهُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ إلَى لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ وَالْأَصْلُ دَلِيلٌ يُطْلِقُ الِاسْتِعْمَالَ وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ سَأَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ صَاحِبَ الْحَوْضِ أَتَرِدُهُ السِّبَاعُ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَكَذَا إذَا وَجَدَهُ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ قَدْ يَكُونُ بِظَاهِرٍ وَقَدْ يُنْتِنُ الْمَاءُ لِلْمُكْثِ وَكَذَا الْبِئْرُ الَّذِي يُدَلِّي فِيهَا الدِّلَاءَ وَالْجِرَارَ الدَّنِسَةَ يَحْمِلُهَا الصِّغَارُ وَالْعَبِيدُ وَلَا يَعْلَمُونَ الْأَحْكَامَ وَيَمَسُّهَا الرُّسْتَاقِيُّونَ بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ مَا لَمْ تُعْلَمْ يَقِينًا النَّجَاسَةُ، وَلَوْ ظَنَّ الْمَاءَ نَجِسًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ جَازَ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ السُّؤَالِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَإِنْ سَأَلَ كَانَ أَحْوَطَ لِدِينِهِ وَعَلَى هَذَا الضَّيْفُ إذَا قُدِّمَ إلَيْهِ طَعَامٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَفِي فَوَائِدِ الرُّسْتُغْفَنِيُّ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْحَوْضِ أَفْضَلُ مِنْ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يُجِيزُونَهُ، مِنْ الْحِيَاضِ فَنُرْغِمُهُمْ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يُفِيدُ الْأَفْضَلِيَّةَ لِهَذَا الْعَارِضِ فَفِي مَكَان لَا يَتَحَقَّقُ النَّهْرُ أَفْضَلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQطَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَتَرَكُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِالنَّجَاسَةِ وَأَفْتَوْا بِقَوْلِ زُفَرَ وَحْدَهُ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ خَمْسَةً اهـ. كَلَامُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ وَاَلَّذِي يُقَوِّي مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الْبُعْدِ فِي الْفَتْوَى بِطَهَارَةِ الْأَرْوَاثِ مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْمُبْتَغَى مِنْ التَّوْسِعَةِ لِأَرْبَابِ الدَّوَابِّ وَأَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا وَلَا شَكَّ فِي الضَّرُورَةِ فِي هَذِهِ كَمَا وَسَّعَ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوَابِّ، فَإِنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِمْ لَيْسَتْ بِأَشَدَّ مِمَّا هُنَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَحَلَّاتِ مِيَاهُهَا قَلِيلَةٌ وَأَنَّ حِيَاضَهَا لَا تَكُونُ مَلْأَى دَائِمًا وَالْمَاءُ يَنْقَطِعُ تَارَةً وَيَجِيءُ أُخْرَى وَفِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ يَسْتَصْحِبُ الْمَاءُ عَيْنَ الزِّبْلِ وَيَعْسُرُ الِاسْتِعْمَالُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ سِيَّمَا عَلَى النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ فَلَا يُمَكِّنُهُنَّ الْخُرُوجُ، وَعِنْدَ قَطْعِ الْأَنْهُرِ لِكَرْيِهَا تَشْتَدُّ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْحِيَاضَ فِي أَسْفَلِهَا عَيْنُ الزِّبْلِ غَالِبًا وَيَسْتَمِرُّ انْقِطَاعُهَا أَيْ أَيَّامًا {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . (قَوْلُهُ: وَأَلْحَقُوا بِالْجَارِي حَوْضَ الْحَمَّامِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَبِالْأَوْلَى إلْحَاقُ الْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الدُّولَابُ بِبِلَادِنَا إذْ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا وَالْغَرْفُ فِيهَا بِالْقَوَادِيسِ مُتَدَارَكٌ فَوْقَ تَدَارُكِ الْغَرْفِ مِنْ حَوْضِ الْحَمَّامِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ حُكْمَ مَائِهَا حُكْمُ الْجَارِي فَلَوْ وَقَعَ فِي حَالِ الدَّوَرَانِ فِي الْبِئْرِ وَالْحَالُ هَذِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَتَنَجَّسُ تَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قِيلَ مَسْأَلَةُ الْحَوْضِ بِنَاءٌ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَتَتَّصِلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إلَى جُزْءٍ لَا يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهُ فَيَكُونُ بَاقِي الْحَوْضِ طَاهِرًا أَوْ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ هُوَ مَعْدُومٌ، فَيَكُونُ كُلُّ الْمَاءِ مُجَاوِرًا لِلنَّجَاسَةِ، فَيَكُونُ الْحَوْضُ نَجِسًا عِنْدَهُمْ وَقِيلَ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ نَظَرٌ اهـ. قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ حُبًّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الدَّارِ وَيُشْرَبُ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ قَذَرٌ وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ لِنَفْسِهِ إنَاءً يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ غَيْرُهُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَالْأَصَحُّ هُوَ الْكَرَاهَةُ. وَأَمَّا الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْخَبَّازِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ إجْمَاعًا بَلْ مَكْرُوهٌ وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ وَيُحْمَلُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ فَيَنْبَغِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إذَا وَرَدَ الرَّجُلُ مَاءً فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يُصَدَّقُ وَفِي الْمَسْتُورِ رِوَايَتَانِ اهـ. وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِرُؤْيَةِ أَثَرِ أَقْدَامِ الْوُحُوشِ عِنْدَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ سَبُعٌ مَرَّ بِالرَّكِيَّةِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ شُرْبُهُ مِنْهَا تَنَجَّسَ وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْوُحُوشَ شَرِبَتْ مِنْهُ بِدَلِيلِ الْفَرْعِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الشَّكِّ لَا يَمْنَعُ الْوُضُوءَ بِهِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَا نَقْلَهُ عَنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يَخَافُ فِيهِ قَذَرًا وَلَا يَتَيَقَّنُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ التَّيَقُّنُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَتَيَقَّنُهُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَالْخَوْفِ عَلَى الشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَفِي التَّجْنِيسِ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَاغْتَسَلَ وَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ نَعْلٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى اهـ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَحْثِ الْمُسْتَعْمَلِ (قَوْلُهُ: وَمَوْتُ مَا لَا دَمَ فِيهِ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ لَا يُنَجِّسُهُ) أَيْ مَوْتُ حَيَوَانٍ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ وَقَدْ جَعَلَ فِي الْهِدَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ أَوَّلًا مَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ قَالَ وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَوْتُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: قِيلَ فِيهِ مَسْأَلَةُ الْحَوْضِ بِنَاءً عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ إلَخْ) بَيَانُ ذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِسَيِّدِنَا الْأُسْتَاذِ عَبْدِ الْغَنِيِّ أَنَّ الْأَجْسَامَ الْمُرَكَّبَةَ كَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَنَحْوِهِمَا هُمْ يَقُولُونَ إنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْهَيُولَى، وَهِيَ الْمَادَّةُ الْكُلِّيَّةُ وَمِنْ الصُّورَةِ، وَهِيَ التَّعَيُّنُ الْجُزْئِيُّ فَقَطْ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ مَاءُ الْحَوْضِ كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مُتَّصِلًا وَاحِدًا فَلَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ صَارَ جَمِيعُهُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ لِكَوْنِهِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى كَلِمَتَهُمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَنَّ الْأَجْسَامَ كُلَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لَا وَهْمًا وَلَا فَرْضًا كَمَا قُرِّرَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ فِي كُلِّ جِسْمٍ مُرَكَّبٌ أَيُّ جِسْمٍ كَانَ نَوْعٌ مِنْ النَّارِ وَنَوْعٌ مِنْ الْهَوَاءِ وَنَوْعٌ مِنْ الْمَاءِ وَنَوْعٌ مِنْ التُّرَابِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَرْكِيبَ جِسْمٍ مِنْ الْأَجْسَامِ جَمَعَ بِيَدِ قُدْرَتِهِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ أَجْزَاءً صِغَارًا مُتَلَاصِقَةً وَضَمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ بِتَدْبِيرٍ إلَهِيٍّ خَاصٍّ فَتَكُونُ جِسْمًا ثُمَّ إذَا أَرَادَ إعْدَامَ ذَلِكَ الْجِسْمِ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ فَيَذْهَبُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ إلَى جِنْسِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَعَادَ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّرْكِيبِ، وَهَذَا هُوَ الْبَعْثُ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْقَطْعِيَّةُ ثُمَّ إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ مُرَكَّبٌ أَيْضًا مِنْ أَجْزَاءٍ صِغَارٍ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مُتَلَاصِقَةٍ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِحَيْثُ تَظْهَرُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَتَتَّصِلُ وَتَنْقَطِعُ لِشِدَّةِ مُنَاسَبَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ وَلَكِنْ لَا تُشْبِهُ أَجْزَاءُ هَذَا النَّوْعِ أَجْزَاءَ النَّوْعِ الْآخَرِ فَالْمَاءُ أَجْزَاءٌ صِغَارٌ مُتَلَاصِقَةٌ مُتَنَاسِبَةٌ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَيَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الْهَوَاءُ وَالنَّارُ وَالتُّرَابُ فَلَوْ تَوَضَّأَ أَحَدٌ بِالْمَاءِ حَتَّى صَارَ بَعْضُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ مُسْتَعْمَلًا لَا يَلْزَمُ أَنْ تَصِيرَ بَقِيَّةُ الْأَجْزَاءِ مُسْتَعْمَلَةً كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ عِنْدَنَا لَيْسَ شَيْئًا وَاحِدًا إلَّا بِحَسَبِ ظَاهِرِ الصُّورَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَجْزَاءِ الصِّغَارِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مُتَنَاهِيَةٍ تَنْفَصِلُ وَتَتَّصِلُ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ الْجَمِيعِ بَلْ الْبَعْضُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَجْزَاءَ فِي كُلِّ مُرَكَّبٍ مُتَنَاهِيَةٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْإِلْزَامُ أَنْ يَدْخُلَ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ التَّسَلْسُلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ نَظَرٌ) أَيْ فِي تَقْرِيرِ ابْتِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ مِنْ حَيْثُ التَّعْبِيرُ بِالنَّجَاسَةِ، فَإِنَّا إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ صَغِيرًا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَنَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ غَدِيرًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْجَارِي عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ قَطْرَةُ بَوْلٍ يَكُونُ الْحَوْضُ نَجِسًا لِمُجَاوَرَةِ الْمَاءِ لِلنَّجَاسَةِ، وَهَلْ هُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[موت حيوان ليس له دم سائل في الماء القليل]

مَا لَا دَمَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ لَا دَمَ لَهُ فَكَانَ الْأَنْسَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَيْثُ الِاخْتِصَارُ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ وَالْمَعَاشِ وَلَهُ دَمٌ سَائِلٌ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِهِ فَلِذَا فَرَّقَ فِي الْهِدَايَةِ بَيْنَهُمَا وَنَقَلَ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا فِي السَّمَكِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُولَى ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ كَقَوْلِنَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا أَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الشَّافِعِيَّ، وَإِذَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ صَارَ حُجَّةً عَلَى مَا بَعْدَهُ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِغَيْرِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ مُخَالَفَتِهِ لَا يَكُونُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ الْإِمَامُ التَّابِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» وَمَعْنَى اُمْقُلُوهُ اغْمِسُوهُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يَكُونُ حَارًّا فَيَمُوتُ بِالْغَمْسِ فِيهِ فَلَوْ كَانَ يُفْسِدُهُ لَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَمْسِهِ لِيَكُونَ شِفَاءً لَنَا إذَا أَكَلْنَاهُ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الذُّبَابِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ بِمَعْنَاهُ كَالْبَقِّ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَالْبَعُوضِ وَالْجَرَادِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالنَّحْلِ وَالنَّمْلِ وَالصَّرْصَرِ وَالْجِعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْبُرْغُوثِ وَالْقُمَّلِ إمَّا بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَقَالَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّوَاءُ وَالشِّفَاءُ فِي جَنَاحَيْ الذُّبَابَةِ وَكَيْفَ تَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى تُقَدِّمَ جَنَاحَ الدَّاءِ قَالَ: وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ وَاَلَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ عَامَّةِ الْحَيَوَانِ قَدْ جُمِعَ فِيهَا الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ، وَهِيَ أَشْيَاءُ مُتَضَادَّةٌ إذَا تَلَاقَتْ تَفَاسَدَتْ ثُمَّ يَرَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَلَّفَ بَيْنَهَا وَجَعَلَهَا سَبَبًا لِبَقَاءِ الْحَيَوَانِ وَصَلَاحِهِ لَجَدِيرٌ أَنْ لَا يُنْكِرَ اجْتِمَاعَ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ فِي جُزْأَيْنِ مِنْ حَيَوَانٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَةَ اتِّخَاذَ بَيْتٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَتَعْسِلُ فِيهِ وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ كَسْبَ قُوتِهَا وَادِّخَارَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إلَيْهِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ وَالِامْتِحَانِ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ وَلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أَوَّلُو الْأَلْبَابِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهِ دَاءُ الْكِبْرِ وَالتَّرَفُّعِ عَنْ اسْتِبَاحَةِ مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ وَأَحَلَّتْهُ السُّنَّةُ الْمُعَظَّمَةُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَقْلِهِ دَفْعًا لِلتَّكَبُّرِ وَالتَّرَفُّعِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخْرِجُ الْجَنَاحَيْنِ وَالشِّفَاءَ عَنْ الْفَائِدَةِ كَذَا ذَكَرَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ. وَاسْتَدَلَّ مَشَايِخُنَا أَيْضًا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا عَنْ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «قَالَ يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَوُضُوءُهُ» قَالَ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَخْرَجُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا بَقِيَّةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الزُّبَيْدِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَأَعَلَّهُ بِسَعِيدٍ هَذَا وَقَالَ هُوَ شَيْخٌ مَجْهُولٌ وَحَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ: فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَدُفِعَا بِأَنَّ بَقِيَّةَ هَذَا هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ الْحَمَّادَيْنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَشُعْبَةَ وَنَاهِيك بِشُعْبَةَ وَاحْتِيَاطِهِ قَالَ يَحْيَى كَانَ شُعْبَةُ مُبَجِّلًا لَبَقِيَّةَ حَيْثُ قَدِمَ بَغْدَادَ وَقَدْ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ، وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا فَذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَقَالَ اسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَكَانَ ثِقَةً فَانْتَفَتْ الْجَهَالَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَوْتُ حَيَوَانٍ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ] (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ وَالْمَعَاشِ وَلَهُ دَمٌ سَائِلٌ) إلَّا يُرَادُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ مَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ يُفِيدُ أَنَّ مَائِيَّ الْمَوْلِدِ قَدْ يَكُونُ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمَهُ آنِفًا وَمَا سَيَأْتِي عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَلَا وُرُودَ

وَالْحَدِيثُ مَعَ هَذَا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحَسَنِ اهـ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ:؛ وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلَا دَمَ فِيهَا وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطِّينِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ ذَبِيحَةَ النَّجَاسَةِ وَمَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا، فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ مَعَ زَوَالِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَسِلْ مِنْهَا الدَّمُ الْعَارِضُ بِأَنْ أُكِلَتْ وَرَقَ الْعُنَّابِ، فَإِنَّهَا حَلَالٌ مَعَ أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسِلْ. وَأَجَابَ الْأَكْمَلُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الطَّهَارَةُ كَالْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْرَجَهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الذَّبْحِ فَذَبْحُهُ كَلَا ذَبْحٍ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الشَّارِعَ أَقَامَ الْأَهْلِيَّةَ وَاسْتِعْمَالَ آلَةِ الذَّبْحِ مُقَامَ الْإِسَالَةِ لِإِتْيَانِهِ بِمَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِالْعَوَارِضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ. وَأَجَابَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا طَاهِرًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُؤْكَلْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الذَّابِحِ وَعَزَاهُ إلَى الْمُجْتَبَى ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الْمُنَجِّسُ هُوَ الدَّمَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الدَّمَوِيُّ مِنْ الْحَيَوَانِ نَجِسًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الدَّمِ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ قُلْنَا الدَّمُ حَالَ الْحَيَاةِ فِي مَعْدِنِهِ وَالدَّمُ فِي مَعْدِنِهِ لَا يَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الَّذِي بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الدِّمَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْصَبُّ عَنْ مَجَارِيهَا فَلَا تَبْقَى فِي مَعَادِنِهَا فَيَتَنَجَّسُ اللَّحْمُ بِتَشَرُّبِهِ إيَّاهَا وَلِهَذَا لَوْ قُطِعَتْ الْعُرُوقُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَسِيلُ الدَّمُ مِنْهَا وَفِي صَلَاةِ الْبَقَّالِي لَوْ مَصَّ الْبَقُّ الدَّمَ لَمْ يُنَجَّسْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعَارٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُنَجِّسُهُ وَفِي جَمْعِ الْخِلَافِ عَلَى الْعَكْسِ وَالْأَصَحُّ فِي الْعَلَقِ إذَا مَصَّ الدَّمَ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ قَالَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى: وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ حُكْمُ الْقُرَادِ وَالْحَلَمِ اهـ. ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي الثَّانِيَةِ فَصَحِيحٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إنْ كَانَ مَأْكُولًا فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَمَا لَا يُؤْكَلُ كَالضُّفْدَعِ وَكَذَا غَيْرُهُ إنْ قُلْنَا لَا يُؤْكَلُ، فَإِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ نَجَّسَهُ لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا اهـ. اسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعِدَتِهِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا دَمًا لِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجَّسُ، وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ، وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ هُوَ الْأَصَحُّ اهـ. كَقَوْلِهِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا أَيْ تَغَيَّرَ صُفْرَتُهَا دَمًا حَتَّى لَوْ صَلَّى، وَفِي كُمِّهِ تِلْكَ الْبَيْضَةُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ قَارُورَةُ دَمٍ حَيْثُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا وَعُمُومُ قَوْلِهِ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْطِيَ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ حُكْمَ النَّجَاسَةِ إذَا مَاتَتْ فِي مَعْدِنِهَا؛ لِأَنَّ مَعْدِنَهَا الْبِرُّ وَلِهَذَا جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ لَا دَمَ فِيهَا أَصَحُّ قَالَ لَيْسَ لِهَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ دَمٌ سَائِلٌ، فَإِنَّ مَا فِيهَا يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَالدَّمُ إذَا شُمِّسَ يَسْوَدُّ، وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ كَوْنَ الْبَرِّيَّةِ مَعْدِنًا لِلسَّبُعِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ فِي مَعْنَى مَعْدِنِ الشَّيْءِ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الشَّيْءُ، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ فَرْعُ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْبَيْضَةُ مِنْ الدَّجَاجَةِ فِي الْمَاءِ رَطْبَةً أَوْ يَبِسَتْ لَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَعْدِنِهَا وَكَذَا السَّخْلَةُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ أُمِّهَا رَطْبَةً أَوْ يَبِسَتْ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَعْدِنِهَا ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجَهُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ وَرَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا تَفَتَّتَ الضُّفْدَعُ فِي الْمَاءِ كَرِهْت شُرْبَهُ لَا لِلنَّجَاسَةِ بَلْ لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ وَقَدْ صَارَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي الْمَاءِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ كَرَاهَةَ شُرْبِهِ تَحْرِيمِيَّةٌ وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّنْجِيسِ فَقَالَ: يَحْرُمُ شُرْبُهُ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان، فَإِنْ كَانَتْ الْحَيَّةُ أَوْ الضُّفْدَعُ عَظِيمَةً لَهَا دَمٌ سَائِلٌ تُفْسِدُ الْمَاءَ وَكَذَا الْوَزَغَةُ الْكَبِيرَةُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْمَاءِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَأْوَاهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ أَوْجَبَ التَّنْجِيسِ اهـ. وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَيَاةِ) أَيْ قَبْلَ زَوَالِ الْحَيَاةِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالْأَمْرُ سَهْلٌ (قَوْلُهُ: وَفِي جَمْعِ الْخِلَافِ عَلَى الْعَكْسِ) هَكَذَا النُّسَخُ الَّتِي رَأَيْنَاهَا وَلَكِنَّ الَّذِي فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ الْخِلَافُ إلَخْ فَالْخِلَافُ مُبْتَدَأٌ لَا مُضَافٌ إلَيْهِ جَمْعٌ فَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ الشَّارِحِ لَفْظَةُ التَّفَارِيقِ وَكَأَنَّ نُسْخَتَهُ مُحَرَّفَةٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ حُكْمُ الْقُرَادِ وَالْحَلَمِ) جَمْعُ حَلَمَةٍ مُحَرَّكَةٍ، وَهِيَ دُودَةٌ تَقَعُ فِي جِلْدِ الشَّاةِ فَإِذَا دُبِغَ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَقِيقًا مُدَارَى عَنْ جَامِعِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ مَسْأَلَةُ مَوْتِ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُولَى ضَعِيفٌ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الشَّيْءُ) كَوْنُ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ فِي بَعْضِ نُسَخِ فَتْحِ الْقَدِيرِ سَقْطًا وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مَا نَصُّهُ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الشَّيْءُ فِي غَيْرٍ ذِي الرُّوحِ، وَفِيهِ مَا هُوَ مُفْرَدٌ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الِانْفِصَالَ اهـ. فَقَوْلُهُ وَفِيهِ أَيْ فِي ذِي الرُّوحِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْمُرَادُ تَأَمَّلْ

[الماء المستعمل]

فَمَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي طَيْرِ الْمَاءِ فَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ يُنَجِّسُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّشُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَعِيشُ فِيهِ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَاضِي خان وَطَيْرِ الْمَاءِ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُفْسِدُهُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ مَاتَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ لَهُ دَمًا سَائِلًا، وَهُوَ بَرِّيُّ الْأَصْلِ مَائِيُّ الْمَعَاشِ وَالْمَائِيُّ مَا كَانَ تَوَالُدُهُ وَمَعَاشُهُ فِي الْمَاءِ اهـ. وَطَيْرُ الْمَاءِ كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ وَفِي الْمُجْتَبَى الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَوْتِ طَيْرِ الْمَاءِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ يُفَرِّحُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ، وَإِلَّا فَيَفْسُدُ اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي طَيْرِ الْمَاءِ كَمَا تَرَى وَالْأَوْجَهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْكَلْبِ الْمَائِيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَكِنْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْكَلْبُ الْمَائِيُّ وَالْخِنْزِيرُ الْمَائِيُّ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ اهـ. فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَدْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ هُنَا وَفِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ وَوَجْهُ تَصْحِيحِهِ أَنَّ الْعِلَّةَ مُتَّحِدَةٌ، وَهِيَ الدَّمُ، وَهُوَ فِي مِثْلِهِ يَجُوزُ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبِ لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغْصَبْ كَذَا فِي الْكَافِي وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَعْلُولًا بِعِلَلٍ شَتَّى إلَّا أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ مُتَعَيِّنَةً يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُ الْمَعْلُولِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ هُوَ الدَّمُ الْمَفْسُوحُ لَا غَيْرَ وَلَا دَمَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَرَارَةَ لَازِمَةُ الدَّمِ وَالْبُرُودَةُ لَازِمَةُ الْمَاءِ، وَهُمَا نَقِيضَانِ فَلَوْ كَانَ لَهَا دَمٌ لَمَاتَتْ بِدَوَامِ السُّكُونِ فِي الْمَاءِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَالضُّفْدَعُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ سَوَاءٌ وَقِيلَ الْبَرِّيُّ يُفْسِدُ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ الْمَعْدِنِ وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ قَالَ الشَّارِحُونَ: الضُّفْدَعُ الْبَحْرِيُّ هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سُتْرَةٌ بِخِلَافِ الْبَرِّيِّ وَصُحِّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَرِّيِّ دَمٌ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَإِنَّهُ يُفْسِدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالضِّفْدِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالْأُنْثَى ضِفْدِعَةٌ وَنَاسٌ يَقُولُونَ ضِفْدَعٌ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَهُوَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ وَكَسْرُ الدَّالِ أَفْصَحُ وَالْبَقُّ كِبَارُ الْبَعُوضِ وَاحِدُهُ بَقَّةٌ وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْفُسْفُسُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ وَهُوَ حَيَوَانٌ كَالْقُرَادِ شَدِيدُ النَّتْنِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالزُّنْبُورُ بِالضَّمِّ وَسُمِّيَ الذُّبَابُ ذُبَابًا؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ذُبَّ آبَ أَيْ كُلَّمَا طُرِدَ رَجَعَ وَفِي النِّهَايَةِ وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إلَى أَنَّ الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ يُفْسِدُهُ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الطَّافِي أَكْثَرُ فَسَادًا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَهُوَ كَالضُّفْدَعِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ لَا يُفْسِدُ غَيْرَ الْمَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالتُّحْفَةِ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ يَحْرُمُ أَكْلُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا عَدَا السَّمَكِ الْغَيْرِ الطَّافِي لِفَسَادِ الْغِذَاءِ وَخُبْثِهِ مُتَفَسِّخًا أَوْ غَيْرَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ يَقَعُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي سَبَبِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ الثَّانِي فِي وَقْتِ ثُبُوتِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَانِ الثَّالِثُ فِي صِفَتِهِ وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ طَاهِرٌ الرَّابِعُ فِي حُكْمِهِ وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لَا مُطَهِّرَ وَالزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَدْرَجَ الْحُكْمَ فِي الصِّفَةِ وَجَعَلَ قَوْلَهُ طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرَ بَيَانًا لِصِفَتِهِ وَالْأَوْلَى مَا أَسْمَعْتُك تَبَعًا لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ حَتَّى يَصِيرَ عِبَادَةً أَوْ بِرَفْعِ الْحَدَثِ بِأَنْ تَوْضَأَ الْمُحْدِثُ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ خِلَافًا. وَقَالَ: إنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرُ اسْتِدْلَالًا بِمَسْأَلَةِ الْجُنُبِ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمَاءُ طَاهِرٌ طَهُورٌ لِعَدَمِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ فَلَوْ تَوَضَّأَ مُحْدِثًا بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ أَوْ مُتَوَضِّئٌ لِلتَّبَرُّدِ لَا يَصِيرُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَقُولُ: إنْ أَرَادَ الْمَذْكُورَ هُنَا الْمَنْقُولَ عَنْ قَاضِي خان فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ إذْ كَلَامُهُ فِي الْحَيَّةِ وَالضُّفْدَعِ الْبَرِّيَّيْنِ لَا الْمَائِيِّ وَسَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ هُنَا وَفِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ هُنَا وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَفِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَّلَ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ وَقَوْلُهُ لِعَدَمِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ هُنَا قَوْلُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ عَلَى وُجُودِ الشَّيْءِ بِالْعَدَمِ وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْحِيلَةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَعْلُولًا بِعِلَلٍ شَتَّى إلَخْ. [الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ] (قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ سَبَبُ الِاسْتِعْمَالِ أَخَذَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورِينَ

مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ لِلتَّبَرُّدِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ التَّعْلِيلُ لِمُحَمَّدٍ بِعَدَمِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ عَنْهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مُفْسِدَةٌ لَهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْجُنُبِ يَدْخُلُ الْبِئْرَ لِطَلَبِ الدَّلْوِ وَمِنْ شَرْطِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْبِئْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ لَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ الْمُحْدِثُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُصَيِّرَهُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ لِإِزَالَةِ الْحَدَثِ وَلَكِنْ سَقَطَ لِلْحَاجَةِ اهـ. وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَالْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ نَصَّا، وَإِنَّمَا مَسَائِلُهُمْ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ لَكِنْ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ صَحِيحٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ بِهِ لَا بِاعْتِبَارِ تَحَوُّلِ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ إلَى الْمَاءِ وَعِنْدَهُمَا تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تُحَوَّلُ إلَيْهِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَفِي الْحَالَيْنِ تُحَوَّلُ إلَى الْمَاءِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَأَوْجَبَ تَغَيُّرَهُ اهـ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْخِلَافِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ إلَى صَلَاةِ الْأَثَرِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ، وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يُرِيدُ الْمَضْمَضَةَ فَغَسَلَ يَدَهُ بِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ، وَإِنْ زَالَ الْحَدَثُ عَنْ الْفَمِ لَكِنْ يُقَالُ مِنْ جِهَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ إنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِالِاسْتِعْمَالِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ لَا تُوجِبُ الِاسْتِعْمَالَ، وَقَدْ عَلَّلَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ لَمْ يَحْكُمْ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الَّذِي نَعْقِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّقَرُّبِ الْمَاحِي لِلسَّيِّئَاتِ وَالْإِسْقَاطِ مُؤَثِّرٌ فِي التَّغَيُّرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ انْفَرَدَ وَصْفُ التَّقَرُّبِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَأَثَّرَ التَّغَيُّرُ حَتَّى حَرُمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَأَيْنَا الْأَثَرَ عِنْدَ ثُبُوتِ وَصْفِ الْإِسْقَاطِ مَعَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَشَدُّ فَحَرُمَ عَلَى قَرَابَتِهِ النَّاصِرَةِ لَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ لِلْأَثَرِ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا وَبِهَذَا يَبْعُدُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ التَّقَرُّبُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ هَذَا مَذْهَبَهُ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. اهـ. وَلَوْ غَسَلَ يَدَهُ لِلطَّعَامِ أَوْ مِنْهُ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ بِهِ قُرْبَةً؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَوْ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ الْوَسَخِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِعَدَمِ إزَالَةِ الْحَدَثِ وَإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ مُتَوَضِّئًا وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ قُرْبَةً يُفِيدُ أَنَّهُ قَصَدَ إقَامَةَ السُّنَّةِ فَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ لَوْ وَصَلَتْ شَعْرَ آدَمِيٍّ إلَى ذُؤَابَتِهَا فَغَسَلَتْ ذَلِكَ الشَّعْرَ الْوَاصِلَ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَ إنْسَانٍ مَقْتُولٍ قَدْ بَانَ مِنْهُ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ إذَا وُجِدَ مَعَ الْبَدَنِ ضُمَّ إلَى الْبَدَنِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ وَالشَّعْرُ لَا يُضَمُّ مَعَ الْبَدَنِ فَبِالِانْفِصَالِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمُ الْبَدَنِ فَلَا تَكُونُ غُسَالَتُهُ مُسْتَعْمَلَةً قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَهَذَا الْفَرْقُ يَأْتِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ إنَّ شَعْرَ الْآدَمِيِّ لَيْسَ بِنَجِسٍ أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَتَأَتَّى، فَإِنَّهُ نَجِسٌ يُنَجِّسُ الْمَاءَ اهـ. وَفِي الْمُبْتَغَى وَغَيْرِهِ وَبِتَعْلِيمِ الْوُضُوءِ لِلنَّاسِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الصَّلَاةَ بَلْ أَرَادَ تَعْلِيمَهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيمَ قُرْبَةٌ فَإِذَا قَصَدَ إقَامَةَ الْقُرْبَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الصَّلَاةَ بَلْ إقَامَةَ الْقُرْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ النَّقْلِيَّةِ أَوَّلًا أَنَّ الْقُرْبَةَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّعْلِيمِ الْمَقْصُودِ ثَوَابًا، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِقُرْبَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ إنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهِ؛ وَلِذَا لَوْ عَلَّمَهُ بِالْقَوْلِ اُسْتُغْنِيَ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ بِخِلَافِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ الطَّعَامِ، فَإِنَّ الْقُرْبَةَ فِيهِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِهِ فَافْتَرَقَا. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغُسَالَةُ الْمَيِّتِ نَجِسَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالْإِسْقَاطُ مُؤَثِّرٌ فِي التَّغَيُّرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى التَّقَرُّبِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا) فِي النَّهْرِ قَالَ وَعَلَيْهِ فَتَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَغَسْلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهِمَا وَفِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: لَا تَرَدُّدَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ اشْتِرَاطِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَقَصَدَ بِغَسْلِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ وَنَحْوِهِمَا مُجَرَّدَ التَّنْظِيفِ وَإِزَالَةَ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ لَا إقَامَةَ الْقُرْبَةِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا تَأَمَّلْ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النِّيَّةُ كَمَا تَكُونُ مُفَصَّلَةً تَكُونُ مُجْمَلَةً وَكَمَا تَكُونُ قَصْدِيَّةً تَكُونُ ضِمْنِيَّةً فَإِذَا نَوَى الْوُضُوءَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ دَخَلَ نَحْوُ ذَلِكَ فِيهِ ضِمْنًا وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْبَحْرِ مَا يُعَيِّنُ التَّعْيِينَ لِكُلٍّ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.

كَذَا أَطْلَقَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَكُونُ نَجِسًا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا أَطْلَقَ نَجَاسَةَ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ غُسَالَتَهُ لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا وَفِي الْخُلَاصَةِ أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ الصَّبِيُّ فِي طَسْتٍ هَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ عَاقِلًا. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ مَا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَلْتُرَاجَعْ. وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ لَا يُرِيدُ بِهِ الْمَضْمَضَةَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَكَذَا لَوْ أَخَذَ بِفِيهِ وَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَبْقَى طَهُورًا وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ كَقَوْلِهِمْ فِيمَنْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي إجَّانَةٍ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا يُفِيدُ أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إمَّا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ كَانَ مَعَهُ تَقَرُّبٌ أَوْ لَا أَوْ إقَامَةُ الْقُرْبَةِ كَانَ مَعَهُ رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ لَا أَوْ إسْقَاطُ الْفَرْضِ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَمْ يَزُلْ الْحَدَثُ وَلَا الْجَنَابَةُ عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ لَا يَتَجَزَّآنِ زَوَالًا كَمَا لَا يَتَجَزَّآنِ ثُبُوتًا قَالُوا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا لَمْ تُوجَدْ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ هَذَا السَّبَبِ الثَّالِثِ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ سُقُوطِ الْفَرْضِ وَارْتِفَاعِ الْحَدَثِ فَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الْيَدِ مَثَلًا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ إعَادَةُ غَسْلِهَا مَعَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَيَكُونُ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ مَوْقُوفًا عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي وَسُقُوطُ الْفَرْضِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدَثَ زَالَ عَنْ الْعُضْوِ زَوَالًا مَوْقُوفًا لَكِنَّ الْمُعَلَّلَ بِهِ فِي كِتَابِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا نَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إسْقَاطُ الْفَرْضِ فِي مَسْأَلَةِ إدْخَالِ الْيَدِ الْإِنَاءَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَا إزَالَةِ الْحَدَثِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ عُضْوًا آخَرَ سِوَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَالْفَخِذِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ أَعْضَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ إلَخْ) أَقُولُ: سَيَذْكُرُ مِثْلَهُ عَنْ السِّرَاجِ فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيِّتِ خَبَثٌ أَوْ حَدَثٌ وَأَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ اسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ قَبْلَ الْغُسْلِ بَجْسَهُ وَلَوْ صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ لِلْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ صَحَّحَهُ وَنَسَبَهُ فِي الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَ مُحَمَّدٍ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ فِي أَنَّ غُسَالَتَهُ نَجِسَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ تَنْجِيسَهُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَعَدَمَ صِحَّةِ صَلَاةِ حَامِلِهِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ غَالِبًا، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَلَا يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْمَاءِ أَوْ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ وَكَذَا غُسَالَتُهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ الصَّبِيُّ إلَخْ) فِي الْخَانِيَّةِ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ إذَا تَوَضَّأَ يُرِيدُ بِهِ التَّطْهِيرَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مُعْتَبَرَةً اهـ. فَقَوْلُهُ: يُرِيدُ بِهِ التَّطْهِيرَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّطْهِيرَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَفِي قَوْلِهِ يَنْبَغِي إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ: لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي حَوَاشِي الْمَجْمَعِ الْحَدَثُ يُقَالُ بِمَعْنَيَيْنِ بِمَعْنَى الْمَانِعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَمَّا لَا يَحِلُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا لَا يَتَجَزَّأُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَبِمَعْنَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهَذَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا ارْتِفَاعًا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَصَيْرُورَةُ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الرَّجُلَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَالْمَاءُ الَّذِي أَسْقَطَ الْفَرْضَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِلَا خِلَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ. هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فَخُذْهُ، فَإِنَّهُ بِالْأَخْذِ حَقِيقٌ كَذَا فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي عَلَى الدُّرَرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَلَازُمَ إلَخْ) الْمُرَادُ نَفْيُ التَّلَازُمِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ جَانِبُ سُقُوطِ الْفَرْضِ أَيْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ وَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ كَمَا إذَا أَتَمَّ الطَّهَارَةَ وَقَدْ يَسْقُطُ وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ كَمَا إذَا لَمْ يُتِمَّهَا، وَأَمَّا جَانِبُ رَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ لَزِمَ مِنْهُ سُقُوطُ الْفَرْضِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا تَلَازُمَ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ كَوُضُوءِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ لِمَا مَرَّ مِنْ صَيْرُورَةِ مَائِهِ مُسْتَعْمَلًا مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ بَقِيَ هَلْ بَيْنَ سُقُوطِ الْفَرْضِ وَالْقُرْبَةِ تَلَازُمٌ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا إنَّ إسْقَاطَ الْفَرْضِ لَا ثَوَابَ فِيهِ فَلَا وَإِنْ قُلْنَا فِيهِ ثَوَابٌ فَنَعَمْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ نُوحٌ أَفَنْدِي وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ الصَّحِيحُ أَوْ الرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِي الْوُضُوءِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ شَرْعًا عِبَارَةٌ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ فَغَسْلُ عُضْوٍ مِنْهَا لَيْسَ بِوُضُوءٍ شَرْعِيٍّ فَكَيْفَ يُثَابُ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُثَابُ عَلَى غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا ثَوَابًا مَوْقُوفًا عَلَى الْإِتْمَامِ، فَإِنْ أَتَمَّهُ أُثِيبَ عَلَى غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهه خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَهُ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدُهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ» اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ عُضْوًا سِوَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَإِنْ قُلْت عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ كَيْفَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ قُلْت قَالَ فِي النَّهْرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى خِلَافٍ آخَرَ هُوَ أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وُجِدَ هَلْ حَلَّ بِكُلِّ الْبَدَنِ وَجُعِلَ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ رَافِعًا عَنْ الْكُلِّ تَخْفِيفًا أَوْ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ قَوْلَانِ، وَكَانَ الرَّاجِحُ هُوَ الثَّانِيَ؛ وَلِذَا لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِهِ

الْوُضُوءِ اهـ. وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِغَسْلِهِ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً تُؤْكَلُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَوُضُوءُ الْحَائِضِ مُسْتَعْمَلٌ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا مُسْتَحَبٌّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا إذَا قَصَدَتْ الْإِتْيَانَ بِالْمُسْتَحَبِّ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِنْ أَرَادَ بِالزِّيَادَةِ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ اهـ. وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ فِي بَحْثِ تَثْلِيثِ الْغَسْلِ فِي السُّنَنِ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يَكُونُ قُرْبَةً إلَّا إذَا اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا أَمَّا إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بَلْ مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ الْمَاءُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ الْمُتَوَضِّئُ لَيْسَ عَلَى أَعْضَائِهِ نَجَاسَةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ وَلَا حُكْمِيَّةٌ فَكَيْفَ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ قُلْنَا لَمَّا نَوَى الْقُرْبَةَ فَقَدْ ازْدَادَ طَهَارَةً عَلَى طَهَارَةٍ وَلَنْ تَكُونَ طَهَارَةٌ جَدِيدَةً إلَّا بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ حُكْمًا، فَصَارَتْ الطَّهَارَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى الْحَدَثِ سَوَاءً اهـ. وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي وَقْتَ ثُبُوتِ الِاسْتِعْمَالِ فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا زَايَلَ الْبَدَنَ وَاسْتَقَرَّ فِي مَكَان مِنْ أَرْضٍ أَوْ إنَاءٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِمَسَائِلَ زَعَمَ أَنَّهَا تَدُلُّ لَهُ مِنْهَا إذَا تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ عَلَى يَدِهِ لُمْعَةٌ فَأَخَذَ الْبَلَلَ مِنْهَا فِي الْوُضُوءِ أَوْ مِنْ أَيِّ عُضْوٍ كَانَ فِي الْغُسْلِ وَغَسَلَ اللُّمْعَةِ يَجُوزُ، وَمِنْهَا نَقْلُ الْبِلَّةِ مِنْ مَغْسُولٍ إلَى مَمْسُوحٍ جَائِزٌ، وَإِنْ وُجِدَ الِانْفِصَالُ وَمِنْهَا أَنَّ الْخِرْقَةَ الَّتِي يَتَمَسَّحُ بِهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَهَا مِنْ الْبَلَلِ كَثِيرًا فَاحِشًا وَكَذَا إذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَإِنْ وُجِدَ الِانْفِصَالُ فَأَمَّا عِنْدَنَا فَمَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِذَا زَايَلَهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلٍ أَخَذَهُ مِنْ لِحْيَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان، وَكَذَا لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلٍ بَاقٍ بَعْدَ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ لَا يُجْزِئُهُ وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ مَاءٌ قَدْ مَسَحَ بِهِ مَرَّةً أَشَارَ بِهِ إلَى مَا قُلْنَا وَقَالُوا لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْبِلَّةِ مِنْ عُضْوٍ مَغْسُولٍ إلَى مِثْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قُلْنَاهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ صَيْرُورَتُهُ مُسْتَعْمَلًا بِنَفْسِ الْمُلَاقَاةِ لِوُجُودِ السَّبَبِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعُضْوِ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ فِيهِ حَرَجًا فَسَقَطَ اعْتِبَارُ حَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ حَقِيقَةً أَوْ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ حُكْمًا كَمَا فِي الْجَنَابَةِ فَإِذَا زَايَلَ الْعُضْوَ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ بِقَضِيَّةِ الْقِيَاسِ وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا سُفْيَانُ. وَأَمَّا عَنْ الثَّانِيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ أَنَّهَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ يَجُوزُ أَمَّا إذَا كَانَ اسْتَعْمَلَهُ لَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْمَغْسُولَاتِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْغُسْلِ إنَّمَا تَأَدَّى بِمَا جَرَى عَلَى عُضْوِهِ لَا بِالْبِلَّةِ الْبَاقِيَةِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْبِلَّةُ مُسْتَعْمَلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ يَتَأَدَّى بِالْبِلَّةِ وَتَفْصِيلُ الْحَاكِمِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا مُسِحَ بِالْمِنْدِيلِ أَوْ تَقَاطَرَ عَلَى الثَّوْبِ، فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَعِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنَّ سُقُوطَ اعْتِبَارِ نَجَاسَتِهِ هَاهُنَا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ هَذَا مَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْقَائِلَ بِاشْتِرَاطِ الِاسْتِقْرَارِ سُفْيَانُ فَقَطْ دُونَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَصُحِّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْمَذْهَبَ صَيْرُورَتُهُ مُسْتَعْمَلًا بِمُجَرَّدِ الِانْفِصَالِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ وَصُدِّرَ بِهِ فِي الْكَافِي وَذُكِرَ مَا فِي الْكَنْزِ بِصِيغَةِ قِيلَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَنْزِ هُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَبَعْضِ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَأَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ وَظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان وَيَسْكُنْ عَنْ التَّحَرُّكِ اهـ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ مُخْتَارَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اجْتِمَاعُهُ فِي مَكَان بَعْدَ الْمُزَايَلَةِ وَفِيمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَوُضُوءُ الْحَائِضِ مُسْتَعْمَلٌ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا مُسْتَحَبٌّ) قَالَ فِي النَّهْرِ: قَالُوا بِوُضُوءِ الْحَائِضِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَأَنْ تَجْلِسَ فِي مُصَلَّاهَا قَدْرَهَا كَيْ لَا تَنْسَى عَادَتَهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْفَرِيضَةِ وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَوْ تَوَضَّأَتْ لِتَهَجُّدٍ عَادِيٍّ لَهَا أَوْ صَلَاةِ ضُحًى أَوْ جَلَسَتْ فِي مُصَلَّاهَا أَنْ يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا وَلَمْ أَرَهُ لَهُمْ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ إلَخْ) أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ قَدَّمْنَاهُ عَنْ النَّهْرِ فَلْيُرَاجَعْ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كَرَاهَةَ تَكْرَارِ الْوُضُوءِ فِي مَجْلِسٍ إذَا تَعَدَّدَ مِرَارًا لَا فِيمَا إذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

[صفة الماء المستعمل]

الْمُسْلِمِينَ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ كَثِيَابِ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ، وَقِيلَ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ الْوُقُوعِ لَا فِي حَقِّ الْمُتَوَضِّئِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَا فِي الْكَنْزِ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَمَبْنَى اخْتِيَارِ مَا فِي الْكَنْزِ تَوَهُّمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْأَعْضَاءِ يُصِيبُ ثَوْبَ الْمُتَوَضِّئِ فَلَوْ قُلْنَا بِاسْتِعْمَالِهِ بِالِانْفِصَالِ فَقَطْ لَتَنَجَّسَ ثَوْبُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ حَتَّى احْتَاجَ بَعْضُهُمْ إلَى حَمْلِهِ عَلَى ثِيَابِ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ وَبَعْضُهُمْ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْغُسْلِ كَمَا رَأَيْت، وَلَيْسَ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ الْحَرَجِ مَوْجُودًا، فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ أَنَّ مَا يُصِيبُ ثَوْبَ الْمُتَوَضِّئِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا ذُكِرَ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي ثِيَابِ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ فَلَا حَرَجَ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَلْ هُوَ فِي الْهَوَاءِ فَسَقَطَ عَلَى عُضْوِ إنْسَانٍ وَجَرَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكَفِّهِ فَعَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ يَصِحُّ. [صِفَةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ] الثَّالِثُ أَعْنِي صِفَةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي الَّذِي هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ مِنْ الطَّهَارَةِ أَوْ النَّجَاسَةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ تُثْبِتْ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي صِفَتِهِ فَقَالُوا: طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُمْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فَقَالُوا إنَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَبِهَا أُخِذَ وَكَذَا رَوَاهَا فُرُوعًا عَامِرٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان فِي شَرْحِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ نَجِسٌ غَيْرَ أَنَّ الْحَسَنَ رُوِيَ عَنْهُ التَّغْلِيظُ وَأَبَا يُوسُفَ رُوِيَ عَنْهُ التَّخْفِيفُ وَكُلٌّ أَخَذَ لِمَا رَوَى وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَعِنْدَ زُفَرَ إنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَاهِرٌ طَهُورٌ، وَقَدْ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ حَتَّى قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَقَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْكُلِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ إلَّا الْحَسَنَ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْحَابِنَا فَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ الْمَذْكُورِ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَالتَّجْنِيسِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لِعُمُومِ الْبَلْوَى إلَّا فِي الْجُنُبِ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ غَيْرَهَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ اهـ. وَجْهُ رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ حُرْمَةُ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَيْسَ بِحَرَامٍ فَلَوْلَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ يَنْجُسُ بِالِاغْتِسَالِ بِنَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ الطَّاهِرِ فِي الطَّاهِرِ لَيْسَ بِحَرَامٍ أَمَّا تَنْجِيسُ الطَّاهِرِ فَحَرَامٌ فَكَانَ هَذَا نَهْيًا عَنْ تَنْجِيسِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِالِاغْتِسَالِ وَذَا يَقْتَضِي التَّنَجُّسَ بِهِ وَلَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا نَمْ غَيْرُ ضَرُورَةٍ، وَذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمُطَهِّرِ بِهِ إذَا كَانَ الْغَيْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَاللَّبَنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَغْلُوبًا فَلَا، وَهَاهُنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مَا يُلَاقِي الْبَدَنَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا. فَأَمَّا مُلَاقَاةُ النَّجِسِ الطَّاهِرَ تُوجِبُ تَنْجِيسَ الطَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الطَّاهِرِ لِاخْتِلَاطِهِ بِالطَّاهِرِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْكُلِّ فَثَبَتَ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا قُلْنَا وَلَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْجُنُبِ لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَذَا يُوجِبُ تَنْجِيسَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْحَدِيثُ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاغْتِسَالِ يَنْصَرِفُ إلَى الِاغْتِسَالِ الْمَسْنُونِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسْنُونُ مِنْهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي عَلَى الْبَدَنِ اُسْتُفِيدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ فَيُوجِبُ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الِاغْتِسَالِ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا صِيَانَةً لِكَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَنْ الْإِعَادَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ الْإِفَادَةِ اهـ. وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ دَفْعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ، وَمِنْ الْجَوَابِ الثَّانِي دُفِعَ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يُرَاجِعُهُمَا، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ الْقِرَانُ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَلْزَمُ تَنَجُّسُ الْمَاءِ بِالِاغْتِسَالِ قُلْنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ خُصُوصًا إذَا كَانَ مُؤَكَّدًا بَنُونِ التَّوْكِيدِ لَا بِاعْتِبَارِ الْقِرَانِ اهـ. وَيُسْتَدَلُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ وَأَصْلُهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْفَرْعُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحُكْمِيَّةِ بِجَامِعِ الِاسْتِعْمَالِ فِي النَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى إلْغَاءِ وَصْفِ الْحَقِيقِيِّ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقِيَّةِ لَيْسَ إلَّا كَوْنَ النَّجَاسَةِ مَوْصُوفًا بِهَا جِسْمٌ مَحْسُوسٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا أَنَّ وَصْفَ النَّجَاسَةِ حَقِيقَةٌ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمٍ كَذَلِكَ، وَفِي غَيْرِهِ مَجَازٌ بَلْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ الْجِسْمِ. وَفِي الْحَدَثِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُتَحَقَّقَ لَنَا مِنْ مَعْنَاهَا سِوَى أَنَّهَا اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ مَنَعَ الشَّارِعَ مِنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ حَالَ قِيَامِهِ لِمَنْ قَامَ بِهِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ قَطَعَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ كُلَّ ذَلِكَ ابْتِلَاءً لِلطَّاعَةِ فَأَمَّا أَنَّ هُنَاكَ وَصْفًا حَقِيقِيًّا عَقْلِيًّا أَوْ مَحْسُوسًا فَلَا وَمَنْ ادَّعَاهُ لَا يَقْدِرُ فِي إثْبَاتِهِ عَلَى غَيْرِ الدَّعْوَى، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اعْتِبَارُ اخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهِ فِي شَرِيعَتِنَا، وَبِطَهَارَتِهِ فِي غَيْرِهَا فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى اعْتِبَارٍ شَرْعِيٍّ أَلْزَمَ مَعَهُ كَذَا إلَى غَايَةِ كَذَا ابْتِلَاءً وَفِي هَذَا لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الدَّمِ وَالْحَدَثِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لَيْسَ إلَّا ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ نَفْسُ وَصْفِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَيَثْبُتُ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهُوَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ، فَيَكُونُ نَجِسًا إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَنْتَهِضُ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ كَوْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ ذَلِكَ كَمَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا مَنْ يَشْتَرِطُ فِي نَجَاسَتِهِ خُرُوجَهُ مِنْ الثَّوْبِ مُتَغَيِّرًا بِلَوْنِ النَّجَاسَةِ كَالشَّافِعِيِّ فَلَا فَعِنْدَهُ الْمَاءُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا لَوْنَ لَهَا يُغَايِرُ لَوْنَ الْمَاءِ كَالْبَوْلِ طَاهِرٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَغَسْلُ الثَّوْبِ بِهِ دُونَ إزَالَةِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَهُوَ لَا يَقْصُرُ وَصْفَ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى رَافِعِ الْحَدَثِ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْكَلَامِ مَعَهُ فِي نَفْسِ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَهُوَ سَهْلٌ غَيْرَ أَنَّا لَسْنَا إلَّا بِصَدَدِ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أُصُولِنَا، فَإِنْ قِيلَ لَوْ تَمَّ مَا ذَكَرْت كَانَ لِلْبَلْوَى تَأْثِيرٌ فِي إسْقَاطِ حُكْمِهِ فَالْجَوَابُ الضَّرُورَةُ لَا يَعْدُو حُكْمُهَا مَحَلَّهَا وَالْبَلْوَى فِيهِ إنَّمَا هِيَ فِي الثِّيَابِ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ نَجَاسَةِ ثَوْبِ الْمُتَوَضِّئِ وَتَبْقَى حُرْمَةُ شُرْبِهِ وَالطَّبْخِ بِهِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ وَنَجَاسَةُ مَنْ يُصِيبُهُ كَذَا قُرِّرَ، وَجَّهَ الْقِيَاسَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ هَمَّامِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى النَّجَاسَةِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْكِفَايَةِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ الْخَبَّازِيِّ بِإِشَارَةٍ قَوْله تَعَالَى عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] فَدَلَّ إطْلَاقُ التَّطْهِيرِ عَلَى ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَدَلَّ الْحُكْمُ بِزَوَالِهَا بَعْدَ التَّوَضُّؤِ عَلَى انْتِقَالِهَا إلَى الْمَاءِ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ إنَّ أَبَا يُوسُفَ جَعَلَ نَجَاسَتَهُ خَفِيفَةً لِعُمُومِ الْبَلْوَى فِيهِ لِتَعَذُّرِ صِيَانَةِ الثِّيَابِ عَنْهُ وَلِكَوْنِهِ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ خِفَّةً فِي حُكْمِهِ وَالْحَسَنُ يَجْعَلُ نَجَاسَتَهُ غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ الْحَقِيقِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَفَا عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ الْحَقِيقِيَّةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ «جَابِرٍ قَالَ مَرِضْت فَأَتَانِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِنِي فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَبَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ دَفْعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) أَيْ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا إلَخْ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» فَغَايَةُ مَا يُفِيدُ نَهْيُ الِاغْتِسَالِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَيَجُوزُ كَوْنُهَا لَكَيْ لَا تُسْلَبَ الطَّهُورِيَّةَ فَيَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَيُصَلِّي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ يَتَنَجَّسُ فَيَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِحَالِهِ فِي لُزُومِ الْمَحْذُورِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ مَعَ الْمُنَافِي فَيَصْلُحُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُثِيرًا لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ اهـ. وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ هَذَا الْمَحْذُورُ وَلَكِنْ لَا تَنْسَى مَا مَرَّ فِي الْفَسَاقِي مِنْ الْكَلَامِ فِي الْمُلْقَى وَالْمُلَاقَى فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْجَوَابِ الثَّانِي دَفْعُ مَا فِي السِّرَاجِ) أَيْ جَوَابُ السُّؤَالِ الثَّانِي وَمَا فِي السِّرَاجِ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْهُ أَنَّ الْمُغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ لَا يَخْلُو بَدَنُهُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ عَادَةً وَالْعَادَةُ كَالْمُتَيَقَّنِ

وُضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْت» وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَّ «النَّاسَ كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِيهِ «أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وُضُوئِهِ» فَكَذَا اسْتَدَلَّ مَشَايِخُنَا لِرِوَايَةِ الطَّهَارَةِ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشَّامِلِ وَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُدَّعِي لِأَنَّ هَذَا الَّذِي تَمَسَّحُوا بِهِ لَيْسَ هُوَ الْمُتَسَاقِطَ مِنْ أَعْضَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَا فَضَلَ مِنْ وُضُوئِهِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ الصَّحِيحَةِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وُضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَأَخْرَجَ بِلَالٌ فَضْلَ وُضُوئِهِ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُتَسَاقِطَ مِنْ وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ «فَصُبَّ عَلَيْهِ مِنْ وُضُوئِهِ» ، فَإِنْ جُعِلَ الْوُضُوءَ اسْمًا لِمُطْلَقِ الْمَاءِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِوُضُوئِهِ فَضْلُ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِبَعْضِهِ لَا اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَائِهِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا، وَإِنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلْوُضُوءِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْهِنْدِيُّ؛ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُسْتَدَلَّ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ لِرِوَايَةِ الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ الْمَعْلُومُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ أَنَّ الْآلَةَ الَّتِي تُسْقِطُ الْفَرْضَ وَتُقَامُ بِهَا الْقُرْبَةُ تَتَدَنَّسُ وَأَمَّا الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ شَرْعًا فَلَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ مَالُ الزَّكَاةِ تُدَنَّسُ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ بِهِ حَتَّى جُعِلَ مِنْ الْأَوْسَاخِ فِي لَفْظِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَحَرُمَ عَلَى مَنْ شَرُفَ بِقَرَابَتِهِ النَّاصِرَةِ لَهُ وَلَمْ يَصِلْ مَعَ هَذَا إلَى النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ صَلَّى حَامِلُ دَرَاهِمِ الزَّكَاةِ صَحَّتْ فَكَذَا يَجِبُ فِي الْمَاءِ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِلُ إلَى التَّنَجُّسِ، وَهُوَ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ غَيْرُ هَذَا الْقِيَاسِ اهـ. لَكِنْ قَدْ عَلِمْت الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ آنِفًا فَانْدَفَعَ بِهِ هَذَا الْقِيَاسُ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالنَّجَاسَةِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لِعُمُومِ الْبَلْوَى إلَّا فِي الْجُنُبِ كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ وَعَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ آنِفًا، فَإِنَّهُ لِمَا كَانَ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ قَوِيًّا كَانَ هُوَ الْمُخْتَارَ إلَّا أَنَّ الْبَلْوَى عَمَّتْ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَأَفْتَى الْمَشَايِخُ بِالطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْأَكْبَرِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عُمُومُ الْبَلْوَى فَكَانَ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَره شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَصْلِ إذَا اغْتَسَلَ الطَّاهِرُ فِي الْبِئْرِ أَفْسَدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْمَاءِ هُوَ النَّجِسُ اهـ. لَكِنْ رَجَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ الْقَائِلَةَ بِالتَّخْفِيفِ وَاسْتَبْعَدَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ الْقَائِلَةَ بِالتَّغْلِيظِ فَقَالَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بَعِيدٌ، فَإِنَّ لِلْبَلْوَى تَأْثِيرًا فِي تَخْفِيفِ النَّجَاسَةِ وَمَعْنَى الْبَلْوَى فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الطَّاهِرِ، فَإِنَّ صَوْنَ الثِّيَابِ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ فَلِذَلِكَ خَفَّ حُكْمُهُ اهـ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَكِنْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ لِلْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي الْغُسْلِ فَلْيُرَاجَعْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مَا وَعِنْدَ الْبَعْضِ نَجَاسَتُهُ بِالْمُجَاوَرَةِ حَتَّى يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِسَائِرِ الْوُجُوهِ سِوَى الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَصَارَ كَمَا أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِانْتِقَالِ شَيْءٍ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ، وَلَمْ يُوجَدْ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ شَرْعًا فَيَكُونُ نَجِسًا عَيْنًا فَيَكُونُ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَلَمْ يُرَجَّحْ لَكِنَّ تَأْخِيرَهُ وَجْهَ الْأَوَّلِ يُفِيدُ تَرْجِيحَهُ كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ شُرْبُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا الْمَاءُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَإِنْ تَغَيَّرَ وَصْفُ الْمَاءِ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَبَلِّ الطِّينِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى رِوَايَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ عَنْ النَّهْرِ وَأَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْهَا يَنْصَرِفُ إلَى التَّحْرِيمِ اهـ فَلِيُتَأَمَّلْ.

[حكم الماء المستعمل]

الطَّهَارَةِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ، فَحَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَالنَّجَسُ مِنْهَا وَفِي الْبَدَائِعِ وَيُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ؛ فَلِأَنَّهُ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ؛ فَلِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْمُخَاطِ وَالْبَلْغَمِ اهـ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان، وَإِنْ تَوَضَّأَ فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ عِنْدَهُمْ. الرَّابِعُ: فِي حُكْمِهِ قَالَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْبَدَنِ لَا يَبْقَى طَهُورًا اهـ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْأَحْدَاثَ قَالَ الشَّارِحُونَ: إنَّ هَذَا حُكْمُهُ وَقَالُوا: قُيِّدَ بِالْأَحْدَاثِ لِمَا أَنَّهُ يُزِيلُ الْأَنْجَاسَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَجُوزُ بِالْمَائِعَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ صَرَّحَ بِهِ الْقِوَامَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْكَاكِيُّ فِي الْمِعْرَاجِ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ وَغَيْرُهُمْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَكِنْ لَا تَجُوزُ بِهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ فِي عَصْرِنَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ يُزِيلُ الْأَنْجَاسَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِمَا أَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ، فَهُوَ حَفِظَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْهُ أَشْيَاءُ وَانْدَفَعَ أَيْضًا مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُشْتَغِلِينَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُزِيلُ الْأَنْجَاسَ اتِّفَاقًا لِمَا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ نَجِسٌ فَلَا يُزِيلُ وَمُحَمَّدٌ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ فَعِنْدَهُ لَا يُزِيلُ إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ رِوَايَةَ النَّجَاسَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَسِيَ رِوَايَةَ الطَّهَارَةِ عَنْهُ الَّتِي اخْتَارَهَا الْمُحَقِّقُونَ وَأَفْتَوْا بِهَا. وَذُكِرَ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْقُدُورِيِّ وَشَرْحِ الْإِرْشَادِ وَصَلَاةِ الْجَلَالِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِهِ عِنْدَنَا، فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا وَأَبُو ثَوْرٍ إلَى أَنَّهُ مُطَهَّرٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] ؛ لِأَنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُحْتَجُّ لِأَصْحَابِنَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - احْتَاجُوا فِي مَوَاطِنَ مِنْ أَسْفَارِهِمْ الْكَثِيرَةِ إلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ لِاسْتِعْمَالِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ قِيلَ تَرَكُوا الْجُمَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يُسَلَّمُ، وَإِنْ سُلِّمَ فِي الْوُضُوءِ لَا يُسَلَّمُ فِي الْغُسْلِ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَمْعِهِ مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجْمَعُوهُ لِلشُّرْبِ وَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَالتَّبَرُّدِ وَنَحْوِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ تَرْكَ جَمْعِهِ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ لِلِاسْتِقْذَارِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ لِلْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا كَمَا «اسْتَقْذَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّبَّ وَتَرَكَهُ فَقِيلَ أَحَرَامٌ هُوَ قَالَ وَلَا وَلَكِنِّي أَعَافُهُ» ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِقْذَارٌ فَتَرْكُهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ فَيُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ بَحْثِ الْمِيَاهِ مِنْ أَنَّ الطَّهُورَ لَيْسَ هُوَ الْمُطَهِّرَ لِغَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ التَّكْرَارِ، وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَجَازَ فِي السَّفَرِ الْوُضُوءُ بِهِ ثُمَّ الشُّرْبُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ اهـ. لَمَّا عَلِمْت أَنَّ عَدَمَ شُرْبِهِ لِلِاسْتِقْذَارِ مَعَ طَهَارَتِهِ لَا لِعَدَمِهَا (قَوْلُهُ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ حجط) أَيْ ضَابِطُ حُكْمِ مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ حجط وَصُورَتُهَا جُنُبٌ انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِلدَّلْوِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ وَلَا نَجَاسَةَ عَلَى بَدَنِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الرَّجُلُ وَالْمَاءُ نَجِسَانِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الرَّجُلُ جُنُبٌ عَلَى حَالِهِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ عَلَى حَالِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الرَّجُلُ طَاهِرٌ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ طَهُورٌ فَالْجِيمُ مِنْ النَّجِسِ عَلَامَةُ نَجَاسَتِهِمَا وَالْحَاءُ مِنْ الْحَالِ أَيْ كِلَاهُمَا بِحَالِهِ، وَالطَّاءُ مِنْ الطَّاهِرِ فَرَتَّبَ حُرُوفَهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَئِمَّةِ فَالْحَرْفُ الْأَوَّلُ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي وَالثَّالِثُ لِلثَّالِثِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ، فَإِذَا سَقَطَ الْفَرْضُ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي الْبَدَائِعِ وَيُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ عَنْ قَاضِي خان) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: سَيَذْكُرُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ كَرَاهَةَ التَّوَضُّؤِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ تَرْجِيحُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ إنَاءٍ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. [حُكْم الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ جحط) قَالَ فِي النَّهْرِ وَرُوِيَ بِخَطِّ النُّونِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ

فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ وَالرَّجُلُ بَاقٍ عَلَى جَنَابَتِهِ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَقِيلَ عِنْدَهُ نَجَاسَةٌ الرَّجُلُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَصُحِّحَ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالْجَنَابَةِ عِنْدَهُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ إذَا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَتَنَجَّسُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ حَتَّى لَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ حَلَّ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ اهـ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الصَّبَّ سُطِّرَ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ، وَلَوْ يُوجَدُ، فَكَانَ الرَّجُلُ جُنُبًا بِحَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ، وَلَمْ يُوجَدْ رَفْعُ الْحَدَثِ، وَلَا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، فَكَانَ بِحَالِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ إنَّ الصَّبَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ، فَكَانَ الرَّجُلُ طَاهِرًا وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا خَرَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ لِفَقْدِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي صَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَخَذَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الِاخْتِلَافَ فِي سَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَخْذَهُ مِنْهَا غَيْرُ لَازِمٍ كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ الْخَبَّازِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ قَالَ الْقُدُورِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ الصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ تُوجِبُ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ وَلَا مَعْنَى؛ لِهَذَا الْخِلَافِ إذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذْ الْمَاءُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الدَّلْوِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ إذْ الْحَاجَةُ إلَى الِانْغِمَاسِ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فَلَوْ احْتَاجُوا إلَى الْغُسْلِ عِنْدَ نَزْحِ مَاءِ الْبِئْرِ كُلَّ مَرَّةٍ لَحُرِجُوا حَرَجًا عَظِيمًا وَصَارَ كَالْمُحْدِثِ إذَا اغْتَرَفَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ وُجِدَ إسْقَاطُ الْفَرْضِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدْخَلَ غَيْرَ الْيَدِ فِيهِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا. اهـ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ الْعُضْوِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ أَيْ لِلْقِيَاسِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهُ الرِّوَايَةُ الْمُصَحَّحَةُ اهـ. وَتَعْلِيلُهُمْ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ دَاخِلَ الْبِئْرِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْجَنَابَةِ لِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ، وَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ أَمَّا كَوْنُ الرَّجُلِ طَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ فَقَدْ عَلِمْته وَأَمَّا كَوْنُ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ فَقَدْ عَلِمْته أَيْضًا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ قَيَّدْنَا أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ بِالْجُنُبِ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرَ إذَا انْغَمَسَ لِطَلَبِ الدَّلْوِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَعْضَائِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا لِعَدَمِ إزَالَةِ الْحَدَثِ وَإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَإِنْ انْغَمَسَ لِلِاغْتِسَالِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا لِوُجُودِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ وَحُكْمُ الْحَدَثِ حُكْمُ الْجَنَابَةِ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَكَذَا حُكْمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إذَا نَزَلَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ أَمَّا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ، وَلَيْسَ عَلَى أَعْضَائِهِمَا نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُمَا كَالطَّاهِرِ إذَا انْغَمَسَ لِلتَّبَرُّدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ عِنْدَهُ إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ أَنْ يَنْجُسَ الْمَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَذَلِكَ بِتَمَامِ الِانْغِمَاسِ وَالْإِلْزَامُ بَقَاءُ الْجَنَابَةِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَجِسٌ بِكُلٍّ مِنْ نَجَاسَةِ الْجَنَابَةِ وَنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِمُلَاقَاةِ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ الْمَاءَ الْمَحْكُومَ بِنَجَاسَتِهِ أَوَّلَ الْمُلَاقَاةِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِلضَّرُورَةِ) عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ هُنَاكَ بِخِلَافِ انْغِمَاسِهِ لِاسْتِخْرَاجِ الدَّلْوِ تَأَمَّلْ؛ وَلِذَا اقْتَصَرَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى ذِكْرِ طَلَبِ الدَّلْوِ (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ بِمَا قَرَّرْنَا إلَخْ) قَالَ سَيِّدِي الْعَارِفُ بِاَللَّهِ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةَ الْبِئْرِ جحط الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِيهَا ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مَبْنِيَّانِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَاَلَّذِي مَنَعَ مِنْ الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ عَدَمُ وُجُودِ الصَّبِّ عِنْدَهُ فَلَوْ وُجِدَ الْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ وَنَجَاسَةُ الْمُسْتَعْمَلِ وَاشْتِرَاطُ الصَّبِّ قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ لَهُ أَمَّا طَهَارَةُ الْمُسْتَعْمَلِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ لَهُ فَغَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِكُلٍّ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثَ وَالْقُرْبَةِ وَإِسْقَاطِ الْفَرْضِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فَيَكُونُ الْمُفْتَى بِهِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ طَهَارَةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَقَطْ لِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَلَكِنْ فِيهِ تَلْفِيقٌ فِي التَّقْلِيدِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ أَقْوَالَ الصَّحْبِ رِوَايَاتٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْكُلُّ مَذْهَبُهُ فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا عَلَى هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْقُرْبَةَ، وَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ اهـ. وَالتَّلْفِيقُ إنَّمَا هُوَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَيْثُ أَخَذَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ وَبِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَهُوَ نَجِسٌ وَلَا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وَبِهِ ظَهَرَ وَجْهُ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ، وَالْمَاءَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ (قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ طَاهِرٌ طَهُورٌ عَلَى الصَّحِيحِ

؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْحَيْضِ بِهَذَا الْوُقُوعِ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَالْخُلَاصَةِ. وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ انْغَمَسَ لِطَلَبِ الدَّلْوِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ لِأَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ بِقَصْدِ الِاغْتِسَالِ لِلصَّلَاةِ قَالُوا صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا لِوُجُودِ إزَالَةِ الْحَدَثِ وَنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَزُولَ حَدَثُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ أَنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْجَارِي، وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَاءِ الْفَسَاقِي أَنَّ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْكُلِّ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ هُوَ مَا تَسَاقَطَ عَنْ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ مَغْلُوبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ فَاحْفَظْ هَذَا وَكُنْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْهُ يَنْفَعْك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ هَذَا الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْته. وَقَالَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي لَاقَى الرَّجُلَ الَّذِي زَالَ حَدَثَهُ فَيَجِبُ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى رِوَايَةِ طَهَارَتِهِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الرِّوَايَةَ الطَّهَارَةُ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ اهـ. فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا مَعْنَاهُ صَارَ الْمَاءُ الْمُلَاقِي لِلْبَدَنِ مُسْتَعْمَلًا لَا أَنَّ جَمِيعَ مَاءِ الْبِئْرِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا لَيْسَ عَلَى أَعْضَائِهِ نَجَاسَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَتَنَجَّسَ الْمَاءُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَتَدَلَّك فِيهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَفْهُومَهُ وَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ لِلدَّلْوِ وَتَدَلَّكَ فِي الْمَاءِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الدَّلْكَ فِعْلٌ مِنْهُ قَائِمٌ مَقَامَ نِيَّةِ الِاغْتِسَالِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ نَزَلَ لِلِاغْتِسَالِ وَقَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لَا يَكُونَ اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِالْأَحْجَارِ تَنَجَّسَ الْمَاءُ اتِّفَاقًا لَكِنَّ هَذَا يَبْتَنِي عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مُخَفَّفٌ لَا مُطَهِّرٌ. وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ مُخَفِّفٌ لَا مُطَهِّرٌ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ فِي الْعُضْوِ لَا فِي الثَّوْبِ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قُلْت: رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ فِيهِمَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى التَّطْهِيرَ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّرْعَ كَلَّفَنَا بِالتَّطْهِيرِ وَالتَّكْلِيفُ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ وَسُمِّيَ الْمَاءُ طَهُورًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِهِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِطَرِيقِ الصَّبِّ، فَلَا ضَرُورَةَ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ حَالَةَ الصَّبِّ بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ جَارٍ، وَفِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّبِّ رَاكِدٌ وَالرَّاكِدُ أَضْعَفُ مِنْ الْجَارِي وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ فِي الْعُضْوِ لَا فِي الثَّوْبِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ بِطَرِيقِ الصَّبِّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّهَا تَغْسِلُهَا النِّسَاءُ عَادَةً وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَا تَجِدُ خَادِمًا يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهَا وَلَا مَاءَ جَارِيًا وَأَمَّا غَسْلُ الْبَدَنِ يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ الصَّبِّ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي بِئْرٍ ثُمَّ فِي بِئْرٍ إلَى الْعَشَرَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُنَجَّسُ الْآبَارُ كُلُّهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ عَيْنُ نَجَاسَةٍ تَنَجَّسَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنُ نَجَاسَةٍ صَارَتْ الْمِيَاهُ كُلُّهَا مُسْتَعْمَلَةً ثُمَّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ إنْ وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ النِّيَّةُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ غَسَلَ الثَّوْبَ النَّجِسَ فِي إجَّانَةٍ وَعَصَرَهُ ثُمَّ فِي إجَّانَةٍ إلَى الْعَشَرَةِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَأَبُو يُوسُف فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فَقَالَ؛ لِأَنَّ فِي الثَّوْبِ ضَرُورَةً وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَدَنِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ أَنْ لَا تَتَنَجَّسَ الْمِيَاهُ كُلُّهَا عِنْدَهُ لِمَا أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَزُلْ وَنِيَّةُ الِاغْتِسَالِ، وَإِنْ وُجِدَتْ لَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِهَا إذَا لَمْ يَصِحَّ الْغُسْلُ عِنْدَهُ وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَاءِ الْفَسَاقِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ كَوْنِ مَاءِ الْآبَارِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي إلَخْ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ الِاتِّفَاقَ وَعَبَّرَ فِي السِّرَاجِ بِقَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ هَكَذَا بِقَوْلِهِ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا فِي قَوْلِ زُفَرَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ أَبَا يُوسُفَ إنَّمَا يَشْتَرِطُ الصَّبَّ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْوِ الِاغْتِسَالَ لِيَجْعَلَ الصَّبَّ قَائِمًا مَقَامَ النِّيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَدَلَّكَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالِاتِّفَاقِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ نِيَّةِ الِاغْتِسَالِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَاءِ الْفَسَاقِي إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ قَدَّمْنَاهُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعَادَةِ بَعْدَ إحَاطَتِك بِمَا هُنَالِكَ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَتِهِ كَلَامُ الدَّبُوسِيِّ الْمُتَقَدِّمُ وَعَلَى إطْلَاقِ عِبَارَاتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ اتِّفَاقًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ وَلَا إلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ بِخِلَافِ الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ إلَى الْأَفْهَامِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ قَالَ مَا نَصُّهُ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا صَيْرُورَةُ مَا لَاقَى أَعْضَاءَهُ مِنْهُ مُسْتَعْمَلًا فَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّنْصِيصِ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مِنْهُ إذَا نَزَلَ لِلدَّلْوِ وَتَدَلَّكَ فِي الْمَاءِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ تَدَلُّكُهُ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ

[الطهارة بالدباغ]

يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ لَا عَلَى الصَّحِيحِ فَارْجِعْ إلَيْهِ تَجِدْ لَك فَرَجًا كَبِيرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ قَوْلَهُمْ بِنَجَاسَةِ مَاءِ الْآبَارِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلَهُمْ بِنَجَاسَةِ مَاءِ الْبِئْرِ إذَا نَزَلَ لِلِاغْتِسَالِ عِنْدَهُ مُفَرَّعٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَنْ نَزَلَ فِي الْبِئْرِ، وَهُوَ جُنُبٌ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا وَالرَّجُلُ نَجِسٌ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَذَكَرَ هَذِهِ الْفُرُوعَ بَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُفَرَّعَةٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ بِحَالِهِ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) لَمَّا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِدِبَاغِ الْإِهَابِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ طَهَارَتُهُ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصَّيْدِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ بِأَنْ يُجْعَلَ قُرْبَةً، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْمِيَاهِ ذُكِرَ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ لِإِفَادَةِ جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا قِيلَ إنَّ هَذَا الْوَضْعَ لَيْسَ لِبَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْإِهَابُ الْجِلْدُ غَيْرُ الْمَدْبُوغِ وَالْجَمْعُ أُهُبٌ بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ لَهُ، وَأَمَّا الْأَدِيمُ فَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ وَجَمْعُهُ أَدَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَكَذَا يُسَمَّى صِرْمًا وَجِرَابًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَوْلُهُ كُلُّ إهَابٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ جِلْدٍ يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ لَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ جِلْدِ الْحَيَّةِ فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ بِهِ كَاللَّحْمِ، وَكَذَا لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُقَامُ مَقَامَ الدِّبَاغِ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِيهِ إذَا أَصْلَحَ أَمْعَاءَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَصَلَّى، وَهِيَ مَعَهُ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَوْتَارُ، وَهُوَ كَالدِّبَاغِ وَكَذَلِكَ الْعَقِبُ وَالْعَصَبُ وَكَذَا لَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ فَجُعِلَ فِيهَا لَبَنٌ جَازَ وَلَا يَفْسُدُ اللَّبَنُ وَكَذَلِكَ الْكَرِشُ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إنَّ الْكَرِشَ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ كَاللَّحْمِ. اهـ. وَأَمَّا قَمِيصُ الْحَيَّةِ فَهُوَ طَاهِرٌ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ثُمَّ الدِّبَاغُ هُوَ مَا يَمْتَنِعُ عَوْدُ الْفَسَادِ إلَى الْجِلْدِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَاءِ فِيهِ وَالدِّبَاغُ عَلَى ضَرْبَيْنِ حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُدْبَغَ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَلِحَى الشَّجَرِ وَالْمِلْحِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ الشَّبَّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ غَيْرَهُ تَصْحِيفٌ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مُرُّ الطَّعْمِ يُدْبَغُ بِهِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَبِأَيِّهِمَا كَانَ فَالدِّبَاغُ بِهِ جَائِزٌ، وَأَمَّا الْقَرَظُ فَهُوَ بِالظَّاءِ لَا بِالضَّادِ وَرَقُ شَجَرِ السَّلَمِ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَمِنْهُ أَدِيمٌ مَقْرُوظٌ أَيْ مَدْبُوغٌ لَا لِقَرَظٍ قَالُوا وَالْقَرَظُ نَبْتٌ بِنَوَاحِي تِهَامَةَ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مُصَحَّفًا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَيُقْرَأُ بِالضَّادِ وَالْحُكْمِيُّ أَنْ يُدْبَغَ بِالتَّشْمِيسِ وَالتَّتْرِيبِ وَالْإِلْقَاءِ فِي الرِّيحِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّجْفِيفِ وَالنَّوْعَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ لَا يَعُودُ نَجِسًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَبَعْدَ الْحَمْيِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُخْتَارَةِ مَعَ نَظَائِرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) يَعْنِي كُلَّ إهَابٍ دُبِغَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَجِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَأَمَّا جِلْدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الطَّهَارَة بِالدِّبَاغِ] (قَوْلُهُ: وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُخْتَارَةِ مَعَ نَظَائِرِهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي يَأْتِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْعَوْدِ. [اسْتِعْمَال جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ بِالدِّبَاغِ] (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ) أَيْ مَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوُقَايَةِ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ لِبَعْضِ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ قَالَ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ ثُمَّ أَنَّهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَاسْتِثْنَاءُ الْآدَمِيِّ مَعَ الْخِنْزِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا دُبِغَ طَهُرَ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِسَائِرِ أَجْزَائِهِ وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوُقَايَةِ: وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَفِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَقَصَدَ الْمُحَشِّيُّ يَعْقُوبُ بَاشَا أَنْ يُصَحِّحَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فَقَالَ يَعْنِي جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَتِهِ وَجِلْدَ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ ثُمَّ قَالَ فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الطَّهَارَةِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ مُسَلَّمٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْآدَمِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ قُلْت فِيهِ خَلَلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُوَ مَعْنًى جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ طَهُرَ يَسْتَلْزِمُ مَعْنًى جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا فَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِثْنَاءُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُنْفَهِمِ مِنْ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ الْتِزَامًا لَا بِصَرِيحِ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنَّظَرِ إلَى الْآدَمِيِّ أَيْضًا لِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا كَعَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ مُخْتَلِفَةً فِيهِمَا قُلْنَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَبْقَى صَرِيحُ مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ عَلَى كُلِّيَّتِهِ بِلَا اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ فَلَا صِحَّةَ لِلْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ مَعْنًى فَقَدْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا مَجَازًا بِطَرِيقِ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ وَيُجْعَلُ اسْتِثْنَاءُ الْآدَمِيِّ قَرِينَةً عَلَيْهِ فَلَا يُرَادُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ.

الْآدَمِيِّ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّهُ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَقِيلَ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَا يَقْبَلَانِ الدِّبَاغَ؛ لِأَنَّ لَهُمَا جُلُودًا مُتَرَادِفَةً بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْجِلْدَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْإِهَابَ مَعَ كَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ كُلُّ إهَابٍ دُبِغَ لِمَا أَنَّ الْإِهَابَ هُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ فَكَانَ مُهَيَّأً لِلدِّبَاغِ يُقَالُ تَأَهَّبَ لِكَذَا إذَا تَهَيَّأَ لَهُ، وَاسْتَعَدَّ وَجِلْدُ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَا يَتَهَيَّآنِ لِلدَّبْغِ؛ فَلِذَا اسْتَثْنَى بِلَفْظِ الْجِلْدِ دُونَ الْإِهَابِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ لِكَوْنِهِ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَتَأْخِيرُ الْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ أَكْمَلُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ إنَّمَا لَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْدَبِغُ؛ لِأَنَّ شَعْرَهُ يَنْبُتُ مِنْ لَحْمِهِ، وَلَوْ تُصُوِّرَ دَبْغُهُ لَطَهُرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَطْهُرُ، وَإِنْ انْدَبَغَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَطْهُرُ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ أَوْ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ. اهـ. وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جِلْدَهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ حَتَّى لَوْ قَبِلَهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَحِسِ الْعَيْنِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ دَبْغُهُ احْتِرَامًا لَهُ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جِلْدَهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ أَصْلًا احْتِرَامًا لَهُ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ حَتَّى لَا يَتَجَرَّأَ أَحَدٌ عَلَى سَلْخِهِ وَدَبْغِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ إهَابٍ جِلْدُ الْفِيلِ فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْفِيلَ نَجِسُ الْعَيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَسَائِرِ السِّبَاعِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ بَابِ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى لِفَاطِمَةَ سِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» فَظَهَرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ الْعَاجَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ اهـ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَمَشَّطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ قَالَ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا الْحَدِيثُ يُبْطِلُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْفِيلِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي عَظْمِ الْمَيْتَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَدْخُلُ أَيْضًا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ كُلُّ إهَابٍ جِلْدُ الْكَلْبِ فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ رِوَايَاتُ الْمَبْسُوطِ فِيهِ فَذُكِرَ فِي بَيَانِ سُؤْرِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ إلَيْهِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ثُمَّ قَالَ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ عَيْنُهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِطَهَارَةِ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ وَقَالَ فِي بَابِ الْحَدَثِ وَجِلْدُ الْكَلْبِ يَطْهُرُ عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا وَلَكِنَّا نَقُولُ: الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فَلَوْ كَانَ عَيْنُهُ نَجِسَةً لَمَا أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ. ـــــــــــــــــــــــــــــQلِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَلَا تَكُونُ الْكُلِّيَّةُ إلَّا فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْهُ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ طَهَارَةُ الشَّيْءِ حَقِيقَةٌ لَا تَسْتَلْزِمُ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا أَلَا يُرَى أَنَّ جِلْدَ الْآدَمِيِّ إذَا دُبِغَ طَهُرَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا احْتِرَامًا لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا وَكَذَا شَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرَانِ عِنْدَنَا وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا لِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً فَلَمْ تَتَحَقَّقْ عَلَاقَةُ اللُّزُومِ بَيْنَ طَهُرَ وَبَيْنَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا حَتَّى يَصِحَّ حَمْلُ قَوْلِهِ فَقَدْ طَهُرَ عَلَى مَعْنَى فَقَدْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا مَجَازًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ لَيْسَ عِبَارَتُهُ فَقَطْ بَلْ هُوَ كَلَامُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا بَلْ بَيَانُ طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ طَهَارَتِهِ حَقِيقَةً مَتْرُوكًا بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ أَمْرًا مُهِمًّا يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْهَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ وَمِنْهَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي أَوْ فِي ثَوْبِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا قَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ طَهُرَ» وَلَمْ يُنَازِعْ أَحَدٌ فِي كَوْنِ الْمُرَادِ بِالطَّهَارَةِ فِيهِ هُوَ الطَّهَارَةُ حَقِيقَةً اهـ. مَا ذَكَرَهُ الْفَاضِلُ قَاضِي زَادَهْ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَا تَنْحَصِرُ الْعَلَاقَةُ فِي اللُّزُومِ فَلْيَكُنْ طَهُرَ مَجَازًا عَنْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا بِعَلَاقَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةَ السَّبَبِيَّةِ والمسببية مُتَحَقِّقَةٌ لَا تُنْكَرُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةُ اللُّزُومِ. اهـ. أَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ السَّبَبِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَّرِدَةً؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَعَظْمِهِ وَشَعْرِهِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ شَرْعًا كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَلْزُومَةً لَهَا، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَوْ يُقَالُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ شَرْعًا بِجِلْدِ الْآدَمِيِّ بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ مُشَاكَلَةً لِذِكْرِهِ مَعَ الْخِنْزِيرِ الَّذِي لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ حَقِيقَةً فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْخِنْزِيرُ) أَيْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ أَوْ لِأَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى كَمَالِ عَدَمِ قَابِلِيَّةِ الطَّهَارَةِ فِي الْخِنْزِيرِ وَالتَّأْخِيرُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ} [الحج: 40] وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ الْآدَمِيَّ نَظَرًا إلَى كَرَامَتِهِ وَذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ إذَا ذُبِحَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[استعمال جلد الفيل إذا دبغ]

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِ وَذُكِرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْكَلْبِ فِي التَّعْلِيلِ قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِيهِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا جِلْدُ الْكَلْبِ فَعَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ جَعَلَهُ كَالْخِنْزِيرِ وَمَنْ جَعَلَهُ طَاهِرَ الْعَيْنِ جَعَلَهُ مِثْلَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْخِنْزِيرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ: إنَّهُ أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ إلَى الصَّوَابِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ جَرْوٌ أَنَّهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَيَّدَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ اهـ. وَلِذَا صَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَتَبِعَهُ شَارِحُوهَا كَالْأَتْقَانِيِّ وَالْكَاكِيِّ وَالسِّغْنَاقِيِّ وَاخْتَارَ قَاضِي خان فِي الْفَتَاوَى نَجَاسَةَ عَيْنِهِ وَفَرَّعَ عَلَيْهَا فُرُوعًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ عُمُومُ مَا فِي الْمُتُونِ كَالْقُدُورِيِّ وَالْمُخْتَارِ وَالْكَنْزِ طَهَارَةَ عَيْنِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا فَوَجَبَ أَحَقِّيَّةُ تَصْحِيحِ عَدَمِ نَجَاسَتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تَثْبُتُ فِي الْكَلْبِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، وَمَا أُورِدَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ طَهَارَةُ عَيْنِهِ، فَإِنَّ السِّرْقِينِ يُنْتَفَعُ بِهِ إيقَادًا وَتَقْوِيَةً لِلزَّارِعَةِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِ أَجَابَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ هَذَا الِانْتِفَاعَ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي نَجِسِ الْعَيْنِ كَالِاقْتِرَابِ مِنْ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ وَقَالَ فِي الْقُنْيَةِ: رَامِزًا لِمَجْدِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَاَلَّذِي صَحَّ عِنْدِي مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي النَّوَادِرِ وَالْأَمَالِي أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ اهـ. وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ وَذَكَرَ فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ شَرْحَهَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا صَلَّى عَلَى جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ ذِئْبٍ قَدْ ذُبِحَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُفِيدُ عَيْنَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَأَمَّا الْكَلْبُ يَحْتَمِلُ الذَّكَاةَ وَالدِّبَاغَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِمَا رَوَى الْحَسَنُ اهـ. فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَيَطْهُرُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَاسْتُخْرِجَ حَيًّا تَنَجَّسَ الْمَاءُ كُلُّهُ مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ الْخِنْزِيرُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا وَصَلَ فَمَه الْمَاءُ، وَإِذَا ذُكِّيَ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَالْخِنْزِيرِ وَيَطْهُرُ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ وَإِذَا صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ جَرْوًا صَغِيرًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ مُطْلَقًا، وَتَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِكَوْنِهِ مَشْدُودَ الْفَمِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا يُظْهِرُ أَنَّ فِي الْكَبِيرِ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا لِمَا أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ؛ لِأَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ حَمَلَ جَرْوًا صَغِيرًا اتِّفَاقًا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ لِمَا أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِلُعَابِهِ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ، وَهُوَ نَجِسٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: نَجَاسَةُ السُّؤْرِ دَلِيلُ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ، وَقَالَ: الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ بَلْ تَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللُّعَابِ اهـ. وَسَبَبُ نَجَاسَةِ لَحْمِهِ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ مَعَ حُرْمَةِ أَكْلِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَيَانِ الْأَسْآرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ إشْكَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ عَنْ فَهْمِ كَلَامِهِمْ، فَإِنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [اسْتِعْمَال جِلْد الْفِيل إذَا دُبِغَ] (قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُهُ بِكَوْنِهِ جَرْوًا صَغِيرًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَلْ قَيَّدُوا بِهِ لِوُقُوعِ التَّصْوِيرِ بِكَوْنِهِ فِي كُمِّهِ

قَوْلَهُمْ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ وَلِهَذَا عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ لِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ بِأَنَّ سُؤْرَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مُتَحَلِّبٌ مِنْ لُحُومِهَا وَلُحُومُهَا نَجِسَةٌ، وَقَدْ قَالُوا إنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْكَرَامَةِ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِفَسَادِ الْغِذَاءِ كَالذُّبَابِ وَالتُّرَابِ وَلَا لِلْخَبَثِ طَبْعًا كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَلَا لِلْمُجَاوَرَةِ كَالْمَاءِ النَّجِسِ كَانَتْ عَلَامَةُ النَّجَاسَةِ أَيْ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي نَجَاسَةِ لَحْمِهِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ بِمَعْنَى طَهَارَةِ عَظْمِهِ وَشَعْرِهِ وَعَصَبِهِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا بِمَعْنَى طَهَارَةِ لَحْمِهِ لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ فَمُهُ مَشْدُودًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ لُعَابُهُ إلَى ثَوْبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ وَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَنَجَاسَةُ بَاطِنِهِ فِي مَعِدَتِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا لِظُهُورِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ لِحَامِلِهِ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَقِّ حَامِلِ الْخِنْزِيرِ وَإِذَا دَخَلَ الْمَاء فَانْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَفْسَدَهُ، وَلَوْ أَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمَاءُ أَصَابَ الْجِلْدَ وَجِلْدُهُ نَجِسٌ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَصَابَ شَعْرَهُ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ لِمَا ذُكِرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ نَجِسٌ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ إذَا انْتَفَضَ فَأَصَابَ ثَوْبًا لَا يُنَجِّسُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ شَعْرَهُ أَوْ جِلْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ شَاهِدًا لِلْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، فَقَالَ مَنْ جَعَلَهُ نَجِسَ الْعَيْنِ اسْتَدَلَّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكَلْبَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ صَاحِبَ التَّجْنِيسِ ذَكَرَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ التَّفْصِيلِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْمَسَائِلُ تُشِيرُ إلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَنْجَاسِ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى بِمَا لَفْظُهُ وَمَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ التَّجْنِيسِ مَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ مَوْضِعَ رِجْلِ كَلْبٍ فِي الثَّلْجِ أَوْ الطِّينِ وَنَظَائِرِ هَذِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ وَلَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ اهـ. فَقَوْلُهُ وَنَظَائِرُ هَذَا أَرَادَ بِهِ مِثْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَعَلَّلَ النَّجَاسَةَ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَصَابَ الْمَاءَ جِلْدُهُ بِتَعْلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتُ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا أَصَابَ جِلْدَهُ وَانْتَفَضَ، فَأَصَابَ الثَّوْبَ نَجَّسَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَأْوَاهُ النَّجَاسَاتِ صَارَ جِلْدُهُ مُتَنَجِّسًا، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ الشَّعْرُ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ شَعْرُهُ أَيْضًا فَإِذَا انْتَفَضَ الْخِنْزِيرُ فَأَصَابَ ثَوْبًا نَجَّسَهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَصَابَ الْمَاءُ جِلْدَهُ أَوْ شَعْرَهُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَيْضًا الْكَلْبُ إذَا أَخَذَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ إنْ أَخَذَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَلَا رُطُوبَةَ فِيهَا، وَإِنْ أَخَذَهُ فِي حَالَةِ الْمِزَاحِ يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَشَفَتَاهُ رَطْبَةٌ فَيَتَنَجَّسُ اهـ. وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ رَامِزًا لِلْوَبَرِيِّ عَضَّهُ كَلْبٌ وَلَا يَرَى بَلَلًا لَا بَأْسَ بِهِ يَعْنِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلنَّجَاسَةِ، وَهُوَ الرِّيقُ سَوَاءٌ كَانَ مُلَاعِبًا أَوْ غَضْبَانًا، وَهُوَ الْفِقْهُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُلْتَقَطِ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَرَ الْبَلَلَ سَوَاءٌ كَانَ رَاضِيًا أَوْ غَضْبَانًا وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَوَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي عِقْدِ الْفَوَائِدِ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَلَامَةُ الِابْتِلَالِ أَنْ لَوْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ تَبْتَلُّ يَدُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ، فَظَاهِرٌ وَإِمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ) أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ أَكْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلْأَكْلِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ أَجَابَ فِي الْمُحِيطِ) أَيْ أَجَابَ عَمَّا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ فِي مَسَائِلِ الْآبَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَ حَيًّا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَصِلْ فَمُهُ الْمَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.

عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لُعَابَهُ نَجِسٌ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ صَلَّتْ وَفِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ فِيهَا سِنُّ كَلْبٍ أَوْ أَسَدٍ أَوْ ثَعْلَبٍ فَصَلَاتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا الذَّكَاةُ وَكُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ فَعَظْمُهُ لَا يَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ اهـ. وَكَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ أَسْنَانَ الْكَلْبِ طَاهِرَةً وَأَسْنَانَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةً؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَتَكُونُ أَسْنَانُهُ نَجِسَةً كَالْخِنْزِيرِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَسْنَانِ الْآدَمِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا، وَأَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ شَيْءٍ يُغْسَلُ ثَلَاثًا، وَيُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَطْهُرَ بِالْجَفَافِ قِيَاسًا عَلَى الْكَلَأِ إذَا تَنَجَّسَ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الطَّهَارَةُ فِي الْكَلَأِ بِالْجَفَافِ حَصَلَتْ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْأَرْضِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ فَهُوَ جَائِزٌ هَكَذَا نَقَلُوا وَأَطْلَقُوا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَالْخِنْزِيرِ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ الْبُيُوعِ أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ جَائِزٌ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَفِي التَّجْنِيسِ مِنْ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ رَجُلٌ ذَبَحَ كَلْبَهُ ثُمَّ بَاعَ لَحْمَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ طَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ خِنْزِيرَهُ ثُمَّ بَاعَهُ. اهـ. فَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى التَّجْرِيدِ أَنَّ الْكَلْبَ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ ضَمِنَهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَفِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الْكَلْبَ يَجُوزُ وَالسِّنَّوْرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السِّنَّوْرَ لَا يُعْلَمُ وَنُقِلَ عَنْ التَّجْرِيدِ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَلْبًا مُعَلَّمًا أَوْ بَازِيًا لِيَصِيدَ بِهِمَا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ قَالَ لَعَلَّهُ لِفَقْدِ الْعُرْفِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ التَّكَلُّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَلْبِ، وَهَذَا الْبَيَانُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الْكِتَابِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ دُبِغَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَسْتَوِي أَنَّهُ يَكُونُ الدَّابِغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً إذَا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ، فَإِنْ دَبَغَهُ الْكَافِرُ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يَدْبُغُونَ بِالسَّمْنِ النَّجِسِ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِيهِ مَسْأَلَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ إذَا كَانَ جِلْدُ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنْهَا «وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا مَعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالدِّبَاغِ وَالِانْتِفَاعِ» ، وَأَمَّا إذَا كَانَ جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ كَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ فِيهِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ الذَّكَاةِ وَذَكَاتُهُ لَا تُبِيحُهُ فَكَذَا دِبَاغُهُ. اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَاتِ كُلُّهُ مَذْهَبُنَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَنَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْمَذَاهِبِ مِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَدْخُلُ الْآدَمِيُّ فِي هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ أَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَجِلْدُهُ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ شَيْءٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَطْهُرُ الْجَمِيعُ حَتَّى الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ إلَّا أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ وَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجِلْدِ وَغَيْرِهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: كَجِلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يَعْنِي فِي الْحِلِّ وَسَوَاءٌ فِيهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ كَنَحْوِ أَكْلِ تُرَابٍ لَا يَضُرُّ فَحِلُّ جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُرْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَذَلِكَ وَالْخِلَافُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنْ الْمَأْكُولِ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ وَالصَّحِيحُ حُرْمَتُهُ تَأَمَّلْ

لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الدِّبَاغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَوَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي شَاةٍ مَيِّتَةٍ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا خَرَجَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنْ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ وَالدِّبَاغُ إنَّمَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ فَإِذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ لَا تُطَهِّرُهُمَا فَالدِّبَاغُ أَوْلَى وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ عَامٌّ فَإِخْرَاجُ الْخِنْزِيرِ مِنْهُ لِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ إيَّاهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] بِنَاءً عَلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِعَوْدِهِ وَعِنْدَ صَلَاحِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِذَلِكَ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ جُوِّزَ عَوْدُ ضَمِيرِ مِيثَاقِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] إلَى كُلٍّ مِنْ الْعَهْدِ وَلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَتَعَيَّنَ عَوْدُهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَإِلَى الْمُضَافِ فِي قَوْلِك رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمْته؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ رَتَّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فَتَعَيَّنَ هُوَ مُرَادًا بِهِ، وَإِلَّا اخْتَلَّ النَّظْمُ فَإِذَا جَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةً وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ احْتِيَاطٍ وَجَبَ إعَادَتُهُ عَلَى مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ، وَهُوَ بِمَا قُلْنَا كَذَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِمَّا ظَهَرَ لِي فِي فُؤَادِي مِنْ الْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَجْوِبَةِ الْإِلْهَامِيَّةِ أَنَّ الْهَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] خَرَجَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ، فَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ لِكَوْنِهِ مُصَادَرَةً، وَهَذَا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ لَحْمِهِ عُرِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145] ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الشَّيْءِ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْغِذَاءِ لَا لِلْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ، فَإِنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ أَمَّا إذَا رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى الْخِنْزِيرِ فَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ حَاصِلُ الْكَلَامِ لَحْمَ خِنْزِيرٍ نَجِسٍ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسٌ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ نَجِسٌ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْبَابِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرُ بِأَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ بِمَعْزِلٍ عَنْ الصَّوَابِ، وَكَيْفَ لَا وَالْجَرْيُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مِمَّا يَسُدُّ بَابَ التَّعْلِيلِ بِالْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْأَحْكَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الثَّانِي عِلَّةً لِلشَّيْءِ الْأَوَّلِ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لِذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ قَطْعًا، وَلِنُوَضِّحهُ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إنَّهُ رِجْسٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّحْرِيمِ وَكَوْنُ التَّحْرِيمِ لَا لِلتَّكْرِيمِ عَلَامَةً عَلَى نَجَاسَةِ الْمُحَرَّمِ كَمَا هُنَا يُصَحِّحُ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نَجِسًا عِلَّةً لِتَحْرِيمِهِ لَا أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ النَّجَاسَةِ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ تَعْلِيلُ التَّحْرِيمِ الْكَائِنِ لَا لِلتَّكْرِيمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ قَائِمٍ بِالْعَيْنِ الْمُحَرَّمَةِ، وَهُوَ الْقَذَارَةُ حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْتِزَامِ الْمُرُوءَةِ بِمُجَانَبَةِ الْأَقْذَارِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْهَا وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا} [النساء: 22] فَقَوْلُهُ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} [النساء: 22] تَعْلِيلٌ لِتَحْرِيمِ نِكَاحِ مَنْكُوحَاتِ الْآبَاءِ مَعَ أَنَّ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِنَّ عَلَامَةٌ عَلَى قُبْحِهِ مَمْقُوتًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ عِلَّةً لَهُ اهـ. وَهُوَ كَمَا تَرَى فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ أَحْمَدَ أَمَّا عَلَى الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّتْهَا السُّنَّةُ كَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: رُتِّبَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ. وَقَوْلُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَكَلِمَتُهُ نَائِبُ فَاعِلٍ رُتِّبَ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ شَارِحٌ مُتَأَخِّرٌ) أَقُولُ: هُوَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيّ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي

فَالِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ يَمْنَعُ تَقْدِيمَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّ النَّاسِخَ أَيَّ مُعَارِضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاكَلَتِهِ فِي الْقُوَّةِ؛ وَلِذَا قَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَرَكَهُ لِلِاضْطِرَابِ فِيهِ أَمَّا فِي السَّنَدِ فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ فَوْقُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ فَدَخَلُوا وَوَقَفْت عَلَى الْبَابِ فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ» الْحَدِيثَ فَفِي هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الدَّاخِلِينَ وَهُمْ مَجْهُولُونَ، وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ فَفِي رِوَايَةٍ بِشَهْرٍ وَفِي أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفِي أُخْرَى بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَذَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ ثُمَّ كَيْفَ كَانَ لَا يُوَازِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّحِيحَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّرْجِيحِ ثُمَّ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا فِي مَعَاضَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَبَعْدَهُ يُسَمَّى شَنًّا وَأَدِيمًا وَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا «كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِجِلْدٍ وَلَا عَصَبٍ» فِي سَنَدِهِ فُضَالَةُ بْنُ مُفَضِّلٍ مُضَعَّفٌ وَالْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَوْلَا الِاضْطِرَابُ الْمَذْكُورُ، فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْتَفِعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقْذَرٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِهِ ظَاهِرًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا وَالْحَسَنُ لَا اضْطِرَابَ فِيهِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي صُحْبَةِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَا يَقْدَحُ فِي حُجِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لَيْسَ صَحَابِيًّا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَقُّ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ إلَخْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْحَازِمِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُكَيْمٍ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي النَّسْخِ وَلَكِنَّهُ كَثِيرُ الِاضْطِرَابِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَنَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدُونِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّمَا حَسَّنَهُ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَجْهَ ضَعْفِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا أَعْنِي كَوْنَهُ مُرْسَلًا صَالِحٌ لَأَنْ يُجَابَ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى الْعَمَلَ بِالْمُرْسَلِ لَا أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ «سَوْدَةَ قَالَتْ مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، وَهُوَ جِلْدُهَا فَمَازِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَائِعٍ وَهُمْ لَا يُجِيزُونَهُ، وَإِنْ كَانُوا يُجِيزُونَ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَإِنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، فَهُوَ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْكَلْبُ؛ لِأَنَّ أَيًّا فِي الْحَدِيثِ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَتَعُمُّ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْعُمُومِ لِعَارِضٍ ذَكَرْنَاهُ، وَلَقَدْ أَنْصَفَ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا فَتَرَكَهَا " لِأَنِّي الْتَزَمْت فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ الْإِعْرَاضَ عَنْ الدَّلَائِلِ الْوَاهِيَةِ " اهـ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْكَلْبَ كَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدِّبَاغَ جَائِزٌ بِكُلِّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ، وَلَوْ تُرَابًا أَوْ مِلْحًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بِالشَّمْسِ وَالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ قَالَ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا أَوْ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمَا بِمَعْنَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ اسْمَ الدِّبَاغِ يَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ بِالتَّشْمِيسِ وَالتَّتْرِيبِ فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِمَّا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَرَهْنِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ ذَكَرَ خِلَافًا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَيْتَةِ وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهُ بِالْخَمْرِ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولًا أَوْ لَا أَمَّا طَهَارَةُ جِلْدِهِ، فَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ إنَّمَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ سُؤْرُهُ نَجِسًا اهـ. وَأَمَّا طَهَارَةُ لَحْمِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّجْنِيسِ طَهَارَتَهُ وَصَحَّحَ فِي الْأَسْرَارِ وَالْكِفَايَةِ وَالتَّبْيِينِ نَجَاسَتَهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِي الْخُلَاصَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان، وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فَصَحَّحَ فِي الْكَافِي نَجَاسَتَهُ وَاخْتَارَ فِي الْكَنْزِ فِي الذَّبَائِحِ طَهَارَتَهُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا بِدَلَائِلِهَا وَبَيَانِ مَا هُوَ الْحَقُّ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَقَدْ سَمَّى بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مَأْكُولًا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِتِلْكَ الذَّكَاةِ فَذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ لَا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا تُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا، وَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ الْمِعْرَاجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الطَّهَارَةَ عَنْ الْقُنْيَةِ أَيْضًا هُنَا وَصَاحِبُ الْقُنْيَةِ هُوَ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى، وَهُوَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ الْمَشْهُورُ عِلْمُهُ وَفِقْهُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ بِصِيغَةِ قِيلَ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خان وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي السِّنْجَابُ إذَا أُخْرِجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَعُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِوَدَكِ الْمَيْتَةِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُغْسَلْ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَدْبُوغٌ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ، وَإِنْ شَكَّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُغْسَلَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَالْمَيْتَةِ وَعَظْمُهُمَا طَاهِرَانِ) إنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَنَا وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَوِيَّةِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ بَعْدَ مَوْتِ مَا هِيَ جُزْؤُهُ كَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْمِنْقَارِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْحَافِرِ وَالظِّلْفِ وَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ الضَّعِيفِ الْقِشْرُ وَالْإِنْفَحَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْإِنْفَحَةِ وَاللَّبَنِ هَلْ هُمَا مُتَنَجِّسَانِ فَقَالَا نَعَمْ لِمُجَاوِرَتِهِمَا الْغِشَاءَ النَّجِسَ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِنْفَحَةُ جَامِدَةً تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَإِلَّا تَعَذَّرَ طَهَارَتُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَا بِمُتَنَجِّسَيْنِ وَعَلَى قِيَاسِهِمَا قَالُوا فِي السَّخْلَةِ إذَا سَقَطَتْ مِنْ أُمِّهَا، وَهِيَ رَطْبَةٌ فَيَبِسَتْ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ لَا تَنْجُسُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَعْدِنِهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي إدْخَالِ الْعَصَبِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّ فِي الْعَصَبِ رِوَايَتَيْنِ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الصَّحِيحَ نَجَاسَتُهُ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْفَتْحِ تَبِعَ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ فَالتَّحْرِيرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ أَجْزَاءَ الْمَيْتَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَمٌ أَوْ لَا فَالْأُولَى كَاللَّحْمِ نَجِسَةٌ وَالثَّانِيَةُ فَفِي غَيْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنْ كَانَتْ صُلْبَةً كَالشَّعْرِ وَالْعَظْمِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا الْإِنْفَحَةُ الْمَائِعَةُ وَاللَّبَنُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا نَجِسٌ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ نَجِسَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا الصَّلَاةُ مَعَهَا إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَزْنًا أَوْ عَرَضًا وَفِي رِوَايَةٍ طَاهِرَةٌ لِعَدَمِ الدَّمِ وَعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ لِلْكَرَامَةِ، وَأَمَّا الْعَصَبُ فَفِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَقُولُ: الَّذِي اخْتَارَهُ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ طَهَارَتُهُ فَرَاجِعْهُ تَجِدْ مَا فِي نَقْلِهِ عَنْهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اخْتَارَهُ فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ كُتُبِهِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ قَدْ اخْتَلَفَ كَمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْكَنْزِ وَفِي الْكَافِي تَبْيِينٌ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: عِبَارَةُ التَّبْيِينِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الَّتِي اطَّلَعْنَا عَلَيْهَا، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِهَا وَلَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ كَمَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ. (قَوْلُهُ: وَالْإِنْفَحَةِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ أَوْ تَشْدِيدِهَا شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَصْفَرُ يُعْصَرُ فِي صُوفَةٍ مُبْتَلَّةٍ فِي اللَّبَنِ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ وَلَا تَكُونُ إلَّا لِذِي كَرِشٍ وَقِيلَ مِنْ نَفْسِ الْكَرِشِ إلَّا أَنَّهُ يُسَمَّى إنْفَحَةً مَا دَامَ رَضِيعًا، وَإِنْ رَعَى الْعُشْبَ سُمِّيَ كَرِشًا وَيُقَالُ لَهَا الْمِنْفَحَةُ أَيْضًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ جَلَبِي عَلَى الزَّيْلَعِيِّ وَقَالَ ابْنُ فَرْشَتَةَ فِي شَرْحِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ (وَإِنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ طَاهِرٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وَلَبَنُهَا طَاهِرٌ) إنْفَحَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً كَرِشُ الْجَدْيِ أَوْ الْجَمَلِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ يَأْكُلْ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ بنيرمايه

رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً وَالْحِسُّ يَقَعُ بِهِ اهـ. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَشَعْرُهُ وَعَظْمُهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ وَرُخِّصَ فِي شَعْرِهِ لِلْخَرَّازِينَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَهُمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ وَقَعَ شَعْرُهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُنَجَّسُ، وَإِنْ صَلَّى مَعَهُ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدَّرَاهِمِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ قِيلَ وَزْنًا وَقِيلَ بَسْطًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَذَكَرَ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِنَجَاسَتِهِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَرَجَّحَهُ فِي الِاخْتِيَارِ وَفِي التَّجْنِيسِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ عِظَامِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُحِلُّ الْعِظَامَ الْمَوْتُ وَلَيْسَ فِي الْعِظَامِ دَمٌ فَلَا تَنَجُّسَ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا بَيْعَ عِظَامِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ عَظْمَ الْمَيْتَةِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دُسُومَةٌ وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَّسَهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ شَعْرُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا يَكُونُ طَاهِرًا إذَا كَانَ مَحْلُوقًا أَوْ مَجْزُوزًا، وَإِنْ كَانَ مَنْتُوفًا، فَهُوَ نَجِسٌ وَكَذَا شَعْرُ الْآدَمِيِّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَجَاسَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَظُفْرِهِ رِوَايَتَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الطَّهَارَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي السِّنِّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ لَا يَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَقِيلَ هُوَ عَظْمٌ وَمَا وَقَعَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ أَسْنَانَ الْكَلْبِ إذَا كَانَتْ يَابِسَةً طَاهِرَةٌ وَأَسْنَانُ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَمَا يَطْهُرُ بِهَا فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ سِنَّ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعُلِّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا وَالْمُنَجَّسُ هُوَ الدَّمُ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً مِنْ الْكَلْبِ نَجِسَةً مِنْ الْآدَمِيِّ الْمُكَرَّمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا احْتِرَامًا لِلْآدَمِيِّ كَمَا إذَا طُحِنَ سِنُّ الْآدَمِيِّ مَعَ الْحِنْطَةِ أَوْ عَظْمُهُ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُ الْخُبْزِ الْمُتَّخَذِ مِنْ دَقِيقِهِمَا لَا لِكَوْنِهِ نَجِسًا بَلْ تَعْظِيمًا لَهُ كَيْ لَا يَصِيرُ مُتَنَاوِلًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ كَذَا هَذَا وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَعَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ قُطِعَتْ أُذُنُهُ أَوْ قُلِعَتْ سِنُّهُ فَأَعَادَ أُذُنَهُ إلَى مَكَانِهَا أَوْ سِنَّهُ السَّاقِطَ إلَى مَكَانِهَا فَصَلَّى أَوْ صَلَّى وَأُذُنُهُ أَوْ سِنُّهُ فِي كُمِّهِ يُجْزِيه؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ لَا يُحِلُّهُ الْمَوْتُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ اهـ. لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّنِّ مُسَلَّمٌ أَمَّا الْأُذُنُ فَقَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ مِنْ الْأَجْزَاءِ إنْ كَانَ الْمُبَانُ جُزْءًا فِيهِ دَمٌ كَالْيَدِ وَالْأُذُنِ وَالْأَنْفِ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَمٌ كَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالظُّفْرُ، فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اهـ. لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَالْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قَلَعَ إنْسَانٌ سِنَّهُ أَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ ثُمَّ أَعَادَهُمَا إلَى مَكَانِهِمَا أَوْ صَلَّى وَسِنُّهُ أَوْ أُذُنُهُ فِي كُمِّهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ. فَهَذَا يُقَوِّي مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِيدَهَا إلَى مَكَانِهَا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ اهـ. وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْفَتَاوَى يَنْدَفِعُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ سِنَّ غَيْرِهِ أَوْ حَامِلٌ سِنَّ نَفْسِهِ وَلَمْ يَضَعْهَا فِي مَكَانِهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَذَا ذَكَر فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ سِنَّ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا عَلِمْت وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالتَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ جِلْدُ الْإِنْسَانِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَوْ قِشْرُهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلَ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ وَنَحْوِهِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَعْنِي قَدْرَ الظُّفْرِ يَفْسُدُ وَالظُّفْرُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ اهـ. وَعَلَّلَ لَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الْجِلْدَ وَالْقِشْرَ مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَالظُّفْرُ عَصَبٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْكُلُّ نَجِسٌ إلَّا شَعْرَ الْآدَمِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وَهُوَ عَامٌّ لِلشَّعْرِ وَغَيْرِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَعْنِي إنْفَحَةٌ الْمَيْتَةِ جَامِدَةً كَانَتْ أَوْ مَائِعَةً طَاهِرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا لَبَنُهَا أَمَّا الْإِنْفَحَةُ الْجَامِدَةُ؛ فَلِأَنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تَحُلَّ فِيهَا، وَأَمَّا الْمَائِعَةُ وَاللَّبَنُ، فَإِنَّ نَجَاسَةَ مَحَلِّهِمَا لَمْ تَكُنْ مُؤَثِّرَةً فِيهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ اللَّبَنُ الْخَارِجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ طَاهِرٌ فَلَا تَكُونُ مُؤَثِّرَةً بَعْدَ الْمَوْتِ (وَقَالَا نَجِسٌ) يَعْنِي قَالَا إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ مُطْلَقًا نَجِسٌ وَلَبَنُهَا أَيْضًا نَجِسٌ؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ يُوجِبُ تَنَجُّسَ مَا فِيهِ (وَتَطْهُرُ الْجَامِدَةُ بِالْغُسْلِ) قَيَّدَ بِالْجَامِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَةَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ عِنْدَهُمَا كَذَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ (أَقُولُ) لَا حَاجَةَ إلَى إرْدَافِ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ مِنْ قَوْلِهِ طَاهِرٌ، وَلَوْ قَالَ وَقَالَا تَطْهُرُ الْجَامِدَةُ بِالْغَسْلِ لَكَانَ كَافِيًا لَاحَ إلَى اشْتِبَاهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَائِعَةَ إنْ كَانَتْ مَا تَنْعَصِرُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَطْهُرَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْعَصِرُ فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْمُنْعَصِرِ عِنْدَهُ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ ثَلَاثًا اهـ. قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ تَنْبِيهٌ وَقَدْ عَرَفْت مِنْ هَذَا أَنَّ نَفْسَ الْوِعَاءِ الَّذِي سَيَصِيرُ كَرِشًا نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِطْلَاقِ بِكَوْنِ الْمِنْفَحَةِ طَاهِرَةً عِنْدَهُ مُتَنَجِّسَةٌ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ مَائِعَةً هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوِعَاءُ الْمَذْكُورُ فَقَطْ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمِنْفَحَةُ مِنْ شَاةٍ مَيِّتَةٍ كَمَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَكِيَّةٍ فَهِيَ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْإِذْنُ فَقَدْ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَا فِي الْبَدَائِعِ بِالنَّظَرِ إلَى

وَلَنَا فِي الْمَعْهُودِ فِيهَا حَالَةُ الْحَيَاةِ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْمَوْتُ النَّجَاسَةَ فِيمَا يُحِلُّهُ وَلَا تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ فَلَا يُحِلُّهَا الْمَوْتُ، وَإِذَا لَمْ يُحِلَّهَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ الْوَصْفِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ لِعَدَمِ الْمُزِيلِ وَفِي السُّنَّةِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي شَاةِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ حِينَ مَرَّ بِهَا مَيِّتَةً «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي لَفْظٍ «إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا» وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَيْتَةِ لَحْمَهَا فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ، فَلَا بَأْسَ» ، وَهُوَ وَإِنْ أَعَلَّه بِتَضْعِيفِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُسْلِمٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَهُوَ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَضَعَّفَهُمَا وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِمَعْنَاهُ ضَعِيفَةُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَمَشَّطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ» وَضَعَّفَهُ فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَوْ كَانَتْ ضَعِيفَةً حَسُنَ الْمَتْنُ فَكَيْفَ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحُسْنِ وَلَهُ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُخْتَصَرًا وَفِي الْبَدَائِعِ لِأَصْحَابِنَا طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا زَالَتْ حَيَاتُهُ لَا بِصُنْعِ أَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ أَوْ بِصُنْعٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ وَلَا حَيَاةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَكُونُ مَيْتَةً وَالثَّانِي أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ لَيْسَتْ لِأَعْيَانِهَا بَلْ لِمَا فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي هَذِهِ الْأَجْزَاءِ اهـ. وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى الثَّانِيَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْهِدَايَةِ لَا تَجْرِي فِي الْعَصَبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَكَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ الْحَيُّ بِقَطْعِهِ بِخِلَافِ الْعَظْمِ، فَإِنَّ قَطْعَ قَرْنِ الْبَقَرَةِ لَا يُؤْلِمُهَا فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَظْمِ حَيَاةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَالْأُولَى هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَعَلَيْهَا لَا يُحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ الْمَيْتَاتِ إلَّا أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ إنَّمَا هِيَ لِمَا فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ وَالْعَصَبُ صَقِيلٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْعَظْمِ وَالشَّعْرِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يُثْبِتُ الْحَيَاةَ فِي الْعِظَامِ وَيَقُولُ إنَّ عِظَامَ الْمَوْتَى نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يُؤَثِّرُ فِيهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهَا، وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَهِيَ عِنْدَهُمْ طَاهِرَةٌ وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ وَالْعَصَبُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُحِلُّهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَوْتُ، وَيَقُولُونَ الْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ الْعِظَامِ فِي الْآيَةِ رَدُّهَا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً فِي بَدَنٍ حَيٍّ حَسَّاسٍ اهـ. وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ لَمْ يَرْتَضِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ يَزْعُمُونَ لِأَنَّ زَعَمَ مَطِيَّةُ الْكَذِبِ كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَعَمَ خَاصٌّ فِي الْبَاطِلِ بَلْ يُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِيهِ وَتَارَةً فِي الْحَقِّ فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «زَعَمَ رَسُولُك أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ» صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ النُّفُوسُ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] إلَى الْعِظَامِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَقْسَامِهِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا ثُمَّ يُؤْتَى بَعْدَهُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَفِي الْمَعْنَى عَلَى مَعْنَاهُ الْآخَرِ كَقَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالسَّمَاءِ الْمَطَرَ وَأَرَادَ بِالضَّمِيرِ فِي رَعَيْنَاهُ النَّبَاتَ وَالنَّبَاتُ أَحَدُ مَعْنَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَطَرَ سَبَبُهُ وَسَوَّغَ لَهُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَى النَّبَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، وَهُوَ السَّمَاءُ الَّتِي أُرِيدَ بِهَا الْمَطَرُ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْعِظَامَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا: مُرَادٌ، وَهُوَ النُّفُوسُ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ، وَهُوَ الْعِظَامُ الْحَقِيقِيَّةُ غَيْرُ مُرَادٍ ثُمَّ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى غَيْرِ الْمَقْطُوعِ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِي الْأَشْبَاهِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ إلَّا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ كَثُرَ فَتَأَمَّلْ وَفِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ قُلْت وَالْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ أَنَّ إعَادَةَ الْأُذُنِ وَثَبَاتَهَا إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهَا مِمَّا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهَا بِعَوْدِ الْحَيَاةِ إلَيْهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ وَلَوْ فَرَضْنَا شَخْصًا مَاتَ ثُمَّ أُعِيدَتْ حَيَاتُهُ مُعْجِزَةً أَوْ كَرَامَةً لَعَادَ طَاهِرًا اهـ.

{وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] يَعُودُ إلَى الْعِظَامِ بِالْمَعْنَى الْغَيْرِ الْمُرَادِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ النُّفُوسُ فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَصْحَابُ الْعِظَامِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ فَإِنْ قُلْت الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ إحْيَاؤُهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَحْوَالُهَا لَا تُنَاسِبُ أَحْوَالَ الدُّنْيَا قُلْنَا سَوْقُ الْكَلَامِ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إعَادَتَهَا فِي الْآخِرَةِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ بَالِيَةً خَالِيَةً عَنْ اسْتِعْدَادِ الْعَوْدِ إلَيْهَا فِي زَعْمِهِمْ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِغَيْرِ الْعَظْمِ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ الْآيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ جَعَلَ لَنَا الِانْتِفَاعَ، وَلَمْ يَخُصَّ شَعْرَ الْمَيْتَةِ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَهُوَ عُمُومٌ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ دَلِيلٌ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْأَصْلَ كَوْنُهَا طَاهِرَةً قَبْلَ الْمَوْتِ بِإِجْمَاعٍ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى نَجَاسَةٍ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، فَإِنْ قِيلَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ قُلْنَا نَخُصُّهُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ الصُّوفِ، وَلَيْسَ فِي آيَتِكُمْ ذِكْرُ الصُّوفِ صَرِيحًا، فَكَانَ دَلِيلُنَا أَوْلَى كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ أَنَّ الصُّوفَ لِلْغَنَمِ وَالْوَبَرَ لِلْإِبِلِ وَالشَّعْرَ لِلْمَعْزِ وَقَدْ أَجَابَ الْأَتْقَانِيُّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ حُرْمَةَ الْأَكْلِ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ وَلَئِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رُطُوبَةٌ فَنَقُولُ نَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا بِنَجَاسَتِهِ إذَا بَقِيَتْ الرُّطُوبَةُ وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا لَمْ تَبْقَ الرُّطُوبَةُ بِهِ فِي الْعَظْمِ وَالْحَافِرِ وَالظِّلْفِ وَنَحْوِهِ إذَا غُسِلَ الشَّعْرُ وَنَحْوُهُ وَأُزِيلَ عَنْهُ الدَّمُ الْمُتَّصِلُ وَالرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ وَلَئِنْ قَالَ الشَّعْرُ يَنْمُو بِنَمَاءِ الْأَصْلِ فَنَقُولُ: نَعَمْ يَنْمُو وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّمَاءَ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا فِي النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَقَوْلُهُ بِنَمَاءِ الْأَصْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْمُو مَعَ نُقْصَانِ الْأَصْلِ كَمَا إذَا هَزَلَ الْحَيَوَانُ بِسَبَبِ مَرَضٍ فَطَالَ شَعْرُهُ اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ تَعْرِيفُ الْمَوْتِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ فَقَالَ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَابِ الْأَهْلِيَّةِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ زَوَالُ الْحَيَاةِ، فَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ وَتَفْسِيرُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِهِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكُرْدِيِّ اهـ. وَهَكَذَا أَوَّلَهُ فِي الْكَافِي وَذُكِرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ الْمَوْتَ ضِدُّ الْحَيَاةِ وَالضِّدَّانِ صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَيَجُوزُ ارْتِفَاعُهُمَا وَزَوَالُ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِضِدِّ الْحَيَاةِ كَمَا أَنَّ زَوَالَ السُّكُونِ لَيْسَ بِضِدِّ السُّكُونِ فَكَانَ هَذَا تَعْرِيفًا بِلَازِمِهِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِضِدٍّ لَهَا، وَكَيْفَ يُقَالُ هَذَا وَزَوَالُ الْحَيَاةِ مَعَ الْحَيَاةِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَيْسَ مَعْنَى التَّضَادِّ إلَّا هَذَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِوُجُودِيٍّ فَهَلْ لِزَوَالِ الْحَيَاةِ وُجُودٌ أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْت نَعَمْ فَيَكُونُ زَوَالُ الْحَيَاةِ وُجُودِيًّا، وَإِنْ قُلْت لَا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ زَوَالُ الْحَيَاةِ حَيَاةً، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ زَوَالِ الْحَيَاةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَيَاةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ نَفْسُ زَوَالِ الْحَيَاةِ لَا عَدَمُ زَوَالِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَقِيضِ الشَّيْءِ عَدَمِيًّا أَنْ يَكُونَ عَدَمَ عَدَمِهِ حَتَّى يَكُونَ نَفْيَ النَّفْيِ، فَيَكُونُ إثْبَاتًا، وَأَمَّا جَعْلُهُ زَوَالَ الْحَيَاةِ ضِدًّا لَهَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ التَّضَادَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَوْجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ يُمْكِنُ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْآخَرِ تَعَاقُبٌ عَلَى الْمَوْضُوعِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، وَهِيَ مَا يَكُونُ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُغَايِرَ الْمُقْتَضَى الْآخَرِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى أَحَدِهِمَا قَبْضُ الْبَصَرِ وَمُقْتَضَى الثَّانِي تَفْرِيقُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ زَوَالَ الْحَيَاةِ عَدَمِيٌّ فَلَا يَكُونُ ضِدًّا لَهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ إنَّمَا هُوَ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَعْقُولِ أَمَّا عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَالضِّدُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ) أَيْ، فَإِنْ قُلْت فِي الْجَوَابِ عَنْ الْآيَةِ جَوَابًا رَابِعًا (قَوْلُهُ: وَإِذَا غُسِلَ الشَّعْرُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ تَبْقَ الرُّطُوبَةُ

مَا يُقَابِلُ الشَّيْءَ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ سَوَاءٌ كَانَا وُجُودِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا وُجُودِيٌّ، وَالْآخَرُ عَدَمِيٌّ وَقَدْ اخْتَارَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمِيٌّ فَقَالَ وَالْحَيَاةُ مَا يَصِحُّ بِوُجُودِهِ الْإِحْسَاسُ وَقِيلَ مَا يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ حَيًّا، وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ، وَالْمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ فِيهِ وَمَعْنَى خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ إيجَادُ ذَلِكَ الْمُصَحِّحِ وَإِعْدَامُهُ قَالَ الطِّيبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ وَالْمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ فِيهِ الِانْتِصَافُ لِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ وَاعْتِقَادُ السُّنِّيَّةِ أَنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ ضَادَّ الْحَيَاةَ وَكَيْفَ يَكُونُ عَدَمِيًّا وَقَدْ وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا وَعَدَمُ الْحَوَادِثِ أَزَلِيٌّ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدُومُ مَخْلُوقًا لَزِمَ وُقُوعُ الْحَوَادِثِ أَزَلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ وَقَالَ صَاحِبُ الْفَوَائِدِ: لَوْ كَانَ الْمَوْتُ عَدَمَ الْحَيَاةِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنَى خَلْقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ إيجَادُ ذَلِكَ الْمُصَحِّحِ وَإِعْدَامُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مَنْظُورٌ فِيهِ وَقَالَ الْإِمَامُ: هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْتِ قِيلَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَقِيلَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضَادَّةٌ لِلْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] وَالْعَدَمُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ إلَى هُنَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْمَوْتُ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ وَلَا فِنَاءٍ صِرْفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَتُهُ وَحَيْلُولَةٌ بَيْنَهُمَا وَتَبَدُّلُ حَالٍ وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ وَالْحَيَاةُ عَكْسُ ذَلِكَ وَنَقَلَ أَقْوَالًا فِيهِمَا لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ كَالْحَيَاةِ وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا فِي الْكَشْفِ أَوْ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ عَدَمِيٌّ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمَوْتَ يَكُونُ بَعْدَ الْحَيَاةِ إذْ مَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَيَاةٌ لَا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الْمَوْتِ بِعَدَمِ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا اُتُّفِقَ لَهَا اهـ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ يُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] وَفِي الْكَشَّافِ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ قِيلَ لَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ جَمَادًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَيِّتٌ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْحَيَاةُ مِنْ الشَّيْءِ قُلْت بَلْ يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ جَمَادًا لِعَادِمِ الْحَيَاةِ كَقَوْلِهِ {بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان: 49] {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ} [يس: 33] {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} [النحل: 21] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً فِي اجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنْ لَا رُوحَ وَلَا إحْسَاسَ اهـ. وَقَرَّرَ الْقُطْبُ فِي حَاشِيَتِهِ الِاسْتِعَارَةَ بِأَنْ يُشَبَّهَ الْجَمَادُ بِالْمَيِّتِ فِي عَدَمِ الرُّوحِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ اللَّفْظُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَتِمَّةٌ) نَافِجَةُ الْمَسْكِ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ) لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ عِنْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يُرَاقَ كُلُّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءُ الْبِئْرِ نَقْضًا فِي أَنَّهُ لَا يُنْزَحُ كُلُّهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَذَكَرَ أَحْكَامَهُ قَالَ الشَّارِحُونَ: وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَزْحِ الْبِئْرِ نَزْحُ مَائِهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِمْ جَرَى الْمِيزَابُ وَسَالَ الْوَادِي وَأَكَلَ الْقِدْرَ وَالْمُرَادُ مَا حَلَّ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي إخْرَاجِ جَمِيعِ الْمَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا هِيَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا تُنَجَّسُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ وَالْمُرَادُ بِالنَّجِسِ هُنَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ حَيَوَانًا كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الْحَيَوَانِ الْوَاقِعُ فِيهَا فَسَنَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَدِّرْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ فَأَيُّ نَجِسٍ وَقَعَ فِيهَا يُوجِبُ نَزْحَهَا، وَإِنَّمَا يُنَجَّسُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ تَفْسُدُ بِمَا يَفْسُدُ بِهِ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي التَّفَارِيقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْبِئْرُ لَا تُنَجَّسُ كَالْمَاءِ الْجَارِي الْبِئْرُ إذَا لَمْ تَكُنْ عَرِيضَةً، وَكَانَ عُمْقُ مَائِهَا عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا فَوَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فِي أَصَحِّ الْأَقَاوِيلِ اهـ. وَعَزَاهُ فِي الْقُنْيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ) فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى صَاحِبِ الْكَشَّافِ.

إلَى شَرْحِ صَدْرِ الْقُضَاةِ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ لَوْ ثَبَتَ لَانْهَدَمَتْ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ وَقَدْ عَلَّلُوا بِأَنَّ الْبِئْرَ لَمَّا وَجَبَ إخْرَاجُ النَّجَاسَةِ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهَا مِنْهَا إلَّا بِنَزْحِ كُلِّ مَائِهَا وَجَبَ نَزْحُهُ لِتَخْرُجَ النَّجَاسَةُ مَعَهُ حَقِيقِيَّةً لَكِنْ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ خَشَبَةٌ نَجِسَةٌ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْ ثَوْبٍ نَجَسٍ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا وَتَغَيَّبَتْ فِيهَا طَهُرَتْ الْخَشَبَةُ وَالْقِطْعَةُ مِنْ الثَّوْبِ تَبَعًا لِطَهَارَةِ الْبِئْرِ وَعَزَاهُ إلَى الْفَتَاوَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَنَزْحُهُ أَنْ يَقِلَّ حَتَّى لَا يَمْتَلِئَ الدَّلْوُ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُهُ اهـ. أَيْ وَنَزْحُ مَاءِ الْبِئْرِ لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا تُنْزَحُ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمِقْدَارَ الْمَعْرُوفَ أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعِينٍ،، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا لِوُجُوبِ نَزْحِ جَمِيعِ الْمَاءِ ثُمَّ الْبِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ هَمْزِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَأَرْت أَيْ حَفَرْت وَجَمْعُهَا فِي الْقِلَّةِ أَبْؤُرٌ وَأَبْآرٌ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ فِيهِمَا، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ فِي أَبَآَّرً وَيَنْقُلُ فَيَقُولُ آبَارٌ وَجَمْعُهَا فِي الْكَثْرَةِ بِآرٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ بَعْدُهَا هَمْزَةٌ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِيهَا إمَّا أَنْ لَا تَطْهُرَ أَصْلًا كَمَا قَالَ بِشْرٌ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ وَالْمَاءُ يَنْبُعُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِمَّا أَنْ لَا تَتَنَجَّسَ إسْقَاطًا الْحُكْمِ لَحْمُ النَّجَاسَةِ حَيْثُ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ أَوْ التَّطْهِيرُ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ قُلْنَا وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْزَحَ مِنْهَا دِلَاءً أَخْذًا بِالْآثَارِ وَمِنْ الطَّرِيقِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَالْأَعْمَى فِي يَدِ الْقَائِدِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ وَفِي الْبَدَائِعِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْقِيَاسَيْنِ قَالَ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ بِالْخَبَرِ وَالْأَثَرِ وَضَرْبٍ مِنْ الْفِقْهِ الْخَفِيِّ أَمَّا الْخَبَرُ فَمَا رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الأسروشني بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ «قَالَ فِي دَجَاجَةٍ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَمَرَا بِنَزْحِ جَمِيعِ مَاءِ زَمْزَمَ حِينَ مَاتَ فِيهَا زِنْجِيٌّ، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفِقْهُ الْخَفِيُّ فَهُوَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَمًا مَسْفُوحًا وَقَدْ تَشَرَّبَ فِي أَجْزَائِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَجَّسَهَا وَقَدْ جَاوَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَالْمَاءُ يَتَنَجَّسُ أَوْ يَفْسُدُ بِمُجَاوَرَةِ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا جَاوَرَ النَّجِسَ نَجِسٌ بِالشَّرْعِ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ يُقَوَّرُ مَا حَوْلَهَا وَيُلْقَى وَتُؤْكَلُ الْبَقِيَّةُ» فَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَجَاسَةِ جَارِ النَّجِسِ وَفِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنْ الْمَاءِ مِقْدَارُ مَا قَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ لِصِغَرِ جُثَّتِهَا فَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَاءِ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا الْقَدْرِ لَمْ يُجَاوِرْ الْفَأْرَةَ بَلْ جَاوَرَهَا مَا جَاوَرَ الْفَأْرَةَ وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِتَنْجِيسِ جَارِ الْخَبَثِ لَا بِتَنْجِيسِ جَارِ جَارِ النَّجِسِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِطَهَارَةِ جَارِ السَّمْنِ الَّذِي جَاوَرَ الْفَأْرَةَ وَحُكِمَ بِنَجَاسَةِ مَا جَاوَرَ الْفَأْرَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ جَارَ جَارِ النَّجِسِ لَوْ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ لَحُكِمَ أَيْضًا بِنَجَاسَةِ مَا جَاوَرَ جَارَ النَّجِسِ ثُمَّ هَكَذَا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّ قَطْرَةً مِنْ بَوْلٍ أَوْ فَأْرَةً لَوْ وَقَعَتْ فِي بَحْرٍ عَظِيمٍ أَنْ يَتَنَجَّسَ جَمِيعُ مَائِهِ لِاتِّصَالٍ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ وَفِي الدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ الْمُجَاوَرَةُ أَكْثَرُ لِزِيَادَةِ ضَخَامَةٍ فِي جُثَّتِهَا فَقُدِّرَ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَالْآدَمِيُّ وَمَا كَانَ جُثَّتُهُ مِثْلَ جُثَّتِهِ كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا مُجَاوِرٌ جَمِيعَ الْمَاءِ فِي الْعَادَةِ لِعِظَمِ جُثَّتِهِ فَيُوجِبُ تَنْجِيسَ جَمِيعِ الْمَاءِ وَكَذَا إذَا تَفَسَّخَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوَاقِعَاتِ أَوْ انْتَفَخَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تُخْرِجُ الْبِلَّةُ مِنْهَا الرَّخَاوَةَ فِيهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا) اسْمُ الْإِشَارَةِ يَعُودُ إلَى عَدَمِ إخْرَاجِ مَا وَقَعَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَضْمُونِ كَلَامِ السِّرَاجِ وَالْمُجْتَبَى وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ النَّزْحِ لَا بَعْدَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي الْفُرُوعِ (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِطَهَارَةِ جَارِ السَّمْنِ إلَخْ) أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَالْمَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْجَامِدِ تَأَمَّلْ.

فَتَجَاوُرُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يُجَاوِرُ إلَّا قَدْرَ مَا ذَكَرْنَا لِصَلَابَةٍ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ بِلَّةٍ فَيُجَاوِرُ أَجْزَاءِ الْمَاءِ فَيُفْسِدُهَا. اهـ. وَهَذَا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَدْخَلٌ وَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُهُ كَذَا تَعَقَّبْهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ لَا يُخَالِفُ مَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى خَفِيٌّ فِقْهِيٌّ لَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ وَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ إلَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالِاسْتِحْسَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ فَالْخَفِيُّ يُسَمَّى بِالِاسْتِحْسَانِ لَكِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ، فَإِنَّ كُلَّ قِيَاسٍ خَفِيٍّ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ قِيَاسًا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَيْضًا لَكِنَّ الْغَالِبَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الِاسْتِحْسَانُ أُرِيدَ بِهِ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي هِيَ حُجَّةٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِالْأَثَرِ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ فِي النِّسْيَانِ وَإِمَّا بِالْإِجْمَاعِ كَالِاسْتِصْنَاعِ وَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ طَهَارَةَ الْآبَارِ بِالنَّزْحِ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ الَّذِي ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ. (قَوْلُهُ: لَا بِبَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ) أَيْ لَا يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ بِوُقُوعِ بَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ فِيهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ مُطْلَقًا لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَالْإِنَاءِ وَذُكِرَ لِلِاسْتِحْسَانِ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى وَاخْتَارَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا وَيُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجُعِلَ الْقَلِيلُ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ، وَالرَّوْثِ وَالْبَعْرِ وَالْخِثَى؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَقَدْ صَرَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَيُعَارِضُ مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ أَوْ الرَّوْثَ وَالْمُفَتَّتُ مِنْ الْبَعْرِ مُفْسِدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَلِيلَهُ عَفْوٌ قَالَ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَظَاهِرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِآبَارِ الْفَلَوَاتِ، وَأَمَّا الْآبَارُ الَّتِي فِي الْمِصْرِ فَتُنَجَّسُ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَهَا رُءُوسًا حَاجِزَةً فَيَقَعُ الْأَمْنُ عَنْ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ تُكِنّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَالَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْبِئْرِ إذَا كَانَتْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَرْقِ لِشُمُولِ الضَّرُورَةِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ. فَاعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ لِلْيَابِسِ صَلَابَةً فَلَا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ بِأَجْزَاءِ الْمَاءِ فَهَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ الرَّطْبَ وَالْمُنْكَسِرَ وَالرَّوْثَ وَالْخِثَى يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَظَاهِرُهَا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَدَائِعِ، وَكَذَا ظَاهِرُهَا أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْيَابِسِ الصَّحِيحِ لَا يُنَجَّسُ كَالْقَلِيلِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْكَثِيرَ يُنَجِّسُ الْإِنَاءَ وَمَاءَ الْبِئْرِ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الْأُولَى فَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّهَا إذَا كَثُرَتْ تَقَعُ الْمُمَاسَّةُ بَيْنَهَا فَيَصْطَكُّ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فَتَتَفَتَّتُ أَجْزَاؤُهَا فَتَتَنَجَّسُ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْإِنَاءِ فِي عَدَمِ التَّنَجُّسِ بِالْقَلِيلِ وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْبِئْرِ لَا فِي الْإِنَاءِ كَذَا فِي الْكَافِي بِخِلَافِ بَعْرِ الشَّاةِ إذَا وَقَعَ مِنْهَا فِي الْحَلْبِ وَقْتَ الْحَلْبِ، فَإِنَّهُ تُرْمَى الْبَعْرَةَ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأُولَى فَلِمَكَانِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَيَّدَهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمِعْرَاجِ بِكَوْنِهَا رُمِيَتْ عَلَى الْفَوْرِ وَلَمْ يَبْقَ لَوْنُهَا عَلَى اللَّبَنِ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُعَلَّلًا لَهُ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهَا تَبْعَرُ عِنْدَ الْحَلْبِ عَادَةً لَا فِيمَا وَرَاءَهُ وَذَلِكَ بِمَرْأَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ضَمِيرُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الِاسْتِحْسَانِ انْتَهَى وَعَلَى هَذَا فَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ لَا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ كَمَا حَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ عِبَارَتِهِ إذْ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ هُوَ مِمَّا ثَبَتَ بِهِ الِاسْتِحْسَانُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ إلَّا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَفِيَّ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْقِيَاسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ الرَّابِعُ الْمُقَابِلُ لِلْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ تَأَمَّلْ.

مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ عَلَى أَقْوَالٍ صُحِّحَ مِنْهَا قَوْلَانِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ مَا لَا يَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي لِلْمُصَنَّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَالْقَلِيلُ مَا يَسْتَقِلُّهُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُقَدِّرُ شَيْئًا بِالرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ اهـ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْبَعْرَتَيْنِ لَا يُنَجِّسَانِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تُنَجِّسُ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ مَبْنِيٍّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تُفْسِدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي الدَّلَائِلِ عِنْدَنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذَا الْفَهْمُ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ اقْتَصَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَتْ بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ فِي الْبِئْرِ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا وَالثَّلَاثُ لَيْسَ بِكَثِيرٍ فَاحِشٍ كَذَا نَقَلَ عِبَارَةَ الْجَامِعِ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ جُعِلَ قَائِلُ الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَنَّ مَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ كَانَ كَثِيرًا وَمَا لَمْ يُغَيِّرْهُ يَكُونُ قَلِيلًا لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَبَعَدَ يُبْعَرُ مِنْ حَدِّ مَنَعَ وَالرَّوْثُ لِلْفَرَسِ وَالْحِمَارُ مِنْ رَاثَ يُقَالُ مِنْ حَدِّ نَصْرٍ وَالْخِثَى بِكَسْرِ الْخَاءِ وَاحِدٌ الْأَخْثَاءِ لِلْبَقَرِ يُقَالُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَخَرْءُ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ) أَيْ لَا يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ بِوُقُوعِ خَرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ فِيهَا وَالْخَرْءُ بِالْفَتْحِ وَاحِدُ الْخُرُوءِ بِالضَّمِّ مِثْلُ قُرْءٍ وَقُرُوءٍ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ بِالضَّمِّ كَجُنْدٍ وَجُنُودٍ وَالْوَاوُ بَعْدَ الرَّاءِ غَلَطٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَإِنَّمَا لَا يُنْزَحُ مَاؤُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ لَكِنْ عِنْدَ الْبَعْضِ السُّقُوطُ مِنْ الْأَصْلِ لِلطَّهَارَةِ وَعِنْدَ آخَرِينَ لِلضَّرُورَةِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرَا فَائِدَةَ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَجِسٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ وَلَنَا الْإِجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ، فَإِنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُقِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا يَكُونُ مِنْهَا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ الْمَسَاجِدِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» «وَعَنْ سَمُرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى بَنِيهِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَضَعَ الْمَسَاجِدَ فِي دُورِنَا وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَلَيْهِ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَكَرَ الْحَمَامَةَ فَقَالَ أَنَّهَا أَوْكَرَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ فَجَزَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهَا» فَهَذَا دَلِيلُ طَهَارَةِ خَرْئِهَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ خَرَأَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ فَمَسَحَهَا بِإِصْبَعِهِ وَكَذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - زَرَقَ عَلَيْهِ طَيْرٌ فَمَسَحَهُ بِحَصَاةٍ ثُمَّ صَلَّى كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَأَمَّا ذِكْرُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ فَهِيَ لَا إلَى نَتْنِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الطِّينَ الَّذِي فِي قَعْرِ الْبِئْرِ، فَإِنَّ فِيهِ الْفَسَادَ أَيْضًا وَلَيْسَ بِنَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَا إلَى نَتَنِ رَائِحَةٍ وَيُشْكَلُ هَذَا بِالْمَنِيِّ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ الِاسْتِحَالَةُ إلَى فَسَادٍ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ إذَا فَسَدَتْ لَا تُنَجَّسُ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ إلَى الْفَسَادِ لَا يُوجِبُ النَّجَاسَةَ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ إذَا تَغَيَّرَ وَاشْتَدَّ تَغَيُّرُهُ تَنَجَّسَ، وَإِنْ حَمَلَ مَا فِي النِّهَايَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ تُغَيِّرْهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِتَنْجِيسِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْإِيذَاءِ كَاللَّحْمِ إذَا أَنْتَنَ قَالُوا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَمْ يَقُولُوا تُنَجِّسَ بِخِلَافِ السَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالدُّهْنِ وَالزَّيْتِ إذَا أَنْتَنَ لَا يَحْرُمُ وَالْأَشْرِبَةُ لَا تَحْرُمُ بِالتَّغَيُّرِ كَذَا فِي الْخِزَانَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ خَرْءُ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ إلَى خَرْءِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَعَلَ قَائِلَ الْحَدِّ الْفَاصِلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هُوَ شَأْنُ الْجَارِي وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ، وَإِنْ كَثُرَ فِي حُكْمِ الْقَلِيلِ اهـ أَيْ مَا لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ. (قَوْلُهُ: وَالْوَاوُ بَعْدَ الرَّاءِ غَلَطٌ) أَيْ فِي الْمُفْرَدِ لَا فِي الْجَمْعِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرُوا فَائِدَةَ هَذَا الِاخْتِلَافِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِيمَا لَوْ وُجِدَ فِي ثَوْبٍ أَوْ مَكَان وَثَمَّةَ مَا هُوَ خَالٍ عَنْهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى الثَّانِي لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ وَتَجُوزُ عَلَى الْأَوَّلِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَعْلِيلَهُمْ بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ فِي خُصُوصِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مُطْلَقًا، وَإِذَا سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ مُطْلَقًا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَاءَ وَوَجَدَ غَيْرَهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ تَأَمَّلْ.

احْتِرَازًا عَمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْهَا، فَإِنَّ خَرْأَهُ نَجِسٌ وَسَنَذْكُرُهُ صَرِيحًا فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَخَرْءِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مِنْهَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَصَحَّحَ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَجَاسَتَهُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ. (قَوْلُهُ: وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ) إنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهَا بَابَ الْأَنْجَاسِ لِبَيَانِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ نَجَّسَ مَاءَهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَاهِرٌ فَلَا يُنْزَحُ الْمَاءُ مِنْ وُقُوعِهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا» وَفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعُرَنَةُ وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ وَبِتَصْغِيرِهَا سُمِّيَتْ عُرَيْنَةَ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْعُرَنِيُّونَ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ يَاءُ التَّصْغِيرِ عِنْدَ النِّسْبَةِ لِمَا أَنَّ يَاءَ فَعِيلَةٍ وَفُعَيْلَةٍ يَسْقُطَانِ عِنْدَ النِّسْبَةِ قِيَاسًا مُطَّرَدًا فَيُقَالُ حَنَفِيٌّ وَمَدَنِيٌّ وَجُهَنِيٌّ وَعَقْلِيٌّ فِي حَنِيفَةَ وَمَدِينَةً وَجُهَيْنَةَ وَعَقِيلَةَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ اجْتَوَوْهَا هُوَ بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَمَعْنَاهُ اسْتَوْخَمُوهَا كَمَا فَسَّرَهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَيْ لَمْ تُوَافِقْهُمْ وَكَرِهُوهَا لِسَقَمٍ أَصَابَهُمْ قَالُوا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَوَى، وَهُوَ دَاءٌ فِي الْجَوْفِ وَمَعْنَى سَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ بِالرَّاءِ كَحَّلَهَا بِمَسَامِيرَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ سَمَّلَ بِاللَّامِ بِمَعْنَى فَقَأَهَا وَأَذْهَبَ مَا فِيهَا كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ الْقِصَاصِ وَلَهُمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمَخْرَجُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مَكَانَ مِنْ وَفِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ لَحْنٌ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ مَعَ تَرْكِ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ هُوَ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَالِاسْتِنْزَاهُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْمَرْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ أَوَّلَ مَا يُعَذَّبُ بِتَرْكِهَا فِي أَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ الْبَوْلَ يَشْمَلُ كُلَّ بَوْلٍ بِعُمُومِهِ وَقَدْ أَلْحَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِيدَ عَذَابِ الْقَبْرِ بِتَرْكِ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَتِهِ وَعِيدٌ اهـ. وَأَجَابَ فِي الْهِدَايَةِ عَنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَرَّفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا وَزَادَ شَارِحُوهَا كَالْأَتْقَانِيِّ وَالْكَاكِيِّ جَوَابًا آخَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ الْحُدُودُ أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ حِينَ ارْتَدُّوا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ» وَلَيْسَ جَزَاءُ الْمُرْتَدِّ إلَّا الْقَتْلَ فَعُلِمَ أَنَّ إبَاحَةَ الْبَوْلِ انْتَسَخَتْ كَالْمُثْلَةِ اهـ. وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَّا أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ الْخُصُوصِ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا تَنَاوَلَهُ قَطْعًا كَالْخَاصِّ حَتَّى يَجُوزَ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ عِنْدَنَا كَحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ وَرَدَ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ، وَهُوَ خَاصٌّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ عَامٌّ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْجِنْسِ فِي ضِمْنِ الْمُشَخِّصَاتِ فَيُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِهَا إذْ لَا عَهْدَ وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ مُتَقَدِّمٌ؛ لِأَنَّ الْمُثْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا مَنْسُوخَةٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ تَضَمَّنَتْ مُثْلَةً وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ فَقَالَ وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ وَأَرَادَ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ خُطْبَةً إلَّا نَهَى فِيهَا عَنْ الْمُثْلَةِ» وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْوَاقِعِ فِي قِصَّتِهِمْ كَمَا رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ) أَيْ نَجَاسَةً خَفِيفَةً عِنْدَهُمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَالْمِفْتَاحِ وَالْيَنَابِيعِ وَالْهِدَايَةِ وَالنُّتَفِ وَالْوُقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَعُيُونِ الْكَافِي وَغَيْرِهَا وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ نَجَاسَتَهُ غَلِيظَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَخَفِيفَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبَدَنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي الثَّوْبِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْحِنْطَةِ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ اهـ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ عَلَى الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ.

خَبَرِهِمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا يَدَ الرَّاعِي وَرِجْلَهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنِهِ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ هَذَا بِمُثْلَةٍ وَالْمُثْلَةُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّمَا سَمَّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْيُنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ وَسَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِ الْأَلْبَانِ يَعْنِي دُونَ الْأَبْوَالِ فَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ رِوَايَةَ شَرِبَ الْأَبْوَالَ ثَابِتَةً فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا) عُطِفَ عَلَى بَوْلٍ أَيْ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالدَّمُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ كَمَا إذَا أَخَذَ بِقُطْنَةٍ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ وَالْقَيْءُ الْقَلِيلُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ وَكَذَا إذَا أَصَابَ شَيْئًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَجِسٌ كَذَا فِي كُثَيِّرٌ مِنْ الْكُتُبِ وَظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلسَّيَلَانِ فِي النَّجَاسَةِ فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ نَجِسًا فَغَيْرُ السَّائِلِ يَكُونُ كَذَلِكَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] إلَى قَوْلِهِ {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا فَلَا يَكُونُ نَجِسًا وَالدَّمُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا فَإِنْ قِيلَ هَذَا فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَمَّا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ كَالْآدَمِيِّ فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ حَرَامٌ أَيْضًا فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِحِلِّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ قُلْت لَمَّا حَكَمَ بِحُرْمَةِ الْمَسْفُوحِ بَقِيَ غَيْرُ الْمَسْفُوحِ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الْحِلُّ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الطَّهَارَةُ سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ ثُمَّ حُرْمَةُ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ فِي الْآدَمِيِّ بِنَاءٌ عَلَى حُرْمَةِ لَحْمِهِ وَحُرْمَةُ لَحْمِهِ لَا تُوجِبُ نَجَاسَتَهُ إذْ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِلْكَرَامَةِ لَا لِلنَّجَاسَةِ فَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ فِي الْآدَمِيِّ يَكُونُ عَلَى طَهَارَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْفُوحِ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ غَامِضَةٍ، وَهِيَ أَنَّ غَيْرَ الْمَسْفُوحِ دَمٌ انْتَقَلَ عَنْ الْعُرُوقِ وَانْفَصَلَ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَحَصَلَ لَهُ هَضْمٌ آخَرُ فِي الْأَعْضَاءِ وَصَارَ مُسْتَعِدًّا لَأَنْ يَصِيرَ عُضْوًا فَأَخَذَ طَبِيعَةَ الْعُضْوِ فَأَعْطَاهُ الشَّرْعُ حُكْمَهُ بِخِلَافِ دَمِ الْعُرُوقِ فَإِذَا سَأَلَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ عُلِمَ أَنَّهُ دَمٌ انْتَقَلَ مِنْ الْعُرُوقِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَهُوَ الدَّمُ النَّجِسُ أَمَّا إذَا لَمْ يَسِلْ عُلِمَ أَنَّهُ دَمُ الْعُضْوِ هَذَا فِي الدَّمِ أَمَّا فِي الْقَيْءِ فَالْقَلِيلُ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ فِي أَعَالِي الْمَعِدَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّيقِ كَذَا فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ، وَكَانَ الْإِسْكَافُ وَالْهِنْدُوَانِي يُفْتِيَانِ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ خُصُوصًا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْقُرُوحِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْوَجْهَ يُسَاعِدُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَارِجَ بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ حَدَثٌ وَأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ قَبْلَ الْخُرُوجِ لَا يَثْبُتُ شَرْعًا وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ لِلْإِنْسَانِ طَهَارَةٌ فَلَزِمَ أَنَّ مَا لَيْسَ حَدَثًا لَمْ يُعْتَبَرْ خَارِجًا شَرْعًا وَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ خَارِجًا شَرْعًا لَمْ يُعْتَبَرْ نَجِسًا اهـ. وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْجَامِدَاتِ كَالثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا أَصَابَ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ وَغَيْرِهِ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَى آخِرِهِ لَا يَنْعَكِسُ فَلَا يُقَالُ مَا لَا يَكُونُ نَجِسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا، فَإِنَّ النَّوْمَ وَالْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ وَغَيْرَهَا حَدَثٌ وَلَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ اهـ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ بِحَدَثٍ لَا يَكُونُ نَجَسًا وَكَذَا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ وَلَيْسَ بِنَجَسٍ لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَأَمَّا النَّوْمُ وَنَحْوُهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَكْسِ فِي قَوْلِنَا مَا لَا يَكُونُ نَجَسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْرَبُ أَصْلًا) أَيْ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُشْرَبُ أَصْلًا لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ مُطْلَقًا لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَا يَنْعَكِسُ إلَخْ) أَيْ لَا يَنْعَكِسُ عَكْسًا لُغَوِيًّا وَإِلَّا فَالْعَكْسُ الْمَنْطِقِيُّ صَحِيحٌ إذْ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ تَنْعَكِسُ مُوجِبَةً جُزْئِيَّةً كَأَنْ يُقَالَ بَعْضُ مَا لَا يَكُونُ نَجَسًا لَا يَكُونُ حَدَثًا كَالْقَيْءِ الْقَلِيلِ وَالدَّمِ الْبَادِي الْغَيْرِ الْمُتَجَاوِرِ.

[التداوي ببول ما يؤكل لحمه]

نَجَسٌ وَالتَّدَاوِي بِالطَّاهِرِ الْمُحَرَّمِ كَلَبَنِ الْأَتَانِ فَلَا يَجُوزُ فَمَا ظَنُّك بِالنَّجَسِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فَلَا يُعْرَضُ عَنْهَا إلَّا بِتَيَقُّنِ الشِّفَاءِ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا وَلَمْ يُوجَدْ تَيَقُّنُ شِفَاءُ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ لِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ حَتَّى لَوْ تَعَيَّنَ الْحَرَامُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ الْآنَ يَحِلُّ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عُلِمَ مَوْتُهُمْ مُرْتَدِّينَ وَحْيًا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ الْكَافِرِينَ فِي نَجِسٍ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] وَبِدَلِيلِ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» فَاسْتُفِيدَ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ أَنَّ الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ هَذَا وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ مَشَايِخِنَا فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ فَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ الِاسْتِشْفَاءُ بِالْحَرَامِ يَجُوزُ إذَا عُلِمَ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً وَلَمْ يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخَرُ اهـ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان مَعْزِيًّا إلَى نَصْرِ بْنِ سَلَّامٍ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا شِفَاءٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهَا شِفَاءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَطْشَانَ يَحِلُّ لَهُ شُرْبُ الْخَمْرِ لِلضَّرُورَةِ اهـ. وَكَذَا اخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ فَقَالَ إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ أَنْفِ إنْسَانٍ يَكْتُبُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بِالدَّمِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلِاسْتِشْفَاءِ وَالْمُعَالَجَةِ، وَلَوْ كَتَبَ بِالْبَوْلِ إنْ عُلِمَ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةُ سَاقِطَةٌ عِنْدَ الِاسْتِشْفَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَطْشَانَ يَجُوزُ لَهُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْجَائِعُ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ. اهـ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الطَّاهِرِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَشَدُّ إشْكَالًا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ عَمَلًا بِحَدِيثِ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» وَقَالَ بِجَوَازِ شُرْبِهِ لِلتَّدَاوِي عَمَلًا بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ. (قَوْلُهُ: وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَسَطًا بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ) قَالَ فِي التَّبْيِينِ أَيْ يُنْزَحُ عِشْرُونَ إذَا مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَنَحْوُهَا وَقَوْلُهُ عِشْرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبِئْرِ وَفِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَاهُ تُنْزَحُ الْبِئْرُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَأَرْبَعُونَ وَكُلُّهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَزَحَ الْبِئْرِ وَعِشْرِينَ دَلْوًا وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تُنْزَحَ الْبِئْرُ إذَا وَقَعَ فِيهَا نَجَسٌ ثُمَّ ذَلِكَ النَّجَسُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ عِشْرِينَ وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ أَرْبَعِينَ وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ وَلَيْسَ نَزْحُ الْبِئْرِ مُغَايِرًا لِهَذِهِ الثَّلَاثِ حَتَّى يُعْطَفَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَقْسِيمٌ لِذَلِكَ النَّزَحِ الْمُبْهَمِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ لَا يُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا يُوجِبُ الْجَمِيعَ وَبِالْمَعْطُوفِ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ أَيْضًا فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْجَمِيعَ لَمَا ذَكَرَ ثَانِيًا لِكَوْنِهِ تَكْرَارًا مَحْضًا؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَبَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ إلَى هُنَا كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَقُولُ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الْإِطَالَةِ مَعَ إمْكَانِ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عِشْرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبِئْرِ بِمَعْنَى مَاءِ الْبِئْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْوَاوُ فِيهِ كَبَقِيَّةِ الْمَعْطُوفَاتِ بِمَعْنَى أَوْ وَالتَّقْدِيرُ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ بِوُقُوعِ نَجَسٍ غَيْرَ حَيَوَانٍ أَوْ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ أَوْ أَرْبَعُونَ مِنْهُ بِنَحْوِ دَجَاجَةٍ أَوْ كُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ إلَى آخِرِهِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجَسٍ لَيْسَ مُبْهَمًا بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ نَجَسٌ غَيْرُ حَيَوَانٍ انْدَفَعَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ التَّكْرَارِ لَوْ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ نَزْحُ الْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ نَزْحَ الْجَمِيعِ لِوُقُوعِ غَيْرِ حَيَوَانٍ وَأُرِيدَ بِالثَّانِي نَزْحُ الْجَمِيعِ لِوُقُوعِ حَيَوَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا تَكْرَارَ وَقَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إلَى آخِرِهِ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ يُمْنَعُ قَوْلُهُ فَبَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ جَوَازِ حَمْلِهِ عَلَى الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثِ بَقَاؤُهَا مُطْلَقًا لِجَوَازٍ حَمْلِهِ عَلَى نَوْعٍ رَابِعٍ غَيْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [التَّدَاوِي بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] (قَوْلُهُ: هَذَا وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ إلَخْ) قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ: بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُؤَلِّفِ لَا يَظْهَرُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ وَتَصْرِيحُ الْأَوَّلِ أَيْ صَاحِبِ النِّهَايَةِ بِاشْتِرَاطِ الْعِلْمِ لَا يُنَافِيه قَوْلُ مَنْ بَعْدَهُ بِاشْتِرَاطِ الشِّفَاءِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ قَالَ وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الدُّرَرِ لَا لِلتَّدَاوِي مَحْمُولٌ عَلَى الْمَظْنُونِ، وَإِلَّا فَجَوَازُهُ بِالْيَقِينِ اتِّفَاقِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُصَفَّى لِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُشْكِلٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَدْفُوعٌ إذْ الْكَلَامُ فِي طَاهِرٍ لَا إيذَاءَ فِيهِ بَلْ كَانَ دَوَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي لَبَنِ الْأَتَانِ مَمْنُوعٌ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا بَأْسَ بِالتَّدَاوِي بِهِ قَالَ الصَّدْرُ وَفِيهِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ: لَا إشْكَالَ فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.

الثَّلَاثَةِ كَمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى النَّجَسِ الَّذِي لَيْسَ حَيَوَانًا، وَهُوَ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ الْأَنْوَاعِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَمُوتَ الْفَأْرَةُ فِي الْبِئْرِ أَوْ خَارِجَهَا وَتُلْقَى فِيهَا وَكَذَا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ إلَّا الْمَيِّتَ الَّذِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ الْمَغْسُولِ أَوْ الشَّهِيدِ نَعَمْ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَالْفَأْرَةُ الْيَابِسَةُ لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الْيُبْسَ دِبَاغَةٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ لَا يَطْهُرُ وَأَنَّ الْيُبْسَ لَيْسَ بِدِبَاغَةٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْفَأْرَةَ الْمَيِّتَةَ إذَا كَانَتْ يَابِسَةً، وَهِيَ فِي الْخَابِيَةِ وَجَعَلَ فِي الْخَابِيَةِ الزَّيْتَ فَظَهَرَتْ عَلَى رَأْسِ الْخَابِيَةِ فَالزَّيْتُ نَجَسٌ اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْبِئْرِ إمَّا نَجَاسَةٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجَسٍ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ وَالْحَيَوَانُ إمَّا آدَمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ إمَّا نَجَسُ الْعَيْنِ أَوْ غَيْرُهُ وَغَيْرُ نَجَسِ الْعَيْنِ إمَّا مَأْكُولُ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرُهُ وَالْكُلُّ إمَّا إنْ أُخْرِجَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَالْمَيِّتُ إمَّا مُنْتَفِخٌ أَوْ غَيْرُهُ فَالْآدَمِيُّ إذَا خَرَجَ حَيًّا وَلَمْ يَكُنْ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَوْ حُكْمِيَّةٌ، وَكَانَ مُسْتَنْجِيًا لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَانْغَمَسَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ أَوْ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَقَدْ قُدِّمَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُنْزَحُ مَاؤُهَا؛ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَإِنْ أُخْرِجَ مَيِّتًا، وَكَانَ مُسْلِمًا وَقَعَ بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَسَدَ وَالْكَافِرُ يُفْسِدُ قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَهُ وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ إنْ كَانَ نَجَسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَجَسُ الْعَيْنِ نَجَّسَ الْبِئْرَ مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ أَصَابَ الْمَاءَ فَمُهُ أَوْ لَمْ يُصِبْ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْنِ لَا يُنَجِّسُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ فَمُهُ إلَى الْمَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ دُبُرُهُ مُنْقَلِبٌ إلَى الْخَارِجِ فَلِهَذَا يُفْسِدُ الْمَاءَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَأَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِنْ عُلِمَ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَ الْمَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فَمُهُ إلَى الْمَاءِ وَقَيَّدْنَا بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْبَقَرِ وَنَحْوِهِ يَخْرُجُ وَلَا يَجِبُ نَزْحُ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ اشْتِمَالَ بَوْلِهَا عَلَى أَفْخَاذِهَا لَكِنْ يُحْتَمَلُ طَهَارَتُهَا بِأَنْ سَقَطَتْ عَقِبَ دُخُولِهَا مَاءً كَثِيرًا هَذَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَصِلْ فَمُهُ إلَى الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يُوجِبُ التَّجْنِيسَ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ التَّجْنِيسِ وَكَذَلِكَ فِي الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِيهِ وَقِيلَ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ، وَإِنْ وَصَلَ لُعَابُهُ فَحُكْمُ الْمَاءِ حُكْمه فَيَجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ إذَا وَصَلَ لُعَابُ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ إلَى الْمَاءِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ وَقَعَ سُؤْرُ الْحِمَارِ فِي الْمَاءِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يَجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ طَهُورٍ وَلَا يَجِبُ النَّزْحُ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ مَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ وَوَصَلَ لُعَابُهُ إلَى الْمَاءِ لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ عَشَرَةٌ أَوْ أَكْثَرُ احْتِيَاطًا وَثِقَةً وَفِي التَّبْيِينِ يُسْتَحَبُّ نَزْحُ الْمَاءِ كُلِّهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا خَرَجَ حَيًّا فَإِنْ مَاتَ وَانْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ فَالْوَاجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِخْ وَلَمْ يَتَفَسَّخْ فَالْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالْقُدُورِيِّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ فَفِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ وَفِي الدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهَا أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ أَوْ سِتُّونَ وَفِي الشَّاةِ وَنَحْوِهَا يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَعَلَهُ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ فَفِي الْحَلَمَةِ وَاحِدُ الْحَلَمِ وَهِيَ الْقُرَادُ الضَّخْمُ الْعَظِيمُ وَالْفَأْرَةِ الصَّغِيرَةِ عَشْرُ دِلَاءٍ وَفِي الْفَأْرَةِ الْكَبِيرَةِ عِشْرُونَ وَفِي الْحَمَامَةِ ثَلَاثُونَ وَفِي الدَّجَاجَةِ أَرْبَعُونَ وَفِي الْآدَمِيِّ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ فَذَكَرَ مَشَايِخُنَا فِي كُتُبِهِمْ آثَارًا الْأَوَّلُ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا. الثَّانِي: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: كَالْمُسْلِمِ الْمَغْسُولِ أَوْ الشَّهِيدِ) قَالَ فِي الشرنبلالية فِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَنَّ الدَّمَ الَّذِي بِهِ غَيْرُ طَاهِرٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا غُسِلَ عَنْهُ قَبْلَ الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ سَقَطَتْ) أَيْ النَّجَاسَةُ وَضَمِيرُ دُخُولِهَا لِلْبَقَرِ وَمَاءً بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ دُخُولٍ (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ) أَقُولُ: لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ لَفْظَةُ يَجِبُ بَلْ قَالَ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ نَعَمْ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَمِثْلُ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ عِبَارَةُ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَمُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَعَزَاهُ شَارِحُهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ إلَى الْبَدَائِعِ وَكَذَا فِي الدُّرَرِ وَعَزَاهُ شَارِحُهَا الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ إلَى الْمُبْتَغَى (قَوْلُهُ: وَيُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا) وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا الْوَضْعُ لِمَعْنَيَيْنِ ذَكَرَهُمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ أَحَدُهُمَا أَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَتْ فِيهَا يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ» هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَأَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وَكَانَ الْأَقَلُّ ثَابِتًا بِيَقِينٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالْأَكْثَرُ يُؤْتَى بِهِ لِئَلَّا

أَرْبَعُونَ دَلْوًا قَالَ فِي الْغَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِيمَا عَلِمْته حَدِيثَ أَنَسٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَى عَادَتِهِمْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذَكَرَ مَشَايِخُنَا مَا عَنْ أَنَسٍ وَالْخُدْرِيِّ غَيْرَ أَنَّ قُصُورَ نَظَرِنَا أَخْفَاهُ عَنَّا وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ إنَّ الطَّحَاوِيَّ رَوَاهُمَا مِنْ طُرُقٍ وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ الْإِمَامَ الزَّيْلَعِيِّ الْمُخَرَّجُ بِأَنِّي لَمْ أَجِدْهُمَا فِي شَرْحُ الْآثَارُ لِلطَّحَاوِيِّ وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ فِي دَجَاجَةٍ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَتْ قَالَ يُنْزَحُ مِنْهَا قَدْرُ أَرْبَعِينَ دَلْوًا أَوْ خَمْسِينَ. وَأَجَابَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُ السَّرَّاجُ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّحَاوِيُّ ذَكَرَهُمَا فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ لَهُ أَوْ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ أَوْ فِي كِتَابٍ آخَرَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ فِي الْآثَارِ عَدَمُ الْوُجُودِ مُطْلَقًا الثَّالِثُ حَدِيثُ الزِّنْجِيِّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الدَّلْوِ الْوَسَطِ فَقِيلَ هِيَ الدَّلْوُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمَّا أَطْلَقُوا انْصَرَفَ إلَى الْمُعْتَادِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَقِيلَ مَا يَسَعُ صَاعًا، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَقِيلَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبِئْرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا دَلْوٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا دَلْوٌ اُعْتُبِرَ بِهِ، وَإِلَّا اُتُّخِذَ لَهَا دَلْوٌ يَسَعُ صَاعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَدَّرَ الدَّلْوَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبِئْرِ دَلْوٌ كَمَا لَا يَخْفَى فَلَوْ نَزَحَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ فِيهَا بِحَسَبِ دَلْوِهَا أَوْ دَلْوِهِمْ بِدَلْوِ وَاحِدٍ كَبِيرٍ أَجْزَأَ وَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ لَا تَطْهُرُ إلَّا بِنَزْحِ الدِّلَاءِ الْمُقَدَّرَةِ الْوَاجِبَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ تَكْرَارِ النَّزْحِ يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَيَكُونُ كَالْجَارِي، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِدَلْوٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَنَقَلَهُ فِي التَّبْيِينِ وَالنِّهَايَةِ عَنْ زُفَرَ قُلْنَا قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ إخْرَاجُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَاعْتِبَارُ مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ التَّوَالِي فِي النَّزْحِ حَتَّى لَوْ نُزِحَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دَلْوٌ جَازَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّوَالِي أَنَّهُ إذَا نَزَحَ الْبَعْضَ ثُمَّ ازْدَادَ فِي الْغَدِ قِيلَ يُنْزَحُ كُلُّهُ وَقِيلَ مِقْدَارُ الْبَقِيَّةِ هَذَا مَعَ أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ التَّوَالِي خِلَافًا نَقَلَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَأَنَّهُ إذَا ازْدَادَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَا يُنْزَحُ إلَّا مَا بَقِيَ إلَيْهِ أَشَارَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQيُتْرَكُ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفَتْ فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَرَوَى مَيْسَرَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعُ دِلَاءٍ وَفِي رِوَايَةٍ عِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْفَأْرَةِ أَرْبَعُونَ فَإِذَا بَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرِينَ وَبَعْضُهُمْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ الْأَوْسَطُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَكَانَ هُوَ وَاجِبًا لِتَعَيُّنِهِ، وَمَا وَرَاءَهُ اسْتِحْبَابًا وَاعْتِرَاضُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِشْرُونَ لِلْوُجُوبِ اهـ. يَقُولُ الْفَقِيرُ هَذَا النَّظَرُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَ هَذَا الْمَعْنَى فِي ثَلَاثِينَ مَمْنُوعٌ بَلْ الثَّلَاثِينَ إنَّمَا هُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ الْأَوْسَطِ وَالْأَكْثَرِ لَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الْفَأْرَةِ خَمْسٌ أَحَدُهَا دِلَاءٌ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهُوَ الثَّلَاثُ وَالثَّانِيَةُ سَبْعٌ وَالثَّالِثَةُ عِشْرُونَ وَالرَّابِعَةُ الثَّلَاثُونَ وَالْخَامِسَةُ الْأَرْبَعُونَ وَلَا يَذْهَبُ عَنْك أَنَّ الْعِشْرِينَ مِنْ بَيْنِ هَاتِيك الرِّوَايَاتِ هُوَ الْأَوْسَطُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ هُوَ الثَّلَاثُ وَالسَّبْعُ وَالْكَثِيرُ هُوَ الثَّلَاثُونَ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْعِشْرُونَ أَوْسَطُ بَيْنَهُمَا تَدَبَّرْ حَقَّ التَّدَبُّرِ يَحْصُلْ لَك نَتِيجَةُ التَّفَكُّرِ. اهـ. فَرَائِدُ. (قَوْلُهُ: الْمُخَرِّجُ) أَيْ صَاحِبُ كِتَابِ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ شَارِحِ الْكَنْزِ، فَإِنَّهُ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْوَسَطِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُقَابِلٌ لَهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الدَّلْوِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ دَلْوُ كُلِّ بِئْرٍ يَسْتَقِي بِهِ مِنْهَا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدْرُ صَاعٍ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ اهـ. وَقَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ الْوَسَطُ هِيَ الدَّلْوُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا؛ لِأَنَّهَا أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ مَا يَسَعُ صَاعًا إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَدَّرَ الدَّلْوَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ أَنَّهُ الْوَسَطُ وَيَنْبَغِي عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْمُسْتَعْمَلِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ اعْتِبَارُهُ فِي الْفَاقِدَةِ لَهُ أَيْضًا فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوَهَا لَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ الْوَسَطِ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا فِي الَّتِي لَا دَلْوَ لَهَا وَحِينَئِذٍ فَيُعْتَبَرُ الْوَسَطُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَبِهَذَا اعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ مِمَّا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ اهـ. وَأَرَادَ بِالْقَوْلَيْنِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَسَطَ مَا كَانَ قَدْرَ صَاعٍ وَالْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ (قَوْلُهُ: بِدَلْوٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فَلَوْ كَانَ دَلْوُهَا الْمُعْتَادُ لَهَا كَبِيرًا جِدًّا هَلْ يَجِبُ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ مُقَيِّدًا لِقَوْلِهِمْ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظَرُ الْفَقِيهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الدِّلَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي آبَارِ قُرَى بِلَادِنَا عَلَى نَحْوِ الْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ وَيُسَمَّى فِي عُرْفِنَا الْمَحْص مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّوَالِي إلَخْ) التَّفْرِيعُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي فَقَطْ.

الْخُلَاصَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ إلَى أَنَّ مَا يُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُهَا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ سُؤَالًا وَجَوَابًا فِي الْمُسْتَصْفَى فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ قَدْ مَرَّ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَالْآدَمِيِّ وَقَدْ قِيسَ مَا عَادَلَهَا بِهَا قُلْنَا بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلُ صَارَ كَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يَأْبَى الْقِيَاسُ جَوَازَهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لِلرَّأْيِ مَدْخَلًا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْآبَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا إلْحَاقٌ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعُونَ بِنَحْوِ حَمَامَةٍ) أَيْ يُنْزَحُ أَرْبَعُونَ دَلْوًا وَسَطًا بِمَوْتِ نَحْوِ حَمَامَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ قَرِيبًا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُسْتَحَبَّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا، وَالْمَذْكُورُ فِي غَيْرِهِمَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي نَحْوِ الْفَأْرَةِ عَشَرَةٌ وَفِي نَحْوِ الدَّجَاجَةِ اخْتَلَفَ كَلَامُ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَفِي الْأَصْلِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِشْرُونَ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَشَرَةٌ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ:، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعُلِّلَ لَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ صُنِّفَ بَعْدَ الْأَصْلِ فَأَفَادَ أَنَّ الظُّهُورَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ، وَقَدْ يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ إنَّ الَّذِي يَضْعُفُ بِسَبَبِ كِبَرِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا هُوَ الْوَاجِبُ لَا الْمُسْتَحَبُّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ الْمَذْكُورَ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ قَالَ يُنْزَحُ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ وَفِي الْهِرَّةِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ فَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّخْيِيرَ بَلْ أَرَادَ بِهِ بَيَانَ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، وَلَيْسَ هَذَا الْفَهْمُ بِلَازِمٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَفِي الصَّغِيرِ يُنْزَحُ الْأَقَلُّ وَفِي الْكَبِيرِ يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ وَقَدْ اخْتَارَ هَذَا بَعْضُهُمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سَبَبُ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِلْمُسْتَحَبِّ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ هَذَا إذَا كَانَ الْوَاقِعُ وَاحِدًا فَأَمَّا إذَا تَعَدَّدَ فَالْفَأْرَتَانِ إذَا لَمْ يَكُونَا كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ كَفَأْرَةٍ وَاحِدَةٍ إجْمَاعًا وَكَذَا إذَا كَانَ كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ إلَّا فِيمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ وَالْهِرَّتَانِ كَالشَّاةِ إجْمَاعًا وَجَعَلَ أَبُو يُوسُفَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ كَفَأْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْخَمْسَةَ كَالْهِرَّةِ إلَى التِّسْعِ وَالْعَشَرَةَ كَالْكَلْبِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الثَّلَاثُ كَالْهِرَّةِ وَالسِّتُّ كَالْكَلْبِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّصْحِيحُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الثَّلَاثَ كَالْهِرَّةِ فَيُفِيدُ أَنَّ السِّتَّ كَالْكَلْبِ وَبِهِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَمَا كَانَ بَيْنَ الْفَأْرَةِ وَالْهِرَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَأْرَةِ وَمَا كَانَ بَيْنَ الْهِرَّةِ وَالْكَلْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْهِرَّةِ وَهَكَذَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْغَرِ وَالْهِرَّةِ مَعَ الْفَأْرَةِ كَالْهِرَّةِ وَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَأْرَةَ إذَا كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ الْهِرَّةِ فَوَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ وَمَاتَتْ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَبُولُ غَالِبًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ فِي الْهِرَّةِ مَعَ الْفَأْرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَبُولُ خَوْفًا وَقَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى بِخِلَافِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِي ثُبُوتِ كَوْنِهَا بَالَتْ شَكًّا فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ) أَيْ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ بِمَوْتِ مَا عَادَلَ الشَّاةَ فِي الْجُثَّةِ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الطُّفَيْلِ أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ فَأَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنْزَحَ قَالَ فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْ مِنْ الرُّكْنِ قَالَ فَأُمِرَ بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقَبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ حَتَّى نَزَحُوهَا فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالْقَبَاطِيُّ جَمْعُ قِبْطِيَّةٍ، وَهُوَ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ مِصْرَ رَقِيقَةٌ بَيْضَاءُ وَكَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى الْقِبْطِ وَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ وَالْمَطَارِفُ أَرِدْيَةٌ مِنْ خَزٍّ مُرَبَّعَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ مُفْرَدُهَا مِطْرَفٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ هَذَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا الِاحْتِمَالُ سَاقِطٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ بُنِيَتْ عَلَى الْآثَارِ وَالْوَارِدِ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا هُوَ إيجَابُ الْعِشْرِينَ فِي نَحْوِ الْفَأْرَةِ وَالْأَرْبَعِينَ فِي نَحْوِ الْحَمَامَةِ مُطْلَقًا، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَال؛ وَلِهَذَا تَعَيَّنَ حَمْلُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمَشَايِخُ (قَوْلُهُ: وَبِهِ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) أَقُولُ: وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِهِ فِي مَتْنِ الْمَوَاهِبِ فَقَالَ: وَأَلْحَقَ أَيْ مُحَمَّدٌ الثَّلَاثَ مِنْهَا إلَى الْخَمْسِ بِالْهِرَّةِ وَالسِّتَّ بِالْكَلْبِ لَا الْخَمْسَ إلَى التِّسْعِ بِهَا وَالْعَشْرِ بِهِ اهـ. أَيْ مَا أَلْحَقَ الْخَمْسَ إلَى التِّسْع بِالْهِرَّةِ وَالْعَشْرَ بِالْكَلْبِ كَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا مَعَهَا أَنْ تَكُونَ هَارِبَةً مِنْهَا وَالتَّقْيِيدُ بِمَوْتِهَا غَيْرُ وَاقِعٍ لِمَا مَرَّ ثُمَّ رَأَيْت فِي السِّرَاجِ قَالَ لَوْ أَنَّ هِرَّةً أَخَذَتْ فَأْرَةً فَوَقَعَتَا جَمِيعًا فِي الْبِئْرِ إنْ أُخْرِجَتَا حَيَّتَيْنِ لَمْ يُنْزَحُ شَيْءٌ أَوْ مَيِّتَتَيْنِ نُزِحَ أَرْبَعُونَ أَوْ الْفَأْرَةُ مَيِّتَةٌ فَقَطْ فَعِشْرُونَ، وَإِنْ مَجْرُوحَةً أَوْ بِاَلَّتِي نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُجْتَبَى وَبَقِيَ مِنْ الْأَقْسَامِ مَوْتُ الْهِرَّةِ فَقَطْ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ نَزْحِ الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية وَفِي الْفَيْضِ

، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَطَاءٍ فَرَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنْ حَبَشِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَنُزِحَ مَاؤُهَا فَجَعَلَ الْمَاءُ لَا يَنْقَطِعُ فَنَظَرَ فَإِذَا عَيْنٌ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَسْبُكُمْ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْآمِرُ فِيهَا بِالنَّزْحِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ قَتَادَةَ فَرَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْآمِرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي الطُّفَيْلِ فَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْآمِرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنْ قَالُوا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ مُرْسَلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلْ سَمِعَهَا مِنْ عِكْرِمَةَ وَكَذَا قَتَادَةُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ دِينَارٍ فَفِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي طُفَيْلٍ فَفِيهَا جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَأَمَّا عَطَاءٌ فَهُوَ، وَإِنْ سَمِعَ مِنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ وُجِدَ مَا يُضَعِّفُ رِوَايَتَهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ أَنَا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ الَّذِي قَالُوا إنَّهُ وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَلَا سَمِعْت أَحَدًا يَقُولُ نُزِحَتْ زَمْزَمُ ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَيْفَ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَيَتْرُكُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ فَلِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ نَزَحَهَا لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنَّ زَمْزَمَ لِلشُّرْبِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمَّا أَرْسَلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا ثِقَةً، وَهُوَ عِكْرِمَةُ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا مُحْتَجًّا بِهِ وَفِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَرَاسِيلُ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ صِحَاحٌ كَمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَمَّا الْجُعْفِيُّ فَقَدْ وَثَّقَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَاحْتَمَلَهُ النَّاسُ وَرَوَوْا عَنْهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَيْضًا، وَأَمَّا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ هُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الثِّقَاتُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ وَأَمَّا عَدَمُ عِلْمِ سُفْيَانَ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا فَقَدْ عَرَفَ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ وَإِثْبَاتُهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى نَفْيِ غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ أَوْجَبَ تَخْصِيصَهُ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ كَعِلْمِ الْمُخَالِفِ بِهِ فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَنْجِيسِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَقَعَ عِنْدَهُ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُسْتَبْعَدُ مِثْلُهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ كَوْنِ النَّزْحِ لِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ أَوْ لِلتَّنْظِيفِ فَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَاتَ فَأَمَرَ بِنَزْحِهَا أَنَّهُ لِلْمَوْتِ لَا لِنَجَاسَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِمْ زَنَى فَرُجِمَ وَسَهَا فَسَجَدَ وَسَرَقَ فَقُطِعَ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمْ لَا يُنْزَحُ أَيْضًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّنْظِيفِ لَمْ يَأْمُرْ بِنَزْحِهَا وَلَمْ يُبَالِغُوا هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ الْعَظِيمَةَ مِنْ سَدِّ الْعَيْنِ وَقَوْلِ النَّوَوِيِّ كَيْفَ يَصِلُ هَذَا الْخَبَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كَبِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ اسْتِبْعَادٌ بَعْدَ وُضُوحِ الطَّرِيقِ وَمُعَارَضٌ بِأَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَعَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ انْتَقَلُوا إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ إلَّا الْقَلِيلُ وَانْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ لِلْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَسَمِعَ النَّاسُ مِنْهُمْ وَانْتَشَرَ الْعِلْمُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ الْعِجْلِيّ فِي تَارِيخِهِ نَزَلَ الْكُوفَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَنَزَلَ قَرْقِيسِيَاءَ سِتُّ مِائَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إلَّا مُكَابِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ إمَامِهِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِأَحْمَدَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مِنَّا فَإِذَا كَانَ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَأَعْلَمُونِي حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ كُوفِيًّا كَانَ أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا فَهَلَّا قَالَ كَيْفَ يَصِلُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبِئْرَ إذَا نُزِحَتْ لَا يَحْضُرُهَا أَهْلُ الْبَلَدِ وَلَا أَكْثَرُهُمْ، وَإِنَّمَا يَحْضُرُ مَنْ لَهُ بَصَارَةٌ أَوْ مَنْ يُسْتَعَانُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَبَوْلُ الْفَأْرَةِ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ؛ وَلِأَنَّ أَصَحَّهُمَا عَدَمُ التَّنْجِيسِ اهـ. فَلَعَلَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا تَأَمَّلْ.

بِهِ. (قَوْلُهُ: وَانْتِفَاخُ حَيَوَانٍ أَوْ تَفَسُّخُهُ) أَيْ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ لِأَجْلِ انْتِفَاخِ الْحَيَوَانِ الْوَاقِعِ فِيهَا أَوْ تَفَسُّخِهِ مُطْلَقًا صَغُرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ كَالْفَأْرَةِ وَالْآدَمِيِّ وَالْفِيلِ لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ انْتِفَاخِهِ تَنْفَصِلُ بِلَّتُهُ، وَهِيَ نَجِسَةٌ مَائِعَةٌ فَصَارَتْ كَقَطْرَةٍ مِنْ خَمْرٍ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ الْمَاءُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُخْرِجَتْ قَبْلَ الِانْتِفَاخِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَاءِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا وَالِانْتِفَاخُ أَنْ تَتَلَاشَى أَعْضَاؤُهُ وَالتَّفَسُّخُ أَنْ تَتَفَرَّقَ عُضْوًا عُضْوًا وَكَذَا إذَا تَمَعَّطَ شَعْرُهُ فَهُوَ كَالْمُنْتَفِخِ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنْ جَعَلَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ شَمْعَةً لَمْ يَجِبْ إلَّا مَا يَجِبُ فِي الْفَأْرَةِ اهـ. فُرُوعٌ لَا يُفِيدُ النَّزْحُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ النَّجَاسَةِ وَمَعَ بَقَائِهَا لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَكَانَ مُتَنَجِّسًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبِئْرِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ نُزِحَ مَا فِيهَا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَهُ لَا يُنْزَحُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ غَارَ الْمَاءُ قَبْلَ النَّزْحِ ثُمَّ عَادَ يَعُودُ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُطَهِّرُ، وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ فِي قَعْرِهَا، وَقَدْ جَفَّتْ تُجْزِئُهُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ لَكِنْ اخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ نَجِسًا وَصَرَّحَ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ بِأَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ كَنَظَائِرِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّزْحِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ الْأَصَحُّ عَدَمَ الْعَوْدِ فِيمَا إذَا جَفَّ أَسْفَلُهُ أَمَّا إذَا غَارَ وَلَمْ يَجِفَّ أَسْفَلُهُ فَالْأَصَحُّ الْعَوْدُ كَمَا أَفَادَهُ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ، وَإِذَا طَهُرَتْ الْبِئْرُ يَطْهُرُ الدَّلْوُ وَالرَّشَا وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِي الْبِئْرِ وَيَدُ الْمُسْتَقِي؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فَتَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا لِلْحَرَجِ كَدَنِّ الْخَمْرِ يَطْهُرُ تَبَعًا إذَا صَارَ خَلًّا وَكَيَدِ الْمُسْتَنْجِي تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَكَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَجَعَلَ يَدَهُ عَلَيْهَا كُلَّمَا صَبَّ عَلَى الْيَدِ فَإِذَا غَسَلَ الْيَدَ ثَلَاثًا طَهُرَتْ الْعُرْوَةُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ وَلَوْ سَالَ النَّجَسُ عَلَى الْآجُرِّ ثُمَّ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ فَنَزْحُهَا طَهَارَةٌ لِلْكُلِّ، وَقِيلَ الدَّلْوُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ هَذِهِ الْبِئْرِ لَا غَيْرِهَا كَدَمِ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَجِبُ نَزْحُ الطِّينِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّ الْآثَارَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِنَزْحِ الْمَاءِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَكُلَّمَا نُزِحَ مِنْ الْبِئْرِ شَيْءٌ طَهُرَ مِنْ الدَّلْوِ بِقَدْرِهِ وَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَلَا يُطَيَّنُ الْمَسْجِدُ بِطِينِ الْبِئْرِ الَّتِي نُزِحَتْ احْتِيَاطًا ثُمَّ نَجَاسَةُ الْبِئْرِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ وَغَيْرِهَا غَلِيظَةٌ ثُمَّ بِقَدْرِ مَا يُنْزَحُ تَخِفُّ فَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَوَّلَ مِنْ بِئْرٍ وَجَبَ فِيهَا نَزْحُ عِشْرِينَ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْ الثَّانِيَةِ عِشْرُونَ، وَلَوْ صَبَّ الثَّانِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ وَكَذَا الثَّالِثُ عَلَى هَذَا، وَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَخِيرَ يُنْزَحُ دَلْوٌ مِثْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْبِئْرَ الثَّانِيَةَ تَطْهُرُ بِمَا تَطْهُرُ بِهِ الْأُولَى، وَلَوْ أُخْرِجَتْ الْفَأْرَةُ وَأُلْقِيَتْ فِي بِئْرِ طَاهِرَةِ وَصُبَّ أَيْضًا فِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْأُولَى يَجِبُ إخْرَاجُ الْفَأْرَةِ وَنَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَطْهُرُ بِهِ فَكَذَا الثَّانِيَةُ، وَلَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْعَاشِرَةَ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سُلَيْمَانَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ إحْدَى عَشْرَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَوَفَّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْأُولَى سِوَى الْمَصْبُوبِ وَالثَّانِيَةُ مَعَ الْمَصْبُوبِ فَلَا خِلَافَ وَلَوْ صَبَّ مَاءَ بِئْرٍ نَجِسَةٍ فِي بِئْرٍ أُخْرَى، وَهِيَ نَجِسَةٌ أَيْضًا يُنْظَرُ بَيْنَ الْمَصْبُوبِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فِيهَا فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَغْنَى عَنْ الْأَقَلِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَنُزِحَ أَحَدُهُمَا يَكْفِي مِثَالُهُ بِئْرَانِ مَاتَتْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَأْرَةٌ فَنُزِحَ مِنْ إحْدَاهُمَا عَشَرَةٌ مَثَلًا وَصُبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ عِشْرُونَ، وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ، وَلَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي بِئْرٍ ثَالِثَةٍ فَصُبَّ مِنْ إحْدَى الْبِئْرَيْنِ عِشْرُونَ وَمِنْ الْأُخْرَى عَشَرَةٌ يُنْزَحُ ثَلَاثُونَ، وَلَوْ صُبَّ فِيهَا مِنْ كُلٍّ عِشْرُونَ نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ الْمَصْبُوبُ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ، وَلَوْ نُزِحَ دَلْوٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَصُبَّ فِي الْعِشْرِينَ يُنْزَحُ الْأَرْبَعُونَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَبَّ فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ كَذَلِكَ فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ يُنْزَحُ الْوَاجِبُ وَالْمَصْبُوبُ جَمِيعًا فَقِيلَ لَهُ إنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْك الْأَكْثَرَ فَأَنْكَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ، وَكَانَ مُتَنَجِّسًا) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ وَقَعَ عُصْفُورٌ فِي بِئْرٍ فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهِ فَمَا دَامَ فِيهَا فَنَجِسَةٌ فَتُتْرَكُ مُدَّةً يُعْلَمُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ وَصَارَ حَمْأَةً وَقِيلَ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ طَهُرَ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّهَارَةِ خِفَّةَ النَّجَاسَةِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا بَعْدَهُ

وَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي بِئْرَيْنِ وَقَعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِنَّوْرٌ فَنُزِحَ مِنْ إحْدَاهُمَا لَوْ صُبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ مَاؤُهَا كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الدَّلْوَ الَّذِي نُزِحَ أَخَذَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَّسَهُ وَيَجِبُ غَسْلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمَصْبُوبُ فِيهَا طَاهِرَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ نَجِسَةً فَلَا؛ لِأَنَّ أَثَرَ نَجَاسَةِ هَذَا الدَّلْوِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَرَدَ عَلَى طَاهِرٍ وَقَدْ وَرَدَ هُنَا عَلَى نَجِسٍ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ نَجَاسَتِهِ فَتَبْقَى الْمُورِدَةُ عَلَى مَا كَانَتْ، فَتَطْهُرُ بِإِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَجْهُ دَفْعِهِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْبِئْرِ إلَّا نَجَاسَةُ فَأْرَةٍ وَنَجَاسَةُ فَأْرَةٍ يُطَهِّرُهَا عِشْرُونَ دَلْوًا اهـ وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَادِرِ فَإِنْ مَاتَتْ فِي حُبٍّ فَأُرِيقَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُنْزَحُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَصْبُوبَةِ وَمِنْ عِشْرِينَ دَلْوًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا يُنْزَحُ عِشْرُونَ فَكَذَا إذَا صُبَّ فِيهَا مَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا إذَا زَادَ الْمَصْبُوبُ عَلَى ذَلِكَ فَتُنْزَحُ الزِّيَادَةُ مَعَ الْعِشْرِينَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُنْزَحُ الْمَصْبُوبُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْفَأْرَتَانِ فِي الْبِئْرِ يَجِبُ نَزْحُهُمَا وَنَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا كَذَا هَذَا، وَفِي الْكَافِي وَالْمُسْتَصْفَى وَالْبَدَائِعِ أَنَّ الْفَأْرَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الْحُبِّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ لَهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِنَزْحِ الْبَعْضِ مَخْصُوصٌ بِالْآبَارِ ثَبَتَ بِالْآثَارِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الصِّهْرِيجِ أَوْ الْفَسْقِيَّةِ وَلَمْ يَكُونَا عَشْرًا فِي عَشْرٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ كُلَّهُ يُهْرَاقُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ وَالْبِئْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَطْهُرُ بِالِانْفِصَالِ عَنْ الْمَاءِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَتَقَاطَرُ لِلضَّرُورَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ الْمَاءِ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا رَجُلٌ ثُمَّ أَعَادَ الدَّلْوَ فَعِنْدَهُمَا الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الْعَوْدِ نَجِسٌ، وَعِنْدَهُ طَاهِرٌ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَوْدَ الدَّلْوِ قَيْدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا عَادَ الدَّلْوُ أَوْ لَا وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَكَانَ زَائِدًا وَفِي الْبَدَائِعِ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ وَفِي التَّجْنِيسِ إذَا نَزَحَ الْمَاءَ النَّجِسَ مِنْ الْبِئْرِ يُكْرَهُ أَنْ يَبِلَّ بِهِ الطِّينَ وَلَا يُطَيِّنَ بِهِ الْمَسْجِدَ أَوْ أَرْضُهُ لِنَجَاسَتِهِ بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إذَا جَعَلَهُ فِي الطِّينِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا بِذَلِكَ اهـ. وَالْبُعْدُ بَيْنَ الْبَالُوعَةِ وَالْبِئْرِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَى الْبِئْرِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسَبْعَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الْمُعْتَبَرُ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ كَانَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَتَاوَى قَاضِي خان وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ مَائِعًا تَنَجَّسَ جَمِيعُهُ وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْأَبَدَانِ كَذَا قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَصْبَحَ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ إدْخَالِ النَّجَاسَةِ الْمَسْجِدَ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ الْفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانَ الْبَاقِي طَاهِرًا، وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِمَا حَوْلَهَا فِي غَيْرِ الْأَبْدَانِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ وَحَدُّ الْجُمُودِ وَالذَّوْبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ قُوِّرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ لَا يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ جَامِدٌ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَوِي مِنْ سَاعَتِهِ فَهُوَ ذَائِبٌ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْجِلْدَ إذَا دُبِغَ بِذَلِكَ السَّمْنِ يُغْسَلُ الْجِلْدُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ فِيهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلِمَنْ اشْتَرَاهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْخَمْرِ فَصَارَ خَلًّا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخَلُّ مُبَاحٌ وَقِيلَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ وَقِيلَ إذَا لَمْ تَتَفَسَّخْ فِيهِ جَازَ، وَإِنْ تَفَسَّخَتْ لَمْ يَجُزْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: يُهْرَاقُ الْمَاءُ كُلُّهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَاقَةِ بِلَا غَسْلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بَعْدَ الْإِرَاقَةِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْمُرَاقِ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الصِّهْرِيجِ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّهْرِيجَ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْبِئْرِ فِي شَيْءٍ كَذَا فِي النَّهْرِ وَقَالَ قَبْلَهُ وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ إيجَابَ الْعِشْرِينَ وَالْأَرْبَعِينَ فِي الْفَأْرَةِ وَالْحَمَامَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِمَا وَبِذَلِكَ تَمَسَّكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَأَفْتَى بِنَزْحِ عِشْرِينَ فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي صِهْرِيجٍ، وَفِي الْقَامُوسِ الصِّهْرِيجُ الْحَوْضُ الْكَبِيرُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحُبِّ ثُمَّ قَالَ إنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى بُعْدُهُ، فَإِنَّ الْحُبَّ بِالْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَأَيْنَ هِيَ مِنْ الصِّهْرِيجِ لَا سِيَّمَا الَّذِي يَسَعُ أُلُوفًا مِنْ الدِّلَاءِ اهـ. قُلْت: وَنُقِلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ حُكْمَ الرَّكِيَّةِ حُكْمُ الْبِئْرِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَهِيَ الْبِئْرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ لَكِنْ فِي الْعُرْفِ هِيَ بِئْرٌ يَجْتَمِعُ مَاؤُهَا مِنْ الْمَطَرِ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ التَّنْوِيرِ عَنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْحُبَّ الْمَطْمُورَ أَكْثَرُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْبِئْرِ وَعَلَيْهِ فَالصِّهْرِيجُ وَالزِّيرُ الْكَبِيرُ يُنْزَحُ مِنْهُ كَالْبِئْرِ وَقَالَ: فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ اهـ. وَالزِّيرُ الدَّنُّ، وَهُوَ الرَّاقُودُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ الْحُبِّ لَا يُعْقَدُ إلَّا أَنْ

؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ وَهَذَا إذَا اُسْتُخْرِجَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا أَمَّا إذَا صَارَ خَلًّا وَالْفَأْرَةُ فِيهِ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَفَسِّخَةً أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ بَالُوعَةٌ حَفَرُوهَا وَجَعَلُوهَا بِئْرَ مَاءِ، فَإِنْ حَفَرُوهَا مِقْدَارَ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَجَوَانِبُهَا نَجِسَةٌ، وَإِنْ حَفَرُوهَا أَوْسَعَ مِنْ الْأَوَّلِ طَهُرَ الْمَاءُ وَالْبِئْرُ كُلُّهُ اهـ. وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ، وَلَوْ نَزَحَ مَاءَ بِئْرِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَتَّى يَبِسَتْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَاءِ، وَلَوْ صُبَّ مَاءُ رَجُلٍ كَانَ فِي الْحُبِّ يُقَالُ لَهُ امْلَأْ الْإِنَاءَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحُبِّ مَالِكٌ لِلْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِوَزِّ كَالدَّجَاجِ إنْ كَانَ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ كَالْجَمَلِ الْعَظِيمِ يُنْزَحُ كُلُّ الْمَاءِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ تَنَجَّسَتْ بِئْرٌ فَأَجْرَى مَاؤُهَا بِأَنْ حُفِرَ مَنْفَذٌ فَصَارَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ طَهُرَتْ لِوُجُودِ سَبَبِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ وَصَارَ كَالْحَوْضِ إذَا تَنَجَّسَ فَأَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَمِائَتَانِ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا) أَيْ يُنْزَحُ مِائَتَا دَلْوٍ إنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مُعَيَّنَةً لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا بِسَبَبِ أَنَّهُمْ كُلَّمَا نَزَحُوا نَبَعَ مِنْ أَسْفَلِهِ مِثْلَ مَا نَزَحُوا أَوْ أَكْثَرُ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهَا فَمَا فِي الْكِتَابِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالُوا إنَّمَا أَفْتَى بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَغْدَادَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مَاءُ آبَارِهَا كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّقْدِيرُ بِمِائَةِ دَلْوٍ قَالُوا أَفْتَى بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قِلَّةِ الْمِيَاهِ فِي آبَارِ الْكُوفَةِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مِثْلِهِ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي مِثْلِهِ. اهـ. وَإِنَّمَا لَمْ يُقَدِّرْهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ وَالنَّزْحُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْعَجْزُ أَمْرٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ قَدْرُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ جَمِيعُ الْمَاءِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ النَّزْحِ وَالْأَصَحُّ تَفْسِيرُ الْغَلَبَةِ بِالْعَجْزِ كَذَا ذَكَرَ قَاضِي خان وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُحْفَرَ حَفِيرَةٌ عُمْقُهَا وَدَوْرُهَا مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْهَا وَتُجَصَّصُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَيُصَبُّ فِيهَا فَإِذَا امْتَلَأَتْ فَقَدْ نُزِحَ مَاؤُهَا. وَالثَّانِي: أَنْ تُرْسَلَ قَصَبَةٌ فِي الْمَاءِ وَيُجْعَلَ عَلَامَةً لِمَبْلَغِ الْمَاءِ ثُمَّ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ مَثَلًا ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمْ انْتَقَصَ فَإِنْ انْتَقَضَ الْعُشْرُ فَهُوَ مِائَةٌ قَالُوا وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا إذَا كَانَ دَوْرُ الْبِئْرِ مِنْ أَوَّلِ حَدِّ الْمَاءِ إلَى قَعْرِ الْبِئْرِ مُتَسَاوِيًا، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُ إذَا نَقَصَ شِبْرٌ بِنَزْحِ عَشْرٍ مِنْ أَعْلَى الْمَاءِ أَنْ يَنْقُصَ شِبْرٌ بِنَزَحِ مِثْلِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ وَعْنَ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ يُؤْتَى بِرَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ فَإِذَا قَدَّرَاهُ بِشَيْءٍ وَجَبَ نَزْحُ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِكَوْنِهِمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ الْمُلْزِمَةِ وَاشْتِرَاطُ الْمَعْرِفَةِ لَهُمَا بِالْمَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ أَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَظَاهِرُ مَا فِي النُّقَايَةِ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَيُكْتَفَى بِالْوَاحِدِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ جَمَاعَةٌ وَاخْتَارُوهُ وَصَحَّحَ الْإِمَامُ حُسَامُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ، وَهِيَ الْعَجْزُ وَذَكَرَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُنْزَحُ ثَلَثُمِائَةٍ وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ أَنَّ الْمُخْتَارَ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَلَفَتْ الْفَتْوَى فِيهَا وَالْإِفْتَاءُ بِمَا عَنْ مُحَمَّدٍ أَسْهَلُ عَلَى النَّاسِ وَالْعَمَلُ بِمَا عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَحْوَطُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْسَرُ عَلَى النَّاسِ لَكِنْ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ نَزْحَ جَمِيعِ الْمَاءِ لِلْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ فَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى نَزْحِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الدِّلَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعِيٍّ يُفِيدُهُ وَأَيْنَ ذَلِكَ بَلْ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ خِلَافُهُ وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْأَظْهَرَ إنْ أَمْكَنَ سَدُّ مَنَابِعِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ سُدَّتْ وَأُخْرِجَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، وَإِنْ عَسَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَحْفِرَ لَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَقُولُ: وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي تَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا كَانَ حُفْرَةً فِي الْأَرْضِ لَا تَنَالُهُ الْيَدُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبِئْرِ وَدَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهَا؛ لِأَنَّهَا كَمَا مَرَّ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَارَتْ أَيْ حُفِرَتْ فَيَكُونُ الْوَارِدُ فِيهَا وَارِدًا فِيهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الدَّنِّ وَالْفَسْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا، وَبِهِ يَظْهَرُ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ وَكَذَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا يُشِيرُ صَدْرُ كَلَامِ النَّهْرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ قَالُوا: إنَّمَا أَفْتَى بِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا لَا يُنَاسِبُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ إذْ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حُكْمٌ بِإِيجَابِ نَزْحِ الْكُلِّ وَالْغَرَضُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ، وَلَهُ (لَكِنْ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَكَانَ الْمَشَايِخُ إنَّمَا اخْتَارُوا مَا عَنْ مُحَمَّدٍ لِانْضِبَاطِهِ كَالْعَشْرِ تَيْسِيرًا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: بَلْ الْمَأْثُورُ إلَخْ) أَرَادَ بِهِ مَا مَرَّ فِي حَدِيثِ الزِّنْجِيِّ الْوَاقِعِ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ.

ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ كَوْنَ مَحَلِّ الْمَاءِ مِنْهَا عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ طُولًا وَعَرْضًا فِي سَائِرِ أَجْزَائِهِ أَرْسَلَ فِي الْمَاءِ قَصَبَةً وَعَمِلَ فِي ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمِقْدَارِهِ مِنْ عَدْلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِمِيَاهِ الْآبَارِ أُخِذَ بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْمَاءِ مِنْ عَدْلَيْنِ بَصِيرَيْنِ بِذَلِكَ نَزَحُوا حَتَّى يَظْهَرَ لَهُمْ الْعَجْزُ بِحَسَبِ غَلَبَةِ ظَنِّهِمْ. اهـ. وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِلْمُتَأَمِّلِ فَلْيَكُنْ الْعَمَلُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَنَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ فَأْرَةٌ مُنْتَفِخَةٌ جُهِلَ وَقْتُ وُقُوعِهَا، وَإِلَّا مُذْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَيْ نَجَّسَ الْبِئْرَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ مُنْتَفِخَةٌ لَا يُدْرَى وَقْتُ وُقُوعِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنْتَفِخَةً نَجَّسَهَا مُذْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَيْ مُذْ ثَلَاثِ لَيَالٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْأَيَّامُ لَقَالَ مُذْ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّ اللَّيَالِيَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ كَمَا أَنَّ الْأَيَّامَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أَيْ وَعَشْرَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا اعْلَمْ أَنَّ الْبِئْرَ تُنَجَّسُ مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي وُجِدَ مَيِّتًا فِيهَا إنْ عُلِمَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَقَدْ صَارَ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَإِذَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَهُمْ مُتَوَضِّئُونَ أَوْ غَسَلُوا ثِيَابَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ، فَإِنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَهُمْ مُحْدِثُونَ أَوْ اغْتَسَلُوا مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَسَلُوا ثِيَابَهُمْ عَنْ نَجَاسَةٍ فَفِي الثَّالِثِ لَا يُعِيدُونَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَدْرِ مَتَى أَصَابَتْهُ لَا يُعِيدُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالتَّبْيِينِ وَتَعَقَّبَهُ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَلْزَمُهُمْ غَسْلُهَا لَكَوَّنَهَا مَغْسُولَةً بِمَاءِ الْبِئْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ حَالَ الْعِلْمِ بِاشْتِمَالِ الْبِئْرِ عَلَى الْفَأْرَةِ بِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: الْمُصَنِّفُ فَأْرَةٌ مُنْتَفِخَةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ: زَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْ مُتَفَسِّخَةٌ إذْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِانْتِفَاخِ يُوهِمُ أَنَّهُ فِي التَّفَسُّخِ يُعِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ إفْسَادَ الْمَاءِ مَعَهُ أَكْثَرُ كَمَا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَزِيدِ يُوهِمُ إعَادَةَ الْأَقَلِّ فَالْجَمْعُ أَوْلَى (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ هُنَا) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ عَادَةُ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَدِّرُوهُ بِالْأَيَّامِ، وَهُوَ قَدَّرَهُ بِاللَّيَالِيِ حَيْثُ حَذَفَ التَّاءَ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ أَحَدُهُمَا ثَلَاثَةً فَقَدْ تَمَّ الْآخَرُ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْجِيهَيْنِ أَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّيَالِي وَيَلْزَمُ مِنْهُ دُخُولُ الْأَيَّامِ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَعَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى الْمَقْصُودُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ فَلِذَا كَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَذْفَ التَّاءِ يُعَيِّنُ ذَلِكَ مُطْلَقًا بَلْ إذَا كَانَ الْمَعْدُودُ مُذَكَّرًا أَمَّا إذَا كَانَ مَحْذُوفًا جَازَ تَقْدِيرُهُ مُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا وَقَدْ جَوَّزُوا فِي حَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» تَقْدِيرَ الْمَحْذُوفِ أَرْكَانًا أَوْ دَعَائِمَ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْكَافِيَةِ زَادَ مَا إذَا قَدَّمَ الْمَعْدُودَ وَجَعَلَ اسْمَ الْعَدَدِ صِفَةً فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ فِي اسْمِ الْعَدَدِ إلْحَاقُ التَّاءِ وَحَذْفُهَا وَقَالَ: فَاحْفَظْهَا، فَإِنَّهَا عَزِيزَةٌ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ قَوْلَ الْأُجْرُومِيَّةِ وَالْمُضَارِعُ مَا كَانَ فِي أَوَّلِهِ إحْدَى الزَّوَائِدِ الْأَرْبَعِ وَالزَّوَائِدُ جَمْعُ زَائِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةٌ قَوْلُ الْأَكْمَلِ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ سِتٌّ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا مَغْسُولَةً بِمَاءِ الْبِئْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ) أَقُولُ: مَا بِمَعْنَى وَقْتٍ وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " مَغْسُولَةٌ " وَقَوْلُهُ " حَالَ " مَفْعُولٌ تَقَدَّمَ مِثْلُ: " وَاتَّقُوا يَوْمًا " لَا ظَرْفٌ وَقَوْلُهُ بِاشْتِمَالٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ وَقَوْلُهُ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ بِتَقَدَّمَ وَالْمَعْنَى إذَا كَانَ يَلْزَمُهَا غُسْلُهَا لِكَوْنِهَا مَغْسُولَةً بِمَاءِ الْبِئْرِ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ بِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى زَمَنِ الْعِلْمِ بِالْفَأْرَةِ كَيْفَ لَا يَكُونُ تَنَجُّسُ الثِّيَابِ مُسْتَنِدًا مَعَ التَّيَقُّنِ بِتَقَدُّمِ الْغُسْلِ عَلَى الْحَالِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّقَدُّمَ بِكَوْنِهِ بِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حِينِ وُجُودِهَا لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ لِعَدَمِ الْحُكْمِ بِوُقُوعِهَا حِينَئِذٍ وَيُشْكَلُ أَيْضًا أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالثَّوْبِ مُوقَنَةً وَفِي زَوَالِهَا بِهَذَا الْمَاءِ شَكٌّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّهَارَةِ عَنْ حَدَثٍ وَأَيْضًا إذَا كَانَ لُزُومُ غَسْلِهَا لِكَوْنِهَا مَغْسُولَةً بِمَاءِ الْبِئْرِ لَا لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَارِحِ الْمُنْيَةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثِّيَابِ وَبَيْنَ مَا إذَا غُسِلَتْ لَا عَنْ نَجَاسَةٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وُجُوبُ غَسْلِهَا مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوْلُهُ نَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ يَعْنِي فِي حَقِّ الْوُضُوءِ حَتَّى يَلْزَمَهُمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا الثِّيَابَ بِمَائِهَا لَا يَلْزَمُ إلَّا غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الدُّرَرِ وَالْمِنَحِ وَشَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْبَهْنَسِيِّ وَنَحْوِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ عِبَارَةَ الْقُدُورِيِّ بِحُرُوفِهَا لَكِنْ يَعُودُ إيرَادُ شَارِحِ الْمُنْيَةِ عَلَى عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ بِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي الْحَالِ يَجِبُ غَسْلُ هَذِهِ الثِّيَابِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حَوَاشِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ اشْتِبَاهٌ حَتَّى حَذَفَ بَعْضُهُمْ حَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَلَامِهِ لَكِنْ وَجَّهَهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي مُحَشِّي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ فِي الْبِئْرِ الْمَذْكُورَةِ اعْتِبَارَيْنِ الْأَوَّلُ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّنَزُّهُ وَمُقْتَضَاهُ

كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الثِّيَابِ مِنْ بَابِ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّنَجُّسِ فِي الْحَالِ لَا مُسْتَنِدًا إلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَتَّجِهُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ مَعَ الْغَسْلِ الْإِعَادَةَ لَا عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يُوجِبَانِ غَسْلَ الثَّوْبِ أَصْلًا اهـ. وَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي خِلَافٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا وَقْتَ الْعِلْمِ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهَا قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِطَهَارَتِهَا فِيمَا مَضَى وَقَدْ شُكَّ فِي النَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي غَيْرِ الْبِئْرِ ثُمَّ أَلْقَتْهَا الرِّيحُ الْعَاصِفُ فِيهَا أَوْ بَعْضُ السُّفَهَاءِ أَوْ الصِّبْيَانِ أَوْ بَعْضُ الطُّيُورِ كَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِهِ إلَى أَنْ رَأَى حَدَأَةً فِي مِنْقَارِهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ فَأَلْقَتْهَا فِي الْبِئْرِ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ إذَا وَجَدَهَا فِي ثَوْبِهِ وَعَلَى مَا إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةَ فِي كُرْسُفِهَا دَمًا وَلَا تَدْرِي مَتَى نَزَلَ وَعَلَى مَا لَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةُ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ لَهُمْ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَادِثَ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ الْإِحَالَةَ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ عِنْدَ خَفَاءِ الْمُسَبَّبِ وَالْكَوْنُ فِي الْمَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِلْمَوْتِ وَالْمَوْتُ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَدْ خَفِيَ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ مَاتَ فِيهِ إحَالَةً عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ عِنْدَ خَفَاءِ الْمُسَبَّبِ دُونَ الْمَوْهُومِ، وَهُوَ الْمَوْتُ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَلَمْ يَزَلْ مُصَاحِبَ الْفِرَاشِ حَتَّى مَاتَ يُضَافُ مَوْتُهُ إلَى الْجُرْحِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَكَذَا إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ يُضَافُ الْقَتْلُ إلَى أَهْلِهَا حَتَّى تَجِبَ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي مَوْضِعً آخَرَ غَيْرَ أَنَّ الِانْتِفَاخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ وَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَى ثَلَاثِ أَيَّامٍ عَلَى مَا قِيلَ وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا لِتَفَاوُتِهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيّ تِلْمِيذُهُمَا أَنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ، فَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً يُعِيدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ طَرِيَّةً يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَهُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا عَلَى الْوِفَاقِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ الْأَصَحُّ فَالْفَرْقُ لَهُ وَاضِحٌ، وَهُوَ أَنَّ الثَّوْبَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرُهُ فَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَصَابَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَعَلِمَ بِهَا بِخِلَافِ الْبِئْرِ فَإِنَّهَا غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِهِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُعَلَّى - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَوْنَهُ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَفَقُّهٌ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ الْحَقُّ فَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ إنَّ الْمُعَلَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي حَقِّ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فَتُعَادُ الصَّلَاةُ وَتُغْسَلُ الثِّيَابُ وَلَا يُؤْكَلُ الْعَجِينُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ. وَالثَّانِي: نَفْيُ الْحَرَجِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ مُطْلَقًا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُمَا وَالْأَوَّلُ فِي نِهَايَةِ الْحَرَجِ وَالثَّانِي فِي نِهَايَةِ التَّوْسِعَةِ فَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ خَصَّ رَأْيَ الْإِمَامِ بِالتَّوَضُّؤِ وَالِاغْتِسَالِ احْتِيَاطًا بِالْعِبَادَةِ وَرَأْيَهُمَا بِمَا عَدَاهُ لِنَفْيِ الْحَرَجِ وَلَكِنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الثِّيَابِ فَقَالَ يَجِبُ غَسْلُهَا حَذَرًا عَنْ النَّجَاسَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِسَبْقِهَا وَلَمْ يَجْزِمْ بِإِعَادَةِ مَا صَلَّاهُ بِتِلْكَ الثِّيَابِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْعَجِينِ اهـ. وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا سَيَأْتِي عَنْ الصَّبَّاغِيِّ قَالَ بَعْدَ هَذَا اعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ إذَا غَسَلُوا ثِيَابَهُمْ عَنْ النَّجَاسَةِ لَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ بَحْثًا وَذَلِكَ أَنَّ الْحَالَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونُوا صَلَّوْا فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الثِّيَابِ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَاءِ تِلْكَ الْبِئْرِ أَوْ صَلَّوْا فِي غَيْرِهَا مِنْ الثِّيَابِ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَقُلْنَا بِوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَأَوْلَى أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي الثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ فِي ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ فِي ثِيَابٍ نَجِسَةٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا نِزَاعَ لَا حَدَّ فِيهِ فَعَلَى هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ عَدَمُ غَسْلِ الثِّيَابِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ لَكِنْ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ عَدَمُ وُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ بِمَائِهَا وَقَدْ صَلَّوْا فِيهَا، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا يُعِيدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الثَّوْبِ وَبَيْنَ الْبِئْرِ أَنَّ الثَّوْبَ مَرْئِيٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ، فَإِنَّهَا غَائِبَةٌ عَنْ الْأَعْيُنِ فَافْتَرَقَا وَبِخِلَافِ الثِّيَابِ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَاءِ الْبِئْرِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبِئْرِ وَالزَّيْلَعِيُّ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ تَوَهَّمُوا اسْتِوَاءَ حُكْمِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ عَلَى الثَّوْبِ وَالثَّوْبِ الَّذِي غُسِلَ بِمَاءِ الْبِئْرِ بِجَامِعِ أَنْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وُجُودَ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ لَكِنَّ الْفَرْقَ مَا أَسْلَفْنَاهُ اهـ. لَكِنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ لَفْظِ عَدَمٍ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ قُلْنَا أَنْ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ عَدَمُ وُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ وَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ الدَّفْعِ بِمَا ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شَيْءٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ إمَّا قَيْدٌ لِلُّزُومِ الْغُسْلُ أَوْ لِعَدَمِ الْإِعَادَةِ أَوْ لَهُمَا وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ عَدَمُ لُزُومِ الْغُسْلِ مَعَ عَدَمِ الْإِعَادَةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَمُقَابِلُ الثَّانِي لُزُومُ الْإِعَادَةِ مَعَ لُزُومِ الْغُسْلِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَمُقَابِلُ الثَّالِثِ عَدَمُ لُزُومِ الْغُسْلِ مَعَ لُزُومِ الْإِعَادَةِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَّجِهُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ مَعَ الْغُسْلِ الْإِعَادَةَ) أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ سَابِقًا، فَإِنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ إجْمَاعًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي) وَهُمَا إنْ تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَهُمْ مُحْدِثُونَ أَوْ اغْتَسَلُوا مِنْ جَنَابَةٍ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ) أَيْ الْمَذْكُورَةُ فِي دَلِيلِ الْإِمَامَيْنِ

قَالَ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ نَفْسِهِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمِيرَاثِ فَالْمَرْأَةُ مُحْتَاجَةٌ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَالظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لَهَا وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَالْوَرَثَةُ هُمْ الدَّافِعُونَ وَفِي الْمُجْتَبَى وَحُكْمُ مَا عُجِنَ بِهِ حُكْمُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَكَانَ الصِّبَاغَيْ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ وَبِقَوْلِهِمَا فِيمَا سِوَاهُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ احْتِيَاطٌ فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ وَمَا قَالَاهُ عَمَلٌ بِالْيَقِينِ وَرِفْقٌ بِالنَّاسِ وَفِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ الْمُخْتَارُ قَوْلُهُمَا قُلْت هُوَ الْمُخَالِفُ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ فَقَدْ رَجَحَ دَلِيلُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَقَالُوا إنَّهُ الِاحْتِيَاطُ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ مَا عُجِنَ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُلْقَى إلَى الْكِلَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَعْلِفُ الْمَوَاشِيَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُبَاعُ مِنْ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ أَوْ دَاوُدِيِّ الْمَذْهَبِ اهـ. وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ فِي الْبَدَائِعِ وَجَزَمَ بِهِ بِصِيغَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا يُطْعَمُ لِلْكِلَابِ. فُرُوعٌ ذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَعَادَ مِنْ آخِرِ مَا احْتَلَمَ، وَإِنْ كَانَ دَمًا لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ دَمَ غَيْرِهِ قَدْ يُصِيبُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِصَابَةَ لَمْ تَتَقَدَّمْ زَمَانَ وُجُودِهِ فَأَمَّا مَنِيُّ غَيْرِهِ لَا يُصِيبُ ثَوْبَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنِيُّهُ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ سَبَبِ خُرُوجِهِ حَتَّى إنَّ الثَّوْبَ لَوْ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ يَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الدَّمِ وَالْمَنِيِّ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا فِي الْبَوْلِ يُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ مَا بَالَ وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رُعِفَ وَفِي الْمَنِيِّ مِنْ آخِرِ مَا احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَمُرَادُهُ بِالِاحْتِلَامِ النَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ بِدَلِيلِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ ابْنِ رُسْتُمَ أَنَّهُ يُعِيدُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ شَيْئًا لَوْ رَأَى دَمًا، وَلَوْ فَتَقَ جُبَّةً فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى دَخَلَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجُبَّةِ ثَقْبٌ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ يَوْمِ نَدَفَ الْقُطْنَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ثَقْبٌ يُعِيدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْبِئْرِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ النَّجِسِ فِي الطَّرِيقِ وَلَا يُسْقَى لِلْبَهَائِمِ وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى لَا بَأْسَ بِأَنْ يُسْقَى الْمَاءُ النَّجِسُ لِلْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ فَالْمُعَادُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْوِتْرُ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي. (قَوْلُهُ: وَالْعَرَقُ كَالسُّؤْرِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَسَادِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ نَفْسِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهِ ذَكَرَهُمَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَالسُّؤْرُ مَهْمُوزُ الْعَيْنِ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الَّتِي يُبْقِيهَا الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ فِي الْحَوْضِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَالْجَمْعُ الْأَسْآرُ وَالْفِعْلُ أَسْأَرَ أَيْ أَبْقَى مِمَّا شَرِبَ أَيْ عَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ طَهَارَةً وَنَجَاسَةً وَكَرَاهَةً؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ مُخْتَلِطٌ بِاللُّعَابِ، وَهُوَ وَالْعَرَقُ مُتَوَلِّدَانِ مِنْ اللَّحْمِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُطُوبَةٌ بِهِ مُتَحَلِّلَةٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَا حُكْمَهُ وَلَا يُنْتَقَضُ بِعَرَقِ الْحِمَارِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مَعَ أَنَّ سُؤْرَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ خُصَّ بِرُكُوبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ وَالثِّقَلُ ثِقَلُ النُّبُوَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرَقَ الْحِمَارُ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ فَرَسٌ عُرْيٌ لَا سَرْجَ عَلَيْهِ وَلَا لِبَدَ وَجَمْعُهُ أَعْرَاءٌ وَلَا يُقَالُ فَرَسٌ عُرْيَانُ كَمَا لَا يُقَالُ رَجُلٌ عُرْيٌ وَأَعْرَوْرَى الدَّابَّةَ رَكِبَهُ عُرْيًا وَمِنْهُ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا» ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَكَنِّ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَفْعُولِ لَقِيلَ مُعْرَوْرِيّ اهـ. أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَرَقِهِ وَسُؤْرِهِ، فَإِنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالشَّكَّ إنَّمَا هُوَ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَقَدْ ذَكَرَ قَاضِي خان فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فِي لُعَابِهِ وَعَرَقِهِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ فِي رِوَايَةٍ مُقَدَّرٌ بِالدِّرْهَمِ وَفِي رِوَايَةٍ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ عَرَقَهُ نَجِسٌ لَكِنْ عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُفْسِدُهُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اهـ. وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ لَا يُفْسِدُهُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ يَعْنِي بِهِ لَمْ يَبْقَ طَهُورًا؛ لِأَنَّ عَرَقَهُمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ صَارَ الْمَاءُ مُشْكِلًا كَمَا فِي لُعَابِهِمَا وَالْمَاءُ الْمُشْكِلُ طَاهِرٌ لَكِنَّ كَوْنَهُ طَهُورًا مُشْكِلٌ فَلَا يَزُولُ الْحَدَثُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُجْتَبَى وَحُكْمُ مَا عُجِنَ بِهِ حُكْمُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) يُنْظَرُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْعَجِينِ وَالثَّوْبِ إذَا غُسِلَ لَا عَنْ نَجَاسَةٍ حَيْثُ حُكِمَ فِي الْعَجِينِ بِتَنَجُّسِهِ دُونَ الثَّوْبِ. (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ سُؤْرَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ) أَيْ مَشْكُوكٌ فِي طَهَارَتِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ، وَهُوَ غَيْرُ الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ هُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِطَهَارَةِ عَرَقِ الْحِمَارِ طَهَارَتُهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ لَا يُصَيِّرُهُ مَشْكُوكًا لَا فِي طَهَارَتِهِ وَلَا فِي طَهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ عَلَى هَذَا طَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ طَهَارَةَ الْمَاءِ الَّذِي أَصَابَهُ كَمَا يَقْتَضِيه الْجَوَابُ الثَّانِي الْآتِي لَمْ يَصْلُحْ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِلْجَوَابِيَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: فَرَسٌ عُرْيٌ إلَخْ) الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِلَكِنْ لِيُفِيدَ الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا فَعَلَ فِي النَّهْرِ، فَإِنَّ مَبْنَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى طَهَارَتِهِ عَلَى أَنَّ مُعْرَوْرِيًا حَالٌ مِنْ الْحِمَارِ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فَلَا دَلَالَةَ لَكِنْ فِي كَوْنِهِ حَالًا مِنْ الْفَاعِلِ بُعْدٌ لَا يَخْفَى إذْ لَا يُبْعِدُ مِنْ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَبَ، وَهُوَ عُرْيَانُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ حَالَ كَوْنِهِ مُعْرَوْرِيًا الْحِمَارُ فَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ

[طهارة سؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه]

الثَّابِتُ بِيَقِينٍ بِالشَّكِّ اهـ. وَهَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَفْسِيرَ الْفَسَادِ بِعَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْعَرَقِ وَاللُّعَابِ طَاهِرًا كَيْفَ يَخْرُجُ الْمَاءُ بِهِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ قَلِيلٌ وَالْمَاءُ غَالِبٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْأَشْبَهَ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَعُفِيَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لِلضَّرُورَةِ فِي الْمَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرَقِ وَالسُّؤْرِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَاهِرٌ، وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ لَا يُنَجِّسُهُ، وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ صَارَ مُشْكِلًا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَرَقَ وَاللُّعَابَ مَشْكُوكٌ فِيهَا اهـ. فَظَهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْعَرَقَ كَالسُّؤْرِ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ وَظَهَرَ بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْأَتْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِهِ فَلَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا الْحَالُ. (قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) أَمَّا الْآدَمِيُّ؛ فَلِأَنَّ لُعَابَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ، وَإِنَّمَا لَا يُؤْكَلُ لِكَرَامَتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُبِ وَالطَّاهِرِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَنَّ الْكُلَّ طَاهِرٌ طَهُورٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى مِنْ بَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ يَكْرَهَ سُؤْرُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَسُؤْرُهُ لَهَا وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ الْكَرَاهَةُ الْمَذْكُورَةُ إنَّمَا هُوَ فِي الشُّرْبِ لَا فِي الطَّهَارَةِ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْعُمُومِ سُؤْرَ شَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَإِنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ لَا لِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ بَلْ لِنَجَاسَةِ فَمه كَمَا لَوْ آدَمِيٌّ فُوهُ أَمَّا لَوْ مَكَثَ قَدْرَ مَا يَغْسِلُ فَمَه بِلُعَابِهِ ثُمَّ شَرِبَ لَا يَنْجُسُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالتَّجْنِيسِ رَجُلٌ شَرِبَ الْخَمْرَ إنْ تَرَدَّدَ فِي فِيهِ مِنْ الْبُزَاقِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْخَمْرُ عَلَى ثَوْبٍ طَهَّرَهَا ذَلِكَ الْبُزَاقُ طَهُرَ فَمُهُ. اهـ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلضَّرُورَةِ وَنَظِيرُهُ لَوْ أَصَابَ عُضْوَهُ نَجَاسَةٌ فَلَحِسَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُهَا أَوْ قَاءَ الصَّغِيرُ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ ثُمَّ مَصَّهُ حَتَّى زَالَ الْأَثَرُ طَهُرَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي جَمِيعِهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْقُدُورِيِّ، فَإِنْ كَانَ شَارِبُ الشَّارِبِ طَوِيلًا يُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَإِنْ شَرِبَ بَعْدَ سَاعَاتٍ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ الطَّوِيلَ كَمَا تَنَجَّسَ لَا يَطْهُرُ بِاللِّسَانِ اهـ. وَكَأَنَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ اللِّسَانُ مِنْ اسْتِيعَابِهِ بِإِصَابَةٍ بَلَّهُ إيَّاهُ بِرِيقِهِ ثُمَّ أَخْذُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْبِلَّةِ النَّجِسَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ دُونَ الشَّفَتَيْنِ وَالْفَمِ فِي تَطْهِيرِهِ بِالرِّيقِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ مِنْ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَجَّسَ سُؤْرُ الْجُنُبِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ قُلْنَا مَا يُلَاقِي الْمَاءَ مِنْ فَمِهِ مَشْرُوبٌ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوبٍ لَكِنْ لِحَاجَةٍ فَلَا يُسْتَعْمَلُ بِهِ كَإِدْخَالِ يَدِهِ فِي الْحُبِّ لِإِخْرَاجِ كُوزِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمِيَاهِ وَقَدْ نَقَلُوا رِوَايَتَيْنِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ بِهَذَا الشُّرْبِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ أَنَّهُ رَافِعٌ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَرَجِ لَكِنْ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بَاشَا بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الْآدَمِيِّ مُطْلَقًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ» وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كُنْت أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِي» وَلَمَّا أَنْزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَكَّنَهُ مِنْ الْمَبِيتِ فِيهِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] النَّجَاسَةُ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ حُذَيْفَةَ فَمَدَّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ فَقَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ إنِّي جُنُبٌ فَقَالَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ اعْرَوْرَى الْمُتَعَدِّي حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْعَرَقِ وَاللُّعَابِ نَفْسِهِمَا فَيَكُونُ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِمَا إذْ لَا طَهُورِيَّةَ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَاءُ الَّذِي أَصَابَهُ الْعَرَقُ وَاللُّعَابُ مَشْكُوكٌ فِيهِ أَيْ فِي طَهُورِيَّتِهِ تَأَمَّلْ. [طَهَارَة سُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] (قَوْلُهُ: إنَّهُ يُكْرَهُ سُؤْرُ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَسُؤْرُهُ لَهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْمَحَارِمِ وَسَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مُصَرِّحًا بِالْأُولَى (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ فِي الشُّرْبِ لَا فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ لَيْسَ لِعَدَمِ طَهَارَتِهِ بَلْ لِلِاسْتِلْذَاذِ الْحَاصِلِ لِلشَّارِبِ إثْرَ صَاحِبِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ مَكَثَ قَدْرَ مَا يَغْسِلُ فَمَه بِلُعَابِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: حَتَّى لَوْ شَرِبَ بَعْدَ شُرْبِهِ الْخَمْرَ فَوْرًا كَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا إلَّا أَنْ يَبْلَعَ رِيقَهُ ثَلَاثًا عِنْدَ الْإِمَامِ قِيلَ وَالثَّانِي وَيَسْقُطُ اشْتِرَاطُ الصَّبِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ جَرَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ (قَوْلُهُ: لَكِنْ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بَاشَا بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ بِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى

[سؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم]

- عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجِسٍ» ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي الْمَصَابِيحِ، وَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ طَهُورِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ عِنْدَهُ لِاحْتِرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ لَا لِنَجَاسَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ فَلِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَأَخَذَ حُكْمَهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْإِبِلُ الْجَلَّالَةُ وَالْبَقَرُ الْجَلَّالَةُ وَالدَّجَاجَةُ الْمُخَلَّاةُ كَمَا سَيَأْتِي وَالْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْجَلَّةَ بِالْفَتْحِ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْبَعْرَةُ وَقَدْ يُكَنَّى بِهَا عَنْ الْعَذِرَةِ، وَهِيَ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُغْرِبِ وَيُلْحَقُ بِمَا يُؤْكَلُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَجِسٌ وَالْمُرَادُ بِسِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَحْوُ الْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُشْعِرًا بِحَذْفِهِ وَقَدْ وُجِدَ هُنَا مَا يُشْعِرُ بِحَذْفِهِ، وَهُوَ تَقَدُّمُ ذِكْرِ السُّؤْرِ، وَلَوْ جُرَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَجْرُورِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَتُرِكَ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَلَى إعْرَابِهِ كَانَ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ مَا كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةٌ وَلَا كُلُّ بَيْضَاءَ شَحْمَةٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمُضَافِ اهـ. وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْكَلَامَ مَعَ عَدَمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ مَجَازًا إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلِينَ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآدَمِيِّ، وَهُوَ مَعْمُولٌ لِلْمُضَافِ أَعْنِي سُؤْرٌ وَنَجِسٌ مَعْطُوفٌ عَلَى طَاهِرٍ، وَهُوَ مَعْمُولُ الْمُبْتَدَأِ أَعْنِي سُؤْرَ فَكَانَ فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولِينَ وَهُمَا الْآدَمِيُّ وَطَاهِرٌ لِعَامِلَيْنِ وَهُمَا الْمُضَافُ وَالْمُبْتَدَأُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْإِضَافَةَ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَقَوْلُهُمْ عَلَى عَامِلَيْنِ فِيهِ تَجَوُّزٌ قَالَ الشُّمُنِّيُّ يَعْنِي بِحَذْفِ الْمُضَافِ قَالَ الرَّضِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ أَنْ تَعْطِفَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مَعْمُولَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَانَا فِي الْإِعْرَابِ كَالْمَنْصُوبِ وَالْمَرْفُوعِ أَوْ مُتَّفِقَيْنِ كَالْمَنْصُوبِينَ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَحْوُ إنَّ زَيْدًا ضَرَبَ عَمْرًا وَبَكْرًا خَالِدًا فَهُوَ عَطْفُ مُتَّفِقَيْ الْإِعْرَابِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَقَوْلِك إنَّ زَيْدًا ضَرَبَ غُلَامَهُ وَبَكْرًا أَخُوهُ عَطْفُ مُخْتَلِفَيْ الْإِعْرَابِ وَلَا يُعْطَفُ الْمَعْمُولَانِ عَلَى عَامِلَيْنِ بَلْ عَلَى مَعْمُولَيْهِمَا فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ اهـ. وَفِي الْمُغْنِي الْحَقُّ جَوَازُ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ فِي نَحْوِ فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَالْحُجْرَةِ عَمْرٌو اهـ. أَمَّا سُؤْرُ الْكَلْبِ فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَلَكِنْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ سَبْعًا تَعَبُّدًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ نَجِسٌ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ تَوَاتَرَتْ طُرُقُهُ وَكَثُرَتْ عَنْهُ وَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ دَلِيلُ التَّنَجُّسِ وَكَذَا الطَّهُورُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ فَيَسْتَدْعِي سَابِقَيْهِ الْحَدَثُ أَوْ الْخَبَثُ وَلَا حَدَثَ فِي الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا وَمَعْقُولَ الْمَعْنَى كَانَ جَعْلُهُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى هُوَ الْوَجْهَ لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ وَكَثْرَةِ التَّعَقُّلِ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْجِهَادِ إذْ لَا خُبْثَ فِي لَحْمِهَا بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حِلِّ لَبَنِهَا. [سُؤْرُ الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ] (قَوْلُهُ: وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ) قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ هِيَ مَا كَانَ يَصْطَادُ بِنَابِهِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالثَّعْلَبِ وَالْفِيلِ وَالضَّبُعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ فِي التَّقْرِيرِ السَّابِقِ إشْكَالًا؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَنْزِيلِ اخْتِلَافِ الْعَمَلِ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ، وَهُوَ سُؤْرٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ عَمَلَهُ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ مُخْتَلِفٌ فَكَانَ كَعَامِلَيْنِ وَكَذَا لَا إشْكَالَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْخَبَرِ هُوَ الِابْتِدَاءُ أَوْ الِابْتِدَاءُ وَالْمُبْتَدَأُ.

الْكَلْبِ ثَلَاثًا» رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِعْلًا وَقَوْلًا مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا مِنْ طَرِيقَتَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ أَهْرِقْهُ وَغَسِّلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِلْمَامِ هَذَا إسْنَادٌ صَحَّحَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ بِسَنَدِهِ إلَى عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ الْكَرَابِيسِيِّ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ الْحُسَيْنُ الْكَرَابِيسِيُّ يُسْأَلْ عَنْهُ وَلَهُ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ ذَكَرَ فِيهَا اخْتِلَافَ النَّاسِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَذَكَرَ فِيهَا أَخْبَارًا كَثِيرَةً وَكَانَ حَافِظًا لَهَا وَلَمْ أَجِدْ لَهُ مُنْكَرًا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي حَمَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا اهـ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالضَّعْفِ وَالصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَجُوزُ صِحَّةُ مَا حُكِمَ بِضَعْفِهِ ظَاهِرًا وَثُبُوتُ كَوْنِ مَذْهَبِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ أَنَّ هَذَا مِمَّا أَجَادَهُ الرَّاوِي الْمُضَعَّفُ وَحِينَئِذٍ يُعَارِضُ حَدِيثَ السَّبُعِ وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَعَ حَدِيثِ السَّبْعِ دَلَالَةَ التَّقَدُّمِ لِلْعِلْمِ بِمَا كَانَ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ أَوَّلَ الْأَمْرِ حَتَّى أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَالتَّشْدِيدُ فِي سُؤْرِهَا يُنَاسِبُ كَوْنَهُ إذْ ذَاكَ وَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ فَإِذَا عَارَضَ قَرِينَهُ مُعَارِضٌ كَانَتْ التَّقَدُّمَةُ لَهُ وَلَوْ طَرَحْنَا الْحَدِيثَ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ فِي عَمَلِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ السَّبْعِ، وَهُوَ رِوَايَةُ كِفَايَةٌ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْقَطْعِيُّ بِالرَّأْيِ مِنْهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ظَنِّيَّةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ رَاوِيهِ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوِيه الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَطْعِيٌّ حَتَّى يُنْسَخَ بِهِ الْكِتَابُ إذَا كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ فِي مَعْنَاهُ فَلَزِمَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ إلَّا لِقَطْعِهِ بِالنَّاسِخِ إذْ الْقَطْعِيُّ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِقَطْعِيٍّ فَبَطَلَ تَجْوِيزُهُمْ تَرْكَهُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ نَاسِخٍ فِي اجْتِهَادِهِ الْمُحْتَمِلِ لِلْخَطَأِ، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ بِلَا شُبْهَةٍ فَيَكُونُ الْآخَرُ مَنْسُوخًا بِالضَّرُورَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَوْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِرِوَايَةِ السَّبْعِ وَلَا يُجْعَلُ مَنْسُوخًا لَكَانَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى مِمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ «وَعَفِّرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» وَالزَّائِدُ أَوْلَى مِنْ النَّاقِصِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَإِنْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ مَا لَزِمَ خَصْمَهُ فِي تَرْكِ السَّبْعِ وَمَالِكٌ لَمْ يَأْخُذْ بِالتَّعْفِيرِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ مُطْلَقًا فَثَبَتَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ اهـ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد فَكَانَ الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ أَحْوَطَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا وَلَغَ السِّنَّوْرُ فِي الْإِنَاءِ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ وَكُلُّ جَوَابٍ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ يُحْمَلُ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» فَخَيَّرَهُ، وَلَوْ كَانَ التَّسْبِيعُ وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ وَالْوَبَرِيَّ نَقَلَا أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَحُدُّوا لِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ حَدًّا بَلْ الْعِبْرَةُ لِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي غَسْلِ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ الثَّلَاثَ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي إزَالَةِ الْأَنْجَاسِ أَوْ لَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي النِّهَايَةِ الْوُلُوغُ حَقِيقَةً شُرْبُ الْكَلْبِ الْمَائِعَاتِ بِأَطْرَافِ لِسَانِهِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَاضِيَ وَالْمُضَارِعَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ تَقُولُ وَلَغَ يَلَغُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ نَجِسٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُصَحَّحِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ؛ فَلِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ عَيْنِهِ طَهَارَةُ سُؤْرِهِ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ نَجَاسَةُ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ اللُّعَابُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُؤْرِ السِّبَاعِ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُلُوغِ وَوَضْعِ بَعْضِ عُضْوٍ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي كُتُبِنَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ تَنَجُّسُ الْمَاءِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ عَدَمُ تَنَجُّسِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْبِئْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَمَاءِ الْآنِيَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كَلْبَيْنِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يُوجِبْ تَنَجُّسًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي طَعَامٍ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَامِدًا قَوَّرَ مَا حَوْلَهُ وَأَكَلَ الْبَاقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا انْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَبْدَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ؛ فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] وَالرِّجْسُ النَّجَسُ، وَالضَّمِيرُ عَائِدًا إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى جِلْدِهِ. وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِطَهَارَتِهِ مُحْتَجًّا بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفَضَلَتْ الْحُمْرُ قَالَ نَعَمْ وَبِمَا أَفَضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا» . وَبِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُّوا حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْهُ فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا وَبِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارٍ فَسَارَ لَيْلًا فَمَرُّوا عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ مِقْرَاةٍ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ يَا صَاحِبَ الْمِقْرَاةِ أَوَلَغَتْ السِّبَاعُ اللَّيْلَةَ فِي مِقْرَاتِك فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَا صَاحِبَ الْمِقْرَاةِ لَا تُخْبِرْهُ هَذَا مُتَكَلِّفٌ لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ» وَلَنَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلْغِذَاءِ غَيْرَ مُسْتَقْذَرٍ طَبْعًا كَوْنُهُ لِلنَّجَاسَةِ وَخُبْثُ طِبَاعِهَا لَا يُنَافِيهِ بَلْ ذَلِكَ يَصْلُحُ مُثِيرًا لِحُكْمِ النَّجَاسَةِ فَلْيَكُنْ الْمُثِيرُ لَهَا فَيُجَامِعُهَا تَرْتِيبًا عَلَى الْوَصْفِ الصَّالِحِ لِلْعِلِّيَّةِ مُقْتَضَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَعُمُومُ بَلْوَى فَيَخْرُجُ السِّنَّوْرُ وَالْفَأْرَةُ؛ وَلِأَنَّ لِسَانَهُ يُلَاقِيَ الْمَاءَ فَيَخْرُجُ سِبَاعُ الطَّيْرِ لِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِمِنْقَارِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَمْ تَتَعَارَضْ أَدِلَّتُهُ فَيَخْرُجُ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَدْ اعْتَرَفَ النَّوَوِيُّ بِضَعْفِهِ، وَأَمَّا أَثَرُ الْمُوَطَّإِ فَهُوَ، وَإِنْ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيّ وَذَكَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَعَلَى تَسْلِيمِ الصِّحَّةِ يُحْمِلُ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرَ أَوْ عَلَى مَا قَبْلَ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ أَوْ عَلَى حُمُرِ الْوُحُوشِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ بِدَلِيلِ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» جَوَابًا لِسُؤَالِهِ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ إعْطَاءً لِحُكْمِ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي تَرِدُهُ السِّبَاعُ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ الْجَوَابَ لَا بُدَّ أَنْ يُطَابِقَ أَوْ يَزِيدَ فَيَنْدَرِجَ فِيهِ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ قَالَ بِمَفْهُومِ شَرْطِهِ فَنَجَّسَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَحَقِيقَةُ مَفْهُومِ شَرْطِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهَا يَتَنَجَّسُ مِنْ وُرُودِ السِّبَاعِ، وَهَذَا مِنْ الْوُجُوهِ الْإِلْزَامِيَّةِ لَهُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فِي سُؤْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ إشْكَالًا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ ثُمَّ يَقُولُونَ إذَا ذُكِّيَ طَهُرَ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لِأَجْلِ رُطُوبَةِ الدَّمِ وَقَدْ خَرَجَ بِالذَّكَاةِ، فَإِنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ نَجِسٌ نَجَاسَةَ عَيْنِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَطْهُرَ بِالذَّكَاةِ كَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِهِ لِأَجْلِ مُجَاوَرَةِ الدَّمِ فَالْمَأْكُولُ كَذَلِكَ يُجَاوِرُهُ الدَّمُ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي السُّؤْرِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَيَتَنَجَّسُ بِمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الْمُذَكَّى فِي حَقِّ الْأَكْلِ وَالْحُرْمَةُ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ وَكَمْ مِنْ طَاهِرٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلَّا جِلْدَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِهِ لَا لِكَرَامَتِهِ آيَةُ نَجَاسَتِهِ لَكِنَّ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ جَلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ تَنَجُّسَ الْجِلْدِ بِاللَّحْمِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ حَاصِلَ هَذَا الْإِشْكَالِ وَذَكَرَ أَنَّهَا نُكْتَةٌ لَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا ثَمَّ قَالَ وَحَلُّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْمِ الطَّاهِرِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ اللُّعَابُ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَبِالنَّجَسِ مَا يُقَابِلُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي النَّجَاسَةِ الْمُجَارَةِ بِالدَّمِ الْمَسْفُوحِ قَبْلَ الذَّبْحِ، فَإِنَّ الشَّاةَ لَا تُؤْكَلُ إذَا مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا وَاشْتَرَكَا فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَهُ لِزَوَالِ الْمُنَجِّسِ، وَهُوَ الدَّمُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ الشَّاةَ تُؤْكَلُ بَعْدَ الذَّبْحِ دُونَ الْكَلْبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فِي الظَّاهِرِ إلَّا اخْتِلَاطُ اللُّعَابِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللُّعَابَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ لَحْمِ مَأْكُولٍ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ بِلَا كَرَاهَةٍ دُونَ غَيْرِهِ إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى الْفَارِقِ صِيَانَةً لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ ظَاهِرًا هَذَا مَا سَنَحَ لِي اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ، فَإِنَّ قَوْلَ الزَّيْلَعِيِّ وَالْحُرْمَةُ لَا تُوجِبُ النَّجَاسَةَ يَرُدُّهُ بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُرْمَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْكَرَامَةِ، فَإِنَّهَا آيَةُ النَّجَاسَةِ لَكِنَّ فِيهِ شُبْهَةَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لِاخْتِلَاطِ الدَّمِ بِاللَّحْمِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ بَلْ نَجَاسَتُهُ لِذَاتِهِ لَكَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَغَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ إذَا كَانَ حَيًّا فَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ الْحَرَامِ الْمَخْلُوطِ بِالدَّمِ فَيَكُونُ نَجِسًا لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ أَمَّا فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الِاخْتِلَاطُ بِالدَّمِ فَلَمْ يُوجِبْ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ بِانْفِرَادِهَا ضَعِيفَةٌ إذْ الدَّمُ الْمُسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يُعْطِ لَهُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ فِي الْحَيِّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى كَانَ نَجِسًا سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَرَامًا بِالْمَوْتِ فَالْحُرْمَةُ مَوْجُودَةٌ مَعَ اخْتِلَاطِ الدَّمِ فَيَكُونُ نَجِسًا، فَإِذَا كَانَ مُذَكًّى كَانَ طَاهِرًا أَمَّا فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الْحُرْمَةُ وَلَا اخْتِلَاطُ الدَّمِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الِاخْتِلَاطُ وَالْحُرْمَةُ الْمُجَرَّدَةُ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي النَّجَاسَةِ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ نَجَاسَةَ اللَّحْمِ لِحُرْمَتِهِ مَعَ اخْتِلَاطِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِهِ، وَقَدْ فُقِدَ الثَّانِي فِي الْمُذَكَّى مِنْ السِّبَاعِ فَكَانَ طَاهِرًا وَاجْتَمَعَا فِي حَالَتَيْ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ فَكَانَ نَجِسًا وَفُقِدَ الْأَوَّلُ فِي الشَّاةِ حَالَةَ الْحَيَاةِ وَالذَّكَاةِ فَكَانَ طَاهِرًا وَاجْتَمَعَا حَالَةَ الْمَوْتِ فَكَانَ نَجِسًا فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ طَهَارَةَ الْعَيْنِ لَا تَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ السِّبَاعَ طَاهِرَةُ الْعَيْنِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ مَعَ أَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ فَثَبَتَ بِهَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ وَلَحْمَهُ نَجِسٌ وَنَجَاسَةُ سُؤْرِهِ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ لَكِنْ بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ تَنَجُّسَ الْجِلْدِ بِاللَّحْمِ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي طَهَارَةَ الْجِلْدِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الذَّكَاةِ أَوْ الدِّبَاغَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ نَجَاسَةَ سُؤْرِ السِّبَاعِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا خَفِيفَةٌ أَمْ غَلِيظَةٌ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ غَلِيظَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ سُؤْرَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَمِمَّا سَيَأْتِي فِي سَبَبِ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ يَظْهَرُ وَجْهُ كُلٍّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْأُولَى لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِ (قَوْلُهُ: وَالْهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ الْمُخَلَّاةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنُ الْبُيُوتِ مَكْرُوهٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَكْرُوهٌ، وَفِي التَّبْيِينِ وَإِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَعْنِي مِنْ السُّؤْرِ الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى: لَفْظُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: قُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا قُلْت فِي شَيْءٍ أَكْرَهُ فَمَا رَأْيُك فِيهِ قَالَ: التَّحْرِيمُ اهـ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِالْخِلَافِ فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ فَمِنْهُمْ كَالطَّحَاوِيِّ وَمَنْ مَالَ إلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ نَظَرَ إلَى حُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَمِنْهُمْ كَالْكَرْخِيِّ مَنْ مَالَ إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ قَالُوا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ تَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ أَحَبُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ إلَخْ) أَقُولُ: يُمْكِنُ إرْجَاعُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ إلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْوُقَايَةِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْحُرْمَةُ مَعَ اخْتِلَاطِ الدَّمِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ اشْتَرَاكَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُجَاوِرَةِ بِالدَّمِ ذَكَرَ انْفِرَادَ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالْحُرْمَةِ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ الْأَمْرَانِ بِخِلَافِ الْمَأْكُولِ فَكَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللُّعَابَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ لَحْمٍ مَأْكُولٍ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إلَّا الِاخْتِلَاطُ بِالدَّمِ وَقَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ أَيْ دُونَ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمٍ مَأْكُولٍ بِأَنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ لَحْمٍ حَرَامٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ، فَإِنَّ لُعَابَهُ غَيْرُ طَاهِرٍ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ لَحْمٍ حَرَامٍ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ الشَّيْئَانِ فَمُؤَدَّى الْكَلَامَيْنِ مُتَّحِدٌ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ شَرْحِ الْوُقَايَةِ أَصْرَحُ.

إلَيَّ لَكِنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَكَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ خِلَافًا فِي الْمُرَادِ مِنْ الْكَرَاهَةِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ وَكَذَا فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ أَمَّا سُؤْرُ الْهِرَّةِ فَظَاهِرُ مَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهَا وَظَاهِرُ مَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُخَالِفٌ لَهُمَا مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَسَكَبَتْ لَهُ وُضُوءً فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي فَقُلْت نَعَمْ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَالنَّجَسُ بِفَتْحَتَيْنِ كُلُّ مَا يُسْتَقْذَرُ قَالَ النَّوَوِيُّ أَمَّا لَفْظُ أَوْ الطَّوَّافَاتِ فَرُوِيَ بِأَوْ وَبِالْوَاوِ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونَ ذِكْرُ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمِلٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلنَّوْعَيْنِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطَّوَّافُونَ الْخَدَمُ وَالْمَمَالِيكُ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ يَخْدُمُونَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّوَّافِينَ مِنْ الْخَدَمِ وَالصِّغَارِ الَّذِينَ سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ الْحِجَابُ وَالِاسْتِئْذَانُ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ وَحِينَ الظَّهِيرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ لِلضَّرُورَةِ وَكَثْرَةِ مُدَاخَلَتِهِمْ بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ فَلِهَذَا يُعْفَى عَنْ الْهِرَّةِ لِلْحَاجَةِ اهـ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي سُقُوطِ النَّجَاسَةِ، الْمُفَادِ بِالْحَدِيثِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ الْمَنْصُوصَةِ يَعْنِي أَنَّهَا تَدْخُلُ الْمَضَايِقَ وَلَازِمُهُ شِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ صَوْنُ الْأَوَانِي مِنْهَا بَلْ صَوْنُ النَّفْسِ مُتَعَذِّرٌ فَلِلضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ إنَّمَا الْكَلَامُ بَعْدَ هَذَا فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ وَجْهٌ فَإِنْ قَالَ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ فَبَقِيَتْ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ إذْ سُقُوطُ وَصْفٍ أَوْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ آخَرَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إثْبَاتَ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا فَإِثْبَاتُ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَفَى فِيهِ أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ فَيُكْرَهُ كَمَاءٍ غَمَسَ الصَّغِيرُ يَدَهُ فِيهِ وَأَصْلُهُ كَرَاهَةُ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ لِلْمُسْتَيْقِظِ قَبْلَ غَسْلِهَا نُهِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ مُنْتَهِضٌ يَتِمُّ بِهِ الْمَطْلُوبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السِّنَّوْرُ سَبُعٌ» وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُرِدْ الْحَقِيقَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا بُعِثَ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمَ وَالْحُكْمُ أَنْوَاعٌ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ وَكَرَاهَتُهُ وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَوْ فِي حُرْمَةِ اللَّحْمِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ فِي كَرَاهَةِ السُّؤْرِ، وَهُوَ الْمَرَامُ أَوْ فِي نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا إذْ النَّجَاسَةُ مُنْتَفِيَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْحَدِيثِ أَوْ بِالضَّرُورَةِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّالِثِ أَوْ فِي الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا مَرَّ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدًا بَعْدَ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ قُلْنَا حُرْمَةُ لَحْمِ السِّبَاعِ قَبْلَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً لَا تَكُونُ الْحُرْمَةُ مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ سَبُعًا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهَا أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُلْحَقَ بِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ وَكَرَاهَتُهُ وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ

نَقُولُ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حُرْمَةُ اللَّحْمِ مُرَادَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ كَلَامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْإِعَادَةِ لَا عَلَى الْإِفَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ سَابِقًا أَوْ مَسْبُوقًا تَأَمَّلْ تَدْرِ اهـ. فَثَبَتَ بِهَذَا كَرَاهَةُ سُؤْرِهَا وَيُحْمَلُ إصْغَاءُ أَبِي قَتَادَةَ الْإِنَاءَ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ بِأَنْ كَانَتْ بِمَرْأًى مِنْهُ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيُمْكِنُ كَوْنُهُ بِمُشَاهَدَةِ شُرْبِهَا مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ قُدُومِهَا عَنْ غِيبَةٍ يَجُوزُ مَعَهَا ذَلِكَ فَيُعَارِضُ هَذَا التَّجْوِيزَ تَجْوِيزُ أَكْلِهَا نَجَسًا قُبَيْلَ شُرْبِهَا فَيُسْقِطُهُ فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ دُونَ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَا جَاءَتْ إلَّا مِنْ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ وَقَدْ سَقَطَ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا وَالصَّلَاةِ إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا قَبْلَ غَسْلِهِ كَمَا أَطْلَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ بَلْ يُقَيَّدُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ زَائِلًا بِمَا قُلْنَا فَلَا وَقَدْ تَسَامَحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَوَامّ أَنْ يَغْسِلُوا مَوَاضِعَ لَحْسِ الْهِرَّةِ إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ لِحَافِهِمْ لِكَرَاهَةِ مَا أَصَابَهُ فَمُهَا، فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ تَنْزِيهِيَّةٌ وَتَرْكُ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ مُسْتَحَبٍّ لَا وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَاجِبِ الثَّابِتُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَرَاهَةَ أَكْلِ فَضْلِهَا تَنْزِيهًا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالُوا إنَّ السُّؤْرَ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ أَصْلًا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْأَصْلَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ بِعِلَّةِ الطَّوَافِ يُفِيدُ أَنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِالنَّصِّ وَعُرِفَ قَطْعًا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا فَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى وُجُودِهَا لَا غَيْرَ كَعَدَمِ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ لِلْوَالِدَيْنِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْوَلَدُ مَعْنَاهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِجِهَةِ الْإِكْرَامِ ذَكَرَهُ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ فِي بَحْثِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَأَمَّا سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ؛ فَلِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ فَمِنْقَارُهَا لَا يَخْلُو عَنْ قَذَرٍ وَكَذَا الْبَقَرُ الْجَلَّالَةُ وَالْإِبِلُ الْجَلَّالَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا فَقِيلَ هِيَ الَّتِي تُحْبَسُ فِي بَيْتٍ وَيُغْلَقُ بَابُهُ وَتُعْلَفُ هُنَاكَ لِعَدَمِ النَّجَاسَةِ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ عَذِرَاتٍ غَيْرَهَا حَتَّى تَجُولَ فِيهَا، وَهِيَ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا لَا تَجُولُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يُرِدْ بِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً تَجُولُ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْقَارِهَا قَذَرٌ فَيُكْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُخَلَّاةً، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تُحْبَسَ فِي بَيْتٍ لِتَسْمَنَ لِلْأَكْلِ فَيَكُونَ رَأْسُهَا وَعَلَفُهَا وَمَاؤُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجُولَ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُهُ بَلْ تُلَاحِظُ الْحَبَّ بَيْنَهُ فَتَلْتَقِطُهُ وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي فَالْقِيَاسُ نَجَاسَتُهُ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِهَا، وَإِنْ اقْتَضَتْ النَّجَاسَةَ لَكِنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ طَاهِرٌ لَكِنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ وَالْجِيَفَ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ فَأَوْرَثَ الْكَرَاهَةَ بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهَا، وَهُوَ نَجِسٌ فَافْتَرَقَا؛ وَلِأَنَّ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ ضَرُورَةً وَبَلْوَى، فَإِنَّهَا تَنْقَضُّ مِنْ الْهَوَاءِ فَتَشْرَبُ وَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصًا فِي الْبَرَارِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فِي مِنْقَارِهَا لَا لِوُصُولِ لُعَابِهَا إلَى الْمَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً يُعْلَمُ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ فِي مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ بِسُؤْرِهَا وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَأَفْتَوْا بِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي التَّجْنِيسِ يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهَا، وَأَمَّا سُؤْرُ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ؛ فَلِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ النَّجَاسَةَ لَكِنَّهَا سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ بِعِلَّةِ الطَّوَافِ وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَوْ خَرَجَ الْإِطْلَاقُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لَكَانَ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهِ يَسْتَغْنِي عَمَّا فِي الْبَحْرِ مِنْ حَمْله عَلَى التَّسَامُحِ أَوْ تَأْوِيلِ الْوَاجِبِ الثَّابِتِ اهـ وَنَحْوِهِ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ.

[الصلاة مع حمل ما سؤره مكروه كالهرة]

الْحَدِيثِ فِي الْهِرَّةِ مَوْجُودَةٌ بِعَيْنِهَا فِي سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الطَّوْفُ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا، وَهُوَ سُقُوطُ النَّجَاسَةِ وَتَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ لِتَوَهُّمِهَا فَرْعٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ نُكْتَةٌ قِيلَ سِتٌّ تُورِثُ النِّسْيَانَ سُؤْرُ الْفَأْرَةِ وَإِلْقَاءُ الْقَمْلَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ وَالْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَقَطْعُ الْقِطَارِ وَمَضْغُ الْعِلْكِ وَأَكْلُ التُّفَّاحِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ حَدِيثًا لَكِنْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ (قَوْلُهُ: وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ مَشْكُوكٌ) أَيْ سُؤْرُهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِ هَذِهِ عِبَارَةُ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْكُوكًا فِيهِ وَقَالَ سُؤْرُ: الْحِمَارِ طَاهِرٌ لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ إلَّا أَنَّهُ مُحْتَاطٌ فِيهِ فَأُمِرَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَمُنِعَ مِنْهُ حَالَةَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشَايِخُ قَالُوا الْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ لَا أَنْ يَعْنِيَ بِكَوْنِهِ مَشْكُوكًا الْجَهْلَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَعْلُومٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الِاسْتِعْمَالِ وَانْتِفَاءُ النَّجَاسَةِ وَضُمَّ التَّيَمُّمُ إلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ دَلِيلُ الْعِلْمِ وَغَايَةُ الْوَرَعِ وَبَيَانُ التَّعَارُضِ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ تَعَارُضُ الْأَخْبَارِ فِي أَكْلِ لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمْرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» وَرَوَى غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ قَالَ لَمْ يَبْقَ لِي مَالٌ إلَّا حُمَيْرَاتٌ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِك» قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ، وَهَذَا لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ حَرَامٌ بِلَا إشْكَالٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ فَغَلَبَ الْمُحَرِّمُ عَلَى الْمُبِيحِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ وَالْآخَرُ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِغَلَبَةِ الْحُرْمَةِ فَكَانَ لَحْمُهُ حَرَامًا بِلَا إشْكَالٍ، وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ فَيَكُونُ نَجِسًا بِلَا إشْكَالٍ وَقِيلَ سَبَبُ الْإِشْكَالِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّوَضُّؤَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْحِمَارُ: يُعْلَفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا لَا يَقْوَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ لَا يُوجِبُ الْإِشْكَالَ كَمَا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَ عَدْلٌ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَآخَرُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَالْمَاءُ لَا يَصِيرُ مُشْكِلًا، وَقَدْ اسْتَوَى الْخَبَرَانِ وَبَقِيَ الْعِبْرَةُ بِالْأَصْلِ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي التَّمَسُّكِ أَنَّ دَلِيلَ الشَّكِّ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الْحِمَارَ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ فَيَشْرَبُ مِنْ الْأَوَانِي وَلِلضَّرُورَةِ أَثَرٌ فِي إسْقَاطِ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْحِمَارِ دُونَ الضَّرُورَةِ فِيهِمَا لِدُخُولِهِمَا مَضَايِقَ الْبَيْتِ بِخِلَافِ الْحِمَارِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الضَّرُورَةُ ثَابِتَةً أَصْلًا كَمَا فِي الْكَلْبِ وَالسِّبَاعِ لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَلَوْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ مِثْلَ الضَّرُورَةِ فِيهِمَا لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِإِسْقَاطِ النَّجَاسَةِ فَلَمَّا ثَبَتَتْ الضَّرُورَةُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَاسْتَوَى مَا يُوجِبُ النَّجَاسَةَ وَالطَّهَارَةَ تَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ هَاهُنَا شَيْئَانِ الطَّهَارَةُ فِي جَانِبِ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةُ فِي جَانِبِ اللُّعَابِ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ نَجِسٌ كَمَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَبَقِيَ الْأَمْرُ مُشْكِلًا نَجِسًا مِنْ وَجْهٍ طَاهِرًا مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ الْإِشْكَالُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا لِلْإِشْكَالِ فِي لَحْمِهِ وَلَا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي سُؤْرِهِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَسْئِلَةِ مِنْهَا أَنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ إذَا اجْتَمَعَا يَغْلِبُ الْمُحَرِّمُ احْتِيَاطًا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاحْتِيَاطِ إنَّمَا يَكُونُ فِي تَرْجِيحِ الْحُرْمَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَمَّا هَاهُنَا الِاحْتِيَاطُ فِي إثْبَاتِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّا إنْ رَجَّحْنَا الْحُرْمَةَ لِلِاحْتِيَاطِ يَلْزَمُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ سُؤْرِ الْحِمَارِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مُطَهَّرًا بِاعْتِبَارِ الشَّكِّ فَكَانَ مُتَيَمِّمًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ وَلَا بِالْمُبَاحِ وَمَا قِيلَ إنَّ فِي تَغْلِيبِ الْحُرْمَةِ تَقْلِيلَ النَّسْخِ فَذَلِكَ فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ لَا فِي الضَّرُورَةِ وَمِنْهَا أَنْ يُقَالَ لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ فِي سُؤْرِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ كَمَنْ لَهُ إنَاءَانِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ فَكَذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ] (قَوْلُهُ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ إلَخْ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ صَفْحَةٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ التَّوَهُّمِ فَرَاجِعْهُ لَكِنْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ سُؤْرِهَا وَحَمْلِهَا بِأَنَّ السُّؤْرَ فِيهِ ضَرُورَةٌ بِخِلَافِ الْحَمْلِ تَأَمَّلْ.

هَاهُنَا قُلْنَا الْمَاءُ هَاهُنَا طَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَضِيَّةَ الشَّكِّ أَنْ يَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يَزَلْ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُزِيلُ بِيَقِينٍ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ اسْتِعْمَالُهُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ الْإِنَاءَيْنِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا نَجِسٌ يَقِينًا وَالْآخَرُ طَاهِرٌ يَقِينًا لَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِعَدَمِ عَمَلِهِ فَيُصَارُ إلَى الْخَلَفِ وَمِنْهَا أَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُوجِبُ الشَّكَّ كَمَا فِي إخْبَارِ عَدْلَيْنِ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ حَيْثُ يَتَوَضَّأُ بِلَا تَيَمُّمٍ قُلْنَا فِي تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ وَجَبَ تَسَاقُطُهُمَا فَرَجَّحْنَا كَوْنَ الْمَاءِ مُطَهِّرًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالْمَاءُ كَانَ مُطَهِّرًا قَبْلَهُ وَهَاهُنَا تَعَارَضَ جِهَتَا الضَّرُورَةِ فَتَسَاقَطَتَا فَأَيْقَنَّا مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ أَيْضًا إلَّا أَنَّ هَاهُنَا مَا كَانَ ثَابِتًا عَلَى حَالِهِ قَبْلَ التَّعَارُضِ شَيْئَانِ جَانِبُ الْمَاءِ وَجَانِبُ اللُّعَابِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَوَجَبَ الشَّكُّ. وَمِنْهَا مَا قِيلَ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا فَقَدْ تَنَجَّسَ الْعُضْوُ قُلْنَا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّ الشَّكَّ فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُضْوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالشَّكِّ وَالْحَدَثُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَيَجِبُ ضَمُّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْكَافِي وَلَمْ يَتَعَارَضْ الْخَبَرَانِ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ إذْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» لَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ السُّؤْرِ لِمَا قَدَّمْنَا اهـ. ثُمَّ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ وَقِيلَ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَقِيلَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ فِي طَهُورِيَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَذَا فِي الْكَافِي هَذَا مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَاءَ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ فَلِهَذَا قَالَ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ إنَّ الِاخْتِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ أَرَادَ أَنَّ الطَّاهِرَ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرَابِ لَا أَنْ لَيْسَ فِي طَهَارَتِهِ شَكٌّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ اهـ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ ضَعْفُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ لِقَوْلِ مِنْ قَالَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ بِأَنْ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ، فَإِنَّ وُجُوبَ غَسْلِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِتَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ وَالثَّابِتُ الشَّكُّ فِيهَا فَلَا يَتَنَجَّسُ الرَّأْسُ بِالشَّكِّ فَلَا يَجِبُ وَعُلِمَ أَيْضًا ضَعْفُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان تَفْرِيعًا عَلَى كَوْنِ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا إفْسَادَ بِالشَّكِّ وَفِي الْمُحِيطِ تَفْرِيعًا عَلَى الشَّكِّ فِي طَهُورِيَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يُسَاوِهِ لِمَا عَلِمْته فِي مَسْأَلَةِ الْفَسَاقِيِ وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ عَرَقِهِ. وَأَمَّا لَبَنُهَا فَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ وَصَحَّحَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَمْ يُرَجِّحْهُ أَحَدٌ وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ وَصَحَّحَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ الْقَوْلُ بِحِلِّ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْمَبْسُوطِ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ لِمَ قُلْت بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَمْ تَقُلْ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ قَالَ كَمَا قُلْت بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ أَبَحْت شُرْبَهُ وَلَوْ قُلْت بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ لَأَبَحْت أَكْلَهُ وَلَا أَحَدَ يَقُولُ بِهَا. اهـ. فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالْحِلَّ مُتَلَازِمَانِ يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِأَحَدِهِمَا الْقَوْلُ بِالْآخَرِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الْحِمَارِ دُونَ الْأَتَانِ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ يُنَجَّسُ فَمُهُ بِشَمِّ الْبَوْلِ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ الثَّابِتِ وَقَالَ قَاضِي خان: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَلَمَّا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْحِمَارِ ثَبَتَ فِي الْبَغْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا إذَا كَانَتْ أُمُّهُ أَتَانًا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ فَرَسًا فَفِيهِ إشْكَالٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْأُمِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّئْبَ لَوْ نَزَا عَلَى شَاةٍ فَوَلَدَتْ ذِئْبًا حَلَّ أَكْلُهُ وَيُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ السُّؤْرِ لِمَا قَدَّمْنَا) أَيْ مِنْ سُقُوطِهَا لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ إلَخْ) بَيَانُهُ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِالسُّؤْرِ الْمَشْكُوكِ إذَا أَحْدَثَ فَقَدْ حَلَّ الْحَدَثُ بِالرَّأْسِ أَيْضًا، فَإِذَا تَوَضَّأَ بَعْدَهُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ تَكُونُ بِلَّةُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى رَأْسِهِ مَشْكُوكًا أَيْضًا لِإِصَابَتِهِ إيَّاهُ فَلَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ الْيَقِينَ فَيَجِبُ غَسْلُ رَأْسِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ (قَوْلُهُ: وَعُلِمَ أَيْضًا ضَعْفُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ إلَخْ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ اهـ. لَكِنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَا إفْسَادَ بِالشَّكِّ بَقِيَ وَارِدٌ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ كَيْفَ يَفْسُدُ الْمَاءُ الثَّابِتَةُ طَهَارَتُهُ بِيَقِينٍ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوَّلًا مِنْ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ أَيْ يَرْفَعُ طَهُورِيَّتَهُ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهَذَا لِلتَّأْوِيلِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ. (قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدَّفْعَ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ سَبْقِ

يَكُونَ مَأْكُولًا عِنْدَهُمَا وَطَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُ لِلْأُمَّ، وَفِي الْغَايَةِ إذَا نَزَا الْحِمَارُ عَلَى الرَّمَكَةِ لَا يُكْرَهُ لَحْمُ الْبَغْلِ الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُمَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ سُؤْرُهُ مَشْكُوكًا. اهـ. الرَّمَكَةُ، وَهِيَ الْفَرَسُ، وَهِيَ الْبِرْذَوْنَةُ تُتَّخَذُ لِلنَّسْلِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْبَغْلَ لَمَّا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ فَصَارَ سُؤْرُهُ كَسُؤْرِ فَرَسٍ اخْتَلَطَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ فَصَارَ مَشْكُوكًا ذَكَرَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ سُؤَالًا فَقَالَ: فَإِنْ قُلْت أَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُك الْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ قُلْت ذَلِكَ إذَا لَمْ يَغْلِبْ شَبَهُهُ بِالْأَبِ أَمَّا إذَا غَلَبَ شَبَهُهُ فَلَا اهـ. وَبِهَذَا سَقَطَ أَيْضًا إشْكَالُ الزَّيْلَعِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَالَ جَمَالُ الدِّينِ الرَّازِيّ شَارِحُ الْكِتَابِ: الْبِغَالُ أَرْبَعَةٌ بَغْلٌ يُؤْكَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَبَقَرَةٌ وَبَغْلٌ لَا يُؤْكَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ أَتَانٍ أَهْلِيٍّ وَفَحْلٌ وَبَغْلٌ يُؤْكَلُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ فَحْلٍ وَأَتَانِ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَبَغْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ رَمَكَةٍ وَحِمَارٍ أَهْلِيٍّ اهـ. وَفِي النَّوَازِلِ لَا يَحِلُّ شُرْبُ مَا شَرِبَ مِنْهُ الْحِمَارُ وَقَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَلَوْ أَخَذَ إنْسَانٌ بِهَذَا الْقَوْلِ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَشْرَبَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفَرَّعَ فِي الْمُحِيطِ عَلَى كَوْنِ سُؤْرِ الْحِمَارِ مَشْكُوكًا مَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا رَجْعَةَ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَكُنْ مُطَهَّرًا فَلَهُ الرَّجْعَةُ فَإِذَا احْتَمَلَ انْقَطَعَتْ احْتِيَاطًا وَلَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ احْتِيَاطًا اهـ. (قَوْلُهُ: تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ إنْ فُقِدَ مَاءٌ) أَيْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِمَا وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً مُطْلَقًا يَعْنِي يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالْمُرَادُ بِالْجُمْعِ أَنْ لَا تَخْلُوَ الصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ عَنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْجَمْعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ أَيْضًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فِي حَقِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فَأَفَادَ أَنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمَحْبُوبِيِّ وَعَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى فِي رَجُلٍ لَمْ يَجِدْ إلَّا سُؤْرَ الْحِمَارِ قَالَ يُهْرِيقُ ذَلِكَ السُّؤْرَ يَصِيرُ عَادِمًا لِلْمَاءِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ فَعَرَضَ قَوْلَهُ هَذَا عَلَى الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ فَقَالَ هُوَ قَوْلٌ جَيِّدٌ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ لَوْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ أَصَابَ مَاءً نَظِيفًا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ الْمَاءُ وَمَعَهُ سُؤْرُ الْحِمَارِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُطَهِّرًا فَقَدْ تَوَضَّأَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ أَرَاقَ سُؤْرَ الْحِمَارِ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ كَانَ طَهُورًا اهـ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا الطَّرِيقُ يَسْتَلْزِمُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ لِتَأَدِّيهِ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ وَيَجِبُ الْجَمْعُ فِي أَدَاءً وَاحِدٍ قُلْنَا ذَلِكَ فِيمَا أَدَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِيَقِينٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَدَاؤُهُ بِطَهَارَةٍ مِنْ وَجْهٍ فَلَا لِانْتِفَاءِ الِاسْتِخْفَافِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِالشَّرْعِ مِنْ وَجْهٍ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السُّؤْرِ وَالتُّرَابِ مُطَهِّرٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ الْأَدَاءُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ كَمَا لَوْ صَلَّى حَنَفِيٌّ بَعْدَ الْفَصْدِ أَوْ الْحِجَامَةِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَلَا يُكَفَّرُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ، وَهَذَا أَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى بَعْدَ الْبَوْلِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ (قَوْلُهُ: وَأَيًّا قَدَّمَ صَحَّ) أَيْ مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ أَيًّا بَدَأَ بِهِ جَازَ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ عَكَسَ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ مَاءٍ هُوَ وَاجِبُ الِاسْتِعْمَالِ فَصَارَ كَالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَلَنَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ طَهُورًا فَلَا مَعْنَى لِلتَّيَمُّمِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَهُورًا فَالْمُطَهِّرُ هُوَ التَّيَمُّمُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ وَوُجُودُ هَذَا الْمَاءِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمَّا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُطَهِّرِ مِنْهُمَا عَيْنًا فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْجَمْعِ دُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالنِّيَّةِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَفِيهِ تَرَدُّدٌ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ مِسْكِينٌ فِي شَرَحَ الْكِتَاب إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: لَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ مِسْكِينٌ لَحَرُمَ أَكْلُ الذِّئْبِ الَّذِي وَلَدَتْهُ الشَّاةُ لِغَلَبَةِ شَبَهِ الْأَبِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ حَلَالٌ وَمَا فِي الْمِعْرَاجِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْأُمِّ مَمْنُوعٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَازَ الْأَكْلِ يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ السُّؤْرِ.

التَّرْتِيبِ كَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الِاغْتِسَالِ بِهِ فَعِنْدَنَا لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُ خِلَافًا لَهُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ بِهِ عِنْدَنَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ اخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ اهـ. (تَنْبِيهٌ) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْأُولَى مَا قَدَّمْنَاهُ لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ وَأَخْبَرَ عَدْلٌ آخَرُ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ الثَّانِيَةُ مَا قَدَّمْنَاهُ لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَعَدْلٌ آخَرُ بِطَهَارَتِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ الثَّالِثَةُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْشِيحِ لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِحِلِّ طَعَامٍ وَآخَرُ بِحُرْمَتِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِحِلِّهِ، وَهَذَا التَّنْبِيهُ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ الْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ الْخَبَرَيْنِ إذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا، وَيَبْقَى مَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْخَبَرِ عَلَى مَا كَانَ فَفِي الْمَاءِ قَبْلَ الْخَبَرِ الثَّابِتِ إبَاحَةُ شُرْبِهِ وَطَهَارَتِهِ فَلَمَّا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ تَسَاقَطَا فَبَقِيَ مَا كَانَ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَالطَّهَارَةِ وَفِي الطَّعَامِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحِلُّ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ إذْ لَوْ تَرَجَّحَ جَانِبُ الْحُرْمَةِ لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ مَعَ تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ الْحُرْمَةِ بِالِاحْتِيَاطِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَأَمَّا تَعَارُضُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ فِي حِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ فَيُوجِبُ تَرْجِيحَ الْحُرْمَةِ تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَعَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي أُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اللَّحْمِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ لَمَّا تَسَاقَطَ الدَّلِيلَانِ أَيْضًا بِالتَّعَارُضِ بَقِيَ مَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الذَّبْحِ وَالثَّابِتُ قَبْلَهُ حُرْمَةُ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِالذَّبْحِ شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ السَّبَبُ الْمُبِيحُ لِوُقُوعٍ التَّعَارُضِ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ بَقِيَ حَرَامًا كَمَا كَانَ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثِ لَكِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ الْخَبَّازِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ تَفْصِيلًا حَسَنًا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ وَيَمِيلُ إلَيْهِ الْقَلْبُ فَقَالَ، فَإِنْ قِيلَ إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَعَدْلٌ آخَرُ بِطَهَارَتِهِ لِمَ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا مَعَ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ قُلْنَا لَا تَعَارُضَ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ عَنْ الطَّهَارَةِ لَوْ اسْتَقْصَى فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ أَخَذْت هَذَا الْمَاءَ مِنْ النَّهْرِ وَسَدَدْت فَمَ هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ أَصْلًا رَجَّحْنَا خَبَرَهُ لِتَأَيُّدِهِ بِالْأَصْلِ، وَإِنْ بَنَى خَبَرَهُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ وَقَالَ كَانَ طَاهِرًا فَيَبْقَى كَذَلِكَ رَجَّحْنَا خَبَرَ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ مَحْسُوسٍ مُشَاهَدٍ وَأَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ اهـ. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ مُسْتَنَدَ إخْبَارِهِ فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ يَعْمَلُ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ بَيَّنَ فَالْعِبْرَةُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَبِيذِ التَّمْرِ) يَعْنِي إنْ فَقَدَ مَاءً مُطْلَقًا وَلَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا إمَّا؛ لِأَنَّهُ مَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى رَأْيٍ أَوْ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا أَوْجَبَ الْجَمْعَ صَارَ عِنْدَهُ مَشْكُوكًا فِيهِ فَشَابَهَ سُؤْرَ الْحِمَارِ كَذَا قِيلَ لَكِنْ لَا يَخْفَى ضَعْفُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُ مُخَالِفًا لِسُؤْرِ الْحِمَارِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِهِ الثَّانِي فِي وَقْتِهِ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ فِي الْمَاءِ تُمَيْرَاتٍ فَيَصِيرُ رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ حُلْوًا غَيْرَ مُسْكِرٍ وَلَا مَطْبُوخٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا حُلْوًا؛ لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْحَلَاوَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرَ مُسْكِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْكِرًا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرُ مَطْبُوخٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طُبِخَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ إذْ النَّارُ قَدْ غَيَّرَتْهُ حُلْوًا كَانَ أَوْ مُشْتَدًّا كَمَطْبُوخِ الْبَاقِلَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ) بَيَانُهُ أَنَّ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةَ فَلَوْ جَعَلْنَا الْمُبِيحَ مُتَأَخِّرًا يَلْزَمُ تَكْرَارُ النَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْحَاظِرَ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ ثُمَّ الْمُبِيحُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْحَاظِرِ وَلَوْ جَعَلْنَا الْحَاظِرَ مُتَأَخِّرًا لَا يَلْزَمُ إلَّا نَسْخٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِإِبْقَاءِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْحَاظِرَ نَاسِخٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّكْرَارِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَبْسُوطٌ فِي حَوَاشِينَا عَلَى شَرْحِ الْمَنَارِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ إلَخْ) أَقُولُ: وَعَلَيْهِ جَرَى صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي التَّنْقِيحِ، وَفِي تَحْرِيرِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ مَبْنَاهُ لِيُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ السُّؤَالُ وَعِبَارَةُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ هَكَذَا إذَا أَخْبَرَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ فَالطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْيًا لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْرِفَةَ بِالدَّلِيلِ فَيَسْأَلُ، فَإِنْ بَيَّنَ وَجْهَ دَلِيلِهِ كَانَ كَالْإِثْبَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَالنَّجَاسَةُ أَوْلَى وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا نَظِيرُ النَّفْيِ الَّذِي يُحْتَمَلُ مَعْرِفَتُهُ بِالدَّلِيلِ وَيُحْتَمَلُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ قَدْ تُدْرَكُ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَقَدْ تُدْرَكُ عِيَانًا بِأَنْ غَسَلَ الْإِنَاءَ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ بِالْمَاءِ الْجَارِي وَمَلَأَهُ بِأَحَدِهِمَا وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ أَصْلًا وَلَمْ يُلَاقِهِ شَيْءٌ نَجِسٌ فَإِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَالْآخَرُ بِطَهَارَتِهِ، فَإِنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَإِخْبَارُ النَّجَاسَةِ أَوْلَى وَإِنْ تَمَسَّكَ بِالدَّلِيلِ كَانَ مِثْلَ الْإِثْبَاتِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ) أَيْ فَالْعَمَلُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى أَوْ فَالْأُولَى الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ أَوْ الْعَمَلُ مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ خَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ عَلَى كُلٍّ جَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَاءِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَيَّنَ فَالْعِبْرَةُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّفْصِيلَ السَّابِقَ هُوَ إنْ بَيَّنَ دَلِيلَ الطَّهَارَةِ أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَيُقَدَّمُ إخْبَارُ النَّجَاسَةِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ بَيَّنَ فَالْعِبْرَةُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ تَأَمَّلْ.

وَالْمُحِيطِ يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُقَيَّدًا بِالطَّبْخِ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بَعْدَمَا طُبِخَ وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَقَعَ مِنْهُ تَنَاقُضٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا أَنَّ النَّارَ إذَا غَيَّرَتْهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِجَوَازِ شُرْبِهِ وَذَكَرَ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ اهـ. وَلَا يَخْفَى ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ يُنْبِئُ عَنْهُ فَكَانَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ نَقْلَ الرِّوَايَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَا تَنَاقُضَ حَيْثُ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِذَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ التَّوَضُّؤِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْحَدِيثِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَأَمَّا الثَّانِي: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ وَقْتٍ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِيهِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُتَوَضَّأُ بِهِ جَزْمًا وَيُضِيفُ التَّيَمُّمَ إلَيْهِ اسْتِحْبَابًا وَالثَّانِيَةُ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَاخْتَارَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَرَجَّحَهُ وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُ يُتَيَمَّمُ وَلَا يُتَوَضَّأُ بِهِ قَوْلُهُ الْآخَرُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ أَبِي حَنِيفَةَ لِاخْتِلَافِ الْأَسْئِلَةِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْحَلَاوَةِ قَالَ يُتَيَمَّمُ وَلَا يُتَوَضَّأُ بِهِ وَسُئِلَ مَرَّةً إذَا كَانَ الْمَاءُ وَالْحَلَاوَةُ سَوَاءً قَالَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَسُئِلَ مَرَّةً إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ فَقَالَ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يُتَيَمَّمُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَذْهَبُ الْمُصَحَّحُ الْمُخْتَارُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ مُوَافَقَةً لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الدَّالِّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ «قَوْلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) هُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ وَابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ قَالَ لِيَقُمْ مَعَنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَحَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ نَفْسِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ وَخَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلِي خَطًّا وَقَالَ لَا تَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْخَطِّ، فَإِنَّك إنْ خَرَجْت مِنْهُ لَمْ تَلْقَنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ ذَهَبَ يَدْعُو الْجِنَّ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَالَ لِي هَلْ مَعَك مَاءٌ أَتَوَضَّأُ بِهِ فَقُلْت لَا إلَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فِي إدَاوَةٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ» وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَنْقُلُ التَّطْهِيرَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إلَى التُّرَابِ وَنَبِيذُ التَّمْرِ لَيْسَ مَاءً مُطْلَقًا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَرْدُودًا بِهَا لِكَوْنِهَا أَقْوَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ مَنْسُوخًا بِهَا؛ لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ، فَإِنْ قِيلَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَوَابُ أَبِي يُوسُفَ خَاصَّةً وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْعَمَلُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَأَبُو زَيْد كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ النَّقَلَةِ؛ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قِيلَ هَلْ كَانَ أَبُوك مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ فَقَالَ لَوْ كَانَ أَبِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ لَكَانَ فَخْرًا عَظِيمًا وَمَنْقَبَةً لَهُ وَلِعَقِبِهِ بَعْدَهُ فَأَنْكَرَ كَوْنَ أَبِيهِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ لَمَا خَفِيَ عَلَى ابْنِهِ وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةٌ تَامَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي انْتِسَاخِ هَذَا الْحَدِيثِ لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُنْسَخْ فَيَجِبُ احْتِيَاطًا قُلْنَا لَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ يَعْنِي أَنَّهَا تَكَرَّرَتْ قَالَ فِي التَّيْسِيرِ إنَّ الْجِنَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفْعَتَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّفْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ آيَةِ التَّيَمُّمِ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَلِمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ كَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رُوِيَ عَنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ قَالَ «الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ تَوَضَّئُوا بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُمْ كِبَارُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ مَعْمُولًا بِهِ وَبِمِثْلِهِ يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اشْتَبَهَ كَوْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ قُلْنَا فِي الْبَابِ مَا يَكْفِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ هَذِهِ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُ أَبُو زَيْدٌ مَجْهُولٌ قُلْنَا لَا بَلْ هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مَعْرُوفًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: أُثْبِتُ كَوْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِاثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِهِ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَيْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَالَةَ الْخِطَابِ وَالدَّعْوَةِ بَلْ كَانَ دَاخِلَ الْخَطِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ

[باب التيمم]

- عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهُ لَيْلَةُ الْجِنِّ مَا فِي إدَاوَتِك قَالَ نَبِيذُ تَمْرٍ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَضَعَّفَهُ وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمَخْرَجُ وَغَيْرُهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ هُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِتَأَخُّرِهَا إذْ هِيَ مَدَنِيَّةٌ وَعَلَى هَذَا مَشَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِذَا عُلِمَ عَدَمُ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ عُلِمَ عَدَمُ جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِهِ فِي جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ فَصَحَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ جَوَازَهُ وَصَحَّحَ فِي الْمُفِيدِ عَدَمَهُ وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّصْحِيحَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمَذْهَبُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِهِ فِي الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا رَجَعَ عَنْ قَوْلٍ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْشِيحِ وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُقَدَّمُ النَّبِيذُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ التَّيَمُّمِ وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَقْطَعُهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَمْضِي فِيهَا وَيُعِيدُهَا بِالْوُضُوءِ بِهِ كَمَا لَوْ وَجَدَ سُؤْرَ حِمَارٍ، فَإِنَّهُ يَمْضِي وَيُعِيدُهَا بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْلَا عِبَارَةُ الْوَافِي - أَصْلُ الْكِتَابِ - لَشَرَحْته بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ النَّبِيذَ مُخَالِفٌ لِسُؤْرِ الْحِمَارِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ أَصْلًا لِيَصِيرَ مَا فِي الْكِتَابِ هُوَ الْمُعْتَمَدَ وَلَقَدْ أَنْصَفَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ نَاصِرُ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قَالَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا أَصْلَ لَهُ اهـ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ التَّيَمُّمِ) الْبَابُ لُغَةً النَّوْعُ وَعُرْفًا نَوْعٌ مِنْ الْمَسَائِلِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كِتَابٌ، وَلَيْسَتْ بِفَصْلٍ وَالتَّيَمُّمُ لُغَةً مُطْلَقُ الْقَصْدِ بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ الْقَصْدُ إلَى مُعَظَّمٍ وَشَوَاهِدُهُمَا كَثِيرَةٌ وَاصْطِلَاحًا عَلَى مَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ الْقَصْدُ إلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ لِلتَّطْهِيرِ، وَعَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ اسْتِعْمَالُ الصَّعِيدِ فِي عُضْوَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ عَلَى قَصْدِ التَّطْهِيرِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ وَزُيِّفَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْقَصْدَ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ وَالثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يَجُوزَ بِالْحَجَرِ الْأَمْلَسِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ وَالْقَصْدُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ النِّيَّةُ وَلَهُ رُكْنٌ وَشُرُوطٌ وَحُكْمٌ وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّةٍ وَسَبَبُ وُجُوبٍ وَكَيْفِيَّةٌ وَدَلِيلٌ أَمَّا رُكْنُهُ فَشَيْئَانِ الْأَوَّلُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالثَّانِي اسْتِيعَابُ الْعُضْوَيْنِ وَفِي الْأَوَّلِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا شَرَائِطُهُ أَعْنِي شَرَائِطَ جَوَازِهِ فَسَتَأْتِي فِي الْكِتَابِ مُفَصَّلَةً، وَأَمَّا حُكْمُهُ فَاسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا سَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَمَا «وَقَعَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَهُوَ مَاءٌ بِنَاحِيَةِ قَدِيدٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَمَّا أَضَلَّتْ عِقْدَ هَا فَبَعَثَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي طَلَبِهِ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَجَاءَ أَسِيد بْنُ الْحُضَيْرِ فَجَعَلَ يَقُولُ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَرُخِّصَ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِهِ فَمَا هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَسَتَأْتِي، وَأَمَّا دَلِيلُهُ فَمِنْ الْكِتَابِ فِي آيَتَيْنِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ وَمِنْ السُّنَّةِ فَأَحَادِيثُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَأَى قَوْمًا يَلْعَبُونَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ مَا رَأَيْت قَوْمًا أَشْبَهَ بِالْجِنِّ الَّذِينَ رَأَيْتهمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمَحْبُوبِيِّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ. اهـ. فَرَائِدُ. (قَوْلُهُ: وَلَقَدْ أَنْصَفَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي فِي حَوَاشِي الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ أَقُولُ: حَاشَاهُ ثُمَّ حَاشَاهُ ثُمَّ حَاشَاهُ أَنْ يَبْنِيَ شَيْئًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ عِنْدَهُ فَالْحَدِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ ضَعِيفًا فَالْعِبْرَةُ فِي هَذَا الْبَابِ بِرَأْيِ الْمُجْتَهِدِ لَا بِرَأْيِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ لَا أَصْلَ لَهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَايَةَ مَا قِيلَ فِيهِ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ ظَنًّا عَلَى الصَّحِيحِ أَمَّا فِي الْوَاقِعِ فَيَجُوزُ ضَعْفُ الصَّحِيحِ وَصِحَّةُ الضَّعِيفِ فَلَا نَقْطَعُ بِصِحَّةِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعْفِ ضَعِيفٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ خِلَافَهُ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ الْبَعْضِ ضَعِيفًا عِنْدَ آخَرَ فَدَارَ عَلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ فَإِذَا بَنَى عَلَى حَدِيثٍ حُكْمًا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَلَّدَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقَبُولِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ مَنْ ضَعَّفَهُ بَعْدَهُ وَكَمْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كالدارقطني أَبْهَمَ الْجَرْحَ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ قَبُولِهِ مَا لَمْ يُفَسَّرْ فَلَوْلَا نَقْلُ رُجُوعِ الْإِمَامِ عَنْهُ لَأَفْتَيْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَإِنْ قُلْت حَيْثُ كَانَ الْحَدِيثُ ثَابِتًا فَمَا سَبَبُ رُجُوعِهِ عَنْهُ قُلْت أَمْرٌ ظَهَرَ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ النَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَجَعَ عَنْ مَذْهَبٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ تَدْوِينِهِ وَغَايَةُ مَا يُقَالُ هُنَا إنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ لَيْلَةِ الْجِنِّ فَهِيَ نَاسِخَةٌ لَهُ اهـ مُلَخَّصًا. [بَابُ التَّيَمُّمِ] [أَرْكَان التَّيَمُّم] (بَابُ التَّيَمُّمِ) (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّعِيدِ الطَّاهِرِ) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الْمُطَهِّرِ كَمَا

[شرائط التيمم]

قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ وَفِي رِوَايَةٍ فَتَمَعَّكْت ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ رُخْصَةً لَنَا وَالرُّخْصَةُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْآلَةُ حَيْثُ اكْتَفَى بِالصَّعِيدِ الَّذِي هُوَ مُلَوَّثٌ وَفِي مَحَلِّهِ بِشَطْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ لِبُعْدِهِ مِيلًا عَنْ مَاءِ) أَيْ يَتَيَمَّمُ الشَّخْصُ، وَهَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ فَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِطَهَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَفُوتُ إلَى خَلْفٍ وَمَا هُوَ مِنْ أَجْزَائِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَغَيْرُ الْكَافِي كَالْمَعْدُومِ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَوْجُودِ وَالتَّيَمُّمُ لِلْبَاقِي؛ لِأَنَّ مَا نَكِرَةٌ فِي النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَقِيَاسًا عَلَى إزَالَةِ بَعْضِ النَّجَاسَةِ وَسِتْرِ بَعْضِ الْعَوْرَةِ وَكَالْجَمْعِ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ بَيْنَ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ قُلْنَا الْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً مُحَلِّلًا لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَاءِ النَّجَسِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّيَمُّمِ إجْمَاعًا وَبِاسْتِعْمَالِ الْقَلِيلِ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ الْحِلِّ يَقِينًا عَلَى الْكَمَالِ، فَإِنَّ الْحِلَّ حُكْمٌ وَالْعِلَّةَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا وَشَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ لَا يَثْبُتُ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ كَبَعْضِ النِّصَابِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَكَبَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي حَقِّ الْكَفَّارَةِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْحَقِيقِيَّةِ وَالْعَوْرَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَجَزَّآنِ فَيُفِيدُ إلْزَامَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْقَلِيلِ لِلتَّقْلِيلِ وَلَا يُفِيدُ هُنَا إذْ لَا يَتَجَزَّأُ هُنَا بَلْ الْحَدَثُ قَائِمٌ مَا بَقِيَ أَدْنَى لُمْعَةٍ فَيَبْقَى مُجَرَّدَ إضَاعَةِ مَالٍ خُصُوصًا فِي مَوْضِعِ عِزَّتِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ كَمَا هُوَ، وَأَمَّا الْجَمْعُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ؛ فَلِأَنَّ الذَّكِيَّةَ لَمَّا لَمْ تَدْفَعْ الِاضْطِرَارَ صَارَتْ كَالْعَدَمِ كَذَا ذَكَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَغْسِلُ بِهِ بَعْضَ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ وَجَدَ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرَ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ لَا يَلْزَمُهُ اهـ. وَلَوْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِلْحَدَثِ أَوْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ غَسَلَ بِهِ الثَّوْبَ مِنْهَا وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى فِي النَّجَسِ أَجْزَأَهُ، وَكَانَ مُسِيئًا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ النَّجَاسَةَ يُعِيدُ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ تَقَدَّمَ عَلَى غَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ إلَى الثَّوْبِ عَلَى مَا قَالُوا وَالْمُسْتَحَقُّ الصَّرْفُ إلَى جِهَةٍ مَعْدُومٌ حُكْمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ مَعَ الْحَدَثِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ لَهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَافِيًا لِأَحَدِهِمَا فَبَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ قَبْلَ غَسْلِهَا كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْأَصْلِ وَكَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْعَطَشِ وَنَحْوِهِ نَعَمْ يَتَمَشَّى ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ الْقَائِلَةِ بِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ غَسْلِ اللُّمْعَةِ لَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ثُمَّ إنَّمَا ثَبَتَتْ الْقُدْرَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَصْرُوفًا إلَى جِهَةٍ أَهَمَّ أَصَابَ بَدَنَ الْمُتَيَمِّمِ قَذَرٌ فَصَلَّى وَلَمْ يَمْسَحْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ. اهـ. ثُمَّ الْعَدَمُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَدْمٌ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَعْنَى وَعَدَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّ الْبُعْدِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ التَّقْدِيرُ بِالْمِيلِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِيلًا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ أَقَلَّ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مِيلٌ أَوْ أَقَلُّ لَا يَجُوزُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِدُخُولِ الْمِصْرِ وَالْمَاءُ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً وَالْمِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ وَقِيلَ لِلْأَعْلَامِ الْمَبْنِيَّةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ أَمْيَالٌ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى مَقَادِيرِ مُنْتَهَى الْبَصَرِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ وَالْمُرَادُ هُنَا ثُلُثُ الْفَرْسَخِ وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشْرَ أَلْفَ خُطْوَةٍ كُلُّ خُطْوَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِطَاهِرٍ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. [شَرَائِط التَّيَمُّم] (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ) أَيْ لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ وَفَرَغَ مَاؤُهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَتْ مِنْهُ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهَا، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَهَا لِلْحَدَثِ، وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ غَسَلَ بِهِ اللُّمْعَةُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْحَدَثِ وَلَوْ بَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ غَسَلَهَا فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ وَيُعِيدُ التَّيَمُّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قِيلَ الْأَوْلَى قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفَاصِيلُ بَيَّنَهَا فِي السِّرَاجِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ مَسْأَلَةَ النَّجَاسَةِ بَعْدَ هَذِهِ وَقَالَ لَوْ بَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلًا ثُمَّ غَسَلَ النَّجَاسَةَ أَعَادَ التَّيَمُّمَ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْ مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ هُنَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَاءٍ لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ جَازَ وَهُنَاكَ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ لَوْ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ اهـ. وَبِهِ يَنْدَفِعُ النَّظَرُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْجَوْهَرَةِ أَنَّ قَدْرَ الْمِيلِ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَاَلَّذِي هُنَا سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَرَأَيْت فِي الْقِلَادَةِ الْجَوْهَرِيَّةِ مَا صُورَتُهُ قَالَ صَاحِبُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ الْهَائِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ فِي هَذَا الْبَابِ الْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ أَلْفُ

وَعَنْ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ صَوْتَ أَهْلِ الْمَاءِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ فَهُوَ بَعِيدٌ، وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَتَوَضَّأَ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ وَتَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ وَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَا الْمُقِيمِ، وَهُوَ جَائِزٌ لَهُمَا، وَلَوْ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْعَدَمُ فَأَيْنَمَا تَحَقَّقَ جَازَ التَّيَمُّمُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْمِصْرِ إلَّا لِخَوْفِ فَوْتِ جِنَازَةٍ أَوْ صَلَاةِ عِيدٍ أَوْ لِلْجُنُبِ الْخَائِفِ مِنْ الْبَرْدِ وَكَذَا ذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ نَادِرًا وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى عَادَةِ الْأَمْصَارِ فَلَيْسَ خِلَافًا حَقِيقِيًّا وَتَصْحِيحُ الزَّيْلَعِيِّ لَا يُفْسِدُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَلِيلُ السَّفَرِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ إنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ثَلَاثَةٍ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْإِفْطَارِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اهـ وَفِي الْمُحِيطِ الْمُسَافِرُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ شُرِعَ طَهُورًا حَالَةَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَا تُكْرَهُ الْجَنَابَةُ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ فَكَذَا حَالَ عَدَمِهِ اهـ. وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمَنْ كَانَ فِي كِلَّةٍ جَازَ تَيَمُّمُهُ لِخَوْفِ الْبَقِّ أَوْ مَطَرٍ وَحَرٍّ شَدِيدٍ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَاسِبٌ لِقَوْلِ زُفَرَ لَا لِقَوْلِ أَئِمَّتِنَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ خَوْفَ الْفَوْتِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلْبُعْدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَكِنْ ظَفِرْت بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ رِوَايَةٌ عَنْ مَشَايِخِنَا ذَكَرَهَا فِي الْقُنْيَةِ فِي مَسَائِلَ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا لَوْ ازْدَحَمَ جَمْعٌ عَلَى بِئْرٍ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِقَاءُ مِنْهَا إلَّا بِالْمُنَاوَبَةِ لِضِيقِ الْمَوْقِفِ أَوْ لِاتِّحَادِ الْآلَةِ لِلِاسْتِقَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ وُصُولَ النَّوْبَةِ إلَيْهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ يَصْبِرُ عِنْدَنَا لِيَتَوَضَّأَ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَتَيَمَّمُ وَلَوْ كَانَ جَمْعٌ مِنْ الْعُرَاةِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ إلَّا ثَوْبٌ يَتَنَاوَبُونَهُ وَعَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَصْبِرُ وَلَا يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَوْ اجْتَمَعُوا فِي سَفِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ ضَيِّقٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَوْضِعٌ يَسَعُ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَقَطْ لَا يُصَلِّي قَاعِدًا بَلْ تَصْبِرُ وَيُصَلِّي قَائِمًا بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ وَاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْقُدْرَةُ بَعْدَهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ نَجِسٌ وَمَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُهُ وَلَكِنْ لَوْ غَسَلَهُ خَرَجَ الْوَقْتُ لَزِمَ غَسْلُهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَأَمَّا الْعَدَمُ مَعْنًى لَا صُورَةً فَهُوَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِمَانِعٍ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ مِنْهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا. (قَوْلُهُ: أَوْ لِمَرَضٍ) يَعْنِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرَضِ وَأَطْلَقَهُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ يَخَافَ اشْتِدَادَ مَرَضِهِ لَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ فَعَلِمَ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ لَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ خَوْفِ الِاشْتِدَادِ وَالِامْتِدَادِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ بِالتَّحَرُّكِ كَالْمَبْطُونِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْجُدَرِيِّ أَوْ كَأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ وَجَدَ خَادِمًا كَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ وَأَجِيرِهِ لَا يُجْزِيهِ التَّيَمُّمُ اتِّفَاقًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ خَادِمِهِ مَنْ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ وَلَوْ زَوْجَتَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَ فِي التَّجْنِيسِ عَنْ شَيْخِهِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا قَالَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ مَرِيضًا ـــــــــــــــــــــــــــــQبَاعٍ وَالْبَاعُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعَ وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مَرْصُوصَةٌ بِالْعَرْضِ وَالشَّعِيرُ سِتُّ شَعَرَاتٍ بِشَعْرِ الْبِرْذَوْنِ اهـ كَلَامُهُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ. قَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ إنَّ الْبَرِيدَ مِنْ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعُ ... وَلِفَرْسَخٍ فَثَلَاثُ أَمْيَالِ ضَعُوا وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنْ الْبَاعَاتِ قُلْ ... وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ تُتَتَبَّعُ ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنْ الْأَصَابِعِ أَرْبَعُ ... مِنْ بَعْدِهَا الْعِشْرُونَ ثُمَّ الْأُصْبُعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ فَظَهَرَ شُعَيْرَةٌ ... مِنْهَا إلَى بَطْنٍ لِأُخْرَى تُوضَعُ ثُمَّ الشُّعَيْرَةُ سِتُّ شَعَرَاتٍ فَقُلْ ... مِنْ شَعْرِ بَغْلٍ لَيْسَ فِيهَا مِدْفَعٌ أَقُولُ: فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ هُوَ الْمُعَوَّلُ فَتَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُ الرَّمْلِيِّ مُلَخَّصًا وَفِي الشرنبلالية قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْبُرْهَانِ عَنْ ابْنِ شُجَاعٍ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا خِلَافَ لِحَمْلِ كَلَامِ ابْنِ شُجَاعٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالذِّرَاعِ مَا فِيهِ أُصْبُعٌ قَائِمَةٌ عِنْدَ كُلِّ قَبْضَةٍ فَيَبْلُغُ ذِرَاعًا وَنِصْفًا بِذِرَاعِ الْعَامَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْ الْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرَجِ بْنِ الشَّاشِيِّ طُولُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا وَعَرْضُ كُلِّ أُصْبُعٍ سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ مُلْصَقَةٍ ظَهْرَ الْبَطْنِ اهـ. قُلْتُ: لَكِنْ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَأْيِيدِ عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ لِمَا قَالَهُ مِنْ التَّوْفِيقِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَعْدَ تَحْدِيدِهِ الذِّرَاعَ وَكَذَا مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْهَائِمِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ فِي كِلَّةٍ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ هِيَ السِّتْرُ الرَّقِيقُ وَغِشَاءٌ رَقِيقٌ يَتَوَقَّى بِهِ مِنْ الْبَعُوضِ. (قَوْلُهُ: كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ) عِبَارَتُهُ عَلَى مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَأَمَّا إذَا وَجَدَ أَحَدًا يُوَضِّئُهُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ

لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَوْ كَانَ فِي فِرَاشِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنْهُ وَوَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ وَيُوَجِّهُهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعَلَى هَذَا الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَالْحَجُّ وَالْخِلَافُ فِيهِمَا مَعْرُوفٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمُكَلَّفُ قَادِرٌ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُعَدُّ قَادِرًا إذَا اخْتَصَرَ بِحَالَةٍ يَتَهَيَّأُ لَهُ الْفِعْلُ مَتَى أَرَادَ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا بَذَلَ الِابْنُ الْمَالَ وَالطَّاعَةَ لِأَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَكَذَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ مُعْدَمٌ فَبَذَلَ لَهُ إنْسَانٌ الْمَالَ لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِآلَةِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْغَيْرِ صَارَتْ كَآلَتِهِ بِالْإِعَانَةِ، وَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَخْتَارُ قَوْلَهُمَا وَالْفَرْقُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَعَهُ قَوْمٌ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي الْإِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ زِيَادَةَ الْوَجَعِ فِي قِيَامِهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ زِيَادَةُ الْوَجَعِ فِي الْوُضُوءِ اهـ. مَا فِي التَّجْنِيسِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجِيرٌ لَكِنْ مَعَهُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ أَجِيرًا لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ قَلَّ الْأَجْرُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الْمَالِ مِقْدَارُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ أَجِيرًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ إذَا مَرِضَتْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَضِّئَهَا وَأَنْ يَتَعَاهَدَهَا، وَفِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْوُضُوءَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ يَعْنِي أَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ تَعَاهُدَ الْعَبْدِ فِي مَرَضِهِ كَانَ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَالزَّوْجَةُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَاهَدَهَا فِي مَرَضِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ إذَا مَرِضَ فَلَا يُعَدُّ قَادِرًا بِفِعْلِهَا وَفِي الْمُبْتَغَى مَرِيضٌ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَلَّ الْأَجْرُ أَوْ كَثُرَ وَقَالَا لَا يَتَيَمَّمُ إذَا كَانَ الْأَجْرُ رُبْعَ دِرْهَمٍ اهـ. وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا كَانَ قَلِيلًا لَا إذَا كَانَ كَثِيرًا لِمَا عُرِفَ مِنْ مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] وَالْمُرَادُ مِنْ الْوُجُودِ فِي الْآيَةِ الْقُدْرَةُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَرْدَرِيُّ الْفَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا} [النساء: 43] لِلْعَطْفِ عَلَى الشَّرْطِ وَفِي {فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] لِجَوَابِ الشَّرْطِ وَفِي {فَامْسَحُوا} [النساء: 43] لِتَفْسِيرِ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا إذَا قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى التَّيَمُّمِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَا عِنْدَهُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ رَأَيْت فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْكَرْخِيِّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: أَوْ بَرْدٌ) أَيْ إنْ خَافَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ فِيهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَيَمَّمُ فِيهِ كَذَا فِي الْكَافِي وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّذِي يُوَضِّئُهُ حُرًّا فِي هَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَقَالَا لَا يُجْزِئُهُ الثَّانِي إذَا كَانَ الَّذِي يُوَضِّئُهُ مَمْلُوكًا لَهُ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا شَكَّ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَذَكَرَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَّنْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْوُضُوءِ قَالَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الْفَضْلِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ الْمُكَلَّفَ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَفْتَرِضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَهُ) قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُعِينُ حُرًّا ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ بِمَا سَيَأْتِي وَذَكَرَ قَبْلَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ يُعِينُهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إنْ كَانَ الْمُعِينُ حُرًّا أَوْ أَجْنَبِيًّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، فَإِنْ كَانَ الْمُعِينُ مَمْلُوكًا اخْتَلَفَتْ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا مَرَّ قُلْت وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ غَيْرُ الْخَادِمِ وَكَأَنَّهُ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْخَادِمِ اُعْتُبِرَ قَادِرًا بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْفَرْقِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ إلَخْ) لَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا وَجَدَ الزَّوْجَةَ أَوْ الْمَمْلُوكَ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا كَانَ قَلِيلًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَلَامُهُ يُعْطِي أَنَّ الْقَلِيلَ ثَمَنُ الْمِثْلِ وَالْكَثِيرُ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِذَلِكَ إطْلَاقَ مَا فِي التَّجْنِيسِ فَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِئْجَارُ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ إذَا طَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ اهـ. أَقُولُ: وَهَذَا الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ أَخْذًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهُمْ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ يُبَاعُ وَلَا يُوجَدُ مَجَّانًا. (قَوْلُهُ: تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ إلَخْ) لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَلَمَّا رَجَعُوا شَكَوْا مِنْهُ أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُمْ قَالُوا صَلَّى بِنَا، وَهُوَ جُنُبٌ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْنَبْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي الْهَلَاكَ لَوْ اغْتَسَلْتُ فَذَكَرْتُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ بِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَلَا تَرَوْنَ صَاحِبَكُمْ كَيْفَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهُ كَانَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ مِصْرٍ وَعَلَّلَ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ، وَهُوَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَصْوَبَ رَأْيَهُ وَالْحُكْمُ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ اهـ حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ)

وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْوُضُوءِ عَادَةً اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَوَازَهُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ وَلَا عَلَى أُجْرَةِ الْحَمَّامِ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَجِدُ ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ فِيهِ، وَلَا مَكَانًا يَأْوِيهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا وَقَالَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْبَرْدِ فِي الْمِصْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ نَشَأَ عَنْ اخْتِلَافِ زَمَانٍ لَا بُرْهَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِهِمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّمَنِ دَخَلَ ثُمَّ تَعَلَّلَ بِالْعُسْرَةِ، وَفِي زَمَانِهِ قَبْلَهُ فَيُعْذَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بُرْهَانِيًّا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ رَفِيقِهِ إذَا كَانَ لَهُ رَفِيقٌ فَعَلَى هَذَا يُقَيِّدُ مَنْعُهُمَا بِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمَاءِ الْحَارِّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ أَمَّا إذَا طَلَبَ فَمُنِعَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَالظَّاهِرُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَوْ الشِّرَاءِ وَعِنْدَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّلْ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ بَيْنَ إمْكَانِ أَخْذِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بِالْحِيلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا بَلْ أَطْلَقُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ إذْ ذَاكَ فَمَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَتَعَلَّلُ بِالْعُسْرَةِ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا شَكَّ فِي هَذَا فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ لَمْ يَأْذَنْ الشَّرْعُ فِيهِ، وَمَنْ ادَّعَى إبَاحَتَهُ فَضْلًا عَنْ تَعْيِينِهِ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالٌ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ غَائِبٌ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ، وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَجِيرٌ لَا يَجِدُ الْمَاءَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُهُ فِي نِصْفِ مِيلٍ لَا يُعْذَرُ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يُعِيدُ وَلَوْ صَلَّى صَلَاةً أُخْرَى، وَهُوَ يَذْكُرُ هَذِهِ تَفْسُدُ اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ خَوْفُ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَقْدِ آلَةٍ) يَعْنِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِهَذِهِ الْأَعْذَارِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَعْدُومٌ مَعْنًى لَا صُورَةً أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَتَاهُ؛ فَلِأَنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَسَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ يَخَافُ عَلَيْهَا إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَفِي التَّوْشِيحِ إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ فَاسِقٍ أَوْ خَافَ الْمَدْيُونُ الْمُفْلِسُ مِنْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا الْأَسِيرُ فِي يَدِ الْعَدُوِّ إذَا مَنَعَهُ الْكَافِرُ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ إذَا خَرَجَ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ تَوَضَّأْت حَبَسْتُك أَوْ قَتَلْتُك، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ كَالْمَحْبُوسِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَمْ تَظْهَرْ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِوَعِيدٍ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَا زَالَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَلَا يُسْقِطُ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَنْهُ اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُذْرَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ هَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ هُوَ بِسَبَبِ الْعَبْدِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ وَذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي النِّهَايَةِ لِمَا نَقَلْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِوَعِيدٍ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ لَا الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ وَكَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، فَإِنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ نَشَأَ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَانَ هَذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ جَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ الْبَرْدِ لَهُ قَوْلُهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْأَسْرَارِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى تَصْحِيحِ عَدَمِ الْجَوَازِ مَسْأَلَةُ الْمَسْحِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهِ، وَهِيَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إذَا خَافَ سُقُوطَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَاخْتَارَهُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَيْسَ هُوَ إلَّا تَيَمُّمُ الْمُحْدِثِ لِخَوْفِهِ عَلَى عُضْوِهِ فَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ اخْتِيَارُ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَدْ ظَهَرَ بِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَدْفُوعٌ عَنَّا بِالنَّصِّ الشَّرِيفِ تَأَمَّلْ اهـ. وَلَكِنْ سَيَأْتِي مِنْهُ فِي مَحَلِّهِ تَضْعِيفُ هَذَا التَّصْحِيحِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ خَوْفِ سُقُوطِ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ هُوَ الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ وَسَتَطَّلِعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَأْيِيدِنَا لَهُ بِالنُّقُولِ الصَّرِيحَةِ. (قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ الْوُضُوءِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الدُّرَرِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مَعًا يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الصُّورَتَيْنِ إذَا زَالَ الْمَانِعُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِلْعَلَّامَةِ نُوحٍ (قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ) وَبِهِ جَزَمَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ (قَوْلُهُ: مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ إلَى كَوْنِهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي)

مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا بَلْ حَصَلَ خَوْفٌ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَعِيدٌ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَوْفِ فِي الْأَسِيرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ نَصَّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ بَعْدَ هَذَا رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ صَرَّحَ بِمَا فَهِمْته فَقَالَ وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ الْخَوْفُ الَّذِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ وَعِيدٍ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْخَوْفِ مِنْ السَّبُعِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نُسِبَ هَذَا الْخَوْفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْهُ تَعَالَى أَيْضًا خَلْقًا وَإِرَادَةً لِتَجَرُّدِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ لَهُ مِنْ الْغَيْرِ فِي حَقِّ الْخَائِفِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حُبِسَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَوْ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ انْضَمَّ عُذْرُ السَّفَرِ إلَى الْعُذْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَرِ عَدَمُ الْمَاءِ فَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ. وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ وَالْمَشْغُولُ بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ وَعَطَشُ رَفِيقِهِ وَدَابَّتِهِ وَكَلْبِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَوْ صَيْدِهِ فِي الْحَالِ أَوْ ثَانِي الْحَالِ كَعَطَشِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ رَفِيقَهُ الْمُخَالِطَ لَهُ أَوْ آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَاءِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ الْأَجْنَبِيُّ لِلْوُضُوءِ، وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكَذَا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الطَّبْخِ دُونَ حَاجَةِ الْعَطَشِ وَأَمَّا جَوَازُهُ بِفَقْدِ الْآلَةِ فَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجَدِّدْ لِوَا يَسْتَقِي بِهِ فَوُجُودُ الْبِئْرِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ قَلِيلًا بِالْبَلَلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ طَاهِرٌ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ، وَهَذَا يُوَافِقُ فُرُوعًا ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِئْرًا فِيهَا مَاءٌ وَلَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ إلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُدْلِيهِ إلَّا ثَوْبُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ لَزِمَهُ إدْلَاؤُهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ، فَإِنْ زَادَ النَّقْصُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ إنْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِلْ، فَإِنْ كَانَ نَقْصُهُ بِالشَّقِّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَثَمَنِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ لَزِمَهُ شَقُّهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ضَرَرٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَبِوُجُودِ آلَةِ التَّقْوِيرِ فِي نَهْرٍ جَامِدٍ تَحْتَهُ مَاءٌ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ وَفِي سَفَرِهِ جَمَدٌ أَوْ ثَلْجٌ وَمَعَهُ آلَةُ الذَّوْبِ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْ إلَى كَوْنِهِ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ (قَوْلُهُ: وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَخْ) وَيُلْحَقُ بِخَوْفِ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ مَا هُوَ مِثْلُهُ كَخَوْفِ الْحَيَّةِ أَوْ النَّارِ لَكِنْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ يَجِبُ الْإِعَادَةُ بِالْوُضُوءِ فِيمَا إذَا كَانَ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ لِمَا أَنَّ الْعُذْرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ فَرْضِ الْوُضُوءِ كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ، وَكَذَا الْمَحْبُوسُ فِي السِّجْنِ وَالْأَسِيرُ وَالْمُقَيَّدُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْإِعَادَةِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ طِينٍ لَا يُعِيدُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْقَيْدُ إذَا صَلَّى قَاعِدًا يُعِيدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. ابْنُ مَلَكٍ عَلَى التُّحْفَةِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا) أَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: إنْ كَانَ نُقْصَانُ قِيمَةِ الْمِنْدِيلِ قَدْرَ دِرْهَمٍ يَتَيَمَّمُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ الْمِنْدِيلَ فَأَمَّا إذَا كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ دِرْهَمٍ لَا يَتَيَمَّمُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَى مَنْ يَسْرِقُ مَالَهُ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارَ دِرْهَمٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يَقْطَعُ كَذَا هُنَا اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ قَرُبَ إلَى الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ وَلَكِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْمَنْقُولِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الشِّرَاءِ أَنَّ الشِّرَاءَ وَإِنْ كَثُرَتْ الْقِيمَةُ مُبَادَلَةٌ بِعِوَضٍ فَلَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ مَالٍ بِخِلَافِ إدْلَاءِ الْمِنْدِيلِ وَشَقِّهِ، فَإِنَّ فِيهِ إتْلَافَ مَالٍ بِلَا عِوَضٍ وَلَا ضَرُورَةَ دَاعِيَةً؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ عُدِمَ الْمَاءُ يَعْدِلُ إلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّ لِأَجْلِهِ تَأَمَّلْ وَقَدْ عَلَّلُوا عَدَمَ لُزُومِ الشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ يُقَابِلْهَا عِوَضٌ فَلَا يَلْزَمُهُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ شَرْعًا وَمِمَّا يُقَرُّ بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ نَجِسٌ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ كَوْنِهِ إذَا قُطِعَ يَنْتَقِصُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَاءِ أَنْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ بِأَكْثَرَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلُزُومِ الضَّرَرِ بِلَا عِوَضٍ

اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ فِي الْفَلَاةِ فِي الْحُبِّ وَنَحْوِهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْوُضُوءِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلشُّرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَيُسْتَدَلُّ بِكَثْرَتِهِ عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا اهـ. وَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَالْحُبُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلشُّرْبِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ وَالْمَوْضُوعُ لِلْوُضُوءِ لَا يُبَاحُ مِنْهُ الشُّرْبُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي السَّفَرِ جُنُبٌ وَحَائِضٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَمَيِّتٌ وَمَعَهُمْ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَالْجُنُبُ أَحَقُّ فَتَتَيَمَّمُ الْمَرْأَةُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْحَائِضِ مُحْدِثٌ يُصْرَفُ إلَى الْجُنُبِ اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَيِّتُ أَوْلَى وَقِيلَ الْجُنُبُ أَوْلَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَا نَصِيبَهُمَا إلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَتَيَمَّمَا فِيمَا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا قُمْقُمَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي رَحْلِهِ وَقَدْ رَصَّصَ رَأْسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَكَثِيرًا مَا يُبْتَلَى بِهِ الْحَاجُّ الْجَاهِلُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَوْدِعُ مِنْهُ الْمَاءَ اهـ. قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ اهـ. وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْحُبِّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ اهـ. وَقِيلَ الْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ حَتَّى يُغَابَ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى طَهُورًا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَهُورًا لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَشَبُّهًا بِالْمُصَلِّينَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْأَدَاءِ لِمَكَانِ الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّشَبُّهُ كَالْحَائِضِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا أَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِهِ وَقِيلَ كُفْرٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَخِفِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ تَهَاوَنَ وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَيَكْفُرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ نَظِيرَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ فَيَنْبَغِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: مُسْتَوْعِبًا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ) أَيْ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمًا مُسْتَوْعِبًا فَهُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَجَوَّزَ الزَّيْلَعِيُّ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي تَيَمَّمَ فَيَكُونُ حَالًا مُنْتَظِرَةً قَالَ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ فِيهِ رُكْنٌ لَا يَتَحَقَّقُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِهِ، وَعَلَى جَعْلِهِ حَالًا يَصِيرُ شَرْطًا خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّتِه؛ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ عَلَى مَا عُرِفَ. اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ فَرْضٌ لَازِمٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا حَتَّى لَوْ تَرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ مَوَاضِعِ التَّيَمُّمِ لَا يَجُوزُ وَنَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْهُمْ قَاضِي خَانْ وَنَصَّ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ وَصَاحِبُ الِاخْتِيَارِ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ والْوَلْوَالِجِيِّ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَشَارِحُ الْوُقَايَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ لِوَجْهٍ غَيْرِ لَازِمٍ، وَهُوَ إمَّا لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَفِي تَفْصِيلِ عَقْدِ الْفَوَائِدِ بِتَكْمِيلِ قَيْدِ الشَّرَائِدِ مَعْزِيًّا إلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَكُونُ الرُّجُوعُ مَحْذُورًا إذَا كَانَ عَقْدُ الْهِبَةِ حَقِيقِيًّا أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ فَلَا، إذْ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَتَأَدَّى مِنْ الرُّجُوعِ هُنَا أَصْلًا تَأَمَّلْ. اهـ. قُلْت عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَنْ الْوَافِي عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَيَطْلُبُهُ مِنْ رَفِيقِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِعْطَاءِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ يُعِيدُ وَهُنَا إنْ لَمْ يَرْجِعْ بِهِبَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ لِوُجُودِ الظَّنِّ بِإِعْطَائِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَاهَدَا عَلَى أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يُعْطِيهِ تَتْمِيمًا لِلْحِيلَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، فَإِنْ قُلْت قَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِ عُلَمَائِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ شَرْطٌ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّارِحُ وَعَلَيْهِ فَلَا يُتَّجَهُ التَّوْجِيهُ قُلْت حَمَلَهُ فِي عَقْدِ الْفَوَائِدِ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ رُكْنٌ قَطْعًا وَفِي الْبَدَائِعِ هَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ الرُّكْنِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ مَجِيءَ اسْمِ الْفَاعِلِ صِفَةً أَكْثَرُ مِنْ مَجِيئِهِ حَالًا إذَا عُرِفَ هَذَا فَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ مِنْ أَنَّهُ حَالٌ وَكَوْنُهُ صِفَةً احْتِمَالٌ فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى

الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ لَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالظَّاهِرُ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا خُلَاصَةَ الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ افْتِرَاضُ الِاسْتِيعَابِ وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ تَعَلَّقَ بِاسْمِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَأَنَّهُ يَعُمُّ الْكُلَّ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِيعَابُ فِي الْأَصْلِ مِنْ تَمَامِ الرُّكْنِ فَكَذَا فِي الْبَدَلِ فَيَلْزَمُهُ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ وَنَزْعُ الْخَاتَمِ أَوْ تَحْرِيكُهُ وَلَوْ تَرَكَ لَمْ يَجُزْ وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا يَلْزَمُهُ وَيَمْسَحُ الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ حَتَّى لَوْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْوُضُوءِ وَقُدِّرَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْمِرْفَقِ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ يَعْنِي اتِّفَاقًا وَيَمْسَحُ تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَفَوْقَ الْعَيْنَيْنِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْحِلْيَةِ تَبَعًا لِلدِّرَايَةِ يَمْسَحُ مِنْ وَجْهِهِ ظَاهِرَ الْبَشَرَةِ وَالشَّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ اهـ. لَكِنْ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ اللِّحْيَةِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ أَجْزَأَهُ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدِ الْأُولَى وَيُعِيدُ الضَّرْبَ لِلْيَدِ الْأُخْرَى اهـ. وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَيَدَيْهِ دُونَ ثُمَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ كَأَصْلِهِ وَيُشْتَرَطُ الْمَسْحُ بِجَمِيعِ الْيَدِ أَوْ بِأَكْثَرِهَا حَتَّى لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَرَّرَ الْمَسْحَ حَتَّى اسْتَوْعَبَ بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَمَسْحُ الْعَذَارِ شَرْطٌ عَلَى مَا حَكَى عَنْ أَصْحَابِنَا وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ يَرَى التَّيَمُّمَ إلَى الرُّسْغِ وَالْوِتْرَ رَكْعَةً ثُمَّ رَأَى التَّيَمُّمَ إلَى الْمِرْفَقِ وَالْوِتْرَ ثَلَاثًا لَا يُعِيدُ مَا صَلَّى؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا ثُمَّ سَأَلَ فَأَمَرَ بِثَلَاثٍ يُعِيدُ مَا صَلَّى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُيَمِّمَهُ وَنَوَى هُوَ جَازَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ اهـ وَالنَّاوِي هُوَ الْآمِرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَأَمَّا اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ فَلَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ الْإِلْصَاقِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْغُسْلِ فَلَزِمَ الِاسْتِيعَابُ فِي الْخَلَفِ حَسَبِ لُزُومِهِ فِي الْأَصْلِ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ (قَوْلُهُ: بِضَرْبَتَيْنِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَيَمُّمٍ أَيْ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ الضَّرْبِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ الْوَضْعُ دُونَ الضَّرْبِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الضَّرْبُ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ فَمِنْهُمْ كَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُسْتَصْفَى مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا اخْتَارُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ جَائِزًا لِمَا أَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ بِلَفْظِ الضَّرْبِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الضَّرْبِ أَنْ يَدْخُلَ الْغُبَارُ فِي خِلَالِ الْأَصَابِعِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الِاسْتِيعَابِ وَتَعَقَّبَ مَا فِي الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّ الضَّرْبَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي سَائِرِ الْآثَارِ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي بَعْضِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذِكْرِ الضَّرْبَتَيْنِ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٍ لِلْكَفَّيْنِ وَضَرْبَةٍ لِلذِّرَاعَيْنِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ فَلَيْسَ افْتِرَاضًا لِلثَّالِثَةِ لِذَاتِهَا بَلْ لِتَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ الْغُبَارُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ وَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ التَّخْلِيلُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الضَّرْبَتَيْنِ رُكْنٌ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ فَهُمَا مِنْ مَاهِيَةِ التَّيَمُّمِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الضَّرْبَةِ أَعَادَهَا وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ التُّرَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ قَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ إنَّ الضَّرْبَةَ تُجْزِئُهُ كَمَا فِي الْوُضُوءِ حَيْثُ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَفَرَّقَ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْوُضُوءِ الْحُصُولُ وَفِي التَّيَمُّمِ التَّحْصِيلُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّحْصِيلَ شَرْطٌ فَلَا يُنَافِي الْحَدَثَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْخِلَافَ وَعَلَى هَذَا فَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغُبَارَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فَمَسَحَ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ لَا يَجُوزُ يَلْزَمُ فِيهِ أَمَّا كَوْنُهُ قَوْلَ مَنْ أَخْرَجَ الضَّرْبَةَ لَا قَوْلَ الْكُلِّ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْحِلْيَةِ) أَقُولُ: فِي حِفْظِي أَنَّ الْحِلْيَةَ الَّتِي يَنْقُلُ عَنْهَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُنَافِي مَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَ مَا فِي الْمُسْتَصْفَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا لَا يَصْلُحُ دَفْعًا كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ التَّخْلِيلُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الضَّرْبِ الثَّالِثِ وَلَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّ مُحَمَّدًا يَشْتَرِطُ الْغُبَارَ فَلَوْ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ يَحْتَاجُ إلَى الثَّالِثَةِ لِيُخَلِّلَ بِالْغُبَارِ عَلَى قَوْلِهِ

[كيفية التيمم]

الضَّرْبَةِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى الْعُضْوِ مَسْحًا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ عَدَمُ اعْتِبَارِ ضَرْبَةِ الْأَرْضِ مِنْ مُسَمَّى التَّيَمُّمِ شَرْعًا، فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمَسْحُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ غَيْرُ قَالَ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: 43] وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ» أَمَّا عَلَى إرَادَةِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمَسْحَتَيْنِ كَمَا قُلْنَا أَوْ أَنَّهُ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَسْحًا أَوْ ضَرْبًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعِ الْغُبَارِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ يَجُوزُ وَلَوْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَظَهَرَ الْغُبَارُ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ وَنَوَى التَّيَمُّمَ جَازَ وَالشَّرْطُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ. اهـ. وَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَخْرَجَ الضَّرْبَةَ مِنْ مُسَمَّى التَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَهَا فَلَا يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ بِهَا فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ إذَا لَيْسَ فِيهَا ضَرْبٌ أَصْلًا لَا عَلَى الْأَرْضِ وَلَا عَلَى الْعُضْوِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ بِالضَّرْبِ الْفِعْلُ مِنْهُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ ضَرْبًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الضَّرْبِ فَمَنْ جَعَلَهُ رُكْنًا لَمْ يَعْتَبِرْ النِّيَّةَ بَعْدَهُ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ رُكْنًا اعْتَبَرَهَا بَعْدَهُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ شُلَّتْ كِلَا يَدَيْهِ يَمْسَحُ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يُيَمِّمَهُ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الْآمِرُ فَلَوْ ضَرَبَ الْمَأْمُورُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ نِيَّةِ الْآمِرِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْآمِرُ قَالَ فِي التَّوْشِيحِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ بِحَدَثِ الْآمِرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي شُجَاعٍ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِحَدَثِ الْمَأْمُورِ لِمَا أَنَّ الْمَأْمُورَ آلَةٌ وَضَرْبُهُ ضَرْبٌ لِلْآمِرِ فَالْعِبْرَةُ لِلْآمِرِ؛ وَلِهَذَا اشْتَرَطْنَا نِيَّتَهُ لَا نِيَّةَ الْمَأْمُورِ. وَفِي الْمُحِيطِ وَكَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْفُضَهُمَا فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَلَّ ثُمَّ يَضْرِبُ يَدَيْهِ ثَانِيًا عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْفُضُهُمَا فَيَمْسَحُ بِهِمَا كَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ كِلَيْهِمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَقَالَ مَشَايِخُنَا يَضْرِبُ يَدَيْهِ ثَانِيًا وَيَمْسَحُ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى ظَاهِرُ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِكَفِّهِ الْيُسْرَى بَاطِنَ يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الرُّسْغِ وَيُمِرُّ بَاطِنَ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَفْعَلُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَعْمَلِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، فَإِنَّ التُّرَابَ الَّذِي عَلَى يَدِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَسْحِ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ مَرَّةً وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ مَسْحُ بَاطِنِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ يُغْنِي عَنْهُ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ هَلْ الضَّرْبَةُ بِبَاطِنِ الْكَفَّيْنِ أَوْ بِظَاهِرِهِمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بِظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْوَاوِ أَوْ إذْ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الذَّخِيرَةِ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَفْظُهُ تَنْبِيهٌ فِي الذَّخِيرَةِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَضْرِبُ عَلَى الْأَرْضِ ظَاهِرَ كَفَّيْهِ أَوْ بَاطِنَهُمَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَضْرِبُ بَاطِنَهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى ظَاهِرِ كَفَّيْهِ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ كَفَّيْهِ إذَا ضَرَبَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ اهـ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَفِّ بَاطِنُهَا لَا ظَاهِرُهَا اهـ. وَهَكَذَا فِي التَّوْشِيحِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ أَسْطُرٍ ذَكَرَ مَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مِنْ التَّصْحِيحِ. وَسُنَنُ التَّيَمُّمِ سَبْعَةٌ إقْبَالُ الْيَدَيْنِ بَعْدَ وَضْعِهِمَا عَلَى التُّرَابِ وَإِدْبَارُهُمَا وَنَفْضُهُمَا وَتَفْرِيجُ الْأَصَابِعِ وَالتَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِهِ وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ ذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ فِي الْمُبْتَغَى وَالْبَاقِيَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الِاسْتِحْبَابَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَنْفُضُهُمَا مَرَّةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ كَالزَّيْلَعِيِّ بِاخْتِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ تَنَاثُرُ التُّرَابِ إنْ حَصَلَ بِمَرَّةٍ اكْتَفَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ يَنْفُضُ مَرَّتَيْنِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ] (قَوْلُهُ: فَيَمْسَحُ بِهِمَا كَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ) أَيْ وَيُمِرُّ بِبَاطِنِ إبْهَامِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَاهِرِ إبْهَامِهِ الْيُمْنَى قَالَ الْعَارِفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ نَقْلِهِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ وَهَذِهِ الصُّورَةَ حِكَايَةُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «تَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَكَذَا رَوَى جَابِرٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّ التُّرَابَ الَّذِي عَلَى يَدِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَسْحِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُسْتُعْمِلَ بِأَوَّلِ الْوَضْعِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُجْزِئَ فِي بَاقِي الْعُضْوِ، وَإِلَّا يُسْتَعْمَلْ بِأَوَّلِ الْوَضْعِ كَالْمَاءِ لَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ يُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الْعَارِفُ فِي شَرْحِ هَدِيَّةِ ابْنِ الْعِمَادِ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى وَقِيلَ يَمْسَحُ بِجَمِيعِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَحَلِّهِ كَالْمَاءِ اهـ. وَلِذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ وَالْأَحْسَنُ إشَارَةٌ إلَى تَجْوِيزِ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا صُورَةً لَا حَقِيقَةً وَلَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ مَرَّةً إلَخْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذْ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى) قَالَ فِي النَّهْرِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْجَوَازَ حَاصِلٌ بِأَيِّهِمَا كَانَ نَعَمْ الضَّرْبُ بِالْبَاطِنِ سُنَّةٌ (قَوْلُهُ: وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إلَخْ) أَقُولُ: رَاجَعْت الذَّخِيرَةِ فَرَأَيْته ذَكَرَ الْعِبَارَتَيْنِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْعِبَارَةَ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْرِبُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ وَظَاهِرِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا يَصِيرُ رِوَايَةً أُخْرَى بِخِلَافِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ اهـ مَا رَأَيْته فِي الذَّخِيرَةِ أَقُولُ: وَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاوِ وَحَقِيقَتُهَا تَأَمَّلْ. [سُنَنُ التَّيَمُّمِ] (قَوْلُهُ: وَسُنَنُ التَّيَمُّمِ سَبْعَةٌ إلَخْ)

وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاثَرُ التُّرَابُ كَيْ لَا يَصِيرَ مُثْلَةً اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا) يَعْنِي يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ الْحُصَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا فُلَانُ مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ فَقَالَ عَلَيْك بِالصَّعِيدِ» وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمَّارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ، وَهُوَ جُنُبٌ» رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَأَمَّا الْآيَةُ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ إلَى حَمْلِهَا عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ فَمَنَعُوا التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ إلَى أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجِمَاعِ فَجَوَّزُوهُ لِلْجُنُبِ وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَرْجِيحًا لِسِيَاقِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ حُكْمَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ ثُمَّ نَقَلَ الْحُكْمَ إلَى التُّرَابِ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ وَذَكَرَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بِقَوْلِهِ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْمُلَامَسَةِ عَلَى الْجِمَاعِ لِيَكُونَ بَيَانًا لِحُكْمِ الْحَدَثَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَمَا بَيَّنَ حُكْمَهُمَا عِنْدَ وُجُودِهِ وَالشَّافِعِيِّ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الْجِمَاعِ وَالْمَسِّ بِالْيَدِ فَقَالَ بِإِبَاحَتِهِ لِلْجُنُبِ وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مُلْحَقَانِ بِالْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَالشُّمُنِّيُّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ تَفْصِيلٌ فِي الْحَائِضِ، وَهِيَ أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ لِعَشْرَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ لَهَا التَّيَمُّمُ، وَإِنْ طَهُرَتْ لِأَقَلَّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّ الشُّمُنِّيَّ نَقَلَهُ عَنْهَا فِي تَيَمُّمِهَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَالْأَوَّلُ فِي مُطْلَقِ التَّيَمُّمِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِدَلِيلِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَالرَّجْعَةِ أَنَّ الْحَائِضَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ فَتَيَمَّمَتْ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَصَلَّتْ جَازَ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا وَهَلْ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ التَّيَمُّمِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الصَّلَاةِ بِهِ فِيهِ خِلَافٌ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ. وَلَفْظُهُ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَوَقْتُ اغْتِسَالِهَا مِنْ الْحَيْضِ حَتَّى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْحَيْضِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَيْهَا مَعَ قُدْوَةِ الِاغْتِسَالِ فِيهِ، وَلَوْ تَيَمَّمَتْ، وَصَلَّتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تُصَلِّ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الرَّجْعَةِ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفُرُوعِ لَكِنْ صَحَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تُصَلِّيَ بِهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا جَعَلَ التَّيَمُّمَ كَالِاغْتِسَالِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ قَطْعُ الرَّجْعَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْوَطْءِ تَرْكُهُ فَلَيْسَ التَّيَمُّمُ فِيهِ كَالِاغْتِسَالِ كَمَا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي الْحِلِّ لِلْأَزْوَاجِ وَفِي الْمُحِيطِ جُنُبٌ مَرَّ عَلَى مَسْجِدٍ فِيهِ مَاءٌ يَتَيَمَّمُ لِلدُّخُولِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا بِالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَيْنٌ صَغِيرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ الِاغْتِرَافَ مِنْهُ لَا يَغْتَسِلُ فِيهَا وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ يُفْسِدُهُ وَلَا يَخْرُجُ طَاهِرًا فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا وَلَوْ أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ فِي الْمَسْجِدِ قِيلَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ اعْتِبَارًا بِالدُّخُولِ وَقِيلَ يُبَاحُ؛ لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَنْزِيهَ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَفِي الدُّخُولِ تَلْوِيثَهُ بِهَا. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الْحَيْضِ تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: بِطَاهِرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَتَيَمَّمَ يَعْنِي يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةُ الصَّعِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَلَا طَيِّبَ مَعَ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِغُبَارِ ثَوْبٍ نَجَسٍ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْغُبَارُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهُ مَقْطُوعًا بِهَا حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِأَرْضٍ قَدْ أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ وَذَهَبَ أَثَرُهَا لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ مِنْهَا وَجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا أَنَّ الْجَفَافَ مُقَلِّلٌ لَا مُسْتَأْصِلٌ وَقَلِيلُهَا مَانِعٌ فِي التَّيَمُّمِ دُونَ الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْقَلِيلُ مَانِعًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ كَقَلِيلِهَا فِي الْمَاءِ مَانِعٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQزَادَ الْعَارِفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ ثَلَاثَةً أُخْرَى، وَهِيَ التَّيَامُنُ كَمَا فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَالْمُجْتَبَى وَخُصُوصُ الضَّرْبِ عَلَى الصَّعِيدِ لِمُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالضَّرْبُ أَوْلَى لِيَدْخُلَ التُّرَابُ فِي أَثْنَاءِ الْأَصَابِعِ وَأَنْ يَكُونَ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا فَهِيَ عَشْرَةٌ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الشُّمُنِّيَّ إلَخْ) أَقُولُ: نَصُّ عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ هَكَذَا وَكَمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْجُنُبِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ أَيَّامُ حَيْضِهَا عَشْرَةً، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ لَا يَجُوزُ اهـ بِحُرُوفِهِ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ غَيْرُ صَحِيحٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَادَتِهَا لِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَيْضِ اتِّفَاقًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قُرْبَانُهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَضْلًا عَنْ التَّيَمُّمِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مَا قَالَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ اهـ. أَيْ قَوْلُهُ الْآتِي إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ أَيْ عَادَتُهَا ذَلِكَ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الظَّهِيرِيَّةِ إذَا كَانَ أَيَّامُ حَيْضِهَا عَشْرَةً إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ الِانْقِطَاعُ لِلْعَادَةِ لَا لِلْأَقَلِّ فَهَذَا الْحَمْلُ بَعِيدٌ مِنْ عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا فَتَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ.

دُونَ الثَّوْبِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْأَنْجَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي جَفَّتْ نَجِسَةٌ فِي حَقِّ التَّيَمُّمِ طَاهِرَةٌ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَإِنَّمَا مُنِعَ التَّيَمُّمُ مِنْهَا لِفَقْدِ الطَّهُورِيَّةِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ بِمُطَهِّرٍ لِيَخْرُجَ مَا ذَكَرْنَا كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَلِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الْمُطَهَّرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَفِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَلَوْ تَيَمَّمَ اثْنَانِ مِنْ مَكَان وَاحِدٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا يَتَأَدَّى بِمَا الْتَزَقَ بِيَدِهِ لَا بِمَا فَضَلَ كَالْمَاءِ الْفَاضِلِ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ وُضُوءِ الْأَوَّلِ اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ تَصَوُّرَ اسْتِعْمَالِهِ وَقَصْرِهِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَمْسَحَ الذِّرَاعَيْنِ بِالضَّرْبَةِ الَّتِي مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ لَيْسَ غَيْرُ (قَوْلُهُ: مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ) يَعْنِي يَتَيَمَّمُ بِمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى: كُلُّ مَا يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ فَيَصِيرُ رَمَادًا كَالشَّجَرِ أَوْ يَنْطَبِعُ وَيَلِينُ كَالْحَدِيدِ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ اهـ. فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْأَشْجَارِ وَالزُّجَاجِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الرَّمْلِ وَغَيْرِهِ وَالْمَاءُ الْمُتَجَمِّدُ وَالْمَعَادِنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَحَالِّهَا فَيَجُوزُ لِلتُّرَابِ الَّذِي عَلَيْهَا لَا بِهَا نَفْسِهَا وَاللُّؤْلُؤُ، وَإِنْ كَانَ مَسْحُوقًا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ حَيَوَانٍ فِي الْبَحْرِ وَالدَّقِيقُ وَالرَّمَادُ وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَالسَّبْخَةِ الْمُنْعَقِدَةِ مِنْ الْأَرْضِ دُونَ الْمَاءِ وَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْعَقِيقِ وَالْبَلْخَشِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزَّبَرْجَدِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَدَمُ الْجَوَازِ بِالْمَرْجَانِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالتَّوْشِيحِ وَالْعِنَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالتَّبْيِينِ الْجَوَازُ فَكَانَ الْأَوَّلُ سَهْوًا وَأَمَّا الْمِلْحُ، فَإِنْ كَانَ مَائِيًّا فَلَا يَجُوزُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ جَبَلِيًّا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَصُحِّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ بِهِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَيَجُوزُ بِالْآجُرِّ الْمَشْوِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ مُسْتَحْجَرٌ وَكَذَا بِالْخَزَبِ الْخَالِصِ إلَّا إذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَبْغٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَذَا أَطْلَقَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ التُّرَابُ إذَا خَالَطَهُ شَيْءٌ مَا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَلَبَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُفَصِّلَ فِي الْمُخَالِطِ لِلنِّيءِ بِخِلَافِ الْمَشْوِيِّ لِاحْتِرَاقِ مَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَإِذَا احْتَرَقَتْ الْأَرْضُ بِالنَّارِ إنْ اخْتَلَطَتْ بِالرَّمَادِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَالِبُ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا فَلَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْأَرْضِ الْمُحْتَرِقَةِ فِي الْأَصَحِّ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَالظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَيَمَّمَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنْ كَانَ مَسْبُوكًا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوكًا، وَكَانَ مُخْتَلِطًا بِالتُّرَابِ وَالْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ اهـ. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا الطِّينَ يُلَطِّخُهُ بِثَوْبِهِ فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَيَمَّمُ بِالطِّينِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ لَا اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْهُ وَالطِّينُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ إلَّا إذَا صَارَ مَغْلُوبًا بِالْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَيَّدَ الْجَوَازَ بِالطِّينِ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ لِلتُّرَابِ الَّذِي عَلَيْهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ قَيَّدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنْ يَسْتَبِينَ أَثَرَ التُّرَابِ بِمَدِّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَبِينُ لَا يَجُوزُ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ حَسَنٌ فَلْيُحْفَظْ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ. (قَوْلُهُ: فَكَانَ الْأَوَّلُ سَهْوًا) أَقُولُ: الَّذِي حَرَّرَهُ صَاحِبُ الْمِنَحِ عَدَمُ الْجَوَازِ بِالْمَرْجَانِ لِشَبَهِهِ بِالنَّبَاتِ لِكَوْنِهِ أَشْجَارًا نَابِتَةً فِي قَعْرِ الْبَحْرِ قَالَ فَلَا سَهْوَ فِي كَلَامِ الْكَمَالِ بَلْ الصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَأَطَالَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَأَرْجَعَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نَقَلَ عِنْدَ كَلَامِ الْكَمَالِ إلَى كَلَامِهِمْ قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَالْمُرَادُ صِغَارُ اللُّؤْلُؤِ كَمَا فَسَّرَ بِهِ فِي الْآيَةِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مَا أَرَادَهُ فِي التَّوْشِيحِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَشْوِيِّ لِاحْتِرَاقِ مَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ) كَذَا فِيمَا رَأَيْنَا مِنْ النُّسَخِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ بِالْآجُرِّ الْمَشْوِيِّ ثُمَّ رَاجَعْت فَتْحَ الْقَدِيرِ فَإِذَا فِيهِ لِاحْتِرَاقِ مَا فِيهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَظَهَرَ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ سَقْطًا بِسَبَبِهِ اخْتَلَّ الْكَلَامُ (قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ الْجَوَازَ بِالطِّينِ الْوَلْوَالِجِيُّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِي اسْتِفَادَةِ تَقْيِيدِ الْجَوَازِ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ إذْ عِبَارَةُ الْوَلْوَالِجِيِّ الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ فِي رَدْغَةِ طِينٍ وَلَمْ يَجِدْ الصَّعِيدَ فَنَفَضَ لِبْدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ وَتَيَمَّمَ بِغُبَارِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غُبَارٌ لَطَّخَ ثَوْبَهُ مِنْ الطِّينِ حَتَّى إذَا جَفَّ تَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَحْصِيلُ التُّرَابِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْمَاءِ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ لَا يَتَيَمَّمُ بِالطِّينِ مَا لَمْ يَجِفَّ لَكِنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالتُّرَابِ أَوْ بِالرَّمْلِ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ خَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ تَيَمَّمَ بِالطِّينِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِالطِّينِ عِنْدَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ خَوْفِ ذَهَابِ الْوَقْتِ كَيْ لَا يَتَلَطَّخَ بِوَجْهِهِ فَيَصِيرُ بِمَعْنَى الْمُثْلَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّعِيدِ أَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا كَمَا لَوْ نَفَضَ ثَوْبَهُ وَتَيَمَّمَ بِغُبَارِهِ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ عِنْدَهُ

وَصَاحِبُ الْمُبْتَغَى بِأَنْ يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا كَيْ لَا يَتَلَطَّخَ وَجْهُهُ فَيَصِيرَ بِمَعْنَى الْمُثْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَوْ أَنَّ الْحِنْطَةَ أَوْ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَتَيَمَّمَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ يَسْتَبِينُ أَثَرُهُ بِمَدِّهِ عَلَيْهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَبِينُ لَا يَجُوزُ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ حُكْمُ التَّيَمُّمِ عَلَى جُوخَةٍ أَوْ بِسَاطٍ عَلَيْهِ غُبَارٌ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِقِلَّةِ وُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ فِي نَحْوِ الْجُوخَةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَجُعِلَ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ «وَجُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَالصَّعِيدُ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ قَالَ الزَّجَّاجُ لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَفْهُومَهُ وَجَبَ تَعْمِيمُهُ وَتَعَيَّنَ حَمْلُ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّعِيدَ بِالتُّرَابِ عَلَى الْأَغْلَبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهَا لِلْجِنْسِ فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا جُعِلَتْ مَسْجِدًا وَمَا جُعِلَ مَسْجِدًا هُوَ الَّذِي جُعِلَ طَهُورًا وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ «إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك الْأَرْضَ» وَلَمْ يَقُلْ التُّرَابَ وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ عَلَى الْجِدَارِ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ حِيطَانُ الْمَدِينَةِ مَبْنِيَّةٌ مِنْ حِجَارَةٍ سُودٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الطَّهَارَةُ بِهَذَا التَّيَمُّمِ لَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا رِوَايَةُ «وَتُرَابُهَا طَهُورٌ» فَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّ الثَّابِتَ وَتُرْبَتُهَا وَلَا يُرَادُ بِهَا التُّرَابُ بَلْ مَكَانُ تُرْبَتِهَا مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ التُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَلَوْ سَلَّمَ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَمَلٌ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا يُخَصِّصُ رِوَايَةَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ الْفَرْدِ مِنْ حُكْمِ الْعَامِّ، وَهَذَا رَبْطُ حُكْمِ الْعَامِّ نَفْسِهِ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَعْنَاهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْجُمْهُورَ أَنَّهُ إذْ وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا لَمْ يُخَصِّصْهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ كَقَوْلِهِ «أَيُّمَا أَهَاب» وَكَقَوْلِهِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» لَنَا لَا تَعَارُضَ فَالْعَمَلُ بِهِمَا وَاجِبٌ، فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ مُخَصِّصٌ عِنْدَ قَائِلِيهِ فَذِكْرُهَا يُخْرِجُ غَيْرَهَا قُلْنَا أَمَّا عَلَى أَصْلِنَا فَظَاهِرٌ وَمَنْ أَجَازَ الْمَفْهُومَ فَبِغَيْرِ اللَّقَبِ اهـ. وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أُصُولِهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَقَوْلُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ النَّصِّ عَلَى بَعْضِ أَشْخَاصِ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] اهـ. وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُمَا مِنْهُ وَقَوْلُهُمْ إنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ إذَا اقْتَرَنَ بِقَرِينَةٍ، وَهِيَ هُنَا مَوْجُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ قُلْنَا إنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَقْعٌ وَبِهِ بِلَا عَجْزٍ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِنْسِ الْأَرْضِ غُبَارٌ حَتَّى لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى حَجَرٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ يَجُوزُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] قُلْنَا مِنْ لِلِابْتِدَاءِ فِي الْمَكَانِ إذْ لَا يَصِحُّ فِيهَا ضَابِطُ التَّبْعِيضِيَّةِ، وَهُوَ وَضْعُ بَعْضٍ مَوْضِعَهَا وَالْبَاقِي بِحَالِهِ إذْ لَوْ قِيلَ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ بَعْضُهُ أَفَادَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ جَعْلُ الصَّعِيدِ مَمْسُوحًا وَالْعُضْوَيْنِ آلَتُهُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا وَلَا يَصِحُّ فِيهَا ضَابِطُ الْبَيَانِيَّةِ، وَهُوَ وَضْعُ الَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQمُتَعَلِّقٌ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالرَّمْلِ وَلَمْ يُوجَدْ اهـ. كَلَامُهُ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُ بِالطِّينِ جَائِزٌ إلَخْ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَهُ كَانَ فِي مَعْنَى الْمُثْلَةِ وَجَبَ تَأْخِيرُ فِعْلِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لِئَلَّا يُبَاشِرَ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمُثْلَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَا أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمُتُونِ جَوَازَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَبِمَا سَبَقَ ظَهَرَ لَك صِحَّةُ مَا بَحَثْته فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْجُوخَةِ وَأَنَّهُ عَلَى التَّفْصِيلِ بِحُصُولِ الْغُبَارِ وَعَدَمِهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ إنِّي رَأَيْت الشَّيْخَ عُمَرَ بْنَ نُجَيْمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي النَّهْرِ ذَكَرَ عَيْنَ مَا ذَكَرْته حَيْثُ قَالَ ثُمَّ إنِّي رَاجَعْت الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ فَإِذَا الَّذِي فِيهَا وَنَقَلَ عِبَارَتَهُ الْمُتَقَدِّمَةَ ثُمَّ قَالَ فَتَوَهَّمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَوْ فَعَلَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ بِمَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْزَائِهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ إنْ اسْتَبَانَ أَثَرُهُ جَازَ، وَإِلَّا لَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ خُصُوصًا فِي ثِيَابِ ذَوِي الْأَشْغَالِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْمُخْتَارِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الْمُسَمَّى بِالْحَقَائِقِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ اهـ. وَأَقُولُ: قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْحَاوِي غَرِيبٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَوْلُهُ «وَجُعِلَ تُرْبَتَهَا لَنَا طَهُورًا» مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ وَتُرَابُهَا طَهُورًا إلَخْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ هُنَا تُرَابَهَا لَا تُرْبَتَهَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُمْ إنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ) بِجَرِّ قَوْلٍ عَطْفًا عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَسْبُوكِ الْوَاقِعِ

مَوْضِعَهَا مَعَ جُزْءٍ لِيَتِمَّ صِلَةُ الْمَوْصُولِ كَمَا فِي {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج: 30] أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِثْلُهُ تَوَضَّأْت مِنْ النَّهْرِ أَيْ ابْتِدَاءً الْأَخْذُ لِلْوُضُوءِ مِنْ النَّهْرِ وَفِي الْكَشَّافِ، فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُمْ إنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْت بِرَأْسِي مِنْ الدُّهْنِ وَمِنْ الْمَاءِ وَمِنْ التُّرَابِ إلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ قُلْت هُوَ كَمَا تَقُولُ وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنْ الْمِرَاءِ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ النِّسَاءِ وَاخْتَارَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ أَنَّهَا لِتَبْيِينِ جِنْسِ مَا تَمَاسُّهُ الْآلَةُ الَّتِي بِهَا يَمْسَحُ الْعُضْوَيْنِ عَلَى أَنَّ فِي الْآيَةِ شَيْئًا مُقَدَّرًا طُوِيَ ذِكْرُهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ إيجَازِ الْحَذْفِ الَّذِي هُوَ بَابٌ مِنْ الْبَلَاغَةِ التَّقْدِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ امْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِمَّا مَسَّهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّعِيدِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ اسْتِعْمَالَ جُزْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ فِي الْعُضْوَيْنِ قَطْعًا اهـ. وَقَوْلُهُ: وَبِهِ بِلَا عَجْزٍ أَيْ بِالنَّقْعِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِلَا عَجْزٍ عَنْ التُّرَابِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ (تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: أَنَّ الصَّعِيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ ظَرْفُ مَكَان عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ يَشْتَرِطُ التُّرَابَ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الْبَاءِ أَيْ بِصَعِيدٍ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ. الثَّانِي: أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى التَّيَمُّمِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَيَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ لِكَوْنِهِ عَبَثًا الثَّالِثُ ذَكَرَ فِي الْغَايَةِ أَنَّ هَاهُنَا لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ دُرَّةً وَنَظَرَ إلَيْهَا فَصَارَتْ مَاءً ثُمَّ تَكَاثَفَ مِنْهُ وَصَارَ تُرَابًا وَتَلَطَّفَ مِنْهُ فَصَارَ هَوَاءً وَتَلَطَّفَ مِنْهُ فَصَارَ نَارًا فَكَانَ الْمَاءُ أَصْلًا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِالْمَعْدِنِ كَالْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلْمَاءِ وَحْدَهُ حَتَّى يَقُومَ مَقَامَهُ وَلَا لِلتُّرَابِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ فَلَيْسَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يَقُومَ مَقَامَهُ. (قَوْلُهُ: نَاوِيًا) أَيْ يَتَيَمَّمُ نَاوِيًا وَهِيَ مِنْ شُرُوطِهِ وَالنِّيَّةُ وَالْقَصْدُ الْإِرَادَةُ الْحَادِثَةُ؛ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ لِلَّهِ تَعَالَى نَاوٍ وَلَا قَاصِدٌ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَا تَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ أَوْ الطَّهَارَةُ أَوْ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ أَوْ رَفْعُ الْحَدَثِ أَوْ الْجَنَابَةِ وَمَا وَقَعَ فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي التَّيَمُّمِ هِيَ نِيَّةُ التَّطْهِيرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يُنَافِيهِ لِتَضَمُّنِهَا نِيَّةَ التَّطْهِيرِ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِنِيَّةِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شُرِعَتْ لِلصَّلَاةِ وَشُرِطَتْ لِإِبَاحَتِهِمَا فَكَانَتْ نِيَّتُهَا نِيَّةَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ لِتَعْلِيمِ الْغَيْرِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصَحِّ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبَةِ الْمَقْصُودَةِ أَنْ لَا تَجِبَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ حَتَّى لَوْ تَلَاهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ آخَرَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ إذَا وَجَبَتْ فِي وَقْتٍ نَاقِصٍ لَا تُؤَدَّى فِي نَاقِصٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَيْسَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ مِنْ جِهَتَيْنِ وَالْمُرَادُ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا أَنَّهَا شُرِعَتْ ابْتِدَاءً تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْمُرَادُ بِمَا فِي الْأُصُولِ أَنَّ هَيْئَةَ السُّجُودِ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا عِنْدَ التِّلَاوَةِ بَلْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّوَاضُعِ الْمُحَقِّقِ لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالَفَةِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ فَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَخْتَصُّ إقَامَةُ الْوَاجِبِ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ بَلْ يَنُوبُ الرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفَوْرِ مَنَابَهَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ تَبَعًا لِلْخَبَّازِيَّةِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ مَسِّهِ أَوْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ ـــــــــــــــــــــــــــــQمُضَافٍ إلَى تَسْلِيمٍ أَيْ وَتَسْلِيمُ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ تَوَضَّأْت مِنْ النَّهْرِ) أَيْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: 43] الْآيَةُ فِي كَوْنِ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ فِي الْمَكَانِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّعِيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ ظَرْفُ مَكَان إلَخْ) أَقُولُ: تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَوْ الشَّرْعِيَّ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَكُونُ الْمَعْنَى اقْصِدُوا وَجْهَ الْأَرْضِ فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفٌ نَظِيرُ قَوْلِك قَصَدْت دَارَ زَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ كَمَا نَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكَان؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بَلْ هُوَ اسْمُ مَكَان نَعَمْ يَجُوزُ فِي اسْمِ الْمَكَانِ النَّصْبُ وَلَكِنْ يَكُونُ نَصْبُهُ نَصْبُ الْمَفْعُولِ بِهِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ لَا نَصْبُ الظَّرْفِ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ غَيْرَ الْمُشْتَقِّ مِنْ اسْمِ الْحَدَثِ يَتَعَدَّى إلَيْهِ كُلُّ فِعْلٍ وَالْبَيْتُ وَالدَّارُ مَثَلًا فِي قَوْلِك دَخَلْت الْبَيْتَ أَوْ الدَّارَ لَيْسَا كَذَلِكَ فَلَا يُقَالُ نِمْت الْبَيْتَ وَلَا قَرَأْت الدَّارَ مَثَلًا كَمَا يُقَالُ نِمْت أَمَامَك وَقَرَأْت عِنْدَك فَهُوَ حِينَئِذٍ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّوَسُّعِ بِإِجْرَاءِ اللَّازِمِ مَجْرَى الْمُتَعَدِّي لَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَمِثْلُهُ وَجْهُ الْأَرْضِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: إنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى التَّيَمُّمِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَكَذَا الْغُسْلُ عَلَى الْغُسْلِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: أَوْ الطَّهَارَةَ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ) مَنْصُوبَاتٌ بِالْعَطْفِ عَلَى خَبَرِ يَكُونُ

دَفْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ أَوْ السَّلَامِ أَوْ رَدِّهِ أَوْ الْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ وَالْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَكِنْ يَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ هَكَذَا أَطْلَقُوا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْمَنْعَ وَفِي الْمُحِيطِ أُطْلِقَ الْجَوَازُ وَسَوَّى بَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إذَا تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ فِيهَا، فَإِنْ تَيَمَّمَ لَهَا، وَهُوَ جُنُبٌ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ يُفَصِّلَا فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبَعٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الشَّرْطُ كَوْنُ الْمَنْوِيِّ عِبَادَةً مَقْصُودَةً أَوْ جُزْأَهَا، وَهُوَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ فَالْقِرَاءَةُ جُزْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ الْمَقْصُودَةِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ جُنُبًا وُجِدَ الشَّرْطُ الْأَخِيرُ، وَهُوَ عَدَمُ حِلِّ الْفِعْلِ إلَّا بِالطَّهَارَةِ فَكَمُلَ الشَّرْطُ فَجَازَتْ الصَّلَاةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا عَدِمَ الشَّرْطَ الْأَخِيرَ وَلَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ بِهِ وَخَرَجَ التَّيَمُّمُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا أَمَّا إنْ كَانَ لِلْحَدَثِ فَظَاهِرٌ لِفَوَاتِ الشَّرْطَيْنِ، وَأَمَّا لِلْجَنَابَةِ فَهُوَ، وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْأَخِيرُ، وَهُوَ عَدَمُ الْحِلِّ إلَّا أَنَّهُ عَدَمُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كَوْنُهُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً أَوْ جُزْأَهَا وَخَرَجَ التَّيَمُّمُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ وَلَا يُقَالُ إنَّ دُخُولَ الْمَسْجِدِ عِبَادَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ بَلْ لِلِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْعِبَادَةُ هِيَ الِاعْتِكَافُ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ تَبَعٌ لَهُ فَكَانَتْ عِبَادَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِسَجْدَةِ الشُّكْرِ لَا يُصَلِّي بِهِ الْمَكْتُوبَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصَلِّيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا قُرْبَةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنْ قُلْت ذَكَرْت أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ لِرَدِّ السَّلَامِ لَا تُصَحِّحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ مَعَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ» عَلَى مَا أَسْلَفْته فِي الْأَوَّلِ، فَالْجَوَابُ إنَّ قَصْدَ رَدِّ السَّلَامِ بِالتَّيَمُّمِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ نَوَى عِنْدَ فِعْلِ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمَ لَهُ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ نَوَى مَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّيَمُّمُ ثُمَّ يَرُدُّ السَّلَامَ إذَا صَارَ طَاهِرًا اهـ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لِلسَّلَامِ كَمَا زَعَمَهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلسَّلَامِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلسَّلَامِ أَوْ لِرَدِّهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ فَعُلِمَ أَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِهِ حُكْمٌ آخَرُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِنَّهُ تَيَمَّمَ لِلسَّلَامِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ اهـ. وَعَلَى أُصُولِنَا لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْحَمْلِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا مَا يَفُوتُ لَا إلَى خَلْفٍ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ بَلْ عِنْدَنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَيْسَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي فِعْلِهِ وَحِلِّهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْمُحْدِثِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِدُخُولِ مَسْجِدٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَا لِلنَّوْمِ فِيهِ اهـ. وَتَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَوَى مَعَهُ مَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّيَمُّمُ خِلَافُ الظَّاهِرِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُمْ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِالْمُسَافِرِ أَمَّا إذْ يَتَيَمَّمُ لَهَا مَعَ وُجُودِهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ، فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ يَبْطُلُ بِفَرَاغِهِ مِنْهَا وَمِمَّا تَقَدَّمَ عُلِمَ أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ لَا تَكْفِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَوْ الْإِسْلَامُ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي عَدُّ الْإِسْلَامِ هُنَا كَمَا وَقَعَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ لَكِنْ لَا يُصَلِّي بِهِ كَغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادُ الْعَدَمِ أَهْلِيَّتَهُ لِلنِّيَّةِ اهـ. أَقُولُ: سَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهِ فَعَدُّهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ خَرْأَهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ زَادَهُ فِي الضَّابِطِ لِإِدْخَالِ الْقِرَاءَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ وُقُوعُ الْقِرَاءَةِ جُزْءَ عِبَادَةٍ مِنْ وَجْهٍ لَا يُنَافِي وُقُوعَهَا عِبَارَةً مَقْصُودَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا سُجُودَ التِّلَاوَةِ فِي قَوْلِهِمْ عِبَادَةً مَقْصُودَةً مَعَ أَنَّ السُّجُودَ جُزْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ الصَّلَاةُ. (قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا وَأَنَّى يُتَخَيَّلُ مَا ذُكِرَ مَعَ قَوْلِهِ ذَكَرْت إلَخْ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلسَّلَامِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ لَا تُصَحِّحُهُ أَيْ الصَّلَاةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ اهـ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُهُ الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ السُّؤَالِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بَلْ عِنْدَنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ أَعَمُّ مِنْ وَجْهٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لِاجْتِمَاعِ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي رَدِّ السَّلَامِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِدُونِ طَهَارَةٍ وَيَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ وَانْفِرَادُ الْأُولَى فِي مِثْلِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ وَلَا تَحِلُّ بِدُونِ طَهَارَةٍ وَانْفِرَادُ الثَّانِيَةِ فِي مِثْلِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْمُحْدِثِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ بِدُونِ طَهَارَةٍ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنْ يَفُوتَ لَا إلَى خَلَفٍ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُبْتَغَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا فِي الْمُبْتَغَى إنْ كَانَ مَعْنَاهُ لِلْجُنُبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ امْتَنَعَ هَذَا التَّعْلِيلُ اهـ. أَقُولُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُبْتَغَى مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ يُعَيِّنُ حَمْلَهُ عَلَى الْمُحْدِثِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّهْرِ

[نواقض التيمم]

لِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا فِي النَّوَادِرِ وَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ نِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ هِيَ مَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الصَّعِيدِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْمَسْحُ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا غَيْرَ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الصَّعِيدِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ {فَلَمْ تَجِدُوا} [النساء: 43] فَفِيهِ الْإِنْبَاءُ عَنْ الْمَشْرُوطِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ أَجْزَأَهُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصًّا كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى نِيَّةِ التَّطْهِيرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَهُمْ يَقَعُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُمَيِّزُ بِالنِّيَّةِ كَصَلَوَاتِ الْفَرَائِضِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ لِيَقَعَ التَّيَمُّمُ طَهَارَةً فَإِذَا وَقَعَ طَهَارَةً جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لَا غَيْرُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ يَجُوزُ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِهِ بِخِلَافِ الصَّلَوَاتِ كَذَا فِي الْخَبَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدَ بِهِ الْوُضُوءَ مَعْنَاهُ يُرِيدُ بِهِ طَهَارَةَ الْوُضُوءِ لِمَا عَلِمْت مِنْ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ التَّطْهِيرِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ بَقِيَ عَلَى جَسَدِ الْجُنُبِ لُمْعَةٌ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَيَمَّمَ لَهُمَا جَازَ وَيَنْوِي لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى لِأَحَدِهِمَا يَبْقَى الْآخَرُ بِلَا نِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: فَلَغَا تَيَمُّمُ كَافِرٍ لَا وُضُوءُهُ) يَعْنِي فَلِأَجْلِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي التَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُ كَافِرٍ وَلِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ وُقُوعِ التَّيَمُّمِ صَحِيحًا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا تَيَمَّمَ يَنْوِي الْإِسْلَامَ جَازَ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ تَيَمُّمَ الْكَافِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا لِلصَّلَاةِ وَالْإِسْلَامِ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ صَحِيحٌ لِلْإِسْلَامِ لَا لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً تَصِحُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ وَلَنَا أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلنِّيَّةِ فَمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تُصَيِّرُ الْفِعْلَ مُنْتَهِضًا مُسَبِّبًا لِلثَّوَابِ وَلَا فِعْلَ يَقَعُ مِنْ الْكَافِرِ كَذَلِكَ حَالُ الْكُفْرِ؛ وَلِذَا صَحَّحْنَا وُضُوءَهُ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ الشَّافِعِيُّ لِمَا افْتَقَرَ إلَيْهَا عِنْدَهُ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ. [نَوَاقِض التَّيَمُّم] (قَوْلُهُ: وَلَا تَنْقُضُهُ رِدَّةٌ) أَيْ لَا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ رِدَّةٌ لِمَا بَيَّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَنَا شَرْطُ وُقُوعِ التَّيَمُّمِ صَحِيحًا بَيَّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطَ بَقَائِهِ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْمُسْلِمُ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ وَقَعَ طَهَارَةً صَحِيحَةً فَلَا يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ أَثَرَهَا فِي إبْطَالِ الْعِبَادَاتِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ طَهُورٌ، وَهِيَ لَا تُبْطِلُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ كَمَا لَا تُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَاحْتِمَالُ الْحَاجَةِ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالثَّابِتُ بِيَقِينٍ يَبْقَى لِوَهْمِ الْفَائِدَةِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ طَهَارَةً مَعَ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ طَهَارَةً لِلْحَاجَةِ وَالْحَاجَةُ زَائِلَةٌ لِلْحَالِ بِيَقِينٍ وَغَيْرُ الثَّابِتِ بِيَقِينٍ لَا يَثْبُتُ لِوَهْمِ الْفَائِدَةِ لِمَا أَنَّ رَجَاءَ الْإِسْلَامِ مِنْهُ عَلَى مُوجِبِ دِيَانَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ مُنْقَطِعٌ وَالْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْعَدِمٌ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ كَذَا قَرَّرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ نَفْسُهُ لَا يُنَافِيهِ الْكُفْرُ، وَإِنَّمَا يُنَافِي شَرْطَهُ، وَهُوَ النِّيَّةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ وَتَحَقَّقَ التَّيَمُّمُ كَذَلِكَ فَالصِّفَةُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَهُ لَوْ اُعْتُبِرَتْ كَنَفْسِهِ لَا يَرْفَعُهَا الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ حِينَئِذٍ حُكْمًا لَيْسَ هُوَ النِّيَّةَ بَلْ الطَّهَارَةَ تَنْبِيهٌ مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ فِي الْإِحْرَامِ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَحْرَمَ لِلْحَجِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَدَّدَ الْإِحْرَامَ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَقَالَ إنَّ قَوْلَ الْمُبْتَغَى مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْمَاءَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ أَوْ دَاخِلُهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ عِبَارَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَكَذَا لِلنَّوْمِ فِيهِ. اهـ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَكَذَا لِلنَّوْمِ فِيهِ مَعْنَاهُ إذَا احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ يَتَيَمَّمُ لِلنَّوْمِ فِيهِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَالثَّانِيَةُ فِيمَا إذَا كَانَ خَارِجَهُ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ عَنْ الْمُحِيطِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَمَا ادَّعَاهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ جَوَازِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَا لَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَفُوتُ إلَى خَلَفٍ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُبْتَغَى مُحْتَمِلَةٌ كَمَا عَلِمْت وَكَيْفَ وَأَصْلُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ بِالنَّصِّ وَمَا يَخَافُ فَوْتَهُ لَا إلَى بَدَلٍ فِيهِ مَعْنَى فَقْدِ الْمَاءِ حُكْمًا أَمَّا مَا سِوَاهُ فَلَا فَقْدَ فِيهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ الْبُرْهَانُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهَا: لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا يَجُوزُ وَيُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَتَحْقِيقُهُ) أَيْ تَحْقِيقُ مَا قَرَّرَهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ أَحْسَنُ مِمَّا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ ثَوَابَ الْعَمَلِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ زَوَالَ الْحَدَثِ كَمَنْ تَوَضَّأَ رِيَاءً، فَإِنَّ الْحَدَثَ يَزُولُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُثَابُ عَلَى وُضُوئِهِ. اهـ. لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ صَلَّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ يُعِيدُهَا وَلَوْ حَبَطَ الثَّوَابُ لَا الْعَمَلُ لَمَا أَعَادَ الصَّلَاةَ إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَوُضُوئِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ مَا هُوَ عِبَادَةٌ لَا غَيْرُ

يَجُوزُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلِمًا بِالْإِحْرَامِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَبَّى وَلَمْ يَشْهَدْ الْمَنَاسِكَ أَمَّا إذَا لَبَّى وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْكَافِرَ مَتَى فَعَلَ عِبَادَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا كَالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ وَالصَّدَقَةِ وَمَتَى فَعَلَ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِشَرِيعَتِنَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَسَائِلِ كَالتَّيَمُّمِ لَا يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَقَاصِدِ أَوْ مِنْ الشَّعَائِرِ كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ وَالْحَجِّ عَلَى الْهَيْئَةِ الْكَامِلَةِ وَالْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ. (قَوْلُهُ: بَلْ نَاقِضُ الْوُضُوءِ) أَيْ بَلْ يَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ الْحَقِيقِيُّ وَالْحُكْمِيُّ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حَالَ الْخَلَفِ دُونَ حَالِ الْأَصْلِ فَمَا كَانَ مُبْطِلًا لِلْأَعْلَى فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لِلْأَدْنَى وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُقَالَ وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْأَصْلِ وُضُوءًا كَانَ أَوْ غُسْلًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَقَضَ الْغُسْلَ نَقَضَ الْوُضُوءَ فَالْعِبَارَتَانِ عَلَى السَّوَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ عَنْ جَنَابَةٍ وَأَحْدَثَ حَدَثًا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ يَنْتَقِضُ بِاعْتِبَارِ الْحَدَثِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الْحَدَثِ لَا أَحْكَامُ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ مُحْدِثٌ وَلَيْسَ بِجُنُبٍ. (قَوْلُهُ: وَقُدْرَةُ مَاءٍ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْكَافِي الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ قَيَّدْنَا بِالْكَافِي؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فَلَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ مَاءً فَتَوَضَّأَ بِهِ فَنَقَصَ عَنْ إحْدَى رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَوْ مَرَّةً لَا يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ وَجَدَ مَاءً يَكْفِيهِ إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَرَّةِ كَفَاهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَيَّدْنَا بِالْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْهَا فَهُوَ مَشْغُولٌ بِهَا، وَهُوَ كَالْمَعْدُومِ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَفِي قَوْلِهِ وَقُدْرَةُ مَاءٍ إشَارَتَانِ الْأُولَى إفَادَةُ أَنَّ الْوُجُودَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ أُبِيحَ لَهُ الْمَاءُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِلْقُدْرَةِ وَلَوْ عُرِضَ عَلَى الْمُعْسِرِ الْحَانِثِ الرَّقَبَةُ يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْقُدْرَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ إذَا تَيَمَّمَ لِلْمَرَضِ ثُمَّ زَالَ مَرَضُهُ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَمَنْ تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ ثُمَّ زَالَ الْبَرْدُ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْتَغَى فَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْمَرَضِ أَوْ لِلْبَرْدِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ثُمَّ فَقَدَ الْمَاءَ ثُمَّ زَالَ الْمَرَضُ أَوْ الْبَرْدُ يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ مَوْجُودًا فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ وُجُودُهُ التَّيَمُّمَ نَقَضَ وُجُودُهُ التَّيَمُّمَ وَمَا لَا فَلَا فَلَوْ قَالُوا وَيَنْقُضُهُ زَوَالُ مَا أَبَاحَ التَّيَمُّمُ لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ وَإِسْنَادُ النَّقْضِ إلَى زَوَالِ مَا أَبَاحَ التَّيَمُّمَ إسْنَادٌ مَجَازِيٌّ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ حَقِيقَةٌ إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ السَّابِقُ بِخُرُوجِ النَّجَسِ وَزَوَالُ الْمُبِيحِ شَرْطٌ لِعَمَلِ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَمَلُهُ عِنْدَهُ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ ذَلِكَ التُّرَابِ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ أَثَرِهِ، وَهُوَ طَهَارَةُ الْمُتَيَمِّمِ لَكِنْ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَطْعَ الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ طَهُورِيَّةُ التُّرَابِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ مُقْتَصِرًا، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذْ لَوْ اسْتَنَدَ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ السَّابِقَةِ وَمَا قِيلَ إنَّهُ وَصْفٌ يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَيَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ لَا يُفِيدُ دَفْعًا وَلَا يَمَسُّهُ وَالْأَوْجَهُ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيَمَسَّهُ بَشَرَتَهُ وَفِي إطْلَاقِهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ تَخْصِيصِ النَّاقِضِيَّةِ بِالْوِجْدَانِ خَارِجَ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُفِيدُ إلَّا انْتِهَاءَ الطَّهُورِيَّةِ بِوَجْدِ الْمَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِهَاءِ الطَّهُورِيَّةِ انْتِهَاءُ الطَّهَارَةِ الْحَاصِلَةِ بِهِ كَالْمَاءِ تَزُولُ عَنْهُ الطَّهُورِيَّةُ بِالِاسْتِعْمَالِ وَتَبْقَى الطَّهَارَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَحَبَطَتْ ثَوَابًا وَعَمَلًا فَيَلْزَمُ إعَادَتُهَا، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَطَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ شُرِطَتْ لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَحْضَةٍ لَكِنَّهُ يَصِيرُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ فَالرِّدَّةُ تُحْبِطُ كَوْنَ الْوُضُوءِ عِبَادَةً لَا كَوْنَهُ طَهَارَةً فَيَبْقَى الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا طَهَارَتَانِ تَصِحُّ بِهِمَا الصَّلَاةُ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. فَوَائِدُ. (قَوْلُهُ: فَالْعِبَارَتَانِ عَلَى السَّوَاءِ) فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ نَقَضَ الْوُضُوءَ كُلُّ شَيْءٍ نَقَضَ الْغُسْلَ لَكِنْ لَا يَنْقُضُ الْغُسْلَ كُلُّ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَنْقُضُهُ الْحَدَثُ، وَهُوَ لَا يَنْقُضُ الْغُسْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ عَنْ جَنَابَةٍ إلَخْ فَقَدْ نَقَضَ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَنْقُضْ الْجَنَابَةَ فَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ وَيَنْقُضُهُ أَيْ التَّيَمُّمَ نَاقِضُ الْوُضُوءِ كُلِّيًّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَظَهَرَ بِهَذَا أَوْلَوِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْأَصْلِ بَدَلًا عَنْ الْوُضُوءِ لِشُمُولِهِ التَّيَمُّمَ عَنْ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ كَذَا فِي الْمِنَحِ وَنَحْوِهِ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَلَوْ قَالُوا وَيَنْقُضُهُ زَوَالُ مَا أَبَاحَ التَّيَمُّمُ) أَيْ بَدَلُ قَوْلِهِمْ وَقُدْرَةُ مَاءٍ لَكَانَ أَظْهَرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ) قَالَ فِي الدُّرَرِ وَعَلَيْهِ لَوْ تَيَمَّمَ لِبُعْدِهِ مِيلًا

الْحَاصِلَةُ بِهِ وَالْجَوَابُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ طَهُورِيَّتُهُ مُؤَقَّتَةٌ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِهِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَاءِ فَثَبَتَ بِهِ الطَّهَارَةُ الْمُؤَقَّتَةُ الْحَاصِلَةُ عَلَى صِفَةِ الْمُطَهِّرِ فَإِذَا زَالَتْ طَهُورِيَّتُهُ زَالَتْ طَهَارَتُهُ وَالْمَاءُ لَمَّا كَانَ مُطَهِّرًا وَلَا تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ بِدُونِ شَيْءٍ يَتَّصِلُ بِهِ ثَبَتَ بِهِ الطَّهَارَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّ طَهُورِيَّتَهُ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا شَيْءٌ عَلَى التَّأْبِيدِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخَبَّازِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَوْقِيتِ الطَّهُورِيَّةِ تَأْقِيتُ الطَّهَارَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُ النِّزَاعِ فَالْأَوْجَهُ الِاسْتِدْلَال بِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِمَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ فِي الْمَصَابِيحِ وَالتَّقْيِيدُ بِعَشْرَةِ حِجَجٍ لِبَيَانِ طُولِ الْمُدَّةِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] ، فَإِنَّهُ لِبَيَانِ الْكَثْرَةِ لَا لِلتَّحْدِيدِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ نَاقِضٌ حَقِيقَةً لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُمَا لَيْسَ بِطَهَارَةٍ ضَرُورِيَّةِ وَلَا خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ بَلْ هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَمَلُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَمَلُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ شَرْطًا لِمَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَحُصُولِ الطَّهَارَةِ فَعِنْدَ وُجُودِهَا لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا فَانْتَفَى؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ وَالْمُرَادُ بِالنَّقْضِ انْتِفَاؤُهُ وَالنَّائِمُ عَلَى صِفَةٍ لَا تُوجِبُ النَّقْضَ كَالنَّائِمِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا إذَا مَرَّ عَلَى مَاءٍ كَافٍ مَقْدُورِ الِاسْتِعْمَالِ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا أَمَّا النَّائِمُ عَلَى صِفَةٍ تُوجِبُ النَّقْضَ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ إذْ التَّيَمُّمُ انْتَقَضَ بِالنَّوْمِ؛ وَلِهَذَا صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَجْمَعِ فِي النَّاعِسِ لَكِنْ يُتَصَوَّرُ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ أَيْضًا بِأَنْ كَانَ مُتَيَمِّمًا عَنْ جَنَابَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى قَالَ فِي التَّوْشِيحِ: وَالْمُخْتَارُ فِي الْفَتَاوَى عَدَمُ الِانْتِقَاضِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ وَبِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ جَازَ تَيَمُّمُهُ اتِّفَاقًا اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ جَعَلَ الِاتِّفَاقَ فِيمَا إذَا كَانَ بِجَنْبِهِ بِئْرٌ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا، وَأَثْبَتَ الْخِلَافَ فِيمَا لَوْ كَانَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَصَحَّحَ عَدَمَ الِانْتِقَاضِ وَأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا النَّائِمَ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي آخِرِ فَتَاوَاهُ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ الْمُتَيَمِّمِ وَفِي الصَّائِمِ إذَا نَامَ عَلَى قَفَاهُ وَفَمُهُ مَفْتُوحٌ فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى جَوْفِهِ وَفِيمَنْ جَامَعَهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ نَائِمَةٌ فَسَدَ صَوْمُهَا وَفِي الْمُحْرِمَةِ إذَا جُومِعَتْ نَائِمَةٌ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ وَفِي الْمُحْرِمِ النَّائِمِ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَفِي الْمُحْرِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى صَيْدٍ وَقَتَلَهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَفِي الْمَارِّ بِعَرَفَةَ نَائِمًا، فَإِنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ وَفِي الصَّيْدِ سِرَايَةِ إلَيْهِ بِالسَّهْمِ إذَا وَقَعَ عِنْدَ نَائِمٍ فَمَاتَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَكَاتِهِ وَفِيمَنْ انْقَلَبَ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ فَأَتْلَفَهُ يَضْمَنُ وَفِيمَنْ وَقَعَ عَلَى مُورِثِهِ فَقَتَلَهُ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِيمَنْ رَفَعَ نَائِمًا فَوَضَعَهُ تَحْتَ جِدَارٍ فَسَقَطَ عَلَيْهِ فَمَاتَ لَا يَضْمَنُ وَفِي عَدَمِ صِحَّةِ الْخَلْوَةِ وَمَعَهُمَا أَجْنَبِيٌّ نَائِمٌ وَفِيمَنْ نَامَ فِي بَيْتٍ فَجَاءَتْهُ زَوْجَتُهُ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ صَحَّتْ الْخَلْوَةُ وَفِي امْرَأَةٍ نَائِمَةٍ دَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَمَكَثَ سَاعَةً صَحَّتْ الْخَلْوَةُ وَفِي صَغِيرٍ ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِ نَائِمَةٍ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ وَفِيمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَفِيمَنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ حَالَةَ الْقِيَامِ تُعْتَبَرُ تِلْكَ الْقِرَاءَةُ فِي رِوَايَةٍ وَفِيمَنْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ، وَهُوَ نَائِمٌ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ تَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ وَفِيمَنْ قَرَأَ عِنْدَ نَائِمٍ آيَةَ السَّجْدَةِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ أَخْبَرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي قَوْلٍ وَفِيمَنْ قَرَأَهَا، وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ أُخْبِرَ يَلْزَمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَسَارَ فَانْتَقَصَ انْتَقَضَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إلَخْ) إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَلَمْ يَجُزْ أَدَاءُ فَرْضَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ حِينَئِذٍ بَلْ يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا فَلَا يُنَاسِبُهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ) ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمٌ وَلَا مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْمَشْرُوطِ اسْتَلْزَمَهُ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ تَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي هَذَا الْبَحْثُ فِي كَلَامِهِ مَعَ زِيَادَةٍ وَقَدْ يُقَالُ مَا أَجَابَ بِهِ هَذَا الْفَاضِلُ يُفِيدُ أَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ تَنْتَفِي مَشْرُوعِيَّةُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتِفَاءُ الطَّهَارَةِ الْحَاصِلَةِ بِالتَّيَمُّمِ السَّابِقِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَأَثْبَتَ الْخِلَافُ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية نَقْلًا عَنْ الْبُرْهَانِ تَبَعًا لِلْكَمَالِ إذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِجَوَازِهِ لِمُسْتَيْقِظٍ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَكَيْفَ يَقُولُ بِانْتِقَاضِ تَيَمُّمِ الْمَارِّ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ غَفْلَتِهِ اهـ. وَأَجَابَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِقَوْلِهِ لَكِنْ رُبَّمَا يُفَرَّقُ لِلْإِمَامِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّوْمَ فِي حَالَةِ السَّفَرِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشْعُرُ بِالْمَاءِ نَادِرٌ خُصُوصًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَخَلَّلُهُ الْيَقِظَةُ الْمُشْعِرَةُ بِالْمَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ نَوْمُهُ فَجُعِلَ كَالْيَقْظَانِ حُكْمًا أَوْ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ وَلَا كَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَاءِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْهِدَايَةِ وَالنَّائِمُ قَادِرٌ تَقْدِيرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ) الْمَذْكُورُ هُنَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ

الْقَارِئَ فِي قَوْلٍ وَفِيمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَجَاءَ الْحَالِفُ وَكَلَّمَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ الْأَصَحُّ حِنْثُهُ وَفِيمَنْ مَسَّ مُطَلَّقَتَهُ النَّائِمَةَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجِعًا وَفِي نَائِمٍ قَبَّلَتْهُ مُطَلَّقَتُهُ الرَّجْعِيَّةُ بِشَهْوَةٍ يَصِيرُ مُرَاجِعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَفِي امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا، وَهُوَ نَائِمٌ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ إذَا عَلِمَ بِفِعْلِهَا وَفِي امْرَأَةٍ قَبَّلَتْ النَّائِمَ بِشَهْوَةٍ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ إذَا صَدَّقَهَا عَلَى الشَّهْوَةِ وَفِي الِاحْتِلَامِ فِي الصَّلَاةِ يُوجِبُ الِاسْتِقْبَالَ وَفِيمَنْ نَامَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَفِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِحَضْرَةِ النَّائِمِينَ يَجُوزُ فِي قَوْلٍ وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ السَّمَاعِ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَالْمِلْكِ فِي النَّقْضِ فَلَوْ وَجَدُوا مِقْدَارَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ انْتَقَضَ تَيَمُّمُهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ، فَإِنَّ الْأَبَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ تَمَلُّكَ مَالَ الِابْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ وَهَبَ لِجَمَاعَةٍ مَاءً يَكْفِي أَحَدَهُمْ لَا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُمْ أَمَّا عِنْدَهُ فَلِفَسَادِهَا لِلشُّيُوعِ، وَأَمَّا عِنْدَ هُمَا فَلِلِاشْتِرَاكِ فَلَوْ أَذِنُوا لِوَاحِدٍ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُمْ وَلَا يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ لِفَسَادِهَا وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ إذْنُهُمْ فَانْتَقَضَ تَيَمُّمُهُ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الصَّحِيحُ فَسَادُ التَّيَمُّمِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمْ فِيهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَلَوْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ فَجَاءَ رَجُلٌ بِكُوزٍ مِنْ مَاءِ وَقَالَ هَذَا لِفُلَانٍ مِنْهُمْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ خَاصَّةً فَإِذَا فَرَغُوا وَسَأَلُوهُ الْمَاءَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ لِلْإِمَامِ تَوَضَّأَ وَاسْتَقْبَلُوا مَعَهُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ مَنَعَ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ وَعَلَى مَنْ أَعْطَاهُ الِاسْتِقْبَالُ وَلَوْ قَالَ يَا فُلَانُ خُذْ الْمَاءَ وَتَوَضَّأْ فَظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَدْعُوهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا رَأَى مَعَ رَجُلٍ مَاءً كَافِيًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِعْطَاءُ أَوْ عَدَمُهُ أَوْ يَشُكُّ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا إنْ سَأَلَهُ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا إنْ أَعْطَاهُ أَوْ لَا فَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِعْطَاءُ قَطَعَ وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ تَوَضَّأَ، وَإِلَّا فَتَيَمُّمُهُ بَاقٍ فَلَوْ أَتَمَّهَا ثُمَّ سَأَلَهُ، فَإِنْ أَعْطَاهُ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ أَبَى تَمَّتْ، وَكَذَا إذَا أَبَى ثُمَّ أَعْطَى، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْإِعْطَاءِ أَوْ شَكَّ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، فَإِنْ قَطَعَ وَسَأَلَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ تَوَضَّأَ، وَإِلَّا فَتَيَمُّمُهُ بَاقٍ، وَإِنْ أَتَمَّ ثُمَّ سَأَلَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ بَطَلَتْ، وَإِنْ أَبَى تَمَّتْ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَا تَجُوزُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ، فَإِنْ سَأَلَ بَعْدَهَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ أَعَادَ، وَإِلَّا فَلَا سَوَاءٌ ظَنَّ الْإِعْطَاءَ أَوْ الْمَنْعَ أَوْ الشَّكَّ، وَإِنْ سَأَلَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ تَوَضَّأَ، وَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، فَإِنْ أَعْطَاهُ بَعْدَهَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَيَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ وَلَا يَتَأَتَّى فِي هَذَا الْقِسْمِ الظَّنُّ أَوْ الشَّكُّ وَهَذَا حَاصِلُ مَا فِي الزِّيَادَاتِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الضَّبْطُ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الْكِتَابِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِعْطَاءُ لَا تَبْطُلُ بَلْ إذَا أَتَمَّهَا وَسَأَلَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ ظَنَّهُ كَانَ خَطَأً كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بُطْلَانِهَا بِمُجَرَّدِ غَلَبَةِ ظَنِّ الْإِعْطَاءِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ إلَّا أَنَّ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ ذَكَرَ الْبُطْلَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ عَنْ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ فَهِيَ تَمْنَعُ التَّيَمُّمَ وَتَرْفَعُهُ) أَيْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ تَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَتَرْفَعُهُ بَقَاءً، وَهَذَا تَكْرَارٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَدَّ الْأَعْذَارَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَلَمَّا قَالَ وَقُدْرَةُ مَاءٍ عُلِمَ أَنَّهُ تَرْفَعُهُ الْقُدْرَةُ وَلَا يَبْقَى إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ ابْتِدَاءً فَلَا فَائِدَةَ بِذِكْرِهِ ثَانِيًا وَلَا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِتَكْرَارٍ مَحْضٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَدَّ بَعْضَ الْأَعْذَارِ وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا بَيَّنَّاهُ أَوَّلًا فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ حَصْرُ الْأَعْذَارِ فِي الْمَعْدُودِ وَقَدْ ذَكَرَ ضَابِطًا لَهَا لِتَتِمَّ الْأَعْذَارُ فَكَانَ فِيهِ فَائِدَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَرَاجِي الْمَاءِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِهِ الْوَافِي وَالْمُرَادُ بِالرَّجَاءِ غَلَبَةُ الظَّنِّ أَيْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهَذَا إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ حِنْثُهُ) هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُخْتَصَرِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ عَدَمُ حِلِّ التَّصَرُّفِ إنْ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُمْ فَمُسَلَّمٌ وَلَا يَضُرُّنَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ فَمَمْنُوعٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِتَكْرَارٍ مَحْضٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّمَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ تَمْنَعُ التَّيَمُّمَ وَكَأَنَّ التَّكْرَارَ مُسَلَّمٌ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ وَتَرْفَعُهُ.

كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ يَرْجُوهُ مِيلٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُوهُ لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الِانْتِظَارِ احْتِمَالٌ وُجِدَ أَنَّ الْمَاءَ فَيُؤَدِّيهَا بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَجَاءٌ وَطَمَعٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ وَأَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ التَّأْخِيرُ فَضِيلَةً لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ كَتَكْبِيرِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا فِي حَقِّ مَنْ فِي الْمَفَازَةِ فَكَانَ التَّعْجِيلُ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَ أَوْلَى لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ إلَى الْجَمَاعَةِ كَذَا فِي مَبْسُوطَيْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَتَعَقُّبُهُمْ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ مِنْ الشَّارِحِينَ وَلَيْسَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا صَرِيحٌ فِي اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ جَمَاعَةٍ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ مَفْهُومٌ وَالصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. وَأَجَابَ عَنْهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَنَّ الصَّرِيحَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَضِيلَةً كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّأْخِيرِ فَائِدَةٌ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا وَهَلْ يُؤَخِّرُ عِنْدَ الرَّجَاءِ إلَى وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ إلَى وَقْتِ الْجَوَازِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ وَأَصَحُّهَا الْأَوَّلُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْحَقُّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي فِي مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَا يَرْجُو فَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ أَيْ عَنْ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ أَوَّلُ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَرْجُو فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ إذَا كَانَ لَا يَرْجُو، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْجِيلِ الْفِعْلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْجَوَازِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي وَقْتٍ مُسْتَحَبٍّ وَلَمْ يَقُلْ يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَالَ الْكَرْدَرِيُّ فِي مَنَاقِبِهِ: وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَحْمِلَ اسْتِحْبَابَ التَّأْخِيرِ مَعَ الرَّجَاءِ إلَى آخِرِ النِّصْفِ الثَّانِي وَعَدَمَ اسْتِحْبَابِهِ إلَى هَذَا عِنْدَ عَدَمِ الرَّجَاءِ بَلْ الْأَفْضَلُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّجَاءِ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْفِرَ بِالْفَجْرِ فِي وَقْتٍ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِالْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ ثُمَّ لَوْ بَدَا لَهُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى رَيْبٌ يُؤَدِّي الثَّانِيَةَ بِالطَّهَارَةِ وَالتِّلَاوَةِ الْمَسْنُونَةِ أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا الْمُسَافِرُ إذَا كَانَ عَلَى تَيَقُّنٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ غَالِبِ ظَنِّهِ عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِقْدَارُ مِيلٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَلَكِنْ يَخَافُ الْفَوْتَ لَا يَتَيَمَّمُ اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ عَنْهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إلَخْ) أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي صَرَّحَ أَئِمَّتُنَا فِيهَا بِاسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ كُلُّهَا مُتَضَمِّنَةٌ فَضِيلَةً مِنْهَا تَأْخِيرُ الْفَجْرِ إلَى الْإِسْفَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ وَتَوْسِيعِ الْحَالِ عَلَى النَّائِمِ وَالضَّعِيفِ فِي إدْرَاكِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَمِنْهَا الْإِبْرَادُ فِي ظُهْرِ الصَّيْفِ لِمَا فِي التَّعْجِيلِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ، فَإِنَّ الْحُرَّ يُؤْذِيهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الْعَصْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْسِعَةِ الْوَقْتِ لِصَلَاةِ النَّوَافِلِ وَمِنْهَا تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ السَّمَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَعْدَهَا وَقِيلَ فِي الصَّيْفِ يُعَجِّلُ كَيْ لَا تَتَقَلَّلَ الْجَمَاعَةُ فَهَذِهِ الْعِلَلُ كُلُّهَا مُصَرَّحٌ بِهَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِي الْمُسَافِرِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا وَعَدَمُ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُبَاحُ لَهُ السَّمَرُ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَلَمْ يَكُنْ فِي تَأْخِيرِهِ فَضِيلَةٌ فَكَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ الْمُسَارَعَةَ إلَى الصَّلَاةِ وَقَوْلُ الشُّرَّاحِ كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ فِيهِ حَصْرُ الْفَضِيلَةِ فِيهَا بَلْ هُوَ تَمْثِيلٌ لَهَا وَذِكْرٌ لِبَعْضِ أَفْرَادِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) حَاصِلُهُ تَحْقِيقُ أَنَّ غَيْرَ رَاجِي الْمَاءِ يُؤَخِّرُ أَيْضًا وَلَكِنْ إلَى أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الْوَقْتِ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ مِنْ عَدَمِ تَأْخِيرِهِ أَصْلًا لِتَصْرِيحِهِمْ بِاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ كَالْفَجْرِ إلَى الْأَسْفَارِ وَظُهْرِ الصَّيْفِ وَالْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُقَيِّدْ اسْتِحْبَابَ التَّأْخِيرِ بِالرَّاجِي فَشَمَلَ غَيْرَهُ أَيْضًا لَكِنَّ الرَّاجِيَ يُؤَخِّرُ عَنْ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ وَغَيْرُهُ لَا يُؤَخِّرُ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: أَيْ عَنْ وَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ) ظَاهِرُ إتْيَانِهِ بِأَيِّ التَّفْسِيرِيَّةِ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ عِنْدَهُ لَا مِنْ كَلَامِ الْمَبْسُوطِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الْمَعْهُودِ ذَلِكَ بَلْ هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ التَّأْخِيرَ فَضِيلَةٌ بَلْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ الْمَعْهُودُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْخَفَاءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَيُصَلِّي فِي وَقْتٍ مُسْتَحَبٍّ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ قَائِلٌ بِأَنَّهُ وَالْمُسْتَحَبُّ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ التَّأْخِيرُ فَضِيلَةً؛ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ مُشْتَرَكُ

[التيمم قبل الوقت]

الْبُعْدَ مُجَوِّزٌ لِلتَّيَمُّمِ مُطْلَقًا وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى وَيَتَخَالَجُ فِي قَلْبِي فِيمَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِقُرْبٍ مِنْ الْمَاءِ بِمَسَافَةٍ أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ لَكِنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْوَقْتِ وَتَجَنُّبًا عَنْ الْخِلَافِ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمَنَاقِبِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَوَّلُ وَاقِعَةٍ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أُسْتَاذَه حَمَّادًا فَصَلَّى حَمَّادٌ بِالتَّيَمُّمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَجَدَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَصَلَّاهَا، وَكَانَ ذَلِكَ غُرَّةَ اجْتِهَادِهِ فَقَبِلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَصَوَّبَهُ فِيهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ خُرُوجُهُمَا لِأَجْلِ تَشْيِيعِ الْأَعْمَشِ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلِفَرْضَيْنِ) أَيْ صَحَّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلِفَرْضَيْنِ اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ بِلَا شَكٍّ اتِّفَاقًا لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْبَدَلِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخِلَافُ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا مَعَ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَيَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ لَا أَنَّهُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ مُبِيحٌ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا يَجُوزُ وَفِي إنَاءَيْنِ طَاهِرٍ وَنَجَسٍ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ؛ وَلِهَذَا يَبْنِي الْخِلَافَ تَارَةً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ عِنْدَنَا مُبِيحٌ عِنْدَهُ لَا رَافِعٌ وَتَارَةً عَلَى أَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَهُ مُطْلَقَةٌ عِنْدَنَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَيَدْفَعُ مَبْنَى الشَّافِعِيِّ الْأَوَّلَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَدَثِ مَانِعِيَّةٌ عَنْ الصَّلَاةِ شَرْعِيَّةٌ لَا يُشْكِلُ مَعَهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِارْتِفَاعِ ذَلِكَ الْمَنْعِ بِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ إنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَتَغَيُّرُ الْمَاءِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَهُ نَازِلًا عَنْ وَصْفِهِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةِ إسْقَاطِ الْفَرْضِ لَا بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ وَصْفٍ حَقِيقِيٍّ مُدَنِّسٍ وَيُدْفَعُ الثَّانِي بِأَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْخَصَائِصِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» يُرِيدُ بِهِ مُطَهِّرًا، وَإِلَّا لَمَا تَحَقَّقَتْ الْخُصُوصِيَّةُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ثَابِتَةٌ، وَإِذَا كَانَ مُطَهِّرًا فَتَبْقَى طَهَارَتُهُ إلَى وُجُودِ غَايَتِهَا مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ نَاقِضٍ آخَرَ الثَّانِي الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْبَدَلِيَّةُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ وَهُمَا التَّيَمُّمُ وَالْوُضُوءُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ اقْتِدَاءِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ فَأَجَازَاهُ وَمَنَعَهُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَدَمَ جَوَازِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُمْ وَافَقُونَا عَلَيْهِ وَمَنَعَ أَئِمَّتُنَا الْحُكْمَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا جَوَازُ وُضُوئِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالدُّخُولِ وَلَئِنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهَا بِالدُّخُولِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ قَدْ وُجِدَ مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ وَالتَّيَمُّمُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ رَافِعٌ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْحَدَثُ أَوْ وُجُودُ الْمَاءِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَلْ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مُؤَقَّتٌ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ وَالشَّارِعُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَقَوْلُهُمْ لَا ضَرُورَةَ قَبْلَهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ التَّطَهُّرُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِيَشْتَغِلَ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَمِنْ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَمِنْ أَثَرِ عَلِيٍّ قَالَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَالْكُلُّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِي سَنَدِ الْأَوَّلِ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ تَكَلَّمُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ مَتْرُوكٌ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو يَحْيَى الْجُمَّانِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَفِي سَنَدِ الثَّانِي عَامِرٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَفِي سَمَاعِهِ عَنْ نَافِعٍ نَظَرٌ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا تَصِحُّ وَفِي السَّنَدِ الثَّالِثِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَالْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَهُمَا ضَعِيفَانِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُمَا مَتْرُوكٌ، فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ مَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِلْزَامِ اهـ أَيْ أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ دَلِيلٌ لِي أَيْضًا. [التَّيَمُّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ] (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ التَّطَهُّرُ قَبْلَ الْوَقْتِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ مَنْدُوبٌ وَقَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِهِ

[التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة]

الْفَرْضِ تَبَعًا لَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَهُ فَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ النَّفْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِهِ عِنْدَهُ وَعَلَى عَكْسِهِ يَجُوزُ (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ هُنَا أَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمَاءِ فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ فُقِدَ الشَّرْطُ فَفَقْدُ الْمَشْرُوطِ، وَهُوَ طَهُورِيَّةُ التُّرَابِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْمَشْرُوطِ اسْتَلْزَمَهُ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ وَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ لَا مَحَالَةَ فَجَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ مُسَاوَاتَهُمَا لِجَوَازِهِ مَعَ وُجُودِهِ حَالَ مَرَضِهِ قُلْت لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَادِرٍ. (قَوْلُهُ: وَخَوْفُ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ حُضُورُ الْجِنَازَةِ وَكَوْنُهُ صَحِيحًا وَكَوْنُهُ فِي الْمِصْرِ وَكَوْنُهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ وَوَافَقَهُ عَلَى الْأَخِيرِ فِي الْوَافِي وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الْقُيُودِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ يُرَخَّصُ لَهُ التَّيَمُّمُ مُطْلَقًا وَكَذَا الْمُسَافِرُ وَقَبْلَ حُضُورِهَا لَا يَخَافُ الْفَوْتَ إذْ الْوُجُوبُ بِالْحُضُورِ وَكَذَا لَا يَخَافُ الْفَوْتَ الْوَلِيُّ مَعَ أَنَّ فِي جَوَازِهِ لَهُ خِلَافًا فَفِي الْهِدَايَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقَّ الْإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَصَحَّحَ فِي التَّجْنِيسِ فِي الْإِمَامِ عَدَمُ الْجَوَازِ إنْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، وَإِلَّا جَازَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ جَوَازُهُ لَهُمَا وَصَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي وَمَنْ لَهُ حَقُّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِيهَا مَكْرُوهٌ وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ مَنْ لَهُ التَّقَدُّمُ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ لِلسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَالْوَالِي عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ مُؤَخَّرٌ فَمَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْوَلِيِّ لَهُ حَقُّ الْإِعَادَةِ لَوْ صَلَّى الْوَلِيُّ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْوَلِيِّ إذَا كَانَ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ حَاضِرًا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفَوْتَ إذْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْإِعَادَةِ لَوْ صَلَّى مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ فِي الْجَنَائِزِ، وَكَذَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ التَّيَمُّمُ إذَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِعَادَةِ فَيَخَافُ فَوْتَهَا وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَمَرَهُ الْوَلِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَهَذِهِ التَّفَارِيعُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إنَّمَا هِيَ عَلَى مُخْتَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْكُلِّ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوْتِ وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ خَوْفِ فَوْتِ التَّكْبِيرَاتِ كُلِّهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ، فَإِنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ الْبَعْضَ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْبَاقِي وَحْدَهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْقُنْيَةِ وَذَكَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَفُوتُ الْأَدَاءُ لَا إلَى خَلْفٍ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَفُوتُ الْأَدَاءُ لَا يَجُوزُ. ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ لَا يُخْشَى فَوَاتُهَا أَصْلًا لِعَدَمِ تَوَقُّتِهَا كَالنَّوَافِلِ وَنَوْعٌ يُخْشَى فَوَاتُهَا أَصْلًا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَنَوْعٌ يُخْشَى فَوَاتُهَا وَتُقْضَى بَعْدَ وَقْتِهَا أَصْلُهَا أَوْ بَدَلُهَا كَالْجُمُعَةِ وَالْمَكْتُوبَاتِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَتَيَمَّمُ لَهَا عِنْدَ وُجُودِهِ عِنْدَنَا وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ تَيَمُّمٌ مَعَ عَدَمِ شَرْطِهِ وَقُلْنَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ عَاجِزٌ عَنْ الْوُضُوءِ لَهَا بِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَيَدُلُّ لَهُ تَيَمُّمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِرَدِّ السَّلَامِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ بَعْدَ التَّرَاخِي لَا يَكُونُ جَوَابًا لَهُ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاحْتِمَالِ وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا فَجَأَتْك الْجِنَازَةُ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَتَيَمَّمَ» ثُمَّ قَالَ هَذَا مَرْفُوعًا غَيْرَ مَحْفُوظٍ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أَيْضًا وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كِتَابِ الْكُنَى وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ بِجِهَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ) هُوَ الشَّرْطُ وَقَوْلُهُ وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ الْمَشْرُوطُ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِهِ) أَيْ التَّيَمُّمُ وَقَوْلُهُ مَعَ وُجُودِهِ أَيْ الْمَاءِ. [التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] (قَوْلُهُ: كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ) فِيهِ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تُؤَخَّرُ بِعُذْرٍ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْفِطْرِ وَتَكُونُ قَضَاءً فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ مِمَّا يَخْلُفُهَا الْقَضَاءُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاحْتِمَالِ) ، وَهُوَ مَا مَرَّ عَنْ الْكَمَالِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَوَى مَعَهُ مَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّيَمُّمُ

[التيمم لخوف فوت صلاة عيد]

أَتَى الْجِنَازَةَ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى عَلَيْهَا وَالْحَدِيثُ إذَا كَثُرَتْ طُرُقُهُ وَتَعَاضَدَتْ قَوِيَتْ فَلَا يَضُرُّهُ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا تَارَةً يَرْفَعُونَ وَتَارَةً لَا يَرْفَعُونَ وَلَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أُخْرَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَخَافَ فَوْتَهَا فَفِي الْمَجْمَعِ يُعِيدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَا يُعِيدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ التَّوَضُّؤِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَمَّا إذَا تَمَكَّنَ ثُمَّ فَاتَ التَّمَكُّنُ يُعِيدُ التَّيَمُّمَ اتِّفَاقًا وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي بِلَادِنَا لَا يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ حَوْلَ مُصَلَّى الْجِنَازَةِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ فَمُطْلَقَةٌ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى لَا يُقَالُ إنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا جَازَ أَدَاءُ أَقْوَى الصَّلَاتَيْنِ بِأَضْعَفِ الطَّهَارَتَيْنِ لَأَنْ يَجُوزَ أَدَاءُ أَضْعَفِ الصَّلَاتَيْنِ بِأَضْعَفِ الطَّهَارَتَيْنِ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: أَوْ عِيدٍ وَلَوْ بِنَاءً) أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ عِيدٍ وَلَوْ كَانَ الْخَوْفُ بِنَاءً لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى بَدَلٍ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا فَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا يَتَيَمَّمُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفَوْتَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَخَفْ لَا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي بِحَيْثُ يُدْرِكُ بَعْضَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَوْ تَوَضَّأَ لَا يَتَيَمَّمُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْجِنَازَةِ وَصُورَةُ الْخَوْفِ فِي الْبِنَاءِ أَنْ يَشْرَعَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ يَسْبِقَهُ حَدَثٌ إمَامًا كَانَ أَوْ مُقْتَدِيًا، فَهَذِهِ عَلَى وُجُوهٍ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الزَّوَالَ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ اتِّفَاقًا لِإِمْكَانِ أَدَاءِ الْبَاقِي بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ زَوَالَ الشَّمْسِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ اتِّفَاقًا لِتَصَوُّرِ الْفَوَاتِ بِالْإِفْسَادِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ فَتَفْسُدُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَهُمَا لِوُجُودِ الْمَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَالْبِنَاءُ بِالْوُضُوءِ كَمَا قُلْنَا فِي جُنُبٍ مَعَهُ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَوْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي، وَهَذَا الْقِيَاسُ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ إذْ التَّيَمُّمُ هَاهُنَا أَقْوَى مِنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْجَنَابَةَ وَالْوُضُوءُ لَا يُزِيلُهَا وَفِي الْمَقِيسِ يَلْزَمُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ فَكَانَ الظَّاهِرُ الْبِنَاءَ اتِّفَاقًا وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مِثْلُ الْوُضُوءِ بِدَلِيلِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ فَتَاوَاهُ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ حَيْثُ يَسْتَأْنِفُ إنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ بِصِفَةِ الِاسْتِنَادِ إلَى وُجُودِ الْحَدَثِ عِنْدَ إصَابَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَيْسَتْ بِحَدَثٍ وَفِي هَذِهِ الصَّلَاةِ لَمْ يَنْتَقِضْ التَّيَمُّمُ عِنْدَ إصَابَةِ الْمَاءِ بِصِفَةِ الِاسْتِنَادِ لِانْتِقَاضِهِ بِالْحَدَثِ الطَّارِئِ عَلَى التَّيَمُّمِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حَدَثٌ طَارِئٌ لَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُتَعَاقِبَةَ كَالْبَوْلِ ثُمَّ الرُّعَافِ ثُمَّ الْقَيْءِ تُوجِبُ أَحْدَاثًا مُتَعَاقِبَةً يُجْزِئُ عَنْهَا وُضُوءٌ وَاحِدٌ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فَثَبَتَ أَنَّ الْبِنَاءَ بِالتَّيَمُّمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَلَمْ يَخَفْ زَوَالَ الشَّمْسِ وَلَا يَرْجُو إدْرَاكَ الْإِمَامِ قَبْلَ فَرَاغِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَيَمَّمُ وَيَبْنِي وَقَالَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَتَيَمَّمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَكَانَ فِي زَمَانِهِ جَبَّانَةُ الْكُوفَةِ بَعِيدَةٌ وَلَوْ انْصَرَفَ لِلْوُضُوءِ زَالَتْ الشَّمْسُ فَخَوْفُ الْفَوْتِ قَائِمٌ وَفِي زَمَنِهِمَا جَبَّانَةُ بَغْدَادَ قَرِيبَةٌ فَأَفْتَيَا عَلَى وَفْقِ زَمَنِهِمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ يَقُولَانِ فِي دِيَارِنَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْعِيدِ ابْتِدَاءً وَلَا بِنَاءً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُحِيطٌ بِمُصَلَّى الْعِيدِ فَيُمْكِنُ التَّوَضُّؤُ وَالْبِنَاءُ بِلَا خَوْفِ الْفَوْتِ حَتَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) لَمْ أَجِدْ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ نَعَمْ جَزَمَ فِي الْخَانِيَّةِ بِهَذَا الشَّرْطِ وَقَالَ كَمَا لَوْ صَلَّى وَلِلْمَكْتُوبَةِ صَلَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَكْتُوبَةً أُخْرَى. [التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ عِيدٍ] (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْخَوْفُ بِنَاءً) الظَّاهِرُ مَا قَدَّرَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ يَبْنِي بِنَاءً فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْ وَلَوْ صَلَّى بِهِ بَانِيًا عَلَى مَا صَلَّاهُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ سَبْقِ الْحَدَثِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ قَلْبِيًّا أَيْ وَلَوْ كَانَ تَيَمُّمُهُ لِأَجْلٍ الْبِنَاءِ (قَوْلُهُ: لَا إلَى بَدَلٍ) قَدَّمْنَا أَنَّهَا تُقْضَى إذَا أُخِّرَتْ بِعُذْرٍ وَمُفَادُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ حَضَرَ بِلَا وُضُوءٍ قُبَيْلَ الزَّوَالِ وَخَافَ إنْ تَوَضَّأَ تَزُولُ الشَّمْسُ أَنَّهَا تُؤَخَّرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُصَلَّى بِجَمْعٍ حَافِلٍ فَلَوْ أُخِّرَتْ لِهَذَا الْعُذْرِ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى فَوْتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُخِّرَتْ لِعُذْرِ فِتْنَةٍ أَوْ عَدَمِ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنَّ كُلَّ النَّاسِ يَسْتَعِدُّونَ لِصَلَاتِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَعَدَمُ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُؤَخَّرُ لِأَجْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا تَأَمَّلْ.

[التيمم لخوف فوت صلاة الجمعة وصلاة مكتوبة]

لَوْ خِيفَ الْفَوْتُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بُرْهَانِيًّا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ ابْتِدَائِيًّا فَهُمَا نَظَرَا إلَى أَنَّ اللَّاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَلَا فَوْتَ وَأَبُو حَنِيفَةَ نَظَرَ إلَى أَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيهِ عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ مِنْ رَدِّ سَلَامٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَبْنِيًّا عَلَى مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَتَفُوتُ لَا إلَى بَدَلٍ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَتَفُوتُ إلَى بَدَلٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْإِفْسَادِ عِنْدَ الْكُلِّ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْمِصْرِ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَا عَدَا سُنَّةَ الْفَجْرِ إذَا خَافَ فَوْتَهَا لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ لَا إلَى بَدَلٍ، فَإِنَّهَا لَا تُقْضَى كَمَا فِي الْعِيدِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ سُنَّةٌ كَمَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا سُنَّةُ الْفَجْرِ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا مَعَ الْفَرِيضَةِ لَا يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا وَحْدَهَا فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَتَيَمَّمُ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَتَيَمَّمُ، فَإِنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا فَاتَتْهُ بِاشْتِغَالِهِ بِالْفَرِيضَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ يَقْضِيهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقْضِيهَا أَصْلًا. (قَوْلُهُ: لَا لِفَوْتِ جُمُعَةٍ وَوَقْتٍ) أَيْ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَمَّا عَدَمُ جَوَازِهِ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ؛ فَلِأَنَّهَا تَفُوتُ إلَى خَلْفٍ، وَهُوَ الظُّهْرُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَوْرَدَ أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى مَذْهَبِ زُفَرَ أَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ الْجُمُعَةَ خَلَفٌ وَالظُّهْرَ أَصْلٌ فَلَا وَدُفِعَ بِأَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ الْخَلَفِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا فَاتَتْ يُصَلَّى الظُّهْرُ فَكَانَ الظُّهْرُ خَلَفًا صُورَةً أَصْلًا مَعْنًى وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي النَّافِعِ فَقَالَ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ إلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِهِ لِخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ؛ فَلِأَنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ الْقَضَاءُ، فَإِنْ قِيلَ فَضِيلَةُ الْجُمُعَةِ وَالْوَقْتِ تَفُوتُ لَا إلَى خَلَفٍ؛ وَلِهَذَا جَازَ لِلْمُسَافِرِ التَّيَمُّمُ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ لِلرَّاكِبِ الْخَائِفِ مَعَ تَرْكِ بَعْضِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ، وَكُلُّ هَذَا لِفَضِيلَةِ الْوَقْتِ قُلْنَا فَضِيلَةُ الْوَقْتِ وَالْأَدَاءِ وَصْفٌ لِلْمُؤَدَّى تَابِعٌ لَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ، فَإِنَّهَا أَصْلٌ فَيَكُونُ فَوَاتُهَا فَوَاتَ أَصْلٍ مَقْصُودٍ وَجَوَازُهَا لِلْمُسَافِرِ بِالنَّصِّ لَا لِخَوْفِ الْفَوْتِ بَلْ لِأَجْلِ أَنْ لَا تَتَضَاعَفَ عَلَيْهِ الْفَوَائِتُ وَيُحْرَجَ فِي الْقَضَاءِ وَكَذَا صَلَاةُ الْخَوْفِ لِلْخَوْفِ دُونَ خَوْفِ الْفَوْتِ هَذَا وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِخَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ رِوَايَةٌ عَنْ مَشَايِخِنَا، وَفَرَّعَ عَلَيْهَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي سَطْحٍ لَيْلًا وَفِي بَيْتِهِ مَاءٌ لَكِنَّهُ يَخَافُ فِي الظُّلْمَةِ إنْ دَخَلَ الْبَيْتَ يَتَيَمَّمُ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَكَذَا يَتَيَمَّمُ فِي كِلَّةٍ لِخَوْفِ الْبَقِّ أَوْ مَطَرٍ أَوْ حَرٍّ شَدِيدٍ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْعَجْزِ لَا خَوْفَ الْوَقْتِ فَرَّعَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا لَوْ وَعَدَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْإِنَاءَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ، فَكَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ظَاهِرًا وَكَذَا إذَا وَعَدَ الْكَاسِي الْعَارِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّوْبَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا لِمَا قُلْنَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعِدْ إنْ صَلَّى بِهِ وَنَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ) أَيْ وَلَمْ يُعِدْ إنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ نَاسِيًا الْمَاءَ كَائِنًا فِي رَحْلِهِ مِمَّا يُنْسَى عَادَةً، وَكَانَ مَوْضُوعًا بِعِلْمِهِ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلدَّابَّةِ وَيُقَالُ لِمَنْزِلِ الْإِنْسَانِ وَمَأْوَاهُ رَحْلٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحْلِ الْأَوَّلُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ قَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ فِي الظَّنِّ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الرَّحْلَ مَعْدِنُ الْمَاءِ عَادَةً فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ كَمَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْعُمْرَانَاتِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَبْطُلُ بِالظَّنِّ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَضْدَادِ الْعِلْمِ وَظَنُّهُ بِخِلَافِ الْعَادَةِ لَا يُعْتَبَرُ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا وَحْدَهَا إلَخْ) تَوَقَّفَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا وَعَدَهُ شَخْصٌ بِالْمَاءِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَهُ لَا يُدْرِكُ سِوَى الْفَرْضِ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ صَلَاةِ السُّنَّةِ مَعَهَا فَهُنَا خَافَ فَوْتَ السُّنَّةِ وَحْدَهَا وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهَا أَيْضًا بِمَا إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرْضِ وَأَرَادَ قَضَاءَهُمَا فَخَافَ زَوَالَ الشَّمْسِ إنْ صَلَّى السُّنَّةَ بِالْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّيهَا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي الْفَرْضَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَكِنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى هُنَا أَنْسَبُ. [التَّيَمُّمُ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ] (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَدْ يُقَالُ قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ الْمَاءُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَاءُ عَادَةً وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَحْلَهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ كُلَّ رَحْلٍ سَوَاءٌ كَانَ مَنْزِلًا أَوْ رَحْلَ بَعِيرٍ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ فِي الظَّنِّ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا) أَقُولُ: وَكَذَا فِي الشَّكِّ كَمَا فِي السِّرَاجِ خِلَافًا لِمَا فِي النَّهْرِ مِنْ عَزْوِهِ إلَيْهِ الْجَوَازَ وَعِبَارَةُ السِّرَاجِ هَكَذَا قَيَّدَ بِالنِّسْيَانِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ أَنَّ مَاءَهُ قَدْ فَنِيَ فَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ إجْمَاعًا اهـ. فَتَنَبَّهْ.

ظَهْرِهِ فَنَسِيَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ يُعِيدُ اتِّفَاقًا وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ مُعَلَّقًا فِي عُنُقِهِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْسَى عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَا إذَا نَسِيَ الْمَاءَ الْمُعَلَّقَ فِي مُؤَخَّرِ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَسُوقُ دَابَّتَهُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ اتِّفَاقًا وَكَذَا إذَا كَانَ رَاكِبًا وَالْمَاءُ فِي مُقَدَّمِ الرَّحْلِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَاكِبًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ سَائِقًا، وَهُوَ فِي الْمُقَدَّمِ أَوْ رَاكِبًا، وَهُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ، فَإِنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَكَذَا إذَا كَانَ قَائِدًا مُطْلَقًا وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يُعِيدُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُخَاطَبُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ سَهْوٌ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَنُقِلَ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالْحَقُّ مَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا نَصًّا وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي رَحْلِهِ مَاءٌ فَنَسِيَ وَالنِّسْيَانُ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الْعِلْمِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ جُعِلَ عُذْرًا عِنْدَهُمَا فَبَقِيَ مَوْضِعٌ لَا عِلْمٌ أَصْلًا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا عِنْدَ الْكُلِّ وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، فَإِنَّهُ قَالَ مُسَافِرٌ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ فِي رَحْلِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ النِّسْيَانِ وَغَيْرَهَا لِأَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَسِيَ مَا لَا يُنْسَى عَادَةً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْأَشْيَاءِ فِي السَّفَرِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ عَنْ الْهَلَاكِ فَكَانَ الْقَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَالْتَحَقَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْعَدَمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّحْلَ مَوْضِعُ الْمَاءِ غَالِبًا لِحَاجَةِ الْمُسَافِرِ إلَيْهِ فَكَانَ الطَّلَبُ وَاجِبًا كَمَا فِي الْعُمْرَانِ وَلَهُمَا أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِعْمَالُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْفِعْلِ هُوَ الَّذِي لَوْ أَرَادَ تَحْصِيلَهُ يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَكْلِيفَ بِدُونِ الْقُدْرَةِ وَلَوْ فُقِدَتْ قُدْرَتُهُ بِفَقْدِ سَائِرِ الْآلَاتِ جَازَ تَيَمُّمُهُ فَإِذَا فُقِدَ الْعِلْمُ، وَهُوَ أَقْوَى الْآلَاتِ أَوْلَى وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ بَعْدَ مَا قَرَّرَ لِأَبِي يُوسُفَ لِثُبُوتِ الْعِلْمِ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ الْكُلُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمُلْحَقِ بِهَا، وَإِنَّمَا الْمُفِيدُ لَيْسَ إلَّا مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّحْلَ دَلِيلُ الْمَاءِ الَّذِي ثُبُوتُهُ يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ أَعْنِي مَاءَ الِاسْتِعْمَالِ بَلْ الشُّرْبُ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الشُّرْبِ اهـ. وَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا، وَفِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ثُمَّ عَلِمَ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ فَالْفَرْقُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنَّ الرَّحْلَ مُعَدٌّ لِلثَّوْبِ لَا لِمَاءِ الْوُضُوءِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ لَوْ مَعَ ثَوْبٍ نَجَسٍ نَاسِيًا الطَّاهِرَ، فَإِنَّهَا كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَارِيًّا مَعَ أَنَّ الرَّحْلَ لَيْسَ مُعَدًّا لِمَاءِ الِاسْتِعْمَالِ بَلْ لِمَاءِ الشُّرْبِ كَمَا بَيَّنَّا وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا لَوْ نَسِيَ مَاءَ الْوُضُوءِ فَتَيَمَّمَ بِأَنَّ فَرْضَ السِّتْرِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَاتَ لَا إلَى خَلَفٍ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لَا يُثْلِجُ الْخَاطِرَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الْأَصْلِ إلَى خَلَفٍ لَا يَجُوزُ الْخَلَفُ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ بَلْ إذَا فُقِدَ شَرْطُهُ مَعَ فَوَاتِ الْأَصْلِ يَصِيرُ فَاقِدًا لِلطَّهُورَيْنِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ عِنْدَهُ وَالتَّشَبُّهُ عِنْدَهُمَا بِالْمُصَلِّينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الْأَصْلِ إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَلْ إذَا فُقِدَ شَرْطُهُ إلَى آخِرِهِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الْخَلَفِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَفَقْدُ هَذَا الشَّرْطِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ فَقْدُ شَرْطِ الْخَلَفِ مَعَ فَوَاتِ الْأَصْلِ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ فَقْدِ شَرْطِ الْخَلَفِ وُجُودُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ فَوَاتُ الْأَصْلِ فَفَقْدُهُ بِوُجُودِهِ وَلَا فَرْقَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ مَرَّ بِالْمَاءِ، وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ لَكِنَّهُ نَسِيَ أَنَّهُ تَيَمَّمَ يَنْتَقِضُ تَيَمُّمُهُ، وَلَوْ ضَرَبَ الْفُسْطَاطَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ قَدْ غَطَّى رَأْسَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ عَلِمَ بِالْمَاءِ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا مَا لَوْ نَسِيَ الْمُحْدِثُ غَسْلَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ وَمِنْهَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا مُتَوَهِّمًا عَجْزَهُ عَنْ الْقِيَامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ لَوْ صَلَّى إلَخْ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَارِيًّا فِي لُزُومِ الْإِعَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ فِي رَحْلِهِ وَالرَّحْلُ مُعَدٌّ لِلثَّوْبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُهُ مَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَصُّ مَا فِيهِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَ الرَّحْلَ فِيهَا دَلِيلَ مَاءِ الِاسْتِعْمَالِ اهـ. وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ لَفْظَةَ الطَّاهِرِ فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ وَالْأَصْلُ الْمُطَهِّرُ أَوْ أَرَادَ بِالطَّاهِرِ الْمَاءَ الطَّاهِرَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ الْخَلَفُ مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: بَلْ شَرْطُهُ مَوْجُودٌ لَا مَفْقُودٌ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ فَانْثَلَجَ الْخَاطِرُ (قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي كَلَامِهِ تَدَافُعًا؛ لِأَنَّ فَقْدَ شَرْطِ التَّيَمُّمِ هُوَ الْقُدْرَةُ وَمَعَهَا لَا يَفُوتُ الْأَصْلُ وَفِي النَّهْرِ أَقُولُ: لَا خَفَاءَ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ عَلَيْهِ فَإِذَا فُقِدَ هَذَا مَعَ فَوَاتِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ صَارَ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ عُدُولًا عَنْ الظَّاهِرِ إلَّا أَنَّهُ يَرْتَكِبُ تَصْحِيحًا لِكَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ.

وَكَانَ قَادِرًا وَمِنْهَا أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِالْقِيَاسِ نَاسِيًا النَّصَّ وَمِنْهَا لَوْ نَسِيَ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ فَصَامَ وَمِنْهَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ نَاسِيًا وَمِنْهَا لَوْ فَعَلَ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ نَاسِيًا وَمِنْهَا لَوْ فَعَلَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ نَاسِيًا وَمِنْهَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ تُعْرَفُ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَيَطْلُبُهُ غَلْوَةً إنْ ظَنَّ قُرْبَهُ، وَإِلَّا لَا) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ طَلَبُ الْمَاءِ قَدْرَ غَلْوَةٍ إنْ ظَنَّ قُرْبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ قُرْبَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَحَدُّ الْقُرْبِ مَا دُونَ الْمِيلِ قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْمِيلَ وَمَا فَوْقَهُ بَعِيدٌ لَا يُوجِبُ الطَّلَبَ وَقَيَّدْنَا بِالْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ فِي الْعُمْرَانَاتِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا مُطْلَقًا وَكَذَا لَوْ كَانَ بِقُرْبٍ مِنْهَا وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الطَّلَبِ فَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَا قَدْرَ غَلْوَةٍ، وَهِيَ مِقْدَارُ رَمْيَةِ سَهْمٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ أَوْ ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْرِبِ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ يَطْلُبُ مِقْدَارَ مَا يَسْمَعُ صَوْتَ أَصْحَابِهِ وَيُسْمَعُ صَوْتُهُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْمُسَافِرِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ أَيَطْلُبُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ إنْ طَمِعَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ وَلَا يَبْعُدْ فَيَضُرَّ بِأَصْحَابِهِ إنْ انْتَظَرُوهُ وَبِنَفْسِهِ إنْ انْقَطَعَ عَنْهُمْ وَيُوَافِقُهُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَطْلُبُ قَدْرَ مَا لَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ بِالِانْتِظَارِ، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْغَلْوَةِ فَالطَّلَبُ أَنْ يَنْظُرَ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَأَمَامَهُ وَوَرَاءَ غَلْوَةً كَذَا فِي الْحَقَائِقِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ بَلْ يَكْفِيهِ النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْجِهَاتِ، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ حَوَالَيْهِ لَا يَسْتَتِرُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ وَنَحْوُهُ صَعِدَهُ وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ الَّذِي مَعَهُ أَوْ الْمُخَلَّفِ فِي رَحْلِهِ فَإِنْ خَافَ لَمْ يَلْزَمْهُ الصُّعُودُ وَالْمَشْيُ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَلَوْ بَعَثَ مَنْ يَطْلُبُ لَهُ كَفَاهُ عَنْ الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَكَانَ الطَّلَبُ وَاجِبًا وَصَلَّى ثُمَّ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى وَفِي إيرَادِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِيبَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَطِيفَةٌ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ اهـ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ الطَّلَبُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الطَّلَبِ، وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44] وَلَا طَلَبَ وقَوْله تَعَالَى {وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى} [الضحى: 7] وَقَوْلُهُ {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] وَقَوْلُهُ {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الكهف: 49] وَلَمْ يَطْلُبُوا خَطَايَاهُمْ وقَوْله تَعَالَى {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] وَقَوْلُهُ {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُعَرِّفْهَا» وَلَا طَلَبَ مِنْ الْوَاجِدِ وَلِقَوْلِهِ مَنْ وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَيُقَالُ فُلَانٌ وَجَدَ مَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَوَجَدَ مَرَضًا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَطْلُبْهُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْوُجُودَ يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ شَرْطَ الْجَوَازِ عَدَمَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَمَنْ زَادَ شَرْطَ الطَّلَبِ فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْعُمْرَانَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ، وَإِنْ ثَبَتَ حَقِيقَةً لَمْ يَثْبُتْ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَاءِ فِي الْعُمْرَانَاتِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْعِمَارَةِ بِالْمَاءِ فَكَانَ الْعَدَمُ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَشَرْطُ الْجَوَازِ الْعَدَمُ الْمُطْلَقُ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي الْعُمْرَانَاتِ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ قُرْبُهُ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَعْمَلُ عَمَلَ الْيَقِينِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ كَمَا فِي التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ وَكَمَا فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ طَلَبُ الْمَاءِ) يَعْنِي يُفْتَرَضُ كَمَا فِي الشرنبلالية مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ قَاضِي خَانْ يُشْتَرَطُ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: مَعْنَى مَا فِي الْحَقَائِقِ أَنَّهُ يَقْسِمُ الْمَشْيَ مِقْدَارَ الْغَلْوَةِ عَلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ فَيَمْشِي عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِائَةُ ذِرَاعٍ إذْ الطَّلَبُ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ، وَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ بَعَثَ مَنْ يَطْلُبُ لَهُ كَفَاهُ عَنْ الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ مُكَلَّفٌ عَدْلٌ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ إذْ عَلَى مَا فَهِمَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَعْثِ أَصْلًا اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ الْحَقَائِقِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الشَّافِي عِنْدَ قَوْلِ النَّسَفِيِّ وَلَا لِفَرْضَيْنِ وَقَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا بِغَيْرِ طَلَبٍ وَفَوْتِ مَا نَصُّهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لَا يَجُوزُ لِعَادِمِ الْمَاءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ عِنْدَ تَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ وَلَا يَصِحُّ الطَّلَبُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَالطَّلَبُ أَنْ يَنْظُرَ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَأَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ غَلْوَةً وَعِنْدَنَا لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَعِنْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ إجْمَاعًا اهـ كَلَامُهُ. وَكَانَ الْمُؤَلِّفُ حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ لِلطَّلَبِ لَيْسَ خَاصًّا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الصَّغِيرِ فَيُطِلُّ يَمِينًا وَيَسَارًا قَدْرَ غَلْوَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهِيَ ثَلَثُمِائَةِ خُطْوَةٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَقِيلَ قَدْرُ رَمْيَةِ سَهْمٍ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الطَّلَبَ غَلْوَةً مِنْ جَانِبَيْ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَهُ مِقْدَارَ مِيلٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلُزُومِ الضَّرَرِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ سُؤَالِ أَبِي يُوسُفَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَجَوَابُهُ لَهُ وَكَذَا نَقْلُ بَعْضِهِمْ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ يَجِبُ

لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَقْرُهُ وَكَمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتُهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ قُرْبُهُ فَلَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ إذَا كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَطْمَعْ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّلَبُ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَجَاءٍ مِنْهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ غَالِبُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا حَقَّقَهُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِهِ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إذَا قَوِيَ وَتَرَجَّحَ عَلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْقَلْبُ مَا تَرَجَّحَ بِهِ، وَلَمْ يَطْرَحْ الْآخَرَ فَهُوَ الظَّنُّ، وَإِذَا عَقَدَ الْقَلْبُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ فَهُوَ أَكْبَرُ الظَّنِّ وَغَالِبُ الرَّأْيِ اهـ. وَغَلَبَةُ الظَّنِّ هُنَا أَمَّا بِأَنْ وَجَدَ إمَارَةً ظَاهِرَةً أَوْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْوَشِيحِ وَقَيَّدَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِالْعَدْلِ (قَوْلُهُ: وَيَطْلُبُهُ مِنْ رَفِيقِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ تَيَمَّمَ) أَيْ يَطْلُبُ الْمَاءَ مِنْ رَفِيقِهِ أَطْلَقَهُ هُنَا وَفَصَّلَ فِي الْوَافِي فَقَالَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِعْطَاءِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ يُعِيدُ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْكَافِي بِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا، وَإِنْ مَنَعَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ وَأَعْطَاهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْقُدْرَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً اهـ. اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وُجُوبُ السُّؤَالِ مِنْ الرَّفِيقِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ السُّؤَالُ ذُلٌّ وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ وَمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَلَكِنَّا نَقُولُ مَاءُ الطَّهَارَةِ مَبْذُولٌ عَادَةً بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ فِي سُؤَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَذَلَّةٌ فَقَدْ «سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ حَوَائِجِهِ مِنْ غَيْرِهِ» اهـ. فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ وَشَرْحِ الْأَقْطَعِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَعِنْدَهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ وَانْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْحَسَنِ حَسَنٌ وَفِي الذَّخِيرَةِ نَقْلًا عَنْ الْجَصَّاصِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَمُرَادُهُ فِيمَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَنْعُهُ تَجْرِي الظِّنَّةُ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ مِنْهُ اهـ. وَلَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ دَلْوٌ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَسْأَلَهُ وَلَوْ سَأَلَهُ فَقَالَ انْتَظِرْ حَتَّى أَسْتَقِيَ فَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِقَدْرِ مَا لَا يَفُوتُ الْوَقْتُ، فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَعِنْدَهُمَا يُنْظَرُ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّ الْوَعْدَ إذَا وُجِدَ صَارَ قَادِرًا بِاعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَفِي بِهِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَارِي إذَا وَعَدَ لَهُ رَفِيقُهُ الثَّوْبَ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّوْشِيحِ لَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ دَلْوٌ وَلَيْسَ مَعَهُ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ وَفِي الْمُجْتَبَى رَأَى فِي صَلَاتِهِ مَاءً فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَوْ سَأَلْتنِي لَأَعْطَيْتُك فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ يُعِيدُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ الشُّرُوعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ الْعِدَةَ بَعْدَ الذَّهَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعْطَاءِ قَبْلَهُ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفُرُوعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهَا عَنْ الزِّيَادَاتِ وَفِي التَّوْشِيحِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا قَالَ أَبَحْت لَك مَالِي لِتَحُجَّ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَجْمَعُوا أَنَّ فِي الْمَاءِ إذَا وَعَدَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لَا يَتَيَمَّمُ وَيَنْتَظِرُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الْأَوَّلِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمِلْكِ وَفِي الثَّانِي بِالْإِبَاحَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَرُبَ مِنْ الْمَاءِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهُ أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِقُرْبِهِ كَبُعْدِهِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَسْأَلْهُ حَتَّى تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَاءٍ قَرِيبٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِالسُّؤَالِ كَمَنْ نَزَلَ بِالْعُمْرَانِ وَلَمْ يَطْلُبْ الْمَاءَ لَمْ يَجُزْ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ سَأَلَهُ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَمْ يُخْبِرْهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي جَانِبِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَكَذَا فِي الشرنبلالية عَنْ قَاضِي خَانْ لَكِنْ فِيهَا عَنْ الْبُرْهَانِ أَنَّ قَدْرَ الطَّلَبِ بِغَلْوَةٍ مِنْ جَانِبِ ظَنِّهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ حَمْلُ عِبَارَاتِهِمْ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَهُمْ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ) قَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَ مَا فِي الْمَبْسُوطِ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْحَسَنَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَخَذَ هُوَ بِهِ فَاعْتَمَدَ فِي الْمَبْسُوطِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَاعْتَمَدَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ رِوَايَةَ الْحَسَنِ لِكَوْنِهَا أَنْسَبَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ بِالْغَيْرِ وَفِي اعْتِبَارِ الْعَجْزِ لِلْحَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْبُرْهَانِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ الْوَجْهَ هُوَ التَّفْصِيلُ كَمَا قَالَ أَبُو نَصْرٍ الصَّفَّارُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ السُّؤَالُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ عِزَّةِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ بِتَحَقُّقِ مَا قَالَا مِنْ أَنَّهُ مَبْذُولٌ عَادَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ظَاهِرُ الْمَنْعِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ كُلُّ مَنْ عَانَى فِي الْأَسْفَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الطَّلَبُ وَلَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ فِيمَا إذَا ظَنَّ الْإِعْطَاءَ لِظُهُورِ دَلِيلِهِمَا دُونَ مَا إذَا ظَنَّ عَدَمَهُ لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ عِزَّةِ الْمَاءِ أَمَّا إذَا شَكَّ فِي مَوْضِعِ عِزَّةِ الْمَاءِ أَوْ ظَنَّ الْمَنْعَ فِي غَيْرِهِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي قَوْلِهِمَا وَالتَّوَسُّعَةُ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي السُّؤَالِ ذُلًّا وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا ذُلَّ فِي سُؤَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَمْنُوعٌ وَاسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَأَلَ ثَمَّ بَعْضَ حَوَائِجِهِ مِنْ غَيْرِهِ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَأَلَ افْتَرَضَ عَلَى الْمَسْئُولِ الْبَذْلُ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُهُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيِّ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ لَوْ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَسْأَلَهُ) الَّذِي رَأَيْته فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ يَجِبُ بِدُونِ لَمْ (قَوْلُهُ: لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمِعْرَاجِ

ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِمَاءٍ قَرِيبٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا بِثَمَنٍ وَلَهُ ثَمَنُهُ لَا يَتَيَمَّمُ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا إنْ أَعْطَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّذِي يَعُزُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ أَوْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ لِتَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْبَدَلِ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَاءِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِوُجُودِ الضَّرَرِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ وَالضَّرَرُ فِي النَّفْسِ مُسْقِطٌ فَكَذَا فِي الْمَالِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَنَظِيرُهُ الثَّوْبُ النَّجَسُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ الثَّوْبِ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْفَاضِلُ عَنْ حَاجَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فَفِي النَّوَادِرِ هُوَ ضَعْفُ الْقِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ إذَا قَدَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ لَا يَتَيَمَّمُ وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَقِيلَ مَا لَا يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مُسْقِطٌ وَاقْتَصَرَ فِي الْبَدَائِعِ وَالنِّهَايَةِ عَلَى مَا فِي النَّوَادِرِ فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ وَأَمْكَنَهُ الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَازِمٌ وَلَا مُطَالَبَةَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِخِلَافِ الْقَرْضِ قُيِّدَ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَ إذَا قَدَرَ عَلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَكْثَرُهُ مَجْرُوحًا تَيَمَّمَ وَبِعَكْسِهِ يَغْسِلُ) أَيْ لَوْ كَانَ أَكْثَرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْهُ مَجْرُوحًا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ أَكْثَرُ جَمِيعِ بَدَنِهِ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ تَيَمَّمَ، وَإِذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَجْرُوحِ يَغْسِلُ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِرْقَةِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ مِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْأَعْضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ فِي نَفْسِ كُلِّ عُضْوٍ، فَلَوْ كَانَ بِرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ جِرَاحَةٌ وَالرِّجْلُ لَا جِرَاحَةَ بِهَا يَتَيَمَّمُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَعْضَاءِ الْجِرَاحَةِ جَرِيحًا أَوْ صَحِيحًا وَالْآخَرُونَ قَالُوا إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ جَرِيحًا فَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَفِي الْحَقَائِقِ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ الْكَثْرَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْأَعْضَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُضُوءِ، وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَكْثَرَ الْبَدَنِ صَحِيحًا أَوْ جَرِيحًا الْأَكْثَرِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ فَلَوْ اسْتَوَيَا لَا رِوَايَةً فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ أَصْلًا وَقِيلَ يَغْسِلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي السِّرَاجِ قِيلَ يَجِبُ الطَّلَبُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَالثَّانِي عَلَى مَا فِي الْهِدَايَة (قَوْلُهُ: قُيِّدَ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَ إذَا قَدَرَ عَلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيَاضٌ بَعْدَ قَوْلِهِ الثَّوْبُ وَفِي بَعْضِهَا لَفْظَةُ لَا يَجِبُ وَفِي بَعْضِهَا لَا يُصَلِّي عُرْيَانًا وَهَاتَانِ النُّسْخَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا يَجِبُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي السِّرَاجِ فَقَالَ وَلَوْ مَلَكَ ثَمَنَ الثَّوْبِ هَلْ يُكَلَّفُ شِرَاءَهُ قَالَ إسْمَاعِيلُ الْإِمَامُ لَا وَلَوْ مَلَكَ ثَمَنَ الْمَاءِ يُكَلَّفُ شِرَاءَهُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً وَيُكَلَّفُ شِرَاءَ الثَّوْبِ كَمَا يُكَلَّفُ شِرَاءَ الْمَاءِ اهـ. وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ قُيِّدَ بِالْمَاءِ إلَخْ الْمَشْيُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْأَنْسَبُ نُسْخَةُ لَا يَجِبُ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالنُّسَخُ هُنَاكَ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا فَفِي بَعْضِهَا التَّرْدِيدُ وَفِي بَعْضِهَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَكَانَ صَاحِبُ النَّهْرِ لَمْ يَرَ عِبَارَةَ السِّرَاجِ فَقَالَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ اهـ وَمَا بَحَثَهُ مُخَالِفٌ لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَخِيهِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَجْرُوحِ يَغْسِلُ) أَيْ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ غَسْلُ الصَّحِيحِ بِدُونِ إصَابَةِ الْمَوْضِعِ الْجَرِيحِ بِالْمَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ إلَّا بِإِصَابَةِ الْمَاءِ لِلْجَرِيحِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ فَفِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا الْجُنُبُ إذَا كَانَ بِهِ جِرَاحَاتٌ فِي عَامَّةِ جَسَدِهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ غَسْلَ الْجِرَاحَةِ وَيَسْتَطِيعُ غَسْلَ مَا بَقِيَ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَسَلَ غَيْرَ مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ رُبَّمَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا فَيَضُرُّهُ لَا جَرَمَ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْسِلَ غَيْرَ مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ وَيَمْسَحَ عَلَى الْجِرَاحَةِ بِالْمَاءِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ أَوْ يَعْصِبَهَا بِخِرْقَةٍ وَيَمْسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ فَعَلَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَعْضَائِهِ صَحِيحًا بِأَنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرُ جَسَدِهِ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ يَدَعُ الرَّأْسَ وَيَغْسِلُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ اهـ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فَأَفَادَ أَنَّ الْجِرَاحَةَ لَوْ كَانَتْ بِظَهْرِهِ مَثَلًا بِحَيْثُ لَوْ غَسَلَ مَا فَوْقَهَا أَصَابَهَا الْمَاءُ لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُ الْجِرَاحَةِ إلَّا إذَا عَصَبَهَا لَزِمَهُ تَعْصِيبُهَا وَمَسْحُ الْعِصَابَةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الْغَسْلِ إلَخْ)

[رجل تيمم للجنابة وصلى ثم أحدث ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به]

الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْبَاقِي وَاخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي الِاخْتِيَارِ وَقَالَ إنَّهُ أَحْسَنُ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ الثَّانِيَ. وَقَالَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ أَحْوَطُ فَكَانَ أَوْلَى وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ بِيَدِهِ قُرُوحٌ يَضُرُّهُ الْمَاءُ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ يَتَيَمَّمُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ مُطْلَقًا اهـ. فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُمْ إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ صَحِيحًا يَغْسِلُ الصَّحِيحُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْيَدَيْنِ جِرَاحَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا لِمَكَانِ الشَّكِّ وَكَمَا لَا جَمْعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ لَا جَمْعَ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَلَا بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَلَا بَيْنَ الِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ وَلَا بَيْنَ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ وَلَا بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَلَا بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَلَا بَيْنَ الْفِطْرَةِ وَالزَّكَاةِ وَلَا بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالصَّوْمِ وَلَا بَيْنَ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ وَلَا بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ وَلَا بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ وَلَا بَيْنَ الْحَدِّ وَالْمَهْرِ وَلَا بَيْنَ الْمُتْعَةِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا وَقَعَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ أَنَّ عَشْرَةً لَا تَجْتَمِعُ مَعَ عَشْرَةٍ فَلَيْسَ لِلْحَصْرِ كَمَا لَا يَخْفَى. [رَجُلٌ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ] (فُرُوعٌ) رَجُلٌ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ لِصَلَاةٍ أُخْرَى، فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ مَرَّ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى صَارَ عَادِمًا الْمَاءَ ثُمَّ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ قَدْرُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ الْأُخْرَى وَقَدْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَنْزِعُ خُفَّيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ ذَلِكَ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ فِي الْمِصْرِ بِأَنْ حُبِسَ فِي مَكَان نَجَسٍ وَلَمْ يَجِدْ مَكَانًا طَاهِرًا وَلَا مَاءَ طَاهِرًا وَلَا تُرَابًا طَاهِرًا لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ أَحَدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ تَشَبُّهًا بِالْمُصَلِّينَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَوْضِعُ يَابِسًا أَمَّا إذَا كَانَ يَابِسًا يُصَلِّي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَمُحَمَّدٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاشِيَ لَا يُصَلِّي، وَهُوَ يَمْشِي وَالسَّابِحُ لَا يُصَلِّي، وَهُوَ يَسْبَحُ وَلَا السَّائِفُ، وَهُوَ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَنْقُرَ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ يَسْتَخْرِجُ التُّرَابَ الطَّاهِرَ وَيُصَلِّي بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَجَعَلَ فِي الْمَبْسُوطِ الْمَسَائِلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا مُخْتَلَفًا فِيهَا إذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ إنْ اسْتَخْلَفَ مُتَوَضِّئًا ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى خَلْفَهُ أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ تَيَمَّمَ هَذَا الَّذِي أَحْدَثَ وَأَمَّ وَأَتَمَّ جَازَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ صَلَاةُ الْمُتَوَضِّئِينَ فَاسِدَةٌ وَصَلَاةُ الْمُتَيَمِّمِينَ جَائِزَةٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَجُوزُ الْبِنَاءُ وَالِاسْتِخْلَافُ وَيَصِحُّ فِيهَا اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَاةِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ التَّيَمُّمِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ، وَأَمَّا اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَجَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ اهـ. وَذَكَرَ الْجَلَّابِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ أَنَّ مَنْ بِهِ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ مَسْحَهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الْمَسْحِ فِي حَقِّهِ اهـ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ أَحْبَبْت ذِكْرَهَا لِغَرَابَتِهَا وَعَدَمِ وُجُودِهَا فِي غَالِبِ الْكُتُبِ وَقَدْ أَفْتَى بِهَا الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ قَارِئُ الْهِدَايَةِ أُسْتَاذُ الْمُحَقِّقِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْهُمَامِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا كَانَ قَدْ تُوُهِّمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ بَعْدَ النَّقْلِ إلَّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ عَادِمًا لِذَلِكَ الْعُضْوِ حُكْمًا فَتَسْقُطُ وَظِيفَتُهُ كَمَا فِي الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ جِرَاحَةٌ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَرِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ كَالْغَسْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQنَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ حَوَاشِي الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ. [الْجَمْعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ] (قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ مَا كَانَ قَدْ تُوُهِّمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ إلَخْ) الَّذِي قَدْ كَانَ تَوَهَّمَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْجَلَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ وَنَظَمَهَا بِقَوْلِهِ وَيَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ عَمَّنْ بِرَأْسِهِ مِنْ الدَّاءِ مَا إنْ بَلَّهُ يَتَضَرَّرُ ثُمَّ قَالَ، وَكَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي قَبْلَ وُقُوفِي عَلَى هَذَا النَّقْلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَيْسَ بَعْدَ النَّقْلِ إلَّا الرُّجُوعُ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّهُ يُجْعَلُ عَادِمًا لِذَلِكَ الْعُضْوِ حُكْمًا فَتَسْقُطُ وَظِيفَتُهُ كَمَا فِي الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بَعْدَ النَّقْلِ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ غَيْرُ مَنْقُولٍ مَعَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ أَيْضًا فَفِي الْفَيْضِ لِلْكَرْكِيِّ عَنْ غَرِيبِ الرِّوَايَةِ مَنْ بِرَأْسِهِ صُدَاعٌ مِنْ النَّزْلَةِ وَيَضُرُّهُ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ فِي الْجَنَابَةِ يَتَيَمَّمُ وَالْمَرْأَةُ لَوْ ضَرَّهَا غَسْلُ رَأْسِهَا فِي الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ تَمْسَحُ عَلَى شَعْرِهَا ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَتَغْسِلُ بَاقِيَ جَسَدِهَا اهـ قَالَ فِي الْفَيْضِ: وَهُوَ عَجِيبٌ.

[باب المسح على الخفين]

لِمَا تَحْتَهُ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ مَسْحٌ فَلَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ مَسْحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلٍ وَالرَّأْسُ مَمْسُوحٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ التَّيَمُّمُ فِي الرَّأْسِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِهَذَا زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْقُنْيَةِ مُسَافِرَانِ انْتَهَيَا إلَى مَاءِ فَزَعَمَ أَحَدُهُمَا نَجَاسَتَهُ فَتَيَمَّمَ وَزَعَمَ الْآخَرُ طَهَارَتَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ مُتَوَضِّئٌ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَأَمَّهُمَا ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي صَلَاتِهِ فَذَهَبَ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ وَأَتَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَلَاةَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقْتَدِ بِصَاحِبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَاحِبَهُ مُحْدِثٌ، وَبِهِ أَفْتَى أَئِمَّةُ بَلْخٍ، وَهُوَ حَسَنٌ. اهـ. (بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) ذَكَرَهُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةُ مَسْحٍ وَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ، وَهَذَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي وَالْمَسْحُ لُغَةً إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَاصْطِلَاحًا عِبَارَةٌ عَنْ رُخْصَةٍ مُقَدَّرَةٍ جُعِلَتْ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا وَالْخُفُّ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْجِلْدِ السَّاتِرِ لِلْكَعْبَيْنِ فَصَاعِدًا وَمَا أُلْحِقَ بِهِ وَسُمِّيَ الْخُفُّ خُفًّا مِنْ الْخِفَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ خَفَّ بِهِ مِنْ الْغَسْلِ إلَى الْمَسْحِ ثُمَّ يَحْتَاجُ هُنَا إلَى مَعْرِفَةِ سِتَّةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهُمَا: أَصْلُ الْمَسْحِ. وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ مُدَّتِهِ. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْخُفِّ الَّذِي يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ. وَالرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ مَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْمَسْحُ. وَالْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ حُكْمِهِ إذَا انْتَقَضَ. وَالسَّادِسُ: مَعْرِفَةُ صُورَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (صَحَّ) أَيْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا فِي التَّوْضِيحِ كَوْنُهَا بِحَيْثُ تُوجِبُ تَفْرِيغَ الذِّمَّةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِهَا اعْتِبَارًا أَوَّلِيًّا إنَّمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الدُّنْيَوِيُّ، وَهُوَ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهَا الثَّوَابُ مَثَلًا، وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأُخْرَوِيُّ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي مَفْهُومِهِ اعْتِبَارًا أَوَّلِيًّا وَالْوُجُوبُ كَوْنُ الْفِعْلِ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهِ يُثَابُ وَلَوْ تَرَكَهُ يُعَاقَبُ فَالْمُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِهِ اعْتِبَارًا أَوَّلِيًّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأُخْرَوِيُّ، وَإِنْ كَانَ يَتْبَعُهُ الْمَقْصُودُ الدُّنْيَوِيُّ كَتَفْرِيغِ الذِّمَّةِ وَنَحْوِهِ اهـ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا هَلْ جَوَازُهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ فَقِيلَ بِالْكِتَابِ عَمَلًا بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ، فَإِنَّهَا لَمَّا عَارَضَتْ قِرَاءَةَ النَّصْبِ حُمِلَتْ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُتَخَفِّفًا وَحُمِلَتْ قِرَاءَةُ النَّصْبِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَخَفِّفًا وَاخْتَارَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَمْ يَثْبُتْ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ جَوَازَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ لَيْسَ مَاسِحًا عَلَى الرِّجْلِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْخُفَّ اُعْتُبِرَ مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ أُزِيلَ بِالْمَسْحِ فَهُوَ عَلَى الْخُفِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَحَمَلُوا قِرَاءَةَ الْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَغْسُولِ وَالْجَرُّ لِلْمُجَاوَرَةِ وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِجَوَازِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا قُلْت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي فِيهِ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ وَعَنْهُ أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهِ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي قَلْبِي شَيْءٌ مِنْ الْمَسْحِ فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَفَعُوا وَمَا وَقَفُوا وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَدْرَكْت سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا جَائِزًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُمْ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُنْكِرَ الْمَسْحِ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ سُئِلَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالَ هُوَ أَنْ تُفَضِّلَ الشَّيْخَيْنِ وَتُحِبَّ الْخَتَنَيْنِ وَتَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ كَذَا قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ وَاجِبًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَوْ غَسَلَ بِهِ رِجْلَيْهِ لَا يَكْفِي وُضُوءَهُ وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَكْفِيهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ وَمِنْهَا مَا لَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ وَمِنْهَا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوُقُوفِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا عِبَارَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُوَ إصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ الْخُفَّ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَخْصُوصِ فِي الْمُدَّةِ الشَّرْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: هُوَ أَنْ تُفَضِّلَ الشَّيْخَيْنِ وَتُحِبَّ الْخَتَنَيْنِ) الْمُرَادُ مِنْ الشَّيْخَيْنِ سَيِّدُنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمِنْ الْخَتَنَيْنِ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ) أَيْ الْمُصَنِّفُ

بِعَرَفَةَ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا مِنْ أَئِمَّتِنَا لَكِنِّي رَأَيْته فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَاعِدِنَا لَا تَأْبَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ أَفْضَلَ لِإِتْيَانِهِ بِالْغَسْلِ إذْ هُوَ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ قَالَ فِي التَّوْشِيحِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَيْضًا وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الرُّسْتُغَفْنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَمَّا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الرَّوَافِضَ وَالْخَوَارِجَ لَا يَرَوْنَهُ، وَأَمَّا لِلْعَمَلِ بِقِرَاءَةِ النَّصْبِ وَالْجَرِّ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ احْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْمَسْحَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَمْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ كَانَ لِلنَّدْبِ وَلَنَا حَدِيثُ عَلِيٍّ قَالَ رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ ذِكْرُ الرُّخْصَةِ وَالْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى، فَإِنْ قِيلَ فَهَذِهِ رُخْصَةٌ إسْقَاطٌ لِمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا وَلَا يُثَابَ عَلَى إتْيَانِ الْعَزِيمَةِ هَاهُنَا إذْ لَا تَبْقَى الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةً إذَا كَانَتْ الرُّخْصَةُ لِلْإِسْقَاطِ كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ قُلْنَا الْعَزِيمَةُ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا أَيْضًا وَالثَّوَابُ بِاعْتِبَارِ النَّزْعِ وَالْغَسْلِ، وَإِذَا نَزَعَ صَارَتْ مَشْرُوعَةً وَسَقَطَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَنْ تَرَكَ السَّفَرَ سَقَطَ عَنْهُ سَبَبُ رُخْصَةِ سُقُوطِ الْقَصْرِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ تَارِكَ السَّفَرِ آثِمٌ اهـ. وَهَكَذَا أَجَابَ النَّسَفِيُّ وَشُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَمَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَمَنَعَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَخَطَّأَهُمْ فِي تَمْثِيلِهِمْ بِهِ فِي الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ لَوْ خَاضَ مَاءً بِخُفِّهِ فَانْغَسَلَ أَكْثَرُ قَدَمَيْهِ بَطَلَ الْمَسْحُ وَكَذَا لَوْ تَكَلَّفَ غَسْلُهُمَا مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَشْرُوعَةٌ مَعَ الْخُفِّ اهـ. وَدَفَعَهُ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ مَبْنَى هَذِهِ التَّخْطِئَةِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْفَرْعِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ كَلِمَتَهُمْ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ اُعْتُبِرَ شَرْعًا مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَتَبْقَى الْقَدَمُ عَلَى طَهَارَتِهَا وَيَحِلُّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ فَيُزَالُ بِالْمَسْحِ وَبَنَوْا عَلَيْهِ مَنْعَ الْمَسْحِ لِلْمُتَيَمِّمِ وَالْمَعْذُورِينَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَبْتَلَّ مَعَهُ ظَاهِرُ الْخُفِّ فِي أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِهِ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ حَدَثٍ وَاجِبِ الرَّفْعِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلِ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِلَا غَسْلٍ وَلَا مَسْحٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَ ذِرَاعَيْهِ وَغَسَلَ مَحَلًّا غَيْرَ وَاجِبِ الْغَسْلِ كَالْفَخِذِ وَوِزَانُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِلَا فَرْقٍ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَكَرَ فِيهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا) أَيْ أَنْ لَا يَكُونَ الْغَسْلُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا أَيْضًا) لَفْظُ أَيْضًا مُسْتَدْرَكٌ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَوِزَانُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِلَا فَرْقٍ) قَالَ فِي الشرنبلالية يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ نَفْيَ الْفَرْقِ فِيهِ تَأَمُّلٌ، وَإِنَّ الْأَوْجَهِيَّةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا إذَا خَاضَ الْمَاءَ لَا عَلَى مَا إذَا تَكَلَّفَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ دَاخِلَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ ذَلِكَ الْفَرْعُ بِالْإِجْزَاءِ بِالْخَوْضِ فِيمَا ذُكِرَ صَرِيحًا بِبُطْلَانِ الْمَسْحِ وَوَجْهُ التَّأَمُّلِ هُوَ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ الْحَدَثُ بِغَسْلِ الرِّجْلِ دَاخِلَ الْخُفِّ لِكَوْنِهِ كَغَسْلِ مَا لَمْ يَجِبْ فَلَمْ يَقَعْ مُعْتَدًّا بِهِ ثُمَّ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَلَمْ يُوجِبْ النَّزْعَ لِحُصُولِ الْغَسْلِ دَاخِلَ الْخُفِّ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ ثُبُوتَ الْفَرْقِ اهـ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ فِي دَفْعِ الْأَوْجَهِيَّةِ أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ ذَكَرَ الْإِجْزَاءَ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَوْ تَكَلَّفَ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا لَوْ خَاضَ فَقَالَ فِيهَا بَطَلَ الْمَسْحُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِجْزَاءَ فِيهَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُحَقِّقِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهِ لِابْتِلَالِ ظَاهِرِ الْخُفِّ لَا لِغَسْلِ الرِّجْلِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ ثُمَّ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ إلَخْ وَاعْتَرَضَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَيْضًا أَوْ لَا بِأَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى تَقْدِيرِ انْغِسَالِ الرِّجْلَيْنِ كِلْتَيْهِمَا عَلَى التَّمَامِ مَعَ ابْتِلَالِ قَدْرِ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ مَعَ عَدَمِ بُطْلَانِ الْمَسْحِ وَالْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ انْغِسَالُ أَكْثَرِ الرِّجْلِ وَبُطْلَانُ الْمَسْحِ وَوُجُوبُ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَفِي قَاضِي خَانْ انْغِسَالُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَبُطْلَانُ الْمَسْحِ كَذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ يُنَافِي مَا قَالَهُ وَثَانِيًا بِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَعَ بَقَاءِ التَّخَفُّفِ وَمَسْحِ الْخُفِّ مَعَ بَقَاءِ الْجُرْمُوقِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْغَسْلُ فِي الْأَوَّلِ وَبَطَلَ مَسْحُ الْخُفِّ بِهِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْمَسْحُ فِي الثَّانِي بِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَلَا بَقَاءَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ وَمَسْحُ الْجُرْمُوقِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ مَسْحِ الْخُفِّ بَلْ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ أَيْضًا فَعِنْدَ تَقَرُّرِ الْوَظِيفَةِ لَا يُعْتَبَرُ الْبَدَلُ الْآخَرُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ وِزَانُ الْأَوَّلِ وِزَانَ الثَّانِي اهـ. وَاعْتَرَضَهُ أَيْضًا فَقَالَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَقَوْلُهُ إذَا لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَخْ قُلْنَا عَدَمُ وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلِ عَيْنًا لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْمَسْحِ عَيْنًا لِجَوَازِ كَوْنِ الْوَاجِبِ أَحَدَهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُخَيَّرَةِ وَتَشْبِيهُهُ بِتَرْكِ الذِّرَاعَيْنِ وَغَسْلِ الْفَخِذِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ كَلِمَتَهُمْ مُتَّفِقَةٌ إلَخْ فَهُوَ أَنَّ الْخُفَّ إنَّمَا اُعْتُبِرَ مَانِعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ تَرْخِيصًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ اللَّازِمِ بِإِيجَابِ الْغَسْلِ عَيْنًا فَإِذَا حَصَلَ الْغَسْلُ زَالَ التَّرَخُّصُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ الْمُخْتَصِّ هُوَ بِهِ فَقَدْرُ حُلُولِ الْحَدَثِ قَبِيلَ الْغَسْلِ مَحَلُّ الْغَسْلِ فِي مَحَلِّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَلَا مَحِيصَ حِينَئِذٍ عَنْ إشْكَالِ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى أَهْلِ الْأُصُولِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ

أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَالْأَوْجَهُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ كَوْنُ الْأَجْزَاءِ إذَا خَاضَ النَّهْرَ لِابْتِلَالِ الْخُفِّ ثُمَّ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ إنَّمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِهَا لِحُصُولِ الْغَسْلِ بِالْخَوْضِ وَالنَّزْعُ إنَّمَا وَجَبَ لِلْغَسْلِ وَقَدْ حَصَلَ اهـ. وَظَاهِرُهُ تَسْلِيمُ التَّخْطِئَةِ لَوْ صَحَّ الْفَرْعُ وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ التَّخْطِئَةَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْفَرْعِ أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ الْجَوَازُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ لَا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْظِيرُهُمْ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ أَتَى بِالْعَزِيمَةِ بِأَنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ يَأْثَمُ مَعَ أَنَّ فَرْضَهُ يَتِمُّ وَتَحْقِيقُ جَوَابِهِ أَنَّ الْمُتَرَخِّصَ مَا دَامَ مُتَرَخِّصًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ فَإِذَا زَالَ التَّرَخُّصُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ مَا دَامَ مُسَافِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِتْمَامُ حَتَّى إذَا افْتَتَحَهَا بِنِيَّةِ الْأَرْبَعِ يَجِبُ قَطْعُهَا وَالِافْتِتَاحُ بِالرَّكْعَتَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فَإِذَا افْتَتَحَهَا بِنِيَّةِ ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ تَحَوَّلَتْ إلَى الْأَرْبَعِ فَالْمُتَخَفِّفُ مَا دَامَ مُتَخَفِّفًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْغَسْلُ حَتَّى إذَا تَكَلَّفَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ أَثِمَ، وَإِنْ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ وَإِذَا نَزَعَ الْخُفَّ وَزَالَ التَّرَخُّصُ صَارَ الْغَسْلُ مَشْرُوعًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَالْعَجَبُ أَنَّ هَذَا مَعَ وُضُوحِهِ لِمَنْ تَدَرَّبَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ كَيْفَ خَفَى عَلَى فَحْلٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْفُحُولِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَزِيمَةَ مَا كَانَ حُكْمًا أَصْلِيًّا غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ وَالرُّخْصَةُ مَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي تَعْرِيفِهِمَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا عُرِفَ فِيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّهُ إذَا ابْتَلَّ قَدَمُهُ لَا يَنْتَقِضُ مَسْحُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ فَلَا يَقَعُ هَذَا غَسْلًا مُعْتَبَرًا فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ تَمْثِيلِهِمْ وَعَدَمِ صِحَّةِ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى. (قَوْلُهُ: وَتَحْقِيقُ جَوَابِهِ) أَيْ جَوَابُ صَاحِبِ الْكَافِي الْإِمَامِ النَّسَفِيِّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الدُّرَرِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلَّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْ الْعِبَارَةَ بِعَيْنِهَا كَمَا قَالَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ (قَوْلُهُ: أَثِمَ) قَالَ فِي الشرنبلالية فِي تَأْثِيمِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَالْعَجَبُ إلَخْ) أَجَابَ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا سَبَقَ عَنْ صَاحِبِ الدُّرَرِ أَقُولُ: مَا قَالَهُ مِنْ الْمُرَادِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهُوَ الْجَوَازُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ أَئِمَّتَنَا إنَّمَا يُرِيدُونَ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْفِعْلِ الْجَوَازَ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْكَامِ الْفِعْلِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْعِبَادَةُ فَغَسْلُ الرِّجْلِ حَالَ التَّخَفُّفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَاسْتِدْلَالُهُ بِتَنْظِيرِهِ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْعَزِيمَةِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ رَكْعَتَانِ لَا يُطِيقُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِمَا فَرْضًا كَمَا لَا يُطِيقُ الْمُقِيمُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ فَرْضًا، وَإِنَّمَا يُتِمُّ فَرْضَهُ رَكْعَتَيْنِ فَحَسْبُ وَأَثِمَ لِبِنَاءِ النَّفْلِ، وَهُوَ الرَّكْعَتَانِ الْأُخْرَيَانِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ لَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعَزِيمَةِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِهَا وَإِبَاحَتِهَا لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَخَفِّفِ الَّذِي انْغَسَلَ أَكْثَرُ رِجْلِهِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْغَسْلُ شَرْعًا وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ بُطْلَانُ الْمَسْحِ وَلُزُومُ نَزْعِ الْخُفِّ لِإِتْمَامِ الْغَسْلِ وَلَوْ قَدَرَ أَنَّهُ غَسَلَ كِلْتَا الرِّجْلَيْنِ مُتَخَفِّفًا لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ بِتَمَامِ الْمُدَّةِ وَلَا بِنَزْعِ الْخُفِّ مَعَ جَوَازِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ بِهِ فَثَبَتَ مَشْرُوعِيَّةُ الْغَسْلِ حَالَ التَّخَفُّفِ بِمَعْنَى تَصَوَّرَ وُجُودُهُ شَرْعًا وَتَحَقُّقُهُ بِخِلَافِ الْإِتْمَامِ وَاعْتِرَاضُ الزَّيْلَعِيِّ عَلَى أَهْلِ الْأُصُولِ مُقَرَّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَحَاصِلُهُ مَنْعُ كَوْنِ الْمَسْحِ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ وَإِثْبَاتُ أَنَّهُ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الرُّخْصَةِ، وَهُوَ مَا يُرَخَّصُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ كَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَفِي هَذَا النَّوْعِ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ مَعَ وُجُودِ التَّرَخُّصِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِي حَالِ السَّفَرِ وَيُثَابَ عَلَيْهِ فَالْمُتَخَفِّفُ إذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَالَ التَّخَفُّفِ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَيُثَابُ عَلَيْهِ إذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَمَا بَطَلَ مَسْحُهُ إذَا خَاضَ الْمَاءَ وَدَخَلَ فِي الْخُفِّ وَلَمَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ إذَا تَأَمَّلْت كَلَامَ الْمُحَقِّقِ كَمَالِ الدِّينِ وَكَلَامَ صَاحِبِ الدُّرَرِ عَلِمْت أَنَّ تَنْظِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي إشْكَالِ الزَّيْلَعِيِّ بِمَلْحَظٍ غَيْرِ مَلْحَظِ الْآخَرِ فَمُحَصَّلُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ مَنْعُ صِحَّةِ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَمَنْعُ صِحَّةِ الْفَرْعِ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ وَمُحَصَّلُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ صِحَّةُ كَلَامِهِ فِي ذَاتِهِ وَمَنْعُ وُرُودِهِ عَلَى النَّسَفِيِّ وَالْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ مَنَعَ مَنْعَهُ وَأَثْبَتَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَرَدَّ كَلَامَ الْمُحَقِّقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ. مُلَخَّصًا. لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْحَلَبِيِّ مِنْ نَفْيِ رُخْصَةِ الْإِسْقَاطِ وَادِّعَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي، فَإِنَّ حُكْمَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى كَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَالْغَسْلُ حَالَ التَّخَفُّفِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدٌ الْقُهُسْتَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْوِقَايَةِ وَلَيْسَ مِنْ رُخْصَةِ التَّرْفِيهِ فِي شَيْءٍ إذْ الْمَعْنَى رُخْصَةٌ مُخَفَّفَةٌ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتِهِ لِلْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ كَقَصْرِ الْمُسَافِرِ فَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ غَسْلُ الْمُتَخَفِّفِ أَفْضَلَ مِنْ مَسْحِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْمَقَامِ مِنْ الْكَلَامِ الْوَافِي لِتَحْقِيقِ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي فَمَنْ قَالَ إنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةُ تَرْفِيهٍ عِنْدَهُمَا فَقَدْ دَلَّ كَلَامُهُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْفُحُولِ كَمَا

الْمَسْحِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ فِي سِيَاقِ نَقْلِهِ عَنْ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعِيَاضِيِّ لَا يَنْتَقِضُ، وَإِنْ بَلَغَ الْمَاءُ الرُّكْبَةَ. اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ لَبِسَ خُفَّيْهِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا فَدَخَلَ الْمَاءُ إحْدَاهُمَا إنْ وَصَلَ الْكَعْبَ حَتَّى صَارَ جَمِيعُ الرِّجْلِ مَغْسُولًا يَجِبُ غَسْلُ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْكَعْبَ لَا يَنْتَقِضُ مَسْحُهُ وَإِنْ أَصَابَ الْمَاءُ أَكْثَرَ إحْدَى رِجْلَيْهِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَدْ عَلِمْت صِحَّةَ مَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ غَيْرَ أَنَّهُ أَقَرَّ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ ثَانِيًا إذَا نَزَعَهُمَا أَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْدِثٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَعْمَلُ ذَلِكَ الْحَدَثُ السَّابِقُ عَمَلَهُ مِنْ السِّرَايَةِ إلَى الرِّجْلَيْنِ وَقْتَئِذٍ فَيَحْتَاجُ إلَى مُزِيلٍ لَهُ عَنْهُمَا حِينَئِذٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُزِيلَ لَا يَظْهَرُ عَمَلُهُ فِي حَدَثٍ طَارِئٍ بَعْدَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ امْرَأَةً) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَاسِحُ امْرَأَةً لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ وَارِدًا فِي حَقِّ الْآخَرِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَّةِ وَلِغَيْرِهَا سَفَرًا وَحَضَرًا. (قَوْلُهُ: لَا جُنُبًا) أَيْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّصْوِيرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَجْنَبَ وَقَدْ لَبِسَ عَلَى وُضُوءٍ وَجَبَ نَزْعُ خُفَّيْهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجَنَابَةَ أَلْزَمَتْهُ غُسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ وَفِي الْكِفَايَةِ صُورَتُهُ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ جَوْرَبَيْنِ مُجَلَّدَيْنِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّهُمَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ مُضْطَجِعًا وَيَمْسَحَ عَلَيْهِ اهـ. وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الِاغْتِسَالُ مَعَ وُجُودِ الْخُفِّ مَلْبُوسًا وَقِيلَ صُورَتُهُ مُسَافِرٌ أَجْنَبَ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ فَتَيَمَّمَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَوَجَدَ مَاءً يَكْفِي وُضُوءَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَتِهِ فَيَنْزِعُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا فَإِذَا فَعَلَ وَلَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَثَ يَمْنَعُهُ الْخُفُّ السِّرَايَةَ لِوُجُودِهِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَوْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ عَادَ جُنُبًا فَإِذَا لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى فَقَدَهُ تَيَمَّمَ لَهُ فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا، فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ وَقَدْ ذَكَرَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ أَنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ كَوْنُ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ لَا طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، فَإِنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ كَمَالِهَا عَدَمُ الرَّفْعِ عَنْ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ إصَابَةِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوَظِيفَةِ حِسًّا فَيَمْنَعُ تَأْثِيرُهُ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي يَعْقُبُهَا اللُّبْسُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ وَلَمْ يُرِدْ مِنْ قَوْلِهِ مَا يُوَسِّعُ مَوْرِدَهُ فَيَلْزَمُ فِيهِ الْمَاءُ قَصْرًا عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَحَدِيثُ صَفْوَانَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ لِلْجَنَابَةِ. اهـ. وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQدَلَّ عَلَى قِصَرِ بَاعِهِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ عَلِمْت صِحَّةَ مَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْت لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ فَرْعٍ يُخَالِفُ فَرْعًا غَيْرَهُ بُطْلَانُهُ كَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بِقَوْلِهِ مَاسِحُ الْخُفِّ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ خُفَّهُ وَابْتَلَّ مِنْ رِجْلِهِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ أَقَلَّ لَا يَبْطُلُ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُجْزِئُ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْمَسْحِ، وَإِنْ ابْتَلَّ بِهِ جَمِيعُ الْقَدَمِ وَبَلَغَ الْكَعْبَ بَطَلَ الْمَسْحُ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ قَالَ وَيَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلِ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ فِي حَيْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَعَنْ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ إذَا أَصَابَ الْمَاءُ أَكْثَرَ إحْدَى رِجْلَيْهِ يُنْقَضُ مَسْحُهُ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ م وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَوَاقِضِ الْمَسْحِ وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ غَسْلَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ يَنْقُضُهُ فِي الْأَصَحِّ اهـ. فَهَذَا نَصٌّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْفَرْعِ وَضَعُفَ مَا يُقَابِلُهُ اهـ. كَلَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية أَجَابَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْمُحِبِّيُّ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْعَهُ عَنْ هَذَا مُنِعَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْغَسْلِ دَاخِلَ الْخُفِّ الْآنَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَانِعِ فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ عَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلُهُ لِحُصُولِهِ بَعْدَ الْحَدَثِ فِي الْحَقِيقَةِ حَالَ التَّخْفِيفِ فَإِذَا نَزَعَ وَتَمَّتْ الْمُدَّةُ لَا يَجِبُ الْغَسْلُ لِظُهُورِ عَمَلِ الْمُقْتَضَى الْآنَ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ بَعْدَ غَسْلِهَا إذْ ذَاكَ لَا تَعُودُ جَنَابَتُهَا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهَا مَرَّةً أُخْرَى لِأَجْلِ

[المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل]

يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا لَا عَنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ» وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَرُوِيَ بِحَرْفِ النَّفْيِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ رِوَايَةُ إلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّة وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ بِأَوْ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْوَاوِ كَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى سَأَلْت أُسْتَاذِي نَجْمَ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيَّ عَنْ صُورَتِهِ فَقَالَ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُدَّ خُفَّيْهِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيَمْسَحَ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الصُّوَرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَنْتَقِضُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا وَتَيَمَّمَ عَادَتْ الْجَنَابَةُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا عَادَ الْحَدَثُ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَكَلُّفٌ أَنَّهَا لَا تُنَاسِبُ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ إذْ وَضْعُهَا عَدَمُ جَوَازِ الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فِي الْغُسْلِ وَمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ جَوَازِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ احْتِرَازًا مِنْ الْجَنَابَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْحَيْضِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مُسَافِرَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالنِّفَاسُ، فَإِنَّهُ لَا يَنُوبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ جَعْلِ الْخُفِّ مَانِعًا مِنْ سِرَايَتِهَا إلَى الرِّجْلِ شَرْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْجَنَابَةِ حَدِيثُ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمُ وَيُقَاسُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إجْمَاعٌ اهـ. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَيْضُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى أَصْلِهِمَا، فَإِنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَمَسَحَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ انْتَقَضَ الْمَسْحُ قَبْلَهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُمْنَعَ الْمَسْحُ لِأَجْلِ غُسْلِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِانْتِقَاضِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَبِسْتهمَا فِي الْحَيْضِ فَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمَسْحِ، وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْمَقْصُودُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مَانِعٌ مِنْ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ سِوَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ وَصُورَةُ عَدَمِ مَسْحِ النُّفَسَاءِ أَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ نَفِسَتْ وَانْقَطَعَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ مُسَافِرَةٌ أَوْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ مُقِيمَةٌ. (قَوْلُهُ: إنْ لَبِسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَقْتَ الْحَدَثِ) يَعْنِي الْمَسْحَ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقْتَ الْحَدَثِ وَذِكْرُهُ التَّمَامَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النُّقْصَانِ الذَّاتِيِّ لَهُ كَمَا إذَا بَقِيَ لُمْعَةٌ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ طَهَارَةِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ إذَا تَوَضَّئُوا وَلَبِسُوا مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلُوا بِهِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَعَنْ طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ وَبِنَبِيذِ التَّمْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ الْوُضُوءِ بِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَفَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا نَقْصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الطَّهَارَاتِ بَلْ هِيَ مَا بَقِيَ شَرْطُهَا كَالَّتِي بِالْمَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQتِلْكَ الْجَنَابَةِ كَمَا لَوْ غَسَلَهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَكْمَلَ الْغَسْلَ، وَإِنَّمَا حَلَّ بِهِمَا بَعْدَ الْغَسْلِ حَدَثٌ وَالْمَسْحُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ جَائِزٌ وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اغْتَسَلَ وَبَقِيَ عَلَى جَسَدِهِ لُمْعَةٌ فَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ اللُّمْعَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يَمْسَحُ اهـ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ لُمْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَقَاءِ الْجَنَابَةِ وَقَدْ لَبِسَ الْخُفَّ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ اللُّمْعَةِ وَجَوَّزَ لَهُ الْمَسْحَ فَكَذَا يَجُوزُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. [الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ] (قَوْلُهُ: وَرُوِيَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ تَقْرِيرُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِدْرَاكِ الْحَاصِلَيْنِ بِإِلَّا وَلَكِنْ هُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصَ لَهُمْ الْمَسْحَ مَعَ تَرْكِ النَّزْعِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْجَنَابَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَنْزِعُوهَا إلَّا عِنْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ قَالَ مُسْتَدْرِكًا لَكِنْ عَنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ فَلَا تَنْزِعُوهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ تَقْدِيرُهُ أُمِرْنَا أَنْ نَنْزِعَهَا مِنْ جَنَابَةٍ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ إيجَابِيَّةٌ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ جَاءَ بِجُمْلَةٍ فَقَالَ لَكِنْ لَا تَنْزِعْهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ تَبْيِينُ الْحَالَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الرُّخْصَةُ وَأَنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ خَاصَّةً لَا فِي الْجَنَابَةِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الْإِيجَابِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ أُمِرْنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِيجَابَ إلَّا أَنَّهُ عَلَى نَفْيٍ وَالِاسْتِدْرَاكُ مِنْ النَّفْيِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ غَائِطٍ يَسْتَدْعِي عَامِلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَرْفُ الْجَرِّ وَأَقْرَبُ مَا يُضْمَرُ لَهُ مِنْ الْعَوَامِلِ فِعْلٌ دَلَّ الْفِعْلُ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّزْعُ فَكَانَ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لَا نَنْزِعُهَا مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَهَذِهِ مَعَانٍ دَقِيقَةٌ لَا يُدْرِكُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ أَيْ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَغْسُولَةِ لَا تَعُودُ بِمَعْنَى أَنَّهُ سَقَطَ عَنْهَا فَرْضُ الْغَسْلِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا ثَانِيًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَعُودُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ الْمَارِّ إذَا أَحْدَثَ وَعِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ جُنُبًا وَقَوْلُهُمْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ سَرَتْ إلَى الْقَدَمَيْنِ وَحَاصِلُ الرَّدِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِلْوُضُوءِ فَقَطْ لَا يَعُودُ الْجَنَابَةُ إذْ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى الْمَاءِ الْكَافِي لِلْجَنَابَةِ وَلَا تَعُودُ جَنَابَةُ أَعْضَاءِ

الْمُطْلَقِ الطَّهُورِ فِي حَقِّ الْأَصِحَّاءِ وَتَحْرِيرُ الْمَسْحِ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعُذْرُ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ كَالْأَصِحَّاءِ حَتَّى إذَا كَانَ مُقِيمًا فَيَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ الْعَارِضِ لَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ اللُّبْسِ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْمَذْكُورَ صَادَفَ لُبْسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ مُطْلَقًا فَجَازَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ بِطَهَارَةِ الْعُذْرِ بِأَنْ وُجِدَ الْعُذْرُ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ أَوْ لِلُّبْسِ أَوْ لِكِلَيْهِمَا أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَبِسَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَمْسَحُ فِي الْوَقْتِ كُلَّمَا تَوَضَّأَ الْحَدَثَ غَيْرَ مَا ابْتَلَى بِهِ وَلَا يَمْسَحُ خَارِجَ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَادَفَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِ لُبْسًا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْحَقَ ذَلِكَ الْحَدَثَ الَّذِي ابْتَلَى بِهِ بِالْعَدَمِ فِيهِ حَتَّى جَوَّزَ لَهُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ مَعَهُ فِيهِ وَصَادَفَ بِالنِّسْبَةِ إلَى خَارِجِ الْوَقْتِ لُبْسًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُجَوِّزْ لَهُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَدَثٌ آخَرُ، فَإِنَّ هَذِهِ آيَةٌ عَمِلَ الْحَدَثُ السَّابِقُ عَمَلَهُ إذْ خُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ حَقِيقَةً بِالْإِجْمَاعِ فَبَانَ أَنَّ اللُّبْسَ فِي حَقِّهِ حَصَلَ لَا عَلَى طَهَارَةٍ فَلَا جَرَمَ إنْ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ فِي الْوَقْتِ لَا خَارِجَهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَيَمْسَحُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا فِي الْوَقْتِ فَيَمْسَحُ مُطْلَقًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَشَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا ثُمَّ يُكْمِلُ الْوُضُوءَ وَمِنْهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَاحِدَةً وَيَلْبَسُ خُفَّهَا ثُمَّ يَغْسِلُ الْأُخْرَى وَيَلْبَسُهُ وَمِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَخُوضُ فِي الْمَاءِ فَتَبَتُّلُ رِجْلَاهُ مَعَ الْكَعْبَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ بِأَنْ ابْتَلَّ رِجْلَاهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ إذَا أَحْدَثَ لِتَمَامِ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَقْتُ اللُّبْسِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ وَقْتُ الْحَدَثِ قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذُكِرَ فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ زِيَادَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَّ لُبْسَهُمَا عَلَى وُضُوءٍ يُغْنِي عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يُطْلَقُ عَلَى ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ وَعَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ لَابِسُهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ وُجِدَ لُبْسُهُمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ اللُّبْسُ ابْتِدَاءً أَوْ بِالدَّوَامِ عِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ اهـ. وَوَجْهُ دَفْعِهِ أَنَّ الْفِعْلَ دَالٌّ عَلَى الْحَدَثِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْمُطَوَّلِ الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالْفِعْلُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ اهـ. فَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْطَ حُصُولُ اللُّبْسِ عَلَى طُهْرٍ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ بِشَرْطِ أَنْ تَتِمَّ تِلْكَ الطَّهَارَةُ عِنْدَ الْحَدَثِ وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْ التَّامَّ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لِتَبَادُرِ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ اللُّبْسِ وَحُصُولِ الطُّهْرِ التَّامِّ قَبْلَهُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى لَفْظَةِ عَلَى وَبَعْدَمَا قَيَّدَ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لَمْ يَبْقَ احْتِمَالُ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ اللُّبْسِ وَكَوْنُ الْفِعْلِ أُطْلِقَ عَلَى الدَّوَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَالْكَلَامُ فِي تَبَادُرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَلَوْلَا التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ الْحَدَثِ لَتَبَادَرَ الْفَهْمُ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْكِتَابِ عَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ كَوْنِ اللُّبْسِ عَلَى طُهْرٍ تَامٍّ وَقْتَ اللُّبْسِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنَا التَّامُّ وَقْتَ الْحَدَثِ أَعَمُّ مِنْ التَّامِّ فِيهِ فَقَطْ وَالتَّامُّ فِيهِ وَقَبْلَهُ أَيْضًا وَالتَّامُّ وَقْتَ اللُّبْسِ يَكُونُ تَامًّا وَقْتَ الْحَدَثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ لُبْسِهِمَا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ ابْتِدَاءً لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُغِيرَةِ «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» وَأَهْوَيْت بِمَعْنَى قَصَدْت وَلِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ إسْنَادَهُ صَحِيحٌ وَالْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى أَدْخَلْتهمَا أَدْخَلْت كُلَّ وَاحِدَةٍ الْخُفَّ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوُضُوءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّأُ زَوَالًا وَلَا ثُبُوتًا، وَإِنَّمَا حَلَّ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَيَكُونُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْحِ لِلْجُنُبِ فَلِذَا كَانَ مَا صَوَّرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. (قَوْلُهُ: فَلَوْلَا التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ الْحَدَثِ إلَخْ) وَفَائِدَتُهُ أَيْضًا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ التَّنْصِيصُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ شَائِعٌ ذَائِعٌ فَالْقَيْدُ لَيْسَ بِضَائِعٍ

لَا أَنَّهُمَا اقْتَرَنَا فِي الطَّهَارَةِ وَالْإِدْخَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَادَةً، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ دَخَلْنَا الْبَلَدَ وَنَحْنُ رُكْبَانٌ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ رَاكِبًا عِنْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمْ رُكْبَانًا عِنْدَ دُخُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا اقْتِرَانُهُمْ فِي الدُّخُولِ كَذَا أَجَابَ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا يَصْدُقُ عَلَى الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ مَا إذَا بَدَأَ بِلُبْسِهِمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ إلَى آخِرِهِ نَظَرًا إلَى ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ لَا إلَى مَا بَعْدَ الْوُضُوءِ الْكَامِلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى غَسْلِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ لَيْسُوا بِمُعْتَدِّينَ بِابْتِدَاءِ هَذَا اللُّبْسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ إنَّمَا هُمْ مُعْتَدُّونَ بِاسْتِمْرَارِهِ لَهُمَا بَعْدَ الْوُضُوءِ الْكَامِلِ تَنْزِيلًا لِاسْتِمْرَارِ اللُّبْسِ مِنْ وَقْتِهِ إلَى حِينِ الْحَدَثِ بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ لُبْسٍ جَدِيدٍ وُجِدَ الْحَدَثُ بَعْدَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لِعَقْلِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ يَكُونُ مَلْبُوسًا عِنْدَ أَوَّلِ حَدَثٍ يَحْدُثُ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَهَذَا الْمَقْصُودُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا فِي الصُّوَرِ الْأُخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ الْوُضُوءَ بِتَمَامِهِ مُرَتَّبًا لَوْ نَزَعَ رِجْلَيْهِ مِنْ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُمَا إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ غَسْلِهِمَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْإِكْمَالِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ إذَا وُجِدَ الْإِكْمَالُ بَعْدَ ابْتِدَاءِ اللُّبْسِ قَبْلَ الْحَدَثِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كَانَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ طَرِيقٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَمَا ضَاهَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِمَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي ذَلِكَ وَالْأَحْسَنُ وَأَهْلُ الْمَذْهَبِ قَائِلُونَ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي عَيَّنَهُ مُخَالِفُوهُمْ مَحَلًّا لِلْجَوَازِ نَظَرًا إلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ الْوَجْهُ الْأَكْمَلُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَقْتَ الْحَدَثِ تَوَسُّعًا وَالْمُرَادُ قُبَيْلَ الْحَدَثِ أَيْ مُتَّصِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْحَدَثِ لَا يُجَامِعُ الطَّهَارَةَ فَكَيْفَ يَكُونُ ظَرْفًا لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي اتِّصَالِ الْوُضُوءِ التَّامِّ بِالْحَدَثِ حَتَّى كَأَنَّهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَذَا ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُرَادِهِ فِي الْكَافِي فَقَالَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ بَعْدَ اللُّبْسِ طَارِئًا عَلَى وُضُوءٍ تَامٍّ وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْشِيحِ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِلْفَجْرِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى ثُمَّ لِلْعَصْرِ كَذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ فِي الْفَجْرِ يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ اللُّبْسَ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ فِي الظُّهْرِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الظُّهْرِ خَاصَّةً لِتَيَقُّنِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الْعَصْرِ تَامَّةٍ فَتَكُونُ طَهَارَتُهُ لِلْعَصْرِ تَامَّةً وَلَا تَرْتِيبَ عَلَيْهِ لِلنِّسْيَانِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى جَبَائِرَ قَدَمَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَوْ كَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ صَحِيحَةً فَغَسَلَهَا وَمَسَحَ عَلَى جَبَائِرَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَرِئَ الْجُرْحُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ لَغَسَلَ لِمَا تَحْتَهُ فَحَصَلَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُمَا مَغْسُولَتَيْنِ حَقِيقَةً فِي الْخُفِّ، وَإِنْ كَانَ بَرِئَ الْجُرْحُ نَزَعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَظَهَرَ أَنَّ اللُّبْسَ حَصَلَ لَا عَلَى طَهَارَةٍ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ ثُمَّ بَرِئَ يُكْمِلُ مُدَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا بَرِئَ بِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ اللُّبْسِ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى بَرِئَ فَغَسَلَ مَوْضِعَهُ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَقَدْ كَمُلَتْ الطَّهَارَةُ فَيَكُونُ الْحَدَثُ طَارِئًا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ مَوْضِعَ الْجِرَاحَةِ بَعْدَ الْبُرْءِ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَنْزِعُ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عَدَمَ مَسْحِ الْمُتَيَمِّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى الْوُضُوءِ التَّامِّ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ تَامَّةٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهَا كَالَّتِي بِالْمَاءِ مَا بَقِيَ الشَّرْطُ بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لَكَانَ الْخُفُّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الَّذِي حَلَّ بِالْقَدَمِ؛ لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ ثُمَّ بَرِئَ يُكْمِلُ مُدَّتَهُ) أَيْ بَرِئَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ يُكْمِلُ مُدَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ هَذَا الْحَدَثِ ثُمَّ بَرِئَ صَارَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ وَالْحَدَثُ السَّابِقُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اللُّبْسِ فَيَكُونُ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَكَذَا السَّابِقَةُ، فَإِنَّ الْحَدَثَ الَّذِي ظَهَرَ كَانَ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَا يَكُونُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَيَجِبُ نَزْعُ الْخُفِّ وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْمَسْحَ بَعْدَ اللُّبْسِ.

[بيان مدة المسح على الخفين]

الْحَدَثَ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ هُوَ الَّذِي قَدْ كَانَ حَلَّ بِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ لَكِنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يُزِيلُ مَا حَلَّ بِالْمَمْسُوحِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْخُفِّ مَانِعًا شَرْعًا سِرَايَةَ الْحَدَثِ الَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَهُ إلَى الْقَدَمَيْنِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ جَعْلِهِ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ نَاقِصَةً كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُتَيَمِّمِ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا) هَذَا بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْمَسْحِ أَيْ صَحَّ الْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَة إلَخْ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ يَطُولُ سَرْدُهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ فِي جَوَازِهِ لِلْمُقِيمِ وَمَشَى أَبُو زَيْدٍ فِي رِسَالَتِهِ عَلَى جَوَازِهِ لِلْمُقِيمِ. (قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ) بَيَانٌ لِأَوَّلِ وَقْتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَقَالَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى أَحَادِيثِ الْبَابِ الصَّحِيحَةِ وَلَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الرُّخْصَةِ وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ كُلَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخُفَّ جُعِلَ مَانِعًا مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ شَرْعًا فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ طَهَارَةُ الْغَسْلِ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهَا، فَإِذَنْ التَّقْدِيرُ فِي التَّحْقِيقِ إنَّمَا هُوَ لِمُدَّةِ مَنْعِهِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ التَّقْدِيرَ لِلْمَسْحِ أَوْ اللُّبْسِ وَالْخُفُّ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ حَتَّى يَمُرَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفِّ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ وَلَمْ يُصَلِّ أَيَّامًا لَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ الْعَدْلُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ اهـ. وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ رَافِعٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مَسْحٌ أَوْ لَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ مُضِيُّ الْمُدَّةِ نَاقِضًا لِلْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْحٌ فَلَا أَثَرَ لِمُضِيِّهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ بَعْدَمَا انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ يَمْسَحُ إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي إنْ كَانَ مُقِيمًا وَمِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُجْتَبَى وَالْمُقِيمُ فِي مُدَّةِ مَسْحِهِ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ وَقْتِيَّةٍ بِالْمَسْحِ كَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّاهَا وَقَعَدَ قَدْرًا لِتَشَهُّدٍ فَأَحْدَثَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ الْغَدِ عَلَى هَيْئَةِ الْأُولَى لِاعْتِرَاضِ ظُهُورِ الْحَدَثِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ وَقَدْ يُصَلِّي خَمْسًا وَقَدْ يُصَلِّي سِتًّا كَمَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ مِنْ الْغَدِ وَقَدْ يُصَلِّي بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَبْعًا عَلَى الِاخْتِلَافِ اهـ. (قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِهِمَا مَرَّةً) بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْمَسْحِ حَتَّى لَا يَجُوزَ مَسْحُ بَاطِنِهِ أَوْ عَقِبِهِ أَوْ سَاقَيْهِ أَوْ جَوَانِبِهِ أَوْ كَعْبِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَظَهْرُ الْقَدَمِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ مَعَ ظَاهِرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ شُرِعَتْ مُكَمِّلَةً لِلْفَرَائِضِ وَالْإِكْمَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ لَا فِي غَيْرِهِ اهـ. وَفِي غَيْرِهِ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْمُرَادُ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «وَضَّأْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَيَان مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْحَدَثِ لَا مِنْ آخِرِهِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَا قُلْنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ عَمَلِ الْخُفِّ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُصَلَّى بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَبْعًا عَلَى الِاخْتِلَافِ) أَيْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَيُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الظُّهْرُ بَعْدَ الْمِثْلِ وَالْعَصْرُ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ وَفِي الْمِثْلَيْنِ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى قَوْلِهِمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ الْمِثْلِ. [بَيَان مَحَلّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهِ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحِيطِ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ مَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ مَعَ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُحِيطِ وَلَا يُسَنُّ لَكِنْ فِي النَّهْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي الْمَسْحِ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ اهـ. أَقُولُ: وَهَكَذَا رَأَيْته فِي شَرْحِ الْغَزْنَوِيَّةِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْعَيْنِيِّ مَعْزِيًّا لِلْبَدَائِعِ أَيْضًا لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْ الْبَدَائِعِ عَزْوُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَاطِنِ لَا يَجُوزُ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ الْجَمْعُ إلَخْ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ قَالَ مَحَلُّ الْمَسْحِ ظَاهِرُ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ فَرْضٌ وَعَلَى بَاطِنِهِ سُنَّةٌ وَالْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَيَمْسَحَ بِهِمَا كُلَّ رِجْلِهِ اهـ. فَضَمِيرُ عِنْدِهِ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى نَعَمْ ذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ قَوْلٌ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا أَيْضًا

فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» أَرَادَ أَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ لَمْ تَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ وَغَيْرُ جَائِزٍ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي رَدِّ التَّوْقِيفِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يُلَاقِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ طِينٍ وَتُرَابٍ وَقَذِرٍ وَلَا يُلَاقِيهَا ظَاهِرُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ نَفْيَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ فِي أُصُولِهِ اهـ. كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهَذَا يُفِيدُ كَظَاهِرِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِنِ عِنْدَهُمْ مَحَلُّ الْوَطْءِ لَا مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ وَتَعَقَّبَهُمْ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ لَا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ مَسْحِ بَاطِنِهِ لَوْ كَانَ بِالرَّأْيِ بَلْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ مَا يُلَاقِي الْبَشَرَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلِ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ بَلْ الْحَدَثِ وَمَحَلُّ الْوَطْءِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ فِيهِ كَظَاهِرِهِ وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ بِلَفْظٍ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ يَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَسْفَلِ الْوَجْهُ الَّذِي يُلَاقِي الْبَشَرَةَ؛ لِأَنَّهُ أَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ الْأَعْلَى الْمُحَاذِي لِلسَّمَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا اهـ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَسَحَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَلَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ وَمَا يَلِي الْأَصَابِعَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَنْبَغِي جَوَازُ مَسْحِ الْأَسْفَلِ وَالْعَقِبِ؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ مَحَلِّ الْغَسْلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَإِنْ ثَبَتَ مَسْحُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّاصِيَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَهُ هُنَا ابْتِدَاءً غَيْرُ مَعْقُولٍ فَيُعْتَبَرُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ رِعَايَةِ الْفِعْلِ وَالْمَحَلِّ بِخِلَافِ مَسْحِهِ عَلَى النَّاصِيَةِ، فَإِنَّهُ بَيَانُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَا نَصْبِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ فِعْلِهِ بَيَانًا لَهُ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْمَسْحُ إلَى السَّاقِ رِعَايَةً لِجَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَّا بِنَصٍّ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا فَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ فِي مَحَلِّ الِابْتِدَاءِ أَوْ الِانْتِهَاءِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيقَاعُ الْبِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَدٍّ إلَى السَّاقِ كَمَا رُوِيَ الْمَدُّ فَجُعِلَ الْمَفْرُوضُ أَصْلَ الْمَسْحِ وَالْمَدُّ سُنَّةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا لِوُرُودِهِمَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الشُّهْرَةِ بَلْ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَشْهُورُ دُونَ الْمُقَيَّدِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا تَسَاوِيهِمَا لَا يَجِبُ الْحَمْلُ أَيْضًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ مَسْحَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي مُتَعَدِّدٍ فِي نَفْسِهِ فَيَثْبُتُ أَصْلُ الْمَسْحِ وَسُنِّيَّةُ الْمَدِّ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ الْجَمْعُ بَيْنَ مَسْحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لِكَوْنِهِمَا مَرْوِيَّيْنِ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ فَيُثْبِتُ فَرْضِيَّةَ أَصْلِ الْمَسْحِ وَسُنِّيَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ احْتِمَالًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا تَثْبُتُ السُّنِّيَّةُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقُ الصَّوْمِ وَاجِبٌ وَالتَّتَابُعُ سَنَةٌ وَيَكُونُ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ؛ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَرْتَضِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا أَجَابَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَمَّا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَسَحَ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» قَالَ: وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْمَسْحِ وَالْأَصَابِعُ اسْمُ جَمْعٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ فَكَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ بِأَعْلَاهُ فِي الْحَدِيثِ مَا ارْتَفَعَ مِنْهُ أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّاقِ وَالْمُرَادُ بِأَسْفَلِهِ مَا نَزَلَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْأَصَابِعِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَسَحَ مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى أَعْلَى سَاقِهِ.

[بيان مقدار آلة المسح علي الخفين]

هَذَا تَقْدِيرًا لِلْمَسْحِ بِثَلَاثِ أَصَابِعِ الْيَدِ اهـ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْأَقْطَعُ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَغْسِلُ خُفَّيْهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا يَكْفِيك مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ» . اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ وَفِي قَوْلِهِ مَرَّةً إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الرَّأْسِ عَمَلًا بِمَا وَرَدَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسْحٌ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إذْ الْخُطُوطُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا مَسَحَ مَرَّةً كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْخُطُوطَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الرَّدِّ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهَا فَرْضٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُجْتَبَى، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ إظْهَارَ الْخُطُوطِ فِي الْمَسْحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ نَعَمْ إظْهَارُ الْخُطُوطِ شَرْطُ السُّنِّيَّةِ. (قَوْلُهُ: بِثَلَاثِ أَصَابِعَ) بَيَانٌ لِمِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ وَلِبَيَانِ قَدْرِ الْمَمْسُوحِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ وَأَرَادَ أَصَابِعَ الْيَدِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى كَذَا أَطْلَقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ وَعَزَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَفِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ إلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَيَّدَهَا قَاضِي خَانْ بِكَوْنِهَا مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْيَدِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ الْمَسْحِ وَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ أَصَابِعِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ مِنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ الثَّلَاثَ فَرْضُ الْمَسْحِ وَنَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَمُرَادُهُمْ بِهِ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ التَّقْدِيرَ دُونَ الْفَرْضِ الِاصْطِلَاحِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَشَايِخَنَا يُطْلِقُونَ أَصْلَ الْفَرْضِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ إذَا كَانَ الْجَوَازُ يَفُوتُ بِفَوْتِهِ كَغَسْلِ الْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ وَفِي تَقْدِيرِ الْفَرْضِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَبَقِيَ مِنْهَا أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ بَقِيَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ لَكِنْ مِنْ الْعَقِبِ لَا مِنْ مَوْضِعِ الْمَسْحِ فَلَبِسَ عَلَى الصَّحِيحَةِ أَوْ الْمَقْطُوعَةِ لَا يَمْسَحُ لِوُجُوبِ غَسْلِ ذَلِكَ الْبَاقِي كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْكَعْبِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَلَا يَمْسَحُ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ رِجْلٍ فَلَوْ مَسَحَ عَلَى رِجْلِ أُصْبُعَيْنِ، وَعَلَى الْأُخْرَى قَدْرَ خَمْسَةٍ لَمْ يَجُزْ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَمَدَّهَا حَتَّى بَلَغَ مِقْدَارَ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً جَدِيدًا لَا يَجُوزُ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَخَذَ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَازَ إنْ مَسَحَ كُلَّ مَرَّةٍ غَيْرَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَسَحَهُ كَأَنَّهُ مَسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَلَوْ مَسَحَ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ إنْ كَانَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ أُصْبُعٍ وَلَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا فَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَصَحَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِالرُّبْعِ وَهُنَا لَمَّا اتَّفَقُوا فِي الْأَصَحِّ عَلَى الثَّلَاثِ كَانَ الْإِجْزَاءُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الِاتِّفَاقَ بِالْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي الْكَافِي قَالَ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فَمَنْ شَرَطَ ثَمَّةَ الرُّبْعِ شَرَطَ الرُّبْعَ هُنَا وَمَنْ شَرَطَ الْأَدْنَى شَرَطَهُ هُنَا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الرَّاجِحُ الرُّبْعُ وَهُنَا الرَّاجِحُ الثَّلَاثُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ مَسَحَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَافَى أُصُولَ الْأَصَابِعِ الْكَفَّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَا فِي الْمُنْيَةِ أَوْلَى مِمَّا فِي الْخُلَاصَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنْصُوبَةٍ غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ وَلَا مَمْدُودَةٍ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْمَسْحِ مَاءٌ أَوْ مَطَرٌ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ جَازَ وَكَذَا لَوْ مَشَى فِي حَشِيشٍ مُبْتَلٍّ بِالْمَطَرِ وَلَوْ كَانَ مُبْتَلًّا بِالطَّلِّ وَأَصَابَ الْخُفَّ طَلٌّ قَدْرَ الْوَاجِبِ قِيلَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسُ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ يَجْذِبُهُ الْهَوَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَيَان مِقْدَارِ آلَةِ الْمَسْحِ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ أَصَابِعَ الْيَدِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّابِسِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ مَنْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ فَفَعَلَ صَحَّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ إلَخْ) رَأَيْت فِي هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْ الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسَائِلِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَوْ مَسَحَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَجَافَى أُصُولَ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مَا ابْتَلَّ مِنْ الْخُفِّ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ. اهـ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا فَمَذْكُورٌ فِي مَسَائِلِ مَسْحِ الرَّأْسِ لَكِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعِبَارَةَ وَالْعِبَارَةُ بِتَمَامِهَا وَلَوْ مَسَحَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا أَوْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُتَقَاطِرًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. فَلْيُرَاجَعْ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَسَحَ بِظَاهِرِ كَفِّهِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِبَاطِنِ كَفِّهِ. اهـ. وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ بَاطِنَ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعَ وَلَوْ قَالَ بِبَاطِنِ الْيَدِ لَكَانَ أَوْلَى كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ نَقَلَ أَنَّهُ إنْ وَضَعَ الْكَفَّ وَمَدَّهَا أَوْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ وَمَدَّهَا كِلَاهُمَا حَسَنٌ وَالْأَحْسَنُ الثَّانِي اهـ. فَوَضْعُ الْكَفِّ وَحْدَهَا دُونَ الْأَصَابِعِ مُسْتَحَبٌّ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْأَصَابِعِ أَحْسَنَ، وَلَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفَّيْهِ بَعْدَ الْغَسْلِ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبِلَّةُ قَاطِرَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهَا وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ الصَّحِيحُ وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّيْهِ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ عَلَى كَفَّيْهِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا بِمَاءٍ أَخَذَهُ مِنْ لِحْيَتِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَلَلَ إذَا بَقِيَ فِي كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ عُضْوٍ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ جَازَ الْمَسْحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ الْإِنَاءِ، وَإِذَا بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ مَسْحِ عُضْوٍ مَمْسُوحٍ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِهِ مَغْسُولًا كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ أَوْ مَمْسُوحًا؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبِلَّةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِبِلَّةٍ بَقِيَتْ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ بَلْ سُنَّةٌ عِنْدَنَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْأُصْبُعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. (قَوْلُهُ: يَبْدَأُ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ حَتَّى لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ إلَى الْأَصَابِعِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِ عَرْضًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ وَكَيْفِيَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ فَإِذَا تَمَكَّنَتْ الْأَصَابِعُ يَمُدُّهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَصْلِ السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَيْنِ يَلْحَقُهُمَا فَرْضُ الْغَسْلِ وَيَلْحَقُهُمَا سُنَّةُ الْمَسْحِ، وَإِنْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ كَانَ أَحْسَنَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ اهـ. وَيَدُلُّ لِلْأَحْسَنِيَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً الْحَدِيثُ وَلَمْ يَقُلْ وَضَعَ كَفَّهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَغَيْرِهِمَا: وَتَفْسِيرُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ وَيُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا. اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَابِعَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ وَمَا فِي الْكِتَابِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ يُفِيدُ دُخُولَهَا وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ يَدَهُ عَلَى أَصَابِعِ كُلِّ رِجْلٍ دُونَ الْقَدَمِ فَعَلَى مَا فِي الْكِتَابِ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْمَحَلِّيَّةِ وَعَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ رَجُلٌ لَهُ خُفٌّ وَاسِعُ السَّاقِ إنْ بَقِيَ مِنْ قَدَمِهِ خَارِجَ السَّاقِ فِي الْخُفِّ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ سِوَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ جَازَ مَسْحُهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ قَدَمِهِ خَارِجَ السَّاقِ فِي الْخُفِّ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بَعْضُهُ مِنْ الْقَدَمِ وَبَعْضُهُ مِنْ الْأَصَابِعِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ كُلِّهَا مِنْ الْقَدَمِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْأَصَابِعِ اهـ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (قَوْلُهُ: وَالْخَرْقُ الْكَبِيرُ يَمْنَعُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى يَجُوزُ بِالْبَاءِ بِنُقْطَةٍ مِنْ تَحْتُ وَالثَّاءُ بِثَلَاثٍ مِنْ فَوْقُ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَمْيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالثَّانِي فِي الْمُنْفَصِلَةِ وَالثَّانِي مَنْقُولٌ عَنْ الْعَالِمِ الْكَبِيرِ بَدْرِ الدِّينِ اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْكَثْرَةَ خِلَافُ الْقِلَّةِ وَتُجْعَلُ عِبَارَةً عَنْ السَّعَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ الْخَرْقُ الْكَثِيرُ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ الْكَثِيرَ يُسْتَعْمَلُ لِلْكَمْيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَيْضًا وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ رِوَايَةَ الْمُثَلَّثَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ خُوَاهَرْ زَادَهْ الصَّحِيحُ الرِّوَايَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ تُسْتَعْمَلُ الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ وَفِي الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ يُسْتَعْمَلُ الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ وَالْخُفُّ كَمٌّ مُتَّصِلٌ فَلَا يُذْكَرُ إلَّا الْكَبِيرُ لَا الْكَثِيرُ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت عَنْ الْمُغْرِبِ اسْتِعْمَالُ الْكَثِيرِ لَهُمَا وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الْكَلَامُ فِي الْأَحْسَنِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَابِعَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمَحَلِّيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ إذْ مَا فِي الْخُلَاصَةِ إنَّمَا يُفِيدُ دُخُولَهَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَهَا أَوْ آخِرَهَا يُوَافِقُ مَا مَرَّ عَنْ الْمُبْتَغَى أَيْ مِنْ قَوْلِهِ ظَهْرُ الْقَدَمِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَقَوْلُهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَمَوْضِعُ الْمَسْحِ ظَهْرُ الْقَدَمِ إنَّمَا يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ بَاطِنِهِ وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ بَلْ إنَّمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا أَنَّ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ نَزْعٌ، وَهَذَا فَوْقَهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مَقَالَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْمَذْهَبُ اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ فِي الْخُرُوجِ كَمَا سَتَرَاهُ اهـ. أَقُولُ: مَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخُلَاصَةِ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا مَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخَانِيَّةِ فَلَا إذْ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْخَانِيَّةِ إذْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وُجِدَ خُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْحُكْمِ مَا فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ أَسْفَلَ الْكَعْبِ إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَكْثَرَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ اهـ فَتَدَبَّرْ.

[ما يمنع المسح على الخفين]

الْخَرْقَ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ثُمَّ كَوْنُ الْخَرْقِ الْكَبِيرِ مَانِعًا دُونَ الْقَلِيلِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ الْقَلِيلُ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ، وَإِنْ قَلَّ ظَهَرَ غَسْلُهُ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ وَالرِّجْلُ فِي حَقِّ الْغَسْلِ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ فَوَجَبَ غَسْلُهَا كُلُّهَا وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ الْخَرْقِ عَادَةً وَالشَّرْعُ عَلَّقَ الْمَسْحَ بِمُسَمَّى الْخُفِّ، وَهُوَ السَّاتِرُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِ وَالِاسْمُ مُطْلَقًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْخَرْقِ عَدَمًا بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْكَثِيرِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيهِ وَإِنْ تَرَكَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الْخُفِّ تَقْيِيدَهُ بِمَخْرُوقٍ فَهُوَ مُرَادٌ لِلْمُطْلَقِ مَعْنًى فَلَيْسَ بِخُفٍّ مُطْلَقٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْمَسَافَةُ بِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ وَالْخُفُّ مُطْلَقًا مَا تُقْطَعُ بِهِ فَلَيْسَ بِهِ وَأَيْضًا الْحَرَجُ لَازِمٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ إذْ غَالِبُ الْخِفَافِ لَا تَخْلُو عَنْهُ عَادَةً وَالْحَرَجُ مُنْتَفٍ شَرْعًا بَقِيَ الْأَمْرُ مُحْتَاجًا إلَى الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ الْقَدَمِ أَصْغَرُهَا) أَيْ الْخَرْقُ الْكَبِيرُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ إذَا انْكَشَفَ مَنَعَ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهَا مِنْ الْيَدِ ثُمَّ فِي اعْتِبَارِهَا مَضْمُومَةً أَوْ مُنْفَرِجَةً اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ذَكَرَهُ فِي الْأَجْنَاسِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ كَغَيْرِهِ وَاعْتُبِرَ الْأَصْغَرُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَلَى هَذَا أَصَابِعُ الرِّجْلِ فِي الْخَرْقِ وَأَصَابِعُ الْيَدِ فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ وَتَتَابُعَ الْمَشْيِ وَأَنَّهُ فِعْلُ الرِّجْلِ فَأَمَّا فِعْلُ الْمَسْحِ، فَإِنَّهُ يَتَأَدَّى بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ مَحَلُّهُ وَإِضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلِّ هِيَ الْأَصْلُ وَلَا عُدُولَ عَنْ الْأَصْلِ بِلَا مُوجِبٍ وَلَا مُوجِبَ هُنَا وَفِي مَقْطُوعِ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ الْخَرْقُ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ وَقِيلَ بِأَصَابِعِ نَفْسِهِ لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مِنْ الْأَصَابِعِ مَا يَكُونُ طَوِيلًا وَيَكُونُ قَصِيرًا فَلَا يُعْتَبَرُ بِأَصَابِعِ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَكِبَرُ الْقَدَمِ دَلِيلٌ عَلَى كِبَرِهَا وَصِغَرُهُ دَلِيلٌ عَلَى صِغَرِهَا فَيُعْرَفُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. اهـ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ إذَا انْكَشَفَ مَوْضِعٌ غَيْرَ مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا إذَا انْكَشَفَ الْأَصَابِعُ نَفْسُهَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْكَشِفَ الثَّلَاثُ أَيَّتُهَا كَانَتْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَصْغَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ أُصْبُعٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ الْإِبْهَامُ مَعَ جَارَتِهَا وَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِهَا يَجُوزُ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ جَارَتِهَا لَا يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَحَكَى الْقُدُورِيُّ عَنْ الْحَاكِمِ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِبْهَامَ كَأُصْبُعَيْنِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالْخَرْقُ الْمَانِعُ هُوَ الْمُنْفَرِجُ الَّذِي يُرَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الرِّجْلِ أَوْ يَكُونُ مُنْضَمًّا لَكِنْ يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ أَوْ يَظْهَرُ الْقَدَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْوَضْعِ بِأَنْ كَانَ الْخَرْقُ عَرْضًا، وَإِنْ كَانَ طُولًا يَدْخُلُ فِيهِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ وَأَكْثَرُ لَكِنْ لَا يُرَى شَيْئًا مِنْ الْقَدَمِ وَلَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ لِصَلَابَتِهِ لَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَلَوْ انْكَشَفَتْ الظِّهَارَةُ وَفِي دَاخِلِهَا بِطَانَةٌ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ مَخْرُوزَةٍ بِالْخُفِّ لَا يَمْنَعُ وَالْخَرْقُ أَعْلَى الْكَعْبِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِلُبْسِهِ وَالْخَرْقُ فِي الْكَعْبِ وَمَا تَحْتَهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَنْعِ وَلَوْ كَانَ الْخَرْقُ تَحْتَ الْقَدَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ الْقَدَمِ مَنَعَهُ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْغَايَةِ بِلَفْظِ قِيلَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَوَاضِعَ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهَا فَكَذَا الْقَدَمُ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَزِمَ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَصْغَرُهَا إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَ أَصْغَرِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ حِينَئِذٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا يَمْنَع الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي) قَالَ فِي النَّهْرِ تَقْدِيمُ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرُهُ لِلْأَوَّلِ يُفِيدُ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ مَنْ لَهُ أَصَابِعُ تُنَاسِبُ قَدَمَهُ صَغُرَ أَوْ كَبُرَ إلَّا مُطْلَقَهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَوْجُودِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يَكُونَ الْمُعَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ اُعْتُبِرَتْ عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَطْعِهِمَا، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْقَدَمِ لَكِنْ لِاعْتِبَارِهَا عَلَى حِدَةٍ اعْتَبَرُوا فِيهَا الثَّلَاثَ وَاعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْعَقِبِ عَلَى الْأَصْلِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا هَذَا الْمَعْنَى اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ خُرُوجُ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوهَا عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ وَاعْتَبَرُوا خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ فِي الْأَصْلِ تَابِعَةٌ لَهُ فَاعْتَبَرُوا أَكْثَرَهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَدَمِ فَيُعْتَبَرُ بِالْأَصَابِعِ إذْ لَيْسَتْ تَابِعَةً لَهُ كَمَا فِي الْقَدَمِ فَانْدَفَعَ اللُّزُومُ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك عَدَمُ صِحَّةِ هَذَا الْمَنْعِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَقَّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ذُكِرَ أَوَّلًا أَنَّ الْخَرْقَ فِي الْعَقِبِ يَمْنَعُ بِظُهُورِ أَكْثَرِهِ وَأَنَّ اعْتِبَارَ أَصْغَرِ الْأَصَابِعِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ثُمَّ نَقَلَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْتَ الْقَدَمِ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُهُ فَإِذَا اُعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ وَأَكْثَرُ الْقَدَمِ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ غَيْرَ جِهَةِ الْأَصَابِعِ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَصْغَرُ الْأَصَابِعِ فَلَزِمَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ إلَّا إذَا كَانَ الْخَرْقُ عِنْدَهَا

إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِ اهـ. وَظَاهِرُهُ اخْتِيَارُ اعْتِبَارِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ كَمَا لَا يَخْفَى حَتَّى فِي الْعَقِبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ هَذَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مُقَدَّمِ الْخُفِّ أَوْ فِي أَعْلَى الْقَدَمِ أَوْ أَسْفَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْعَقِبِ إنْ كَانَ يَخْرُجُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ جَازَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَمْسَحُ حَتَّى يَبْدُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْعَقِبِ اهـ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَشَى فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْخُفِّ بِإِزَاءِ الْعَقِبِ، فَإِنْ كَانَ يَبْدُو مِنْهُ أَكْثَرُ الْعَقِبِ مُنِعَ الْمَسْحُ، وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَفِي اعْتِبَارِ الْمُصَنِّفِ الْأَصَابِعَ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ رَدًّا لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا كَانَ يَبْدُو ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنَامِلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اهـ. وَصَحَّحَ مَا فِي الْكِتَابِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْأَنَامِلُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ وَالْقَدَمُ مِنْ الرِّجْلِ مَا يَطَأُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ لَدُنْ الرُّسْغِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْعَقِبُ بِكَسْرِ الْقَافِ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ. (قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ فِي خُفٍّ لَا فِيهِمَا) أَيْ وَيَجْمَعُ الْخُرُوقَ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ لَا فِي خُفَّيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ قَدْرَ أُصْبُعَيْنِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ مَوْضِعَيْنِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ أُصْبُعٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الْمِقْدَارُ الْوَاجِبُ عَلَى الْخُفِّ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصْغَرِ أَصَابِعِ الْيَدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْخَرْقِ لَيْسَ بِمَسْحٍ عَلَى الْخُفِّ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا؛ فَلِأَنَّ الْخَرْقَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا جُعِلَ عَفْوًا فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ هُوَ فِيهِ لَكِنْ لَا بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَقَعُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ مَحْسُوبًا مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُبِرَ عَفْوًا فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ مَانِعًا مِنْ الْمَسْحِ حَرَجًا لَازِمًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا حَرَجَ فِي عَدَمِ احْتِسَابِ مَا يَقَعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِعَدَمِ الْعُسْرِ فِي فِعْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَظَهَرَ أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ مَانِعًا مِنْ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ هُوَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِاحْتِسَابِ مَا يَقَعُ إلَيْهِ مِنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ وَمَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِذْ امْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِجَمْعِ الْخُرُوقِ الْمُتَفَرِّقَةِ امْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَى الْآخَرِ لِمَا عُرِفَ حَتَّى يَلْبَسَ مَكَانَ الْمُتَخَرِّقِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ بَحَثَ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ بَحْثًا عَلَيْهِ فَقَالَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا دَاعِيَ إلَى جَمْعِ الْخُرُوقِ، وَهُوَ اعْتِبَارُهَا كَأَنَّهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ لِمَنْعِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمَكَانُ حَقِيقَةً لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْخُفِّ بِامْتِنَاعِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ بِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِذَاتِ الِانْكِشَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ انْكِشَافٌ، وَإِلَّا لَوَجَبَ الْغَسْلُ فِي الْخَرْقِ الصَّغِيرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ عِنْدَ تَفَرُّقِهَا صَغِيرَةً كَقَدْرِ الْحِمَّصَةِ وَالْفُولَةِ لِإِمْكَانِ قَطْعِهَا مَعَ ذَلِكَ وَعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْبَادِي اهـ. وَقَدْ قَوَّاهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بِأَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَذْكُورَةٍ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ الْخَرْقَ سَوَاءٌ كَانَ فِي خُفٍّ أَوْ خُفَّيْنِ اهـ. وَقَدْ رَأَيْت فِي التَّوْشِيحِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَجَعَلَ الْجَمْعَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الْخُرُوقَ الْمُتَعَدِّدَةَ فِي الْخُفِّ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ تَمْنَعُ مِنْ تَتَابُعِ الْمَشْيِ فِيهِ إذْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ الظَّاهِرِ وَمِمَّا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْخَرْقَ إنَّمَا مَنَعَ جَوَازَ الْمَسْحِ لِظُهُورِ مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ فَإِذَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي الْخُفَّيْنِ لَمْ يَظْهَرْ مِقْدَارُ فَرْضِ الْمَسْحِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّ ظُهُورَ مِقْدَارِ فَرْضِ الْمَسْحِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَنْعِ بَعْدَ إمْكَانِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِهِ وَتَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِ وَبَقَاءُ شَيْءٍ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ يَقَعُ فِيهِ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَقَلُّ الْخَرْقِ الَّذِي يُجْمَعُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ حِينَئِذٍ اُعْتُبِرَ بِأَكْثَرِهِ وَاَلَّذِي حَمَلَ صَاحِبَ النَّهْرِ عَلَى مَا قَالَ اشْتِبَاهُ الْعَقِبِ بِالْقَدَمِ وَظَنُّهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَقِبِ كَمَا يَتَّضِحُ لِمَنْ رَاجَعَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ: رَدٌّ لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْمَنْعِ بِظُهُورِ الْأَنَامِلِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ رَكَاكَةٌ وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا. (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الدِّرَايَةَ أَوْلَى مِمَّا فِي الْمُحِيطِ) قَالَ فِي النَّهْرِ إطْبَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ عَلَى الْجَمْعِ مُؤْذِنٌ بِتَرْجِيحِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْخَرْقَ مَانِعٌ مُطْلَقًا إذْ الْمَاسِحُ عَلَيْهِ لَيْسَ مَاسِحًا عَلَى الْخُفِّ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْخِفَافُ قَدْ لَا تَخْلُو عَنْ خَرْقٍ لَا سِيَّمَا خِفَافُ الْفُقَرَاءِ قُلْنَا إنَّ الصَّغِيرَ عَفْوٌ وَجَمَعْنَاهُ فِي وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْحَرَجِ بِخِلَافِ الِاثْنَيْنِ

[ما ينقض المسح علي الخفين]

مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمِسَلَّةُ وَأَمَّا مَا دُونَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلْحَاقًا بِمَوَاضِعِ الْخَرْزِ ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ وَالِانْكِشَافِ) أَيْ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ حَيْثُ تُجْمَعُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي خُفَّيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَان أَوْ فِي الْمَجْمُوعِ وَبِخِلَافِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ الْمُتَفَرِّقِ كَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَشَيْءٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٍ مِنْ فَخِذِهَا وَشَيْءٍ مِنْ سَاقِهَا حَيْثُ يُجْمَعُ لِمَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي الْعَوْرَةِ انْكِشَافُ الْقَدْرِ الْمَانِعِ وَفِي النَّجَاسَةِ هُوَ كَوْنُهُ حَامِلًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمَانِعِ وَقَدْ وُجِدَ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْخُرُوقُ فِي الْخُفِّ، فَإِنَّمَا مُنِعَ لِامْتِنَاعِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ مَعَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ خُفٍّ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ وَمَا فِيهِ هَذَا وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَوْ كَانَتْ فِي ثَوْبِ الْمُصَلِّي أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَكِنْ لَوْ جُمِعَ بَلَغَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يُجْمَعُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا وَالْخَرْقُ فِي أُذْنَيْ الْأُضْحِيَّةِ هَلْ يُجْمَعُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَأَعْلَامُ الثَّوْبِ تُجْمَعُ اهـ. يَعْنِي: إذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ أَعْلَامٌ مِنْ الْحَرِيرِ، وَكَانَتْ إذَا جُمِعَتْ بَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، فَإِنَّهَا تُجْمَعُ وَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الْوُضُوءِ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ نَقَضَ الْوُضُوءَ حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَعْضُ الْوُضُوءِ فَمَا نَقَضَ الْكُلَّ نَقَضَ الْبَعْضَ وَعَلَّلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ بِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ أَصْلِهِ كَالتَّيَمُّمِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَالْمَسْحُ يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ وَالْمَسْحَ خَلَفٌ (قَوْلُهُ: وَنَزْعُ خُفٍّ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ خُفٍّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ سَرَى إلَى الْقَدَمَيْنِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ خِلْقَةً فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسْحٌ عَلَى الرَّأْسِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ حَكَّهُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ: وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ) أَيْ وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا مُضِيُّ الْمُدَّةِ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّأْقِيتِ وَاعْلَمْ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ وَمُضِيَّ الْمُدَّةِ غَيْرُ نَاقِضٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ لَهُ الْحَدَثُ السَّابِقُ لَكِنَّ الْحَدَثَ يَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَأُضِيفَ النَّقْضُ إلَيْهِمَا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قِيلَ لَا حَدَثَ لِيَسْرِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَلَّ بِالْخُفِّ ثُمَّ زَالَ بِالْمَسْحِ فَلَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبِهِ مِنْ الْخَارِجِ النَّجَسِ وَنَحْوِهِ قُلْنَا جَازَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّرْعُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ بِمَسْحِ الْخُفِّ مُقَيَّدًا بِمُدَّةِ مَنْعِهِ ثُمَّ عَلِمْنَا وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ فِي ارْتِفَاعِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ الصَّعِيدَ تَقْيِيدَهُ بِمُدَّةِ اعْتِبَارِهِ عَامِلًا أَعْنِي مُدَّةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَيُنَاسِبُ ذَلِكَ لِوَصْفِ الْبَدَلِيَّةِ، وَهُوَ فِي الْمَسْحِ ثَابِتٌ بَلْ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ الْمَسْحَ، وَإِنْ كَانَ بِالْمَاءِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَنْ وَظِيفَةِ الْغَسْلِ وَالْخُفِّ عَنْ الرِّجْلِ فَوَجَبَ تَقْيِيدُ الِارْتِفَاعِ فِيهِ بِمُدَّةٍ اعْتِبَارُهُ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَيَّدَ فِي التَّيَمُّمِ بِمُدَّةِ كَوْنِهِ بَدَلًا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الْأَصْلُ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ) أَيْ يَنْقُضُهُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخَافَ عَلَى رِجْلِهِ الْعَطَبَ بِالنَّزْعِ وَمَفْهُومٌ أَنَّهُ إذَا خَافَ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِمُدَّةٍ إلَى أَنْ يَزُولَ هَذَا الْخَوْفُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عِنْدَ الْخَوْفِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ خَوْفَ الْبَرْدِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُهَا فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ لَكِنْ لَا يَمْسَحُ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِخَوْفِ الْبَرْدِ وَعَنْ هَذَا نَقَلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ تَأْوِيلَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَسْحُ جَبِيرَةٍ لَا كَمَسْحِ الْخُفِّ فَعَلَى هَذَا يَسْتَوْعِبُ الْخُفَّ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى أَوْ أَكْثَرُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُتِمُّ إذَا كَانَ مُسَمَّى الْجَبِيرَةِ يَصْدُقُ عَلَى سَاتِرٍ لَيْسَ تَحْتَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ) قَالَ فِي الْمِنَحِ قُلْت يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْجَمْعِ احْتِيَاطًا فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ. [مَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَيَّ الْخُفَّيْنِ] (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ) سَيَأْتِي قَرِيبًا تَقْرِيرُهُ لِخِلَافِهِ وَكَذَا يَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ بَانِيًا عَلَيْهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ إعَادَةُ الشَّعْرِ وَالصَّوَابُ الْمَسْحُ (قَوْلُهُ: لِوَصْفِ الْبَدَلِيَّةِ) مُنَافٍ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ غَيْرُ الْمَفْهُومِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ

مَحَلُّ وَجَعٍ بَلْ عُضْوٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ مِنْ كَشْفِهِ حُدُوثُ الْمَرَضِ لِلْبَرْدِ وَيَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ كُلِّيَّةِ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ عَلَى عُضْوٍ أَوْ اسْوِدَادِهِ وَيَقْتَضِي أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ تَرْكِهِ رَأْسًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ إعْطَاؤُهُمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَوْ مَضَتْ، وَهُوَ يَخَافُ الْبَرْدَ عَلَى رِجْلِهِ بِالنَّزْعِ يَسْتَوْعِبُ بِالْمَسْحِ كَالْجَبَائِرِ اهـ فَأَفَادَ الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَبَائِرِ لَا جَبِيرَةً حَقِيقَةً وَأَمَّا كُلِّيَّةُ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ فَمَخْصُوصَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَبِيرَةٌ أَوْ مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا، وَأَمَّا جَوَازُ تَرْكِهِ رَأْسًا فَالْمُفْتَى بِهِ عَدَمُهُ فِي الْجَبِيرَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَكَذَا فِي الْمُلْحَقِ بِهَا وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ يَمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ فِي صَلَاتِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغَسْلِ وَلَا مَاءَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ تَفْسُدُ اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ أَشْبَهُ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُ وَيُصَلِّي كَمَا لَوْ بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ لُمْعَةٌ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ فَكَذَا هَذَا اهـ. وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُمَا غَسْلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ) أَيْ بَعْدَ النَّزْعِ وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي حَلَّ بِقَدَمِهِ وَقَدْ غَسَلَ بَعْدَهُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَبَقِيَتْ الْقَدَمَانِ فَقَطْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُهُمَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ الْمُوَالَاةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَنَا وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَاسِحَ عَلَى الْخُفِّ إذَا أَحْدَثَ فَانْصَرَفَ لِيَتَوَضَّأَ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَخُرُوجُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ نَزْعٌ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ بِخُرُوجِ نِصْفِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْبَاقِي قَدْرَ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَصَابِعِ الْيَدِ طُولًا لَا يَنْتَقِضُ، وَإِلَّا اُنْتُقِضَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالْمِعْرَاجِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي النِّصَابِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ يَعْنِي إذَا أَخْرَجَهُ قَاصِدًا إخْرَاجَ الرِّجْلِ بَطَلَ الْمَسْحُ حَتَّى لَوْ بَدَا لَهُ إعَادَتُهَا فَأَعَادَهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَعْرَجَ يَمْشِي عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ عَقِبُهُ عَنْ مَوْضِعِ عَقِبِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَا يَمْسَحُ أَمَّا لَوْ كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا يَرْتَفِعُ الْعَقِبُ بِرَفْعِ الرِّجْلِ إلَى السَّاقِ وَيَعُودُ بِوَضْعِهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَفِي الْبَدَائِعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَبَائِرِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِمَّا كُلِّيَّةً إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيَسْتَلْزِمُ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا جَوَازُ تَرْكِهِ رَأْسًا إلَخْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيَقْتَضِي إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنْ التَّكَلُّفِ. اهـ. (وَأَجَابَ) بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ مَسْأَلَةِ كُلِّيَّةِ التَّيَمُّمِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ مُقَيَّدَةٌ بِالْجُنُبِ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ الْخَائِفُ مِنْ الْبَرْدِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ خَوْفِ الْبَرْدِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فَهِيَ فِي الْمُحْدِثِ إذْ الْجُنُبُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ أَشْبَهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا حَظَّ لِلرِّجْلَيْنِ فِيهِ بَلْ هُوَ طَهَارَةٌ لِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ عُضْوَيْنِ كَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ لِجَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ أَرْبَعَةَ أَعْضَاءٍ وَكَذَا لَوْ خَافَ إنْ نَزَعَهُمَا ذَهَابُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْبَرْدِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّرْحِ اهـ. أَيْ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لَهَا وَأَقُولُ: ظَاهِرُ الْمُتُونِ كَالْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ فِي مَسْأَلَةِ خَوْفِ ذَهَابِ رِجْلَيْهِ وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ بِالْهَيِّنِ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ وَازْدَدْ نَقْلًا فِي كَلَامِهِمْ يَظْهَرُ لَك الرَّاجِحُ مِنْ الْمَرْجُوحِ اهـ كَلَامُ الرَّمْلِيِّ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ نَعَمْ ظَاهِرُ الْمُتُونِ الْمَسْحُ لَكِنْ يُرَادُ بِالْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى جَمِيعِهِ كَالْجَبِيرَةِ وَلَا يَتَوَقَّتُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى، فَإِنْ مَضَتْ، وَهُوَ يَخَافُ الْبَرْدَ عَلَى رِجْلَيْهِ بِالنَّزْعِ يَسْتَوْعِبُ الْمَسْحَ كَالْجَبَائِرِ وَيُصَلِّي وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْإِيضَاحِ وَالْحَاوِي وَمُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ اهـ. قُلْت وَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَإِمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَشَرْحَيْ الْعَلَّامَةِ الْحَصْكَفِيِّ عَلَى الْمُلْتَقَى وَالتَّنْوِيرِ فَعُلِمَ بِهَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ الرَّاجِحَ الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ وَنَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْمُشْكِلِ وَمُنْلَا خُسْرو وَعَنْ الْكَافِي وَعُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَفِي الْفَتْحِ عَنْ جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَالْمُحِيطِ وَلَمْ يَذْكُرُوا التَّيَمُّمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ الْمُوَالَاةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْوُضُوءِ) قَالَ بَعْضُ مُحَشِّي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ. اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ غَسْلُ الْبَاقِي أَيْضًا مُرَاعَاةً لِلسُّنَّةِ أَعْنِي الْوَلَاءَ وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ يُشِيرُ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا غَسْلُهُمَا، وَهُوَ صَادِقٌ بِسُنِّيَّةِ غَسْلِ الْبَاقِي مُرَاعَاةً لِسُنِّيَّةِ الْمُوَالَاةِ بِاسْتِحْبَابِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ تَأَمَّلْ

وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَسْتَمْشِي، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ يَبْقَى الْمَسْحُ، وَإِلَّا يَنْتَقِضُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ اعْتِبَارُ أَكْثَرِ الْقَدَمِ وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ لُبْسِ الْخُفِّ هُوَ الْمَشْيُ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَشْيُ عُدِمَ اللُّبْسُ فِيمَا قُصِدَ لَهُ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. اهـ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِتَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ بِهِ جَدِيرٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ دَائِرًا مَعَ الْأَصْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا كَانَ الِاعْتِبَارُ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ أَوْ أَكْثَرِهَا فِي السَّاقِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ مِقْدَارُ مَا يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ بِوَاسِطَةِ مَا فِيهِ مِنْ الدَّوْسِ عَلَى نَفْسِ السَّاقِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بِنَزْعِ أَحَدِهِمَا يَجِبُ نَزْعُ الْآخَرِ لِئَلَّا يَكُونَ جِمَاعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَهَلْ يَنْتَقِضُ أَيْضًا بِغَسْلِ الرِّجْلِ أَوْ أَكْثَرِهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِغَسْلِ الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ بِغَسْلِ الرِّجْلِ أَصْلًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَإِلَى هُنَا صَارَ نَوَاقِضُ الْمَسْحِ أَرْبَعَةً وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ خَامِسًا، وَهُوَ خُرُوجُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْعُذْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَسَحَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَسَحَ ثَلَاثًا) سَوَاءٌ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مُدَّتَهُ تَتَحَوَّلُ إلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِ فِي الْأَوَّلِ وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ لَنَا الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ الْحَدِيثُ، وَهَذَا مُسَافِرٌ فَيَمْسَحُهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ، وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى خُفِّ رَجُلٍ لَا حَدَثَ فِيهَا إجْمَاعًا. وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ ابْتَدَأَتْ حَالَةَ الْإِقَامَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ كَصَلَاةٍ ابْتَدَأَهَا مُقِيمًا فِي سَفِينَةٍ فَسَافَرَتْ وَصَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ مُقِيمًا فَسَافَرَ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ فَغَنِيَ عَنْ تَكَلُّفِ الْفَرْقِ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِ الْجَمْعِ بِالْمُشْتَرَكِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبَيَانُهُ أَنَّ أَئِمَّتَنَا لَا يَرَوْنَ الْعِبَادَةَ وَصْفًا لَازِمًا لِلْمَسْحِ بَلْ إذَا كَانَ الْوُضُوءُ مَنْوِيًّا وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ عِنْدَ هُمْ؛ وَلِأَنَّ الْمَسَحَاتِ فِي الْمُدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ لَا بِمَنْزِلَةِ صَوْمِ الْيَوْمِ بِدَلَالَةِ أَنَّ فَسَادَ بَعْضِ الْمَسَحَاتِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْبَعْضِ الْآخَرِ كَمَا فِي صِيَامِ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِيمَا بَقِيَ مَا دَامَ مُسَافِرًا وَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مُقِيمًا فِي أَوَّلِهِ مِنْ تَرَخُّصِهِ بِتَرْكِ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَكَذَا كَوْنُ الْمَاسِحِ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَرَخُّصِهِ رُخْصَةَ الْمُسَافِرِ بِالْمَسْحِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهَا مُسَافِرًا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا جَاوَزَ الْعُمْرَانَ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِيهَا وَعَادَ إلَى مِصْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ فَمَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى مُصَلَّاهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ إلَى مِصْرِهِ فَقَدْ صَارَ مُقِيمًا وَقَدْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَفَسَدَتْ إلَّا أَنَّ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ ذَكَرَ فِي الْوَاقِعَاتِ أَنَّ الْمَاسِحَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَهُوَ فِي حَالِ انْصِرَافِهِ مَعَ الْحَدَثِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ عَادَ إلَى مُصَلَّاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ انْتَقَلَتْ مُدَّتُهُ إلَى السَّفَرِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ فِي هَذِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) حَيْثُ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الْبَاقِي بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ كَذَلِكَ لَا يَنْتَقِضُ، وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَرْمِيٌّ نَظَرًا لِكُلٍّ فَمَنْ نَقَضَ بِخُرُوجِ الْعَقِبِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَعَ حُلُولِ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ لَا يُمْكِنُهُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ وَقَطْعُ الْمَسَافَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَعُودُ إلَى مَحَلِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ وَمَنْ قَالَ الْأَكْثَرُ فَلِظَنِّهِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مَنُوطٌ بِهِ وَكَذَا مَنْ قَالَ يَكُونُ الْبَاقِي قَدْرَ الْفَرْضِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقِبِ فِي السَّاقِ يُعِيقُ عَنْ مُدَاوَمَةِ الْمَشْيِ دَوْسًا عَلَى السَّاقِ نَفْسِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَزَادَ فِي السِّرَاجِ خَامِسًا إلَخْ) قَالَ الْعَارِفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ رُبَّمَا يُقَالُ خُرُوجُ الْوَقْتِ عَلَى الْمَعْذُورِ نَاقِضٌ لِوُضُوئِهِ كُلِّهِ لَا لِمَسْحِ الْخُفِّ فَقَطْ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ إلَخْ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْتَرَضَهُمَا فِي النَّهْرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَسَحَ لَا يَشْمَلُ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ مَسْحِهِ سَبْقُ حَدَثٍ لِجَوَازِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا عَلَى وُضُوءٍ وَيَمْسَحُ فِي الثَّانِي قُلْت هَذَا مَعَ بُعْدِهِ مُفَوِّتٌ لِتَقْيِيدِ مَحَلِّ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقُدُورِيِّ وَمَنْ ابْتَدَأَ مُدَّةَ الْمَسْحِ فَسَافَرَ يَدْفَعُ هَذَا لِمَا أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قُلْت خِلَافُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَالْمَسْحُ قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ، وَأَمَّا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ فِي الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْعِبَادَةِ فِي السَّفَرِ فَثَبَتَ لَهُ رُخْصَةُ السَّفَرِ كَذَا فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ لِلنَّوَوِيِّ اهـ. قُلْت: وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ أَيْضًا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ مَسْحَ مُقِيمٍ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

[المسح على الجرموق]

الصَّلَاةِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فِي حَقِّ الْمَسْحِ مُقِيمٌ فِي حَقِّ إتْمَامِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي إيضَاحِ الصَّيْرَفِيِّ. اهـ. وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الصَّحِيحَ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ وَمَسْأَلَةُ الْإِتْمَامِ الْمَذْكُورَةِ مَذْكُورَةٌ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ بَابِ الْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَزَعَ، وَإِلَّا يُتِمَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً) ؛ لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ وَالشَّافِعِيُّ يُوَافِقُنَا فِي هَذِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَصَحَّ عَلَى الْجُرْمُوقِ) أَيْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ شَرَعَ فِي الْجُرْمُوقِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِمَا فَنَقُولُ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ ثُمَّ الْخُفُّ الَّذِي يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ صَالِحًا لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالْمَشْيِ الْمُتَتَابِعِ عَادَةً وَيَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ وَمَا تَحْتَهُمَا وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ اللِّبْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَعَّلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى يَكُونَ الْأَدِيمُ عَلَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَظَاهِرُ الْقَدَمَيْنِ اهـ. فَلَوْ اتَّخَذَ خُفًّا مِنْ زُجَاجٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ بِغَيْرِ عَصَا، وَأَمَّا الْجُرْمُوقُ فَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَسَاقُهُ أَقْصَرُ مِنْ الْخُفِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ فَلَوْ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَصَارَ بَدَلًا عَنْ الْخُفِّ وَالْخُفُّ لَا بَدَلَ لَهُ وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْمُوقَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا مِنْ حَيْثُ الْمَشْيُ وَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَغَرَضًا، فَإِنَّ الْخُفَّ وِقَايَةٌ لِلرِّجْلِ فَكَذَا الْجُرْمُوقُ وِقَايَةٌ لِلْخُفِّ تَبَعًا لَهُ وَكِلَاهُمَا تَبَعٌ لِلرِّجْلِ فَصَارَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ، وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ لَا يُقَالُ كَيْفَ بَطَلَ الْمَسْحُ بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِنَزْعِ أَحَدِ طَاقَيْ الْخُفِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالْمَسْحِ ظَهَرَتْ أَصَالَةُ الْجُرْمُوقِ فَصَارَ نَزْعُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ بِخِلَافِ نَزْعِ أَحَدِ طَاقَيْ فِي الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْخُفِّ لَمْ يَأْخُذْ الْأَصَالَةَ أَصْلًا كَمَا إذَا غَسَلَ رِجْلَهُ ثُمَّ أَزَالَ جِلْدَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُهَا ثَانِيًا وَلَا يُقَالُ أَيْضًا لَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بِنَزْعِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْخُفُّ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ حَالَ قِيَامِ الْجُرْمُوقِ فَإِذَا زَالَ صَارَ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْجُرْمُوقَ هُوَ الْخُفُّ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْجَوْهَرِيِّ وَالْمُطَرِّزِيِّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا إنَّ الْجُرْمُوقَ وَالْمُوقَ يُلْبَسَانِ فَوْقَ الْخُفِّ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا غَيْرُ الْخُفِّ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ مَمْنُوعٌ وَمُنَاقِضٌ لِمَذْهَبِهِمْ فِي الْخُفِّ مِنْ الزُّجَاجِ أَوْ الْحَدِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ] (قَوْلُهُ: مَا يَكُونُ صَالِحًا لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالْمَشْيِ الْمُتَتَابِعِ عَادَةً) أَقُولُ: لِيُنْظَرَ مَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ هَلْ الْمُعْتَبَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِالْخُفِّ نَفْسِهِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِذَلِكَ بِدُونِ لُبْسِهِ فِي الْمُكَعَّبِ أَوْ مَا هُوَ الْمُعْتَادُ لَنَا مِنْ لُبْسِهِ فِي الْمُكَعَّبِ تَوَقَّفْنَا مِنْ قَدِيمٍ فِي ذَلِكَ وَلَمْ نَجِدْ فِيهِ نَقْلًا مَعَ التَّفْتِيشِ وَالتَّنْقِيرِ لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي تَعَالِيلِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَصْلُحُ لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ فِيهِ نَفْسُهُ فَعَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَتَفَقَّدَ خُفَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَرِقُّ أَسْفَلُهُ وَيَمْشِي عَلَيْهِ بِالْمُكَعَّبِ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَا يُنْقَبُ وَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ لَوْ مَشَى بِهِ وَحْدَهُ يَتَخَرَّقُ فِي دُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَمْسَحُونَ حَتَّى يَتَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ هَذَا قَدْ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَعَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَعْتَبِرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخَرْقِ وَبَعْدَهُ لِئَلَّا يُصَلِّيَ بِلَا طَهَارَةٍ فَلْيُحْفَظْ. (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ عَلَى الْخُفِّ الْمُتَّخَذِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَتَمَامُ عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَوْقَ الْخُفِّ عِنْدَنَا، فَإِنْ لَبِسَهُمَا وَحْدَهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَجُوزُ اهـ. وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَبِسَهُمَا أَيْ الْخُفَّيْنِ الْمُتَّخَذَيْنِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَعَلَيْك أَنْ تَتَأَمَّلَ فِي عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ اهـ. أَقُولُ: فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ سَقْطٌ أَوْ إيجَازُ مَحَلٍّ، فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ جَائِزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ مُعَلِّلًا بِإِمْكَانِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِهَا قَالَ شَارِحُهَا الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ حَتَّى قَالُوا لَوْ شَاهَدَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَلَابَتَهَا لَأَفْتَى بِالْجَوَازِ لِشِدَّةِ دَلْكِهَا وَتَدَاخُلِ أَجْزَائِهَا بِذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ كَالْجِلْدِ الْغَلِيظِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ اهـ. فَقَوْلُ الْخُلَاصَةِ عَلَى الصَّحِيحِ إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الْإِمَامِ فِي اشْتِرَاطِ النَّعْلِ وَقَوْلُ الْحَلَبِيِّ وَأَجْمَعُوا إلَخْ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَدِيمُ عَلَى أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَظَاهِرِ الْقَدَمِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا أَيْ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا كَمَا قَالَ الرَّمْلِيُّ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى يَكُونَ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهَا لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ مُرَاجَعَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَخْ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُفِّ حَدَثٌ

أَنْ لَا يُحْدِثَ قَبْلَ لُبْسِهِمَا حَتَّى لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِ الْجُرْمُوقِ ثُمَّ لَبِسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ لَبِسَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ لِحُلُولِ الْحَدَثِ بِهِ فَلَا يُزَالُ بِمَسْحِ غَيْرِهِ وَكَذَا لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ قَبْلَ الْحَدَثِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ خُفَّيْهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَلَوْ نَزَعَ أَحَدَ مُوقَيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا وَجَبَ مَسْحُ الْخُفِّ الْبَادِي وَإِعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ لِانْتِقَاضِ وَظِيفَتِهِمَا كَنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْمَسْحِ لَا يَتَجَزَّأُ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ يَنْزِعُ الْآخَرَ وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْآخَرِ فَكَذَا هَذَا وَالْخُفُّ عَلَى الْخُفِّ كَالْجُرْمُوقِ عِنْدَنَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَكَذَا الْخُفُّ فَوْقَ اللِّفَافَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ مَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّجْلِ حَائِلٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَخُفٍّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ خُفٌّ أَوْ لِفَافَةٌ اهـ. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللِّفَافَةَ عَلَى الرِّجْلِ لَا تَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ فَوْقَهَا وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خُفَّاهُ صَالِحَيْنِ لِلْمَسْحِ لِخَرْقِهِمَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوقَيْنِ اتِّفَاقًا وَنَقَلَ مِنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ أَنَّ مَا يُلْبَسُ مِنْ الْكِرْبَاسِ الْمُجَرَّدِ تَحْتَ الْخُفِّ يَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لِكَوْنِهِ فَاصِلًا ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّيْنِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ، وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ وَقَدْ انْعَقَدَ ذَلِكَ فِي الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي أَقُولُ: قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا إلَخْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلَوْ قَبْلَ الْحَدَثِ كَمَا لَوْ جَدَّدَ الْوُضُوءَ وَمَسَحَ عَلَى خُفِّهِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُفِيدُ أَنَّ لُبْسَ الْجُرْمُوقِ قَبْلَ الْمَسْحِ شَرْطٌ آخَرُ كَمَا أَنَّ لُبْسَهُ قَبْلَ الْحَدَثِ شَرْطٌ، وَهَذَا بَعِيدٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً مَعَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ وَأَيْضًا، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْخُفِّ إلَّا بَعْدَ الْحَدَثِ أَمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ وُجُودَ الْخُفِّ كَعَدَمِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا بِمَعْنَى الْوَاوِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْهَمْزَةُ مِنْ زِيَادَةِ النُّسَّاخِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ فَيَكُونُ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَبَعْدَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَكَلَامُهُ الثَّانِي فِيمَا إذَا لَبِسَهُمَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي لُبْسِ الْجُرْمُوقَيْنِ بَعْدَ الْحَدَثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ قَبْلَهُ فَفِي الصُّورَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ لِلْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَهَذَا مَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ قَالَ سَوَاءٌ لَبِسَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُعَيِّنُ أَنَّ عَدَمَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ شَرْطٌ آخَرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّرَاجِ فَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِمَا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَوْقَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْخُفِّ اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنَّفِهِ وَنَصُّهُ وَنُجِيزُهُ عَلَى الْمُوقَيْنِ إذَا لَبِسَ الْمُوقَيْنِ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى لَبِسَهُمَا وَلَا أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِ هَذَا إذَا ابْتَدَأَ مَسْحَهُمَا أَمَّا إذَا كَانَ قَدْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا حَيْثُ ظَهَرَ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى اهـ. وَكَذَا قَالَ فِي مَتْنِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ اهـ. قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَقَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ (قَوْلُهُ: وَنَقَلَ مِنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ شَارِحُ الْمُنْيَةِ ثُمَّ تَعْلِيلُ أَئِمَّتِنَا هَاهُنَا بِأَنَّ الْجُرْمُوقَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ إلَخْ يُعْلَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ لُبِسَ فَوْقَ مَخِيطٍ مِنْ كِرْبَاسَ أَوْ جُوخٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْجُرْمُوقَ إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ وَجُعِلَ الْخُفُّ مَعَ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَلَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ وَيُجْعَلُ مَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ أَوْلَى كَمَا فِي اللِّفَافَةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَجِيزِ وَالرَّافِعِيِّ فِي شَرْحِهِ لَهُ مَعَ الْتِزَامِهِمَا ذَكَرَ خِلَافَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْرَدَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ، وَكَانَ مَشَايِخُنَا إنَّمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ فِيمَا اُشْتُهِرَ مِنْ كُتُبِهِمْ اكْتِفَاءً بِمَا قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الْجُرْمُوقِ مِنْ كَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ الرَّجُلِ كَذَا أَفَادَهُ الْمَوْلَى خُسْرو فِي الدُّرَرِ شَرْحُ الْغَرَرِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا نُقِلَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ فَتَاوَى الشَّاذِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ الْمَلْبُوسَ تَحْتَ الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْفِقْهِ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ إنْ كَانَ لِيَصِيرَ كَالْخُفِّ الْمَخْرُوقِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ بِدُونِ خَرْقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ

[المسح على الجورب]

وَقِطْعَةُ كِرْبَاسٍ تُلَفُّ عَلَى الرِّجْلِ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِاللُّبْسِ لَكِنْ يُفْهَمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ الْغَيْرَ الصَّالِحَ لِلْمَسْحِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاصِلًا فَلَأَنْ لَا يَكُونَ الْكِرْبَاسُ فَاصِلًا أَوْلَى اهـ. وَقَدْ وَقَعَ فِي عَصْرِنَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الرُّومِ بِالرُّومِ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا فِي فَتَاوَى الشَّاذِيِّ وَأَفْتَى بِمَنْعِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي تَحْتَهُ الْكِرْبَاسُ وَرَدَّ عَلَى ابْنِ الْمَلَكِ فِي عَزْوِهِ لِلْكَافِي إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَافِي النَّسَفِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الْحَقُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: إنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ فِي مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخُفِّ فِي الْكَلَامِ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا أَعَادَهُمَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ فَقَالُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ يُشْكِلُ بِمَا لَوْ أَخْرَجَ الْخُفَّيْنِ عَنْ رِجْلَيْهِ وَعَلَى الرِّجْلَيْنِ لِفَافَةٌ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْمَسْحَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ اهـ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَوْقَ اللِّفَافَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ وَمَسَحَ عَلَى ظَهْرِ الْخُفِّ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْخَرْقُ الْمَانِعُ ظَاهِرَ الْجُرْمُوقِ وَقَدْ ظَهَرَ الْخُفُّ فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ أَوْ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا فَمَسَحَ عَلَى بَعْضِ الصَّحِيحِ وَعَلَى بَعْضِ الْخَرْقِ، وَهُوَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ لَمْ يُجْزِهِ اهـ. وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْمُتَخَرِّقِ، وَإِنْ كَانَ خُفَّاهُ غَيْرَ مُتَخَرِّقٍ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي الْجُرْمُوقِ مَانِعًا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ لَا غَيْرُ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُتَخَرِّقَ خَرْقًا مَانِعًا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَكَانَتْ الْوَظِيفَةُ لِلْخُفِّ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. فَقَالَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ أَنْ يَكُونَ الْجُرْمُوقُ لَوْ انْفَرَدَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِ خَرْقٌ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ إذَا كَانَ مِنْ كِرْبَاسٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُ السَّفَرِ وَتَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَبِسَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقَيْنِ يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى مَا تَحْتَهُمَا مِنْ الْخُفِّ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ وَيَكُونُ مَسْحًا عَلَى الْخُفِّ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقَانِ وَاسِعَيْنِ يَفْضُلُ الْجُرْمُوقُ مِنْ الْخُفِّ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ فَمَسَحَ عَلَى تِلْكَ الْفَضْلَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا مَسَحَ عَلَى الْفَضْلَةِ بَعْدَ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْفَضْلَةِ فَحِينَئِذٍ جَازَ وَلَوْ أَزَالَ رِجْلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَعَادَ الْمَسْحَ اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ جَعَلَ الْخُفَّ كَالْجُرْمُوقِ فِي هَذَا مِنْ أَنَّهُ إذَا فَضَلَ مِنْ الْجُرْمُوقِ أَوْ الْخُفِّ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَالْجَوْرَبُ الْمُجَلَّدُ وَالْمُنَعَّلُ وَالثَّخِينُ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إذَا كَانَ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ ثَخِينًا يُقَالُ جَوْرَبٌ مُجَلَّدٌ إذَا وُضِعَ الْجِلْدُ عَلَى أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ وَجَوْرَبٌ مُنَعَّلٌ وَمُنَعَّلُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى أَسْفَلِهِ جِلْدَةٌ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ وَفِي الْمُسْتَصْفَى أَنْعَلَ الْخُفَّ وَنَعَلَهُ جَعَلَ لَهُ نَعْلًا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَيَجُوزُ فِي الْمُنَعَّلِ تَشْدِيدُ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ كَمَا يَجُوزُ تَسْكِينُ النُّونِ وَتَخْفِيفُ الْعَيْنِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْمُنْعَلُ بِالتَّخْفِيفِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالظَّاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ثُمَّ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّعْلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذَا بَلَغَ النَّعْلُ إلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَّصِلَ جُزْءٌ مِنْ الرِّجْلِ بِالْخُفِّ فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَنَحْوِهِ مَعَ حَيْلُولَةِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ مَنْعًا لِلِاتِّصَالِ بِالرِّجْلِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَيَّدَهُ مِنْ الْجُهَّالِ بِأَنَّ جَوَازَ مَسْحِ الْخُفِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، فَإِنَّ هَذَا كَمَا تَرَى بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ الرَّاجِحَةِ لَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمُكَعَّبِ وَاللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا ثُمَّ يُقَالُ بَلْ قَطْعُ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ قَصْدُ إحْرَامٍ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَلَيْهَا اهـ كَلَام الْحَلَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ لَا يَرِدُ عَلَى الشَّاذِيِّ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمَانِعِ مَا يُلْبَسُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِخْيَطًا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَكَلَامُ الشَّارِحِينَ فِي اللِّفَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِمَنْعِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَقِطْعَةُ كِرْبَاسَ إلَخْ إذْ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ اللِّفَافَةِ يَشْمَلُ الْمِخْيَطَ أَيْضًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُبْتَغَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَحْثًا عَلَى عِبَارَةِ الْمُبْتَغَى لَا عَلَى عِبَارَةِ الْمُنْيَةِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِهَا لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ ذَلِكَ الْبَحْثُ عَلَى مَا فِي الْمُبْتَغَى. (قَوْلُهُ: قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَهُ) ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِقَوْلِهِ إنَّهُمْ اعْتَبَرُوا خُرُوجَ أَكْثَرِ الْقَدَمِ مِنْ مَوْضِعٍ مَسَحَ عَلَيْهِ وَهَاهُنَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَوْضِعٍ مَسَحَ عَلَيْهِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. [الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ] (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُسْتَصْفَى فِي نَعْلِ الْخُفِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا شَاهِدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَعْلَهُ لَيْسَ مُشَدَّدًا بَلْ مُخَفَّفًا وَالْمُرَادُ أَنَّ اسْمَ الْمَفْعُولِ جَاءَ مِنْ الْمَزِيدِ وَالْمُجَرَّدِ اهـ. أَقُولُ: صَرَّحَ فِي الْقَامُوسِ بِمَجِيئِهِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُشَدَّدَ لَا الْمُخَفَّفَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ

أَسْفَلِ الْقَدَمِ جَازَ وَالثَّخِينُ أَنْ يَقُومَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ شَدٍّ وَلَا يَسْقُطُ وَلَا يَشِفُّ اهـ. وَفِي التَّبْيِينِ وَلَا يُرَى مَا تَحْتَهُ ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إذَا كَانَ مُنَعَّلًا جَائِزٌ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ مُنَعَّلًا، وَكَانَ رَقِيقًا غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَجُوزُ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا، وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ فَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ لِلْحَدِيثِ قَصَّرَ لِدَلَالَتِهِ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَا يُسْمَعُ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَنَصَّ عَلَيْهِ الرَّاوِي، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّقِيقِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ إخْرَاجَهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ وَمَا نُقِلَ مِنْ تَضْعِيفِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَمُسْلِمٌ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ: كُلٌّ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ فَلَا يَضُرُّ لِكَوْنِهِ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرِّجُ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ كُلَّهَا ضَعِيفَةً اعْتَضَدَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَالضَّعِيفُ إذَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ صَارَ حَسَنًا مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ مَسْحٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ عَلَى فَاعِلِهِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَعْنَى مَا يَقْوَى عَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالْمَنْعِ فَلَا جَرَمَ إنْ كَانَ الْفَتْوَى عَلَى الْجَوَازِ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهَا حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَمُسَلَّمٌ لَوْ لَمْ يَرِدْ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ بِلَالٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ» وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ كَانَ الْجَوْرَبُ مِنْ مِرْعِزَّى وَصُوفٍ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ الْمِرْعَزُ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَقَدْ تُفْتَحُ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٌ مَقْصُورَةٍ وَقَدْ تُمَدُّ مَعَ تَخْفِيفِ الزَّايِ وَقَدْ تُحْذَفُ مَعَ بَقَاءِ التَّشْدِيدِ الزَّغَبُ الَّذِي تَحْتَ شَعْرِ الْعَنْزِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ مِنْ غَزْلٍ أَوْ شَعْرٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ ثَخِينًا يَمْشِي مَعَهُ فَرْسَخًا فَصَاعِدًا كَجَوْرَبِ أَهْلِ مَرْوَ فَعَلَى الْخِلَافِ وَكَذَا الْجَوْرَبُ مِنْ جِلْدٍ رَقِيقٍ عَلَى الْخِلَافِ وَيَجُوزُ عَلَى الْجَوَارِبِ اللِّبْدِيَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَالُوا وَلَوْ شَاهَدَ أَبُو حَنِيفَةَ صَلَابَتَهَا لَأَفْتَى بِالْجَوَازِ وَيَجُوزُ عَلَى الْجُرْمُوقِ الْمَشْقُوقِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ وَلَهُ أَزْرَارٌ يَشُدُّهُ عَلَيْهِ يَسُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ كَغَيْرِ الْمَشْقُوقِ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ شَيْءٌ فَهُوَ كَخُرُوقِ الْخُفِّ قُلْتُ: وَأَمَّا الْخُفُّ الدَّوْرَانِيُّ الَّذِي يَعْتَادُهُ فُقَهَاءُ زَمَانِنَا، فَإِنْ كَانَ مُجَلَّدًا يَسْتُرُ جِلْدَةَ الْكَعْبِ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجُارَمُوقِ إنْ كَانَ يَسْتُرُ الْقَدَمَ وَلَا يُرَى مِنْ الْكَعْبِ وَلَا مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ إلَّا قَدْرُ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِالْجِلْدِ إنْ كَانَ الْجِلْدُ مُتَّصِلًا بِالْجُرْمُوقِ بِالْخَرْزِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ شُدَّ بِشَيْءٍ لَا وَلَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِاللِّفَافَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُ بُخَارَى اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ لِلْجَوْرَقِ عَنْ الْمُجْتَبَى فِي الْجَوْرَبِ مِنْ الشَّعْرِ وَفِيهَا أَيْضًا وَتَفْسِيرُ النَّعْلِ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبُ الْمُنَعَّلُ كَجَوَارِبِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا فِي ثُخُونَةِ الْجَوْرَبِ وَغِلَظِ النَّعْلِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْجَوْرَقَ اسْمٌ فَارِسِيٌّ لِخُفٍّ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الصِّحَاحِ قَالَ وَلَا تَقُولُ نَعَلَهُ (قَوْلُهُ: وَالثَّخِينُ أَنْ يَقُومَ عَلَى السَّاقِ إلَخْ) الَّذِي اسْتَصْوَبَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ حَدَّهُ بِمَا تَضَمَّنَهُ وَجْهُ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ فِيهِ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ وَقَوَّاهُ بِكَلَامِ الزَّاهِدِيِّ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إلَخْ) كَذَا فِي السِّرَاجِ عَنْ الْخُجَنْدِيِّ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ تَقْسِيمًا فِي الْجَوْرَبِ فَقَالَ ذَكَرَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْجَوْرَبَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمِرْعِزَّى وَالْغَزْلِ وَالشَّعْرِ وَالْجِلْدِ الرَّقِيقِ وَالْكِرْبَاسِ قَالَ وَذَكَرَ التَّفَاصِيلَ فِي الْأَرْبَعَةِ مِنْ الثَّخِينِ وَالرَّقِيقِ وَالْمُنَعَّلِ وَغَيْرِ الْمُنَعَّلِ وَالْمُبَطَّنِ وَغَيْرِ الْمُبَطَّنِ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَيْفَمَا كَانَ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْهُ وَالْمُرَادُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْأَرْبَعَةِ أَنَّ مَا كَانَ رَقِيقًا مِنْهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ مُبَطَّنًا وَمَا كَانَ ثَخِينًا مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَلَّدًا أَوْ مُنَعَّلًا أَوْ مُبَطَّنًا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا كَانَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. وَالْمِرْعِزَّى كَمَا سَيَأْتِي مَضْبُوطًا الزَّغَبُ الَّذِي تَحْتَ شَعْرِ الْعَنْزِ وَالْغَزْلُ مَا غُزِلَ مِنْ الصُّوفِ وَالْكِرْبَاسُ مَا نُسِجَ مِنْ مَغْزُولِ الْقُطْنِ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَيُلْحَقُ بِالْكِرْبَاسِ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَيْطِ كَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ أَيْ الْحَرِيرِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْجُوخِ إذَا جُلِّدَ أَوْ نُعِّلَ أَوْ بُطِّنَ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْكِرْبَاسِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ ثَخِينًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ فَرْسَخٌ مِنْ غَيْرِ تَجْلِيدٍ وَلَا تَنْعِيلٍ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَمَعَ التَّجْلِيدِ أَوْ التَّنْعِيلِ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْجِلْدُ جَمِيعَ مَا يَسْتُرُ الْقَدَمَ إلَى السَّاقِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِرْبَاسِ فَرْقٌ ثُمَّ أَطَالَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ تَقْرِيرِهِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَوْ احْتَاطَ وَلَمْ يَمْسَحْ إلَّا عَلَى مَا يَسْتَوْعِبُ تَجْلِيدَهُ ظَاهِرَ الْقَدَمِ

[المسح على الجبيرة وخرقة القرحة]

مَعْرُوفٍ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ بَعْضُهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَوَامَّ النَّاسِ يُسَافِرُونَ بِهِ خُصُوصًا فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَمَّا إذَا كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ قَدْرُ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ. (قَوْلُهُ: لَا عَلَى عِمَامَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَبُرْقُعٍ وَقُفَّازَيْنِ) أَيْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ السِّينِ مَعْرُوفَتَانِ وَالْبُرْقُعُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا خَرِيقَةٌ تُثْقَبُ لِلْعَيْنَيْنِ تَلْبَسُهَا الدَّوَابُّ وَنِسَاءُ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهِهِنَّ وَالْقُفَّازُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تَزِرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا وَهُمَا قُفَّازَانِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْحُلِيِّ تَتَّخِذُهُ الْمَرْأَةُ لِيَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَمِنْ ذَلِكَ يُقَالُ تَقَفَّزَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ إذَا نَقَشَتْ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا كَمَا فِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ وَقَدْ يَتَّخِذُهُ الصَّائِدُ مِنْ جِلْدٍ وَلِبْدٍ لِيُغَطِّيَ الْأَصَابِعَ وَالْكَفَّ ثُمَّ عَدَمُ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى هَذِهِ مَا عَدَا الْعِمَامَةَ لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ ثَابِتٌ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَوْ مَسَحَتْ عَلَى خِمَارِهَا وَنَفَذَتْ الْبِلَّةُ إلَى رَأْسِهَا حَتَّى ابْتَلَّ قَدْرُ الرُّبْعِ مِنْهُ يَجُوزُ قَالَ مَشَايِخُنَا إذَا كَانَ الْخِمَارُ جَدِيدًا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ثُقُوبَ الْجَدِيدِ لَمْ تُسَدَّ بِالِاسْتِعْمَالِ فَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ جَدِيدٌ لَا يَجُوزُ لِانْسِدَادِ ثُقُوبِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْعِمَامَةِ فَاجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ إلَّا أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ أَجَازَهُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ وَأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ لَا تَكُونَ عِمَامَةٌ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا لَبِسَتْ عِمَامَةَ الرَّجُلِ أَنْ تَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا ظَهَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وُجُوبُ اسْتِيعَابِهَا وَالتَّوْقِيتُ فِيهَا كَالْخُفِّ وَيَبْطُلُ بِالنَّزْعِ وَالِانْكِشَافِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا مِثْلَ أَنْ يَحُكَّ رَأْسَهُ أَوْ يَرْفَعَهَا لِأَجْلِ الْوُضُوءِ وَفِي اشْتِرَاطِ لُبْسِهَا عَلَى طَهَارَةٍ رِوَايَتَانِ وَاسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنْ مَسْحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ وَرَدَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرٍ شَاذٍّ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهَا عَلَى الْكِتَابِ وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ السُّنَّةُ يَا أَخِي وَسَأَلْته عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ أَمَسُّ الشَّعْرَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهَذَا نَأْخُذُ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ رَأَيْت صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا قَالَ نَافِعٌ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهَذَا نَأْخُذُ لَا يَمْسَحُ عَلَى خِمَارٍ وَلَا عِمَامَةٍ بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَأْوِيلَهُ بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ بَعِيدًا فَمَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَضَعْ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ فَظَنَّ بِلَالٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوْ أَرَادَ بِلَالٌ الْمَجَازَ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ التَّأْوِيلَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَلْزَمُهُ غَيْرُ الرَّأْيِ وَالصَّوَابُ أَنْ نَقُولَ إذَا ثَبَتَ رِوَايَةً سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ ثَبَتَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ اهـ يَعْنِي: وَلَمْ تَسْلَمْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ لَهَا [الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ] (قَوْلُهُ: وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَخِرْقَةُ الْقُرْحَةِ كَالْغَسْلِ) أَيْ لِمَا تَحْتَهَا وَلَيْسَ بِبَدَلٍ وَالْجَبِيرَةُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّلَبَةِ عِيدَانٌ تُرْبَطُ عَلَى الْجُرْحِ وَيُجْبَرُ بِهَا الْعِظَامُ وَفِي الْمُغْرِبِ جَبَرَ الْكَسْرَ جَبْرًا وَجَبَرَ بِنَفْسِهِ جُبُورًا وَالْجُبْرَانُ فِي مَصَادِرِهِ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ وَالْجَبْرُ غَيْرُ فَصِيحٍ وَجَبَرَهُ بِمَعْنَى أَجْبَرَهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَإِنْ قَلَّ اسْتِعْمَالُ الْمَجْبُورِ بِمَعْنَى الْمُجْبَرِ وَقَرَحَهُ قُرْحًا جَرَحَهُ، وَهُوَ قَرِيحٌ وَمَقْرُوحٌ ذُو قُرْحٍ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ الْقُرْحَةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْجِرَاحَةُ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَا يَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ مِنْ بُثُورٍ. اهـ. وَأَيَّامًا كَانَ الْمُرَادُ هُنَا فَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى السَّاقِ كَانَ أَوْلَى وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمُ التَّقَوِّي، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْفَتْوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

[المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفاز]

لَا يَخْتَلِفُ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا مَا عَنْ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ مَتْرُوكٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَفِي الْمُغْرِبِ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ عَلِيٍّ صَوَابُهُ كُسِرَ أَحَدُ زَنْدَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّنْدَ مُذَكَّرٌ وَالزَّنْدَانِ عَظْمَا السَّاعِدِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ الْكَسْرُ يَوْمَ أُحُدٍ أَوْ يَوْمَ خَيْبَرَ وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرِّجَ أَحَادِيثَ دَالَّةً عَلَى الْجَوَازِ وَضَعَّفَهَا وَيَكْفِي فِي هَذَا الْبَابِ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْعِصَابَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا كَالْمَرْفُوعِ، فَإِنَّ الْأَبْدَالَ لَا تَنْصِبُ بِالرَّأْيِ وَالْبَاقِي اسْتِئْنَاسٌ لَا يَضُرُّهُ التَّضْعِيفُ إنْ تَمَّ إذَا لَمْ يُقَوِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمَّا إذَا قَوِيَ فَلْيُسْتَدَلَّ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صِفَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمُلْحَقَ بِهَا لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ يَضُرُّهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ فَالْمَسْحُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ فَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْمَسْحُ يَضُرُّهُ جَازَ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْأَصْلِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ عِنْدَهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَهُ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى يَجُوزَ بِدُونِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَأَوْجَبَ الْعَمَلَ بِهِ دُونَ الْعِلْمِ فَحَكَمْنَا بِوُجُوبِ الْمَسْحِ عَمَلًا وَلَمْ نَحْكُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ حَالَ عَدَمِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْفَسَادِ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لَا يُوجِبُهُ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ وَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي تَجْرِيدِهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا صَحَّحَ فِي الْغَايَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي التَّجْنِيسِ الِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ اهـ. وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ الْوُجُوبُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ وَعَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعُ وَالْقُفَّازُ] (قَوْلُهُ: وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ إلَخْ) أَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ حَمْلُ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ الْفَرْضِيَّةُ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ أَيَّاهَا بَعْدَ نَقْلِ الْقَوْلِ بِرُجُوعِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا أَيْ وَهُمَا يَقُولَانِ بِالْفَرْضِيَّةِ لَكِنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ ثُمَّ الْمَسْحُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَاجِبٌ عِنْدَ هُمَا وَقِيلَ إنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ الْمَسْحُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا اهـ. وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لَهُمَا قَوْلَيْنِ قَوْلًا بِالْوُجُوبِ وَقَوْلًا بِالْفَرْضِيَّةِ كَمَا أَنَّ لَهُ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ وَقَوْلًا بِالْوُجُوبِ فَعَلَى هَذَا فَرُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا رُجُوعٌ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ إلَى الْوُجُوبِ بِدَلِيلِ جَعْلِهِ الْأَصَحَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى هُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالزِّيَادَاتِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ قَائِلٌ بِالْوُجُوبِ فَحَمْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ بَعِيدٌ لِمَا قُلْنَا؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَوَاجِبٌ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاجِبِ غَيْرُ الْفَرْضِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ قَوْلُهُمَا بِالِافْتِرَاضِ آخَرَ فَقَوْلُهُ إنَّ الْوُجُوبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْوُجُوبَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنَ الْأَوَّلِ غَالِبًا وَلَا يُقَالُ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ إلَخْ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ هُنَا الِافْتِرَاضُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ مِنْ الْآحَادِ فَغَايَةُ مَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُ وَلَمَّا كَانَ دَلِيلُ التَّيَمُّمِ قَطْعِيًّا كَانَ الثَّابِتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةَ فَالتَّشْبِيهُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْعُضْوِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ وَكَمَا لَا يُقَالُ إلَخْ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطِيَ الْمُشَبَّهَ مَا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ الْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى يَجُوزَ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ حَتَّى تَجُوزَ صَلَاتُهُ بِدُونِهِ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُثْبَتَ أَوَّلًا وَالْمَنْفِيَّ ثَانِيًا هُوَ الْوُجُوبُ الِاصْطِلَاحِيُّ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْغَايَةِ وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْحِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَعِنْدَهُمَا وَاجِبٌ وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ الْوُجُوبُ الْمَنْفِيُّ عِنْدَهُ بِمَعْنَى الْفَرْضِ وَعِنْدَهُمَا الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ وُجُوبُ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ وَنُقِلَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الِاسْتِحْبَابُ وَالْوُجُوبُ وَالْجَوَازُ وَقِيلَ هُوَ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا وَاجِبٌ عِنْدَهُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمُثْبَتَ عِنْدَهُمَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ الثَّالِثِ، وَأَمَّا الْمَنْفِيُّ عِنْدَهُ فَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ ثُمَّ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوَّلِ الِاسْتِحْبَابُ فَقَطْ وَعَلَى الثَّالِثِ الْوُجُوبُ فَقَطْ وَعَلَى الثَّانِي أَحَدُ هَذَيْنِ أَوْ الْوُجُوبُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمَا مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُ وَقِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ فَرْضٌ عِنْدَهُمَا اهـ. وَمِثْلُهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ فَانْظُرْ كَيْفَ نَسَبُوا إلَيْهَا تَارَةً الْقَوْلَ بِالْفَرْضِيَّةِ وَتَارَةً

الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا وَوَظِيفَةُ هَذَا الْعُضْوِ الْغَسْلُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالتَّيَمُّمِ وَكَمَا لَا يُقَالُ إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَاقِطٌ فَسَقَطَ الْمَسْحُ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بِدَلِيلِهِ كَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ بِدَلِيلِهِ اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي افْتِرَاضِهِ أَوْ وُجُوبِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَ اسْتِحْبَابَهُ عَلَى قَوْلٍ وَقَدْ جَنَحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى تَقْوِيَةِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ حَيْثُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَغَايَةُ مَا يُفِيدُ الْوَارِدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ الْوُجُوبُ فَعَدَمُ الْفَسَادِ بِتَرْكِهِ أَقْعَدُ بِالْأُصُولِ وَحُكِمَ عَلَى قَوْلِ الْخُلَاصَةِ الْمَاضِي بِأَنَّهُ اُشْتُهِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ شُهْرَةُ نَقِيضِهِ عَنْهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعْنَى مَا قِيلَ إنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ. اهـ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ حَكَمَ بِالْفَسَادِ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ فَلَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَفِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ لَهَا مَعَ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ فِيهَا ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ فَيَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِظَنِّيٍّ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ بِالْفَسَادِ بِسَبَبِ الْكَلَامِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَفَادَ كَوْنَهُ مَحْظُورًا فِيهَا وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حَظْرٌ يَرْتَفِعُ إلَى الْإِفْسَادِ، فَهُوَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ لَا بِالْحَدِيثِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ لَا الْفَسَادُ بِتَرْكِهِ إذَا لَمْ يَمْسَحْ وَصَلَّى، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ تَرْكِ وَاجِبٍ وَجَبَتْ إعَادَتُهَا هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ تَفْصِيلًا عَلَى قَوْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ الْمُقَابِلِ لِلْمُسْتَحَبِّ وَلِلْفَرْضِ وَلَمْ يَنْسُبُوا إلَيْهِ الْقَوْلَ بِالْفَرْضِيَّةِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ جَائِزٌ وَعَلَى قَوْلِهِمَا إمَّا وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ وَالصَّحِيحُ مِنْ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ غَيْرِ مَا كِتَابٍ، وَإِذَا حَمَلْنَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْجَوَازِ إلَى الْوُجُوبِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَعْبِيرُهَا بِعَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هَذَا شَأْنُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْجَائِزِ تَتَّفِقُ كَلِمَتُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ مَا فِيهَا غَيْرَ مَا صَحَّحُوهُ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَا نَقَلْنَاهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ مِنْ التَّوْفِيقِ السَّابِقِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَجْمَعِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ لَك فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ قَوْلٌ بِالْفَرْضِيَّةِ إذْ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِهِ بَلْ صَرَّحُوا بِنَفْيِهِ قَوْلًا لَهُ فَضْلًا عَنْ تَصْحِيحِهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَكَلَامِ أَخِيهِ فِي النَّهْرِ حَيْثُ وَافَقَهُ بَلْ زَادَ عَلَيْهِ وَمَشَى عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَتَابَعَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمِنَحِ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي افْتِرَاضِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِلَفْظِ الْفَتْوَى، وَهَذَا آكَدُ فِي التَّصْحِيحِ مِنْ لَفْظِ الْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحِ أَوْ الْمُخْتَارِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَلِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ مِنْ رُجُوعِ الْإِمَامِ قَدَّسَ سِرَّهُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ ثَمَّ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قُلْنَا، وَإِلَّا لَا يُتْرَكُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَفِي شُرُوحِ الْوِقَايَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إنْ ضَرَّ جَازَ تَرْكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ فَقَدْ اخْتَلَفَ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي جَوَازِ تَرْكِهِ وَالْمَأْخُوذُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ اهـ. وَبِهِ جَزَمَ مُنْلَا خُسْرو اهـ كَلَامُ الْمِنَحِ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ. وَأَقُولُ: أَمَّا مَا نَسَبَهُ إلَى الْمَجْمَعِ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَعْنَى الِافْتِرَاضِ فَلَيْسَ الْمَوْجُودُ فِيهِ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ خِلَافَهُ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ فَقَدْ عَمِلْت تَأْوِيلَهَا، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ كَلَامِ شُرُوحِ الْوِقَايَةِ وَمُنْلَا خُسْرو مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَرْضِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمَ الصِّحَّةِ لِإِسْنَادِهِمْ إيَّاهُ إلَى التَّرْكِ وَلَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ تَرْكُهُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدَمُ الْحِلِّ؛ وَلِذَا عَطَفَ فِي الْمُحِيطِ قَوْلَهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا بِالْفَرْضِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ عِنْدَهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ أَيْ يَحِلُّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْجَوَازِ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْدَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عِنْدَهُ وَاجِبٌ أَيْ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فَقَوْلُ شُرَّاحِ الْوِقَايَةِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ هُوَ مَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ تَصْحِيحُ الْوُجُوبِ لَا الْفَرْضِيَّةِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَسْحَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْفُرُوقِ مِنْ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِفَهْمِي الْقَاصِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا تَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بَلْ ارْجِعْ أَيْضًا إلَى رَأْيِك مُنْصِفًا وَابْحَثْ مَعَ ذَوِي الْأَفْهَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ جَنَحَ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ اخْتِيَارِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ إلَخْ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْفَرَائِضُ الْعَمَلِيَّةُ تَثْبُتُ بِالظَّنِّ وَالِاشْتِهَارُ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْلِهِ غَيْرُ لَازِمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ يَثْبُتُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ لَا مُطْلَقًا لَمَّا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى نَوْعَيْنِ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ هُوَ فِي قُوَّةِ الْقَطْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ لِكَمَالِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الظَّنِّيِّ الْقَوِيِّ الْمُثْبِتِ لِلْفَرْضِ وَبَيْنَ الظَّنِّيِّ الْمُثْبِتِ لِلْوَاجِبِ اصْطِلَاحًا خُصُوصُ الْمَقَامِ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية وَيَتَعَيَّنُ

[المسح على الجبيرة مع الغسل]

أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ إنْ كَانَ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ لَوْ ظَهَرَ أَمْكَنَ غَسْلُهُ فَالْمَسْحُ وَاجِبٌ بِالْأَصْلِ لِيَتَعَلَّقَ بِمَا قَامَ مَقَامُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَإِنْ كَانَ مَا تَحْتَهَا لَوْ ظَهَرَ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ فَالْمَسْحُ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْأَصْلِ قَدْ سَقَطَ فَلَا يَلْزَمُ مَا قَامَ مَقَامَهُ كَالْمَقْطُوعِ الْقَدَمِ إذَا لَبِسَ الْخُفَّ قَالَ الصَّرِيفِنِيُّ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَجْرُوحِ أَمَّا الْمَكْسُورُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَمَبْنَى مَا فِي الْمُصَفَّى عَلَى تَفْصِيلِ الرَّازِيّ لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمَسْحِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْمَكْسُورِ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ بِإِطْلَاقَةِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ بِالرَّأْسِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ وَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْضُهُ صَحِيحٌ، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ قَدْرَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ، وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ هَذَا الْقَدْرُ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الرَّأْسِ صَحِيحٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْسَحْ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ اهـ. وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمَنْ كَانَ جَمِيعُ رَأْسِهِ مَجْرُوحًا لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَلَا بَدَلَ لَهُ وَقِيلَ يَجِبُ اهـ. وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الرَّأْسِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا بَدَلٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَلَا يَضُرُّهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْغَسْلُ وَلَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ يَمْسَحُ مَا تَحْتَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَمْسَحُ فَوْقَهَا اهـ. قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ وَلَكِنْ قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: وَلَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُ الْجِرَاحَةِ إلَّا بِالْمَاءِ الْحَارِّ خَاصَّةً وَلَا يُمْكِنُهُ بِمَا سِوَاهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكَلُّفُ الْغَسْلِ الْحَارِّ وَيُجْزِئُهُ الْمَسْحُ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى؛ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ وَقَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِبَدَلٍ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ وَلَوْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ وَمَسَحَ عَلَيْهَا وَغَسَلَ الْأُخْرَى لَا يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ؛ وَلِهَذَا أَيْضًا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةِ الْمَجْرُوحَةِ وَغَسَلَ الصَّحِيحَةَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَيْهَا ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَنْزِعُ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَةَ مَغْسُولَةٌ حُكْمًا وَلَا يَجْتَمِعُ الْوَظِيفَتَانِ فِي الرِّجْلِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ يَجُوزُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ الْمَجْرُوحَةِ صَارَتْ كَالذَّاهِبَةِ هَذَا إذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى الصَّحِيحَةِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ لَبِسَ عَلَى الْجَرِيحَةِ أَيْضًا بَعْدَمَا مَسَحَ عَلَى جَبِيرَتِهَا، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الْمَسْحَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْغَسْلِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ بَدَلٌ وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ فَكَانَ أَصْلًا لَا بَدَلًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ بَدَلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْغَسْلِ لَكِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْأَصْلِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطِ لَهُ حُكْمَ الْغَسْلِ بَلْ هُوَ بَدَلٌ مَحْضٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ أَوْ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَوَقَّتُ) أَيْ لَا يَتَوَقَّتُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِالْبُرْءِ كَمَا سَيَجِيءُ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُخَالِفُ فِيهَا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ [الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ] (قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ مَعَ الْغَسْلِ) أَيْ يَجْمَعُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَعَ الْغَسْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَهَذِهِ هِيَ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ، وَإِنْ شَدَّهَا بِلَا وُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQحَمْلُ قَوْلِهِ لَوْ ظَهَرَ أُمْكِنَ غَسْلُهُ إلَخْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلِّ الْجَبِيرَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ قَاضِي خَانْ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ التَّفْصِيلَ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى أَثَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَكْسُورَ لَا يَضُرُّهُ الْغَسْلُ فَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْجَهُ (قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ هُوَ الْوُجُوبُ) مُفَادُهُ أَنَّ خِلَافَهُ خَطَأٌ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ فِي التَّعْبِيرَانِ يَقُولُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْوُجُوبُ وَفِي قَوْلِهِ وَقَوْلُهُ الْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُبْتَغَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَيْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرَّأْسِ إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ فَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ جَبِيرَةٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَسْحُ لَا بَدَلَ لَهُ.

فِي اعْتِبَارِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَجًا؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَهَا سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ وَهَذِهِ هِيَ الثَّالِثَةُ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ (قَوْلُهُ: وَيَمْسَحُ عَلَى كُلِّ الْعِصَابَةِ كَانَ تَحْتَهَا جِرَاحَةٌ أَوْ لَا) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى أَنَّ اسْتِيعَابَ مَسْحِ الْعِصَابَةِ وَاجِبٌ، وَكَذَا الْجَبِيرَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ فِي رِوَايَةِ الِاسْتِيعَابِ شَرْطٌ وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَكْثَرِ يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا فِي الصَّحِيحِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ الْجِرَاحَةِ اهـ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الْمَتْنِ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّانِيَةُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ الْعِصَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ تَحْتَ جَمِيعِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ إذَا زَادَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ إنْ كَانَ حَلُّ الْخِرْقَةِ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا يَضُرُّ بِالْجِرَاحَةِ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّ بِالْجُرْحِ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُ الْخِرْقَةِ بَلْ يَغْسِلُ مَا حَوْلَ الْجِرَاحَةِ وَيَمْسَحُ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْخِرْقَةِ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ وَلَا يَضُرُّهُ الْحَلُّ يَمْسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ وَيَغْسِلُ حَوَالَيْهَا وَتَحْتَ الْخِرْقَةِ الزَّائِدَةِ إذْ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا اهـ. قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا ضَرَّهُ الْحَلُّ لَا الْمَسْحُ لِظُهُورِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْسَحُ عَلَى الْكُلِّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ضَرَرَ الْحَلِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ضَرَّهُ الْمَسْحُ مَعَهُ أَوْ لَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِرَاحَةِ وَغَيْرِهَا كَالْكَيِّ وَالْكَسْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ زَالَ عَنْهُ الْجَبِيرَةُ أَوْ الرِّبَاطُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشُدَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالرِّبَاطُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا يَعْرَى إطْلَاقُهُ عَنْ بَحْثٍ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي شَدِّهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ قَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَيَمْسَحُ عَلَى أَكْثَرِ الْعِصَابَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ بَعْضِهَا جِرَاحَةٌ إنْ ضَرَّهُ الْحَلُّ وَشَمَلَ كَلَامُهُ عِصَابَةَ الْمُفْتَصِدِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ تَسْتُرْهُ الْعِصَابَةُ بَيْنَ الْعِصَابَةِ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهَا بَادِيَةٌ اهـ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا وَيَكْفِيهِ الْمَسْحُ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ غَسْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ رُبَّمَا تَبْتَلُّ جَمِيعُ الْعِصَابَةِ وَتَنْفُذُ الْبِلَّةُ إلَى مَوْضِعِ الْفَصْدِ فَيَتَضَرَّرُ وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَإِذَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَوْضِعَ الْفَصْدِ قَدْ انْسَدَّ يَلْزَمُهُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ اهـ. وَفِي إمَامَةِ الْمُفْتَصِدِ بِغَيْرِهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ عَلَى الْفَوْرِ وَيَؤُمُّ بَعْدَ زَمَانٍ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اخْتِيَارُ الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَلَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي تَعْبِيرِهِ بِيَجُوزُ دُونَ يَجِبُ إشَارَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ الْجَوَازِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَتَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يُرَجِّحْهُ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ عَلَى مَا مَرَّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُنْيَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَالْمَسْحُ لَا يَضُرُّهُ جَازَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُنْيَةِ بِالْجَوَازِ الْحِلَّ وَعَدَمَ الْإِثْمِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا فَرْضًا فَهُوَ قَدْ صَحَّحَهُ كَمَا تُشْعِرُ بِهِ عِبَارَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ الصِّحَّةَ وَتَفْرِيغَ الذِّمَّةِ فِي الدُّنْيَا الصَّادِقِ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا فَقَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ هَذَا حَيْثُ جَعَلَ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ أَيْ عَبَّرَ بِالْجَوَازِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ لَاحْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْفَرْضُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَا نُسَلِّمُ مُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ كَالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ الْغَسْلَ فَرْضٌ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَتَشْبِيهُهُ بِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَمَا حَمَلَهُ هُوَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: هَذَا الْعُمْرِيُّ غَرِيبٌ إذْ صَاحِبُ الْمُحِيطِ كَمَا تَرَى اعْتَبَرَ الضَّرَرَ فِي الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَا فِي الْحَلِّ فَقَطْ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ دَائِرٌ مَعَ الضَّرَرِ وَعَدَمُهُ مَعَ عَدَمِهِ وَعَلَيْهِ تَتَخَرَّجُ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُرَادَ إنْ كَانَ الْحَلُّ وَالْعُدُولُ إلَى الْغَسْلِ يَضُرُّ يَمْسَحُ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الضَّرَرَ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَلِّ وَالْغَسْلِ لَقَالَ يَضُرَّانِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ يَضُرُّ بِالْإِفْرَادِ كَمَا تَقُولُ إنْ كَانَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو يَضْرِبَانِ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ قَالَ مَا نَصُّهُ التَّحْقِيقُ مَا فِي الْبَحْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إفْرَادُهُ الضَّمِيرَ فِي يَضُرُّ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِيهِمَا لَثَنَّى وَإِطْلَاقُهُ عَنْ اعْتِبَارٍ وَعَدَمُهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا قُلْنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَوْ اُعْتُبِرَ الضَّرَرُ فِي الْحِلِّ وَالْمَسْحِ لَكَانَ غَرِيبًا كَمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا قِرَانُ الْغَسْلِ مَعَهُ فَلَا يُنَافِيهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِ الْفَتْحِ لَا الْمَسْحِ فَتَدَبَّرْهُ (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَمِنْ ضَرَرِ الْحَلِّ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى رَبْطِهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَرْبِطُهَا اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا فَقَالَ يَنْبَغِي إلَخْ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ

أَوْ عِلْكًا أَوْ أَدْخَلَ جِلْدَهُ مَرَارَةً أَوْ مَرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ نَزْعُهُ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ بِأَعْضَائِهِ شُقُوقٌ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَغَسَلَ مَا حَوْلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُغْرِبِ الشُّقَاقُ بِالضَّمِّ تَشْقِيقُ الْجِلْدِ وَمِنْهُ طَلَى شِقَاقَ رِجْلِهِ، وَهُوَ خَاصٌّ وَأَمَّا الشَّقُّ لِوَاحِدِ الشُّقُوقِ فَعَامٌّ. (قَوْلُهُ:، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ، وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ الْمَسْحُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّقُوطُ عَنْ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلْمَسْحِ وَالْبُرْءُ خِلَافُ السُّقُمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَتَمَامُ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ، فَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ غَسَلَ مَوْضِعَ الْجَبِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْاِثْنَي عَشْرَ الْآتِيَةِ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقُعُودِ غَسَلَ مَوْضِعَهَا وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى الشُّرُوعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرَعَ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا حَتَّى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَضَى عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَقْبِلُ؛ وَلِهَذَا إذَا أَعَادَهَا أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُعِيدَ الْمَسْحَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ والْوَلْوَالِجِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْأُولَى كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ يَضُرُّهُ إمْسَاسُ الْمَاءِ فَعَصَبَهُ بِعِصَابَتَيْنِ وَمَسَحَ عَلَى الْعُلْيَا ثُمَّ رَفَعَهَا قَالَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ الْبَاقِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخُفَّيْنِ وَالْجُرْمُوقَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَمْسَحَ اهـ. لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ مِنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَبْطُلُ عِنْدَهُمَا اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا إذَا بَرِئَ مَوْضِعُ الْجَبِيرَةِ وَلَمْ تَسْقُطْ قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الْفِقْهِ إذَا بَرَأَ مَوْضِعُ الْجَبَائِرِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّقِيِّ الْكَرَابِيسِيِّ أَنَّهُ بَطَلَ الْمَسْحُ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَمَّا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ لِشِدَّةِ لُصُوقِهَا بِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَالدَّوَاءُ كَالْجَبِيرَةِ إذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ كَانَ عَلَى التَّفْصِيلِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُخَالِفُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّانِي: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ إذَا سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَنْتَقِضُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الرَّابِعِ: إذَا سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. الْخَامِسِ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَالْأَصْغَرُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. سَادِسُهَا: أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا فِي الْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ هَكَذَا ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ، وَقَدْ يُزَادُ عَلَيْهَا أَيْضًا فَنَقُولُ. السَّابِعُ: إنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ مَسْحِ أَكْثَرِ الْجَبِيرَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّامِنُ: أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الْمَسْحَ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ التَّكْرَارُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْخُفَّيْنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ عُلَمَائِنَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ لَمْ يَشْتَرِطْ تَكْرَارَهُ اتِّفَاقًا. التَّاسِعُ: أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا أُخْرَى أَوْ عِصَابَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ بِخِلَافِ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الْعَاشِرُ: إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْخُفِّ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ كَمَا سَيَأْتِي. الثَّانِيَ عَشَرَ: إذَا زَالَتْ الْعِصَابَةُ الْفَوْقَانِيَّةُ الَّتِي مَسَحَ عَلَيْهَا لَا يُعِيدُ الْمَسْحُ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثَ عَشَرَ: إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوِ الْمَعْصُوبِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ كَلَامَ قَاضِي خَانْ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إنَّ وُسْعَ الْغَيْرِ لَا يُعَدُّ وُسْعًا كَمَا نَقَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي التَّأْسِيسِ، وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ هُوَ قَوْلُهُمَا اهـ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) حَمَلَهُ فِي النَّهْرِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي يُوسُفَ لَا الْإِمَامِ وَأَيَّدَهُ بِمَا يَأْتِي عَنْ الْقُنْيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ إذْ لَا شَيْءَ مِمَّا مَرَّ يُنَافِيهِ (قَوْلُهُ: السَّابِعُ أَنَّ الصَّحِيحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا مَعَ عَدِّ الشَّارِحِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ فِي رِوَايَةٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ عَدَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ هَذَا اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَا يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ نَفْيُ وُجُوبِ الْأَكْثَرِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: الْعَاشِرُ إذَا دَخَلَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَبَائِرِ لَا يَبْطُلُ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا يَبْطُلُ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْخُفِّ لِمَا مَرَّ

[باب الحيض]

أَصَابِعَ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ وَالرِّجْلِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الرَّابِعَ: عَشَرَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مَعَ إرَادَةِ عَدَمِ الْغَسْلِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ) عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعِبَادَةٍ عَلَى أَصْلِنَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ إلَّا فِيمَا هُوَ عِبَادَةٌ أَوْ وَسِيلَةٌ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيهَا كَالتَّيَمُّمِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ [بَابُ الْحَيْضِ] اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْأَنْجَاسِ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقُولُ بَعْدَ هَذَا بَابُ الْأَنْجَاسِ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا ذَكَرَ مَا هُوَ أَقَلُّ وُقُوعًا مِنْهُ، وَلَقَّبَ الْبَابَ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ حَالَةً مَعْهُودَةً فِي بَنَاتِ آدَمَ دُونَ النِّفَاسِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِدَلِيلِ التَّعْرِيفِ، وَأَفْرَدَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَحْكَامٍ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدَّمَهُ لِكَثْرَةِ مُنَاسَبَتِهِ بِالْأَحْدَاثِ حَتَّى كَانَتْ الْأَحْكَامُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْأَحْدَاثِ ثَابِتَةً لَهُ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِصَاصُ نَوْعٍ مِنْ النَّجَسِ بِأَحْكَامٍ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَابَ الْحَيْضِ مِنْ غَوَامِضِ الْأَبْوَابِ خُصُوصًا مِنْ الْمُتَحَيِّرَةِ وَتَفَارِيعِهَا وَلِهَذَا اعْتَنَى بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَفْرَدَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ. وَمَعْرِفَةُ مَسَائِلِ الْحَيْضِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَامِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْبُلُوغِ وَالْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمَ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ عِظَمَ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ بِحَسَبِ مَنْزِلَةِ ضَرَرِ الْجَهْلِ بِهِ وَضَرَرُ الْجَهْلِ بِمَسَائِلِ الْحَيْضِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْجَهْلِ بِغَيْرِهَا فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِمَعْرِفَتِهَا وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِيهَا طَوِيلًا فَإِنَّ الْمُحَصِّلَ يَتَشَوَّفُ إلَى ذَلِكَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَرَاهَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَسَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَقَدْرِهِ وَأَلْوَانِهِ وَأَوَانِهِ وَوَقْتِ ثُبُوتِهِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، أَمَّا تَفْسِيرُهُ لُغَةً فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُهُ السَّيَلَانُ يُقَالُ حَاضَ الْوَادِي أَيْ سَالَ فَسُمِّيَ حَيْضًا لِسِيلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْحَيْضُ دَمٌ يُرْخِيهِ رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فِي أَوْقَاتٍ مُعْتَادَةٍ، وَيُقَالُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمُحَاضًا فَهِيَ حَائِضٌ بِحَذْفِ التَّاءِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً فَلَا تَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ بِخِلَافِ قَائِمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ. وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: الْخَامِسَ عَشَرَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَزِدْت السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ لَيْسَ خَلَفًا وَلَا بَدَلًا عَنْ الْغَسْلِ بِخِلَافِ الْخُفِّ اهـ. وَقَدْ يُزَادُ غَيْرُهَا كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَغَيْرِهِ فَنَقُولُ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ يُتْرَكُ إنْ ضَرَّ، وَإِلَّا لَا بِخِلَافِ الْخُفِّ الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالْعَجْزِ عَنْ مَسْحِ نَفْسِ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَسْحِهِ فَلَا مَسْحَ عَلَيْهَا التَّاسِعَ عَشَرَ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِبُرْءِ مَوْضِعِهَا، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ الْعِشْرُونَ أَنَّهُ يَبْطُلُ سُقُوطُهَا عَنْ بُرْءٍ بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِسُقُوطِهِ بِلَا شَرْطٍ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إنْ مَسَحَ جَبِيرَةَ رَجُلٍ يَجْمَعُ مَعَ غَسْلِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالْعَجْزِ عَنْ مَسْحِ الْمَوْضِعِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الرِّجْلَيْنِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا غَمَسَ الْجَبِيرَةَ فِي إنَاءٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَسْحَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ وَأَفْسَدَ الْمَاءَ بِخِلَافِ الْخُفِّ وَكَذَا الرَّأْسُ فَلَا يَفْسُدُ وَيَجُوزُ عِنْدَ الثَّانِي خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَشَرْحِهَا الْحَقَائِقِ وَالْفِرَقِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَسْحَ يَتَأَدَّى بِالْبِلَّةِ فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَيَجُوزُ الْمَسْحُ أَمَّا مَسْحُ الْجَبِيرَةِ فَكَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ ذَكَرَهُ فِي الْخِزَانَةِ وَأَحَالَهُ إلَى الْمُنْتَقَى اهـ. قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ لَوْ كَانَتْ عَلَى رِجْلِهِ وَسَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ وَيَخَافُ إنْ غَسَلَهَا أَنْ تَسْقُطَ مِنْ الْبَرْدِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِخِلَافِ الْخُفِّ عَلَى مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ الْحَيْضِ) . (قَوْلُهُ: وَضَرَرُ الْجَهْلِ إلَخْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ مَسَائِلَ الْحَيْضِ رُبَّمَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَتَأْتِي بِهِمَا فِي وَقْتِ وُجُوبِ التَّرْكِ وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ حَرَامٌ وَضَرَرٌ عَظِيمٌ وَلِأَنَّ ضَرَرَ هَذَا الْجَهْلِ يَخْتَصُّ وَيَتَعَدَّى بِخِلَافِ الْجَهْلِ فِيمَا سِوَاهُ، أَمَّا الْمُخْتَصُّ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي فَهُوَ غَشَيَانُ الرَّجُلِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَالِاعْتِقَادُ بِحِلِّهِ كُفْرٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ الْحَائِضَ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» أَيْ مُسْتَحِلًّا وَحُكِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ وَبِهَا مِنْ الْجِهَازِ الْعَظِيمِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى فَلِمَا زُفَّتْ إلَيْهِ وَدَخَلَ هُوَ مَعَهَا فِي الْفِرَاشِ وَهَمَّ بِهَا دَمِيَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ وَاَللَّهِ مَا سَمِعْت مِنْك خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. اهـ. فَوَائِدُ

الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا حَائِضَةٌ وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَيْضٌ وَطَمْثٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَضَحِكٌ وَإِكْبَارٌ وَإِعْصَارٌ وَدِرَاسٌ وَعِرَاكٌ وَفِرَاك بِالْفَاءِ وَطَمْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَنِفَاسٌ وَزَادَ بَعْضُهُمْ " طَمْتٌ " بِالْمُثَنَّاةِ وَطَمْءٌ بِالْهَمْزَةِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْأَنْجَاسِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَصِغَرٍ) فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ دَمٌ غَيْرُ الْمُعَرَّفِ وَشَمَلَ الدَّمَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يَنْفُضُهُ رَحِمُ امْرَأَةٍ دَمُ الرُّعَافِ وَالْجِرَاحَاتِ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ لَا مِنْ آدَمِيَّةٍ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ مِنْ الدَّمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عَنْ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَإِنْ أَمْسَكَ زَوْجُهَا عَنْ الْإِتْيَانِ أَحَبُّ إلَيَّ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ تَخْرُجْ الِاسْتِحَاضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحِمِ هُنَا الْفَرْجُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ " سَلِيمَةٍ " عَنْ دَاءٍ أَيْ دَاءٍ بِرَحِمِهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ مَرَضَ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ الرَّحِمِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ مَا تَرَاهُ فِي عَادَتِهَا مَثَلًا حَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى وَخَرَجَ بِهِ النِّفَاسُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالرَّحِمِ دَاءً بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالُوا: إنَّ النِّفَاسَ خَرَجَ بِهِ؛ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ حَتَّى اُعْتُبِرَ تَبَرُّعَاتُهَا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مَرَضَ الْمَرْأَةِ يَمْنَعُ كَوْنَهَا حَائِضًا، وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ، وَقَدْ خَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ فَإِنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَلَا يُقَالُ لَهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ لَا تَكُونُ حَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ؛ فَلِهَذَا ذَكَرَ مَا يُخْرِجُ مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ بِقَوْلِهِ وَصِغَرٍ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَخْلُو عَنْ تَكْرَارٍ وَاسْتِدْرَاكٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الصِّغَرِ مُسْتَدْرَكٌ، وَالِاسْتِحَاضَةُ تَكَرَّرَ إخْرَاجُهَا لِخُرُوجِهَا بِذِكْرِ الرَّحِمِ وَسَلِيمَةٍ عَنْ دَاءٍ وَتَعْرِيفُهُ بِلَا اسْتِدْرَاكٍ وَلَا تَكَرُّرٍ دَمٌ مِنْ الرَّحِمِ لَا لِوِلَادَةٍ. اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا التَّعْرِيفِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُنْثَى إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ وَالدَّمُ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَنِيِّ دُونَ الدَّمِ، ثُمَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْحَيْضِ خَبَثٌ، أَمَّا إذَا كَانَ مُسَمَّاهُ الْحَدَثَ الْكَائِنَ عَنْ الدَّمِ الْمُحَرِّمِ لِلتِّلَاوَةِ وَالْمَسِّ كَاسْمِ الْجَنَابَةِ لِلْحَدَثِ الْخَاصِّ لَا لِلْمَاءِ الْخَاصِّ فَتَعْرِيفُهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ عَمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَعَنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ وَالْقُرْبَانِ، وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ لَا الْأَنْجَاسِ وَعَرَّفَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ فَكَانَ تَنَاقُضًا مِنْهُ. وَأَمَّا سَبَبُهُ فَقَدْ قِيلَ إنَّ أُمَّنَا حَوَّاءَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - حِينَ تَنَاوَلَتْ مِنْ شَجَرَةِ الْخُلْدِ فَابْتَلَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَبَقِيَ هُوَ فِي بَنَاتِهَا إلَى يَوْمِ التَّنَادِي بِذَلِكَ السَّبَبِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَيْضِ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْبَرُ، قَالَ النَّوَوِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ بُرُوزُ الدَّمِ مِنْ مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ حَتَّى تَثْبُتَ الْأَحْكَامُ بِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَوَضَّأَتْ وَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ ثُمَّ أَحَسَّتْ بِنُزُولِ الدَّمِ إلَيْهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ رَفَعَتْهُ بَعْدَهُ تَقْضِي الصَّوْمَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا يَعْنِي إذَا لَمْ يُحَاذِ حَرْفَ الْفَرْجِ الدَّاخِلَ، فَإِنْ حَاذَتْهُ الْبِلَّةُ مِنْ الْكُرْسُفِ كَانَ حَيْضًا وَنِفَاسًا اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْحَدَثُ بِالْبَوْلِ وَلَوْ وَضَعَتْهُ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَتْ رَأَتْ الطُّهْرَ تَقْضِي الْعِشَاءَ فَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَرَأَتْ الْبِلَّةَ حِينَ أَصْبَحَتْ تَقْضِيهَا أَيْضًا إنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْهَا قَبْلَ الْوَضْعِ إنْزَالًا لَهَا طَاهِرَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ حِينِ وَضَعَتْهُ وَحَائِضًا فِي الثَّانِيَةِ حِينَ رَفَعَتْهُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ رُكْنَهُ امْتِدَادُ دَوْرِ الدَّمِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَالْحَيْضُ لَا يَقُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ الِامْتِدَادَ الْخَاصَّ مُعَرِّفٌ لَهُ لَا أَنَّهُ رُكْنٌ؛ لِأَنَّ الِامْتِدَادَ لَوْ كَانَ رُكْنُهُ لِمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ قَبْلَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حُكْمَهُ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الْبُرُوزِ وَأَمَّا شَرْطُهُ فَتَقَدَّمَ نِصَابُ الطُّهْرِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَعَدَمُ نُقْصَانِهِ عَنْ الْأَقَلِّ وَعَدَمُ الصِّغَرِ وَفَرَاغُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُخْرِجْ الِاسْتِحَاضَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحِمِ الْفَرْجُ إذْ قَوْلُهُ يَنْفُضُهُ يَدْفَعُهُ لِمَا اسْتَقَرَّ أَنَّ النَّفْضَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الرَّحِمِ فَمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ خُرُوجِ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَصِغَرٍ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ مَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْجَوَابُ مَنْعُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِحَاضَةً بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَكُونُ خَارِجًا بِقَوْلِهِ سَلِيمَةً عَنْ دَاءٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ دَمَ الْفَسَادِ لَيْسَ عَنْ دَاءٍ وَلَكِنْ ظَاهِرُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَنْ دَاءٍ فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ سَلِيمَةٍ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِدَمِ الصَّغِيرَةِ اسْتِحَاضَةٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ لَا تَكُونُ حَيْضًا (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّقْرِيرِ مِنْ الْبُعْدِ وَالتَّكَلُّفِ كَمَا عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ وَفِي النَّهْرِ بَقِيَ أَنَّهُ

الرَّحِمِ عَنْ الْحَبَلِ الَّذِي تَنْفَسُ بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا تَنْفَسُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُهُ فَمَا رَأَتْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَبَلٌ بَلْ لَحْمٌ مِنْ الْبَطْنِ فَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِالشَّكِّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لَهُ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ وَالصَّغِيرَةُ فَلَيْسَ مِنْ الرَّحِمِ فَلَمْ يُوجَدْ الرُّكْنُ وَعَدَمُ الصِّغَرِ يُعْرَفُ بِتَقْدِيرِ أَدْنَى مُدَّةٍ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ الْمُخْتَارُ مِنْهَا تِسْعٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ فِي سِنٍّ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا فِيهِ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَعِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ بُخَارَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَتْرُكُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ الْأَصَحُّ أَنَّ الْحَيْضَ مُوَقَّتٌ إلَى سِنِّ الْإِيَاسِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وَمَشَايِخُ بُخَارَى وَخُوَارِزْمَ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ فَمَا رَأَتْ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُحْكَمَ بِالْإِيَاسِ عَنْ الْخَمْسِينَ وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا إنْ رَأَتْ دَمًا قَوِيًّا كَالْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ الْقَانِي كَانَ حَيْضًا وَيَبْطُلُ الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ قَبْلَ التَّمَامِ وَبَعْدَهُ لَا، وَإِنْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ خُضْرَةً أَوْ تُرْبِيَّةً فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ إنَّمَا يُنْتَقَضُ الْحُكْمُ بِالْإِيَاسِ بِالدَّمِ الْخَالِصِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لَا فِيمَا مَضَى حَتَّى لَا تَفْسُدَ الْأَنْكِحَةُ الْمُبَاشِرَةُ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْحُكْمِ بِالْإِيَاسِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ مُدَّةَ الْإِيَاسِ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَضَاءِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ أَوَانُهُ وَوَقْتُ ثُبُوتِهِ وَسَيَأْتِي مِقْدَارُهُ وَأَلْوَانُهُ وَأَحْكَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ) أَيْ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى كَوْنِهَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ وَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالتَّقْدِيرُ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الظَّرْفِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُمْتَدًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ سَاعَةً حَتَّى يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا نَادِرًا بَلْ انْقِطَاعُ الدَّمِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ فَصَاعِدًا غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْحَيْضِ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْمُرَادُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّتِهِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرُهَا قَدْرُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَافِي، وَإِنَّمَا حَذَفَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهَا مِنْ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا} [آل عمران: 41] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم: 10] وَالْقَصَّةُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ رَأَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ السَّبْتِ وَانْقَطَعَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ وَهُوَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَاعَةً عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ النَّوَادِرِ. الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْبَدَائِعِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ عَنْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْش دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَامْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ» هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَخَرَّجَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَوَائِلَةَ وَمُعَاذٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِشَةَ بِطُرُقٍ ضَعِيفَةٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ سَرْدِهَا فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَدِّدَةِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ يَرْفَعُ الضَّعِيفَ إلَى الْحَسَنِ، وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لَا تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ بَلْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِكَثْرَةِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّاوِي الضَّعِيفُ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ نَعْلَمْ فِيهِ حَدِيثًا حَسَنًا وَلَا ضَعِيفًا ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ وَإِيَاسٍ؛ لِأَنَّ مَا تَرَاهُ الْآيِسَةُ أَيْ الَّتِي بَلَغَتْ خَمْسًا وَخَمْسِينَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَيْسَ حَيْضًا وَأَجَابَ مُنْلَا خُسْرو بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لِإِدْخَالِهِ فِي الْحَدِّ

[كيفية الحيض]

وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِيهِ بِمَا رَوَوْهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» وَهُوَ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ. اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي» اهـ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «إذْ سَأَلَتْ عَنْ الْمَرْأَةِ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي» فَأَجَابَهَا بِذِكْرِ عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَيَّامُ عَشَرَةٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ. اهـ. وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَقَلِّهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ جَازَ وُجُودُهَا فِيمَا دُونَهُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْهُ حَيْضًا. (قَوْلُهُ: فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ فَانْتَفَى الْأَوَّلَانِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضٌ) . [كَيْفِيَّة الْحَيْض] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ كَمِّيَّتِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ اعْلَمْ أَنَّ أَلْوَانَ الدِّمَاءِ سِتَّةٌ: السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالْخُضْرَةُ وَالتُّرَبِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي عَلَى لَوْنِ التُّرَابِ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ وَهِيَ نِسْبَةٌ إلَى التُّرْبِ بِمَعْنَى التُّرَابِ، وَيُقَالُ تُرَبِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَتَرِيبَةٌ مِثْلُ تَرِيعَةٍ وَتَرْبِيَةٌ بِوَزْنِ تَرْعِيَةٍ وَقِيلَ هِيَ مِنْ الرِّئَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى لَوْنِهَا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَيُقَالُ أَيْضًا التُّرَابِيَّةُ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْوَانُ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ إلَى أَنْ تَرَى الْبَيَاضَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إذَا رَأَتْهَا فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَإِذَا رَأَتْهَا فِي آخِرِهَا تَكُونُ حَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَمَ رَحِمٍ لَتَأَخَّرَتْ عَنْ الصَّافِي، وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ الَّتِي فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ لِتَنْظُرَ إلَيْهِ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَصَحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ عَائِشَةَ. وَذَكَرَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهَا قَيَّدَتْ بِمَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَفِي التَّجْنِيسِ امْرَأَةٌ رَأَتْ بَيَاضًا خَالِصًا عَلَى الْخِرْقَةِ مَا دَامَ رَطْبًا فَإِذَا يَبِسَ اصْفَرَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الرُّؤْيَةِ لَا حَالَةُ التَّغَيُّرِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. وَكَذَا لَوْ رَأَتْ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً فَإِذَا يَبِسَتْ أَبْيَضَّتْ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الرُّؤْيَةِ لَا حَالَةُ التَّغَيُّرِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَنْكَرَ الْخُضْرَةَ فَقَالَ لَعَلَّهَا أَكَلَتْ قَصِيلًا اسْتِبْعَادًا لَهَا قُلْنَا هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ وَلَعَلَّهَا أَكَلَتْ نَوْعًا مِنْ الْبُقُولِ وَفِي الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ يَكُونُ حَيْضًا وَيَحْمِلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ يَحْمِلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا. اهـ. وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْكُدْرَةُ وَالتُّرْبَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْخُضْرَةُ إنَّمَا تَكُونُ حَيْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ الْعَجَائِزِ، أَمَّا فِي الْعَجَائِزِ فَيُنْظَرُ إنْ وَجَدَتْهَا عَلَى الْكُرْسُفِ وَمُدَّةُ الْوَضْعِ قَرِيبَةٌ فَهِيَ حَيْضٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْوَضْعِ طَوِيلَةً لَمْ تَكُنْ حَيْضًا؛ لِأَنَّ رَحِمَ الْعَجُوزِ يَكُونُ مُنْتِنًا فَيَتَغَيَّرُ الْمَاءُ فِيهِ لِطُولِ الْمُكْثِ وَمَا عَرَفْت الْجَوَابَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ الْحَيْضِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِيهَا فِي النِّفَاسِ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْحَيْضِ. اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَفْتَى مُفْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ طَلَبًا لِلتَّيْسِيرِ كَانَ حَسَنًا اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمُقْتَضَى الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْبُخَارِيِّ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْقِطَاعِ دُونَ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ لَا يَجِبُ مَعَهُ أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَأْتِي كُلُّهُ بِلَفْظِ الِانْقِطَاعِ حَيْثُ يَقُولُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَقَلُّ الْحَيْضِ] (قَوْلُهُ: أَكَلَتْ قَصِيلًا إلَخْ) الْقَصِيلُ زَرْعٌ أَخْضَرُ مَقْطُوعٌ قَبْلَ أَوَانِهِ يُقَالُ قَصَلْت الدَّابَّةَ أَيْ عَلَفْتهَا الْقَصِيلَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَا تُرَى غَيْرَ الْخَضِرَةِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَوْنُهَا لَا تَرَى غَيْرَهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي نَفْيِ كَوْنِ مَا تَرَاهُ حَيْضًا أَنْ لَا تَرَى الدَّمَ الْخَالِصَ.

[ما يمنعه الحيض]

وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَكَذَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْقِطَاعٌ بِجَفَافٍ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ ثُمَّ تَرَى الْقَصَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَايَةُ الْقَصَّةَ لَمْ تَجِبْ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ عَلَى سَائِرِ الْأَلْوَانِ وَجَبَتْ وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِهِمْ وَعِبَارَاتُهُمْ فِي إعْطَاءِ الْأَحْكَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَأَيْت فِي مَرْوِيِّ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَيْطَةَ مَوْلَاةِ عَمْرَةَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ إذَا أَدْخَلَتْ إحْدَاكُنَّ الْكُرْسُفَ فَخَرَجَتْ مُتَغَيِّرَةً فَلَا تُصَلِّي حَتَّى لَا تَرَى شَيْئًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَايَةَ الِانْقِطَاعُ. اهـ. ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا التَّرَدُّدُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا فُسِّرَتْ الْقَصَّةُ بِأَنَّهَا بَيَاضٌ مُمْتَدٌّ كَالْخَيْطِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ ضَعْفُ هَذَا التَّفْسِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ أَنْ تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ أَوْ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْتَشِي بِهَا الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لَا تُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلَا تُرَبِيَّةٌ، وَيُقَالُ: إنَّ الْقَصَّةُ شَيْءٌ كَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ يَخْرُجُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ كُلِّهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ اللَّوْنِ وَأَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ أَلْبَتَّةَ فَضُرِبَ رُؤْيَةُ الْقَصَّةِ مَثَلًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَائِيَ الْقَصَّةَ غَيْرُ رَائِي شَيْءٍ مِنْ سَائِرِ أَلْوَانِ الْحَائِضِ. اهـ. فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَصَّةَ مَجَازٌ عَنْ الِانْقِطَاعِ وَأَنَّ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا شَيْءٌ كَالْخَيْطِ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ يُقَالُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّمْرِيضِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الِانْقِطَاعُ آخِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ دَلِيلَهُمْ مُوَافِقٌ لِعِبَارَاتِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ ثُمَّ وَضْعُ الْكُرْسُفِ مُسْتَحَبٌّ لِلْبِكْرِ فِي الْحَيْضِ وَلِلثَّيِّبِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُ الْبَكَارَةِ وَيُكْرَهُ فِي الْفَرْجِ الدَّاخِلِ. اهـ. وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلثَّيِّبِ حَالَةَ الْحَيْضِ مُسْتَحَبَّةٌ حَالَةَ الطُّهْرِ وَلَوْ صَلَّتَا بِغَيْرِ كُرْسُفٍ جَازَ. (قَوْلُهُ: يَمْنَعُ صَلَاةً وَصَوْمًا) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ فَذَكَرَ بَعْضَهَا وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِهَا، فَنَقُولُ: إنَّ الْحَيْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: أَحَدُهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا أَغْسَالُ الْحَجِّ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّنْظِيفُ لَا الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الطَّهَارَةِ عَلَيْهَا فَمَنْقُولٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَقْعُدَ عَلَى مُصَلَّاهَا تُسَبِّحُ وَتُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ وَفِي رِوَايَةٍ يُكْتَبُ لَهَا ثَوَابُ أَحْسَنِ صَلَاةٍ كَانَتْ تُصَلِّي وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهَا تَجْلِسُ مِقْدَارَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَيْ لَا تَنْسَى الْعَادَةَ. الثَّانِي: يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْقُدُورِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ. فَأَفَادَ ظَاهِرًا عَدَمَ تَعَلُّقِ أَصْلِ الْوُجُوبِ بِهَا وَهَذَا لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ يَسْتَتْبِعُ فَائِدَتَهُ، وَهِيَ إمَّا الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ رَفْعِهِ وَالثَّانِي كَذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ لِتَضَاعُفِ الْوَاجِبَاتِ خُصُوصًا فِيمَنْ عَادَتُهَا أَكْثَرُهُ فَانْتَفَى الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ لَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْخِطَابِ، وَلِذَا تَعَلَّقَ بِهَا خِطَابُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ إذْ غَايَةُ مَا تَقْضِي فِي السَّنَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إذَا كَانَ حَيْضُهَا عَشَرَةً، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ يُسْقِطُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا وَيَقُولُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [مَا يَمْنَعهُ الْحَيْض] (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُفِيدُ ظَاهِرٌ إلَخْ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُقْتَضَاهُ سَبْقُ تَكْلِيفٍ بِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ الَّذِي سَقَطَ هُوَ مَا كَانَ قَبْلَ وُجُودِ الْعُذْرِ لَكَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا وَعَلَيْهِ يَتَسَاوَى الْمَنْعُ مَعَ السُّقُوطِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ فَلَا تَرِدُ عَلَى أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ سَابِقٌ عَلَى النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 435 وَالنَّوَوِيُّ مَوْلِدُهُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ 631 بَلْ اخْتِيَارُهُ وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَارِدٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَذْهَبِيَّ. اهـ. كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِيِّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ. اهـ. أَقُولُ: ثُمَّ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ السَّابِقِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمَا شَمَلَ الْمُبْتَدِأَةَ بِالْحَيْضِ إذْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهَا قَبْلَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ وَلَعَلَّهُ لَمَّا قُلْنَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا، وَقَدْ دَفَعَ فِي النَّهْرِ الْمُنَافَاةَ مِنْ أَصْلِهَا فَقَالَ وَكَوْنُ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ ظَاهِرَةً فِيمَا قَالَ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفَتْحِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ إذْ سُقُوطُ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ، وَحِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ لَا تُنَافِي مَا قَالَهُ الدَّبُوسِيُّ فِي أُصُولِهِ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ هَلْ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ أَمْ لَا فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ فِيمَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ هَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ أَمْ لَا؟ اخْتَارَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ وَالسُّقُوطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ قَالَ: لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَهْلٌ لِإِيجَابِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ يَعْنِي الْقُدُورِيَّ بِنَاءً عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ كُنَّا عَلَى هَذَا مُدَّةً ثُمَّ تَرَكْنَاهُ وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّهْرِ إبْقَاءُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا لَا يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَالَ: إنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ السُّقُوطَ فِي عِبَارَةِ النَّوَوِيِّ بِالِانْتِفَاءِ كَمَا

أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا يَجِبُ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَنْهَا. الثَّالِثُ: يُحَرِّمُهَا. الرَّابِعُ: يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. الْخَامِسُ: يُحَرِّمُ الصَّوْمَ. السَّادِسُ - يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ فَلَا لِمَا قَدَّمْنَا وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ. السَّابِعُ: يُحَرِّمُ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ. الثَّامِنُ: يُحَرِّمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. التَّاسِعُ: يُحَرِّمُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ. الْعَاشِرُ: يُحَرِّمُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الِاعْتِكَافَ. الثَّانِيَ عَشَرَ: يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: يُفْسِدُهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّوَافَ مِنْ جِهَتَيْنِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ لَهُ. لَكِنْ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا فَانْدَفَعَ بِهِ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَوَافِهَا مُطْلَقًا. الْخَامِسَ عَشَرَ: يَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الصَّدْرِ. السَّادِسَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ. السَّابِعَ عَشَرَ: يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ. الثَّامِنَ عَشَرَ: تَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ. التَّاسِعَ عَشَرَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ. الْعِشْرُونَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: يُوجِبُ الْغُسْلَ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْفِطْرِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا حَيْثُ تُقْطَعُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّفَاسِ إلَّا خَمْسَةً: وَهِيَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَالْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَالْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَعَدَمُ قَطْعِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّ هَذِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ فَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ اثْنَا عَشَرَ ثَمَانِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ لَيْسَ بِجَامِعٍ. ثُمَّ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِبُرُوزِ الدَّمِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْسَاسِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنِصَابِ الْحَيْضِ لَكِنْ يَسْتَنِدُ إلَى ابْتِدَائِهِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِانْقِضَائِهِ فَالثَّانِي هُوَ الْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا وَوُجُوبُ الْغُسْلِ وَالثَّالِثُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَبَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: فَتَقْضِيهِ دُونَهَا) أَيْ فَتَقْضِي الصَّوْمَ لُزُومًا دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ «عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْت لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا بِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَكَرُّرِ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِخِلَافِ الصَّوْمِ حَيْثُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا وَاحِدًا وَالْمَرْأَةُ لَا تَحِيضُ عَادَةً فِي الشَّهْرِ إلَّا مَرَّةً فَلَا حَرَجَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ، وَإِنْ نَفِسَتْ رَمَضَانَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي رَمَضَانَ كُلَّهُ نَادِرٌ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا رَأَتْ الدَّمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ سَأَلَتْ آدَمَ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا طَهُرَتْ سَأَلَتْهُ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ فَأُوحِيَ إلَيْهِ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَعَدَمِ قَضَائِهِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَضَاءِ الصَّوْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ آدَمَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ سَبَبَ قَضَائِهِ تَرْكُ حَوَّاءَ السُّؤَالَ لَهُ وَقِيَاسُهَا الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ فَجُوزِيَتْ بِقَضَائِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ السُّؤَالِ، فَإِنْ قِيلَ إنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالصَّوْمِ حَالَ حَيْضِهَا لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْأَدَاءُ قُلْنَا: أَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ فَانْعِقَادُ السَّبَبِ يَكْفِي لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُخَاطَبْ بِالْأَدَاءِ وَهَلْ يُكْرَهُ لَهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْحَرُورِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَعَلَهُ الْمُؤَلِّفُ لِيَصِحَّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ كَقَوْلِ الدَّبُوسِيِّ فَقَوْلُهُ إذْ السُّقُوطُ قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَخْ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِالِانْتِفَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ قَطْعًا فَظَهَرَ أَنَّ السُّقُوطَ مَعْنَاهُ الِانْتِفَاءُ فِي عِبَارَتَيْ الْقُدُورِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَأَنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى حَمْلِ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ عَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ إذْ هُوَ قَوْلٌ رَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ فِيهِ إخْلَالًا لِإِيجَابِ الشَّرْعِ عَنْ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ تَحَقُّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَفِي الْآخِرَةِ وَهِيَ الْجَزَاءُ وَبِأَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لَكَانَ يَنْبَغِي إذَا أَدَّى أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْمُؤَدَّى عَنْ الْوَاجِبِ بِالِاتِّفَاقِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ تَبِعَ فِيهِ الْإِمَامَ السُّبْكِيَّ لَكِنَّهُ قَالَهُ فِي الصَّوْمِ قَالَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ حَالَةَ الْعُذْرِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَالْقَضَاءُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. اهـ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ فِيمَا إذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا نَوَتْ الْقَضَاءَ وَإِلَّا نَوَتْ الْأَدَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتُ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ نَعَمْ يَبْقَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيهَامُ أَنَّ الصَّوْمَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ يَمْنَعُ صَلَاةً أَيْ حِلَّهَا لِتَنَاسُبِ الْمَعْطُوفَاتِ فَالْأَوْلَى مَا فِي الْقُدُورِيِّ وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ

مَنْسُوبَةٌ إلَى حَرُورَاءَ قَرْيَةٍ بِالْكُوفَةِ كَانَ بِهَا أَوَّلُ تَحَكُّمِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا فِي التَّعَمُّقِ فِي سُؤَالِهَا كَأَنَّهَا خَارِجِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَمَّقُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ حَتَّى خَرَجُوا، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. (قَوْلُهُ: وَدُخُولُ مَسْجِدٍ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْجَبَّانَةُ وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُهُ كَمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ فَلَا يَمْنَعَانِ مِنْ دُخُولِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْمُتَّخَذُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَاخْتَارَ فِي الْقُنْيَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا فَهِيَ مَسْجِدٌ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْجَبَّانَةُ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الْمُرُورِ وَحُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَا الْمَسْجِدُ مَلْآنَ. اهـ. وَأَمَّا فِي جَوَازِ دُخُولِ الْحَائِضِ فَلَيْسَ لِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ مِنْ أَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ وَظُلَّةَ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدٌ فِي الظُّلَّةِ بِأَنَّهَا حُكْمُهُ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ لَا فِي حُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِهِمَا الْمَسْجِدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَنْ ضَرُورَةٍ فَقَالَ وَحَرُمَ عَلَى الْجُنُبِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لِلْعُبُورِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَكُونَ بَابُ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ خَالَفَ إطْلَاقَ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُ بَابِهِ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا عَنْ أَفْلَتَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ تَضْعِيفَهُ بِسَبَبِ جَهَالَةِ أَفْلَتَ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَدَجَاجَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ بِخِلَافِ وَاحِدَةِ الدَّجَاجِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولَ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَعَلَيَّ أَبِي الْيُسْرِ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إرَادَةِ مَكَانِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ مَجَازًا فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانَ مَكَانِ الصَّلَاةِ لِلْجُنُبِ لَا حَالَ الْعُبُورِ أَوْ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الصَّلَاةِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قُرْبَانُ الصَّلَاةِ وَمَوْضِعِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَلَا مُوجِبَ لَهُ إلَّا تَوَهُّمُ لُزُومِ جَوَازِ الصَّلَاة جُنُبًا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَنْعِ الْمُغَيَّا بِالِاغْتِسَالِ وَهَذَا التَّوَهُّمُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُهَا حَالَ كَوْنِهِ عَابِرَ سَبِيلٍ أَيْ مُسَافِرًا بِالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ مُؤَدَّى التَّرْكِيبِ لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا لَا حَالَ عُبُورِ السَّبِيلِ فَلَكُمْ أَنْ تَقْرَبُوهَا بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَبِالتَّيَمُّمِ يَصْدُقُ أَنَّهُ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ نَعَمْ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ إطْلَاقُ الْقُرْبَانِ حَالَ الْعُبُورِ لَكِنْ يَثْبُتُ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ فِيهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِعَابِرِي السَّبِيلِ الْمُسَافِرُونَ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ دَلِيلُهُمَا عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْمَنْعِ الْمُسَافِرِينَ فَكَانَ الْمُقِيمُ دَاخِلًا فِي الْمَنْعِ وَجَوَابُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَصَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي الْمِصْرِ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْآيَةِ كَمَا أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فِي الْمَرِيضِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَإِجْمَاعُهُمْ إنَّمَا كَانَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ فَإِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQبَدَلَ الْمَسْحِ كُرِهَ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ إلَخْ) قِيلَ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تُجْعَلْ الظُّلَّةُ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ لَمْ تُلْحَقْ بِهِ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُ ظُلَّةِ بَابِهِ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلَامِ فِيهِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا جُعِلَتْ جُزْءًا مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً أَوْ أُلْحِقَتْ بِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ فَرْضِ أَنَّ الْبُقْعَةَ الْخَارِجَةَ عَنْ جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ لِيَكُونَ مَا فِي هَوَائِهَا لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ الْمُسْتَمِرُّ فِي إنْشَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَكُونُ لِهَذِهِ الظُّلَّةِ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي لِلْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا فِيهِ اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ) أَيْ قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى إبَاحَةِ الدُّخُولِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ

تَحَقَّقَ فِي الْمِصْرِ جَازَ وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ قِيلَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَأَنْتُمْ تَأْبَوْنَهُ قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُحَصَّلَهَا لَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَاقْرَبُوهَا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ؛ لَا أَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا بِلَا اغْتِسَالٍ بِالتَّيَمُّمِ، فَالرَّفْعُ وَعَدَمُهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ثُمَّ اُسْتُفِيدَ كَوْنُهُ رَافِعًا مِنْ خَارِجٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. وَيَدُلُّ لِلْمَذْهَبِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَك» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ قُلْت لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ مَا مَعْنَاهُ قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَك نَعَمْ تُعُقِّبَ تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ سَالِمَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْمُلَقِّنِ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي أَكْبَرِ مَعَاجِمِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ أَبِي سَلَمَةَ اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ حَدِيثَ «سُدُّوا كُلَّ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» جَاءَ مِنْ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرْوُونَ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ قَالَ يَعْنِي الْبَزَّارَ عَلَى أَنَّ رِوَايَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ. وَأَخْرَجَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ الْمُطَّلِبِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ وَهُوَ جُنُبٌ إلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ» ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ قَوِيٌّ اهـ. فَقَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ الِاجْتِيَازِ وَالْقُعُودِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ غَيْرَ عَلِيٍّ خُصُوصِيَّةً لَهُ كَمَا خَصَّ الزُّبَيْرَ بِإِبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَمَّا شَكَا مِنْ أَذَى الْقَمْلِ وَخَصَّ غَيْرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فَقَالَ يَوْمًا سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ أُنَاسٌ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْت بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ غَيْرَ بَابِ عَلِيٍّ فَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا سَدَدْت شَيْئًا وَلَا فَتَحْته وَلَكِنِّي أُمِرْت بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْته» وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَيَسْتَوِي فِي الْمَنْعِ الْمُكْثُ أَوْ عُبُورُ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ خِلَافَ مَا قَالَهُ أَهْلُ الشِّيعَةِ إنَّهُ رَخَّصَ لِآلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدُّخُولَ فِي الْمَسْجِدِ لِمُكْثٍ أَوْ عُبُورٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِعَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ يَمْكُثُوا فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانُوا جُنُبًا، وَكَذَا رَخَّصَ لَهُمْ لُبْسَ الْحَرِيرِ» إلَّا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ لَا نَأْخُذُ بِهِ اهـ. قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشِّيعَةُ لِأَهْلِ عَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ اخْتِلَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالشُّذُوذِ عَلَى التَّرْخِيصِ لِعَلِيٍّ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ جُنُبًا فَفِيهِ نَظَرٌ نَعَمْ قَضَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ عَلَى حَدِيثِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ» بِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ وَهُوَ مِنْ وَضْعِ الرَّافِضَةِ، وَقَدْ دَفَعَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ فِي الذَّبِّ عَنْ مُسْنَدٍ أَحْمَدَ وَأَفَادَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مُتَظَافِرَةٍ مِنْ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَبَيَّنَ عَدَمَ مُعَارَضَتِهِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الشَّارِعَةَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ رَامَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْجِدَ جُنُبًا وَمُكْثَهُ فِيهِ مِنْ خَوَاصِّهِ وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَوَّاهُ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَإِنْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ تَيَمَّمَ لِلْخُرُوجِ إذَا لَمْ يَخَفْ، وَإِنْ خَافَ يَجْلِسُ مَعَ التَّيَمُّمِ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَقْرَأُ اهـ. وَصَرَّحَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَاقْرَبُوهَا جُنُبًا) كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ لَا أَنَّ بِلَا النَّافِيَةِ وَأَنَّ وَكَأَنَّ الْأَلِفُ بَعْدَ لَا سَاقِطَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ الْأَوَّلِ

فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ هَذَا التَّيَمُّمَ مُسْتَحَبٌّ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ الْخَوْفُ مِنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ بِهِ بَدَنًا أَوْ مَالًا كَأَنْ يَكُونَ لَيْلًا. (قَوْلُهُ: وَالطَّوَافَ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا حَاضَتْ بِسَرِفٍ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» فَكَانَ طَوَافُهَا حَرَامًا وَلَوْ فَعَلَتْهُ كَانَتْ عَاصِيَةً مُعَاقَبَةً وَتَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ إحْرَامِهَا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ كَطَوَافِ الْجُنُبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَّلَ لِلْمَنْعِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ جُنُبًا لَيْسَ مَنْظُورًا فِيهِ إلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِالذَّاتِ بَلْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَسْجِدٌ حَرُمَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حُرْمَةَ الطَّوَافِ عَلَيْهَا إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ خَارِجَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَتَرْكُهَا يُوجِبُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَلَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ إلَّا تَرْكُ الْفَرْضِ وَلَوْ حَاضَتْ بَعْدَمَا دَخَلَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَطُوفَ وَحَرُمَ مُكْثُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (قَوْلُهُ: وَقُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ) أَيْ وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ قُرْبَانَ زَوْجِهَا مَا تَحْتَ إزَارِهَا، أَمَّا حُرْمَةُ وَطْئِهَا عَلَيْهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَوَطْؤُهَا فِي الْفَرْجِ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ عَامِدًا مُخْتَارًا كَبِيرَةٌ لَا جَاهِلًا وَلَا نَاسِيًا وَلَا مُكْرَهًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَجِبُ التَّعْزِيرُ أَمْ لَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ وَقِيلَ بِدِينَارٍ إنْ كَانَ أَوَّلَ الْحَيْضِ وَنِصْفِهِ أَنْ وَطِئَ فِي آخِرِهِ كَأَنَّ قَائِلُهُ رَأَى أَنْ لَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «إذَا وَاقَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا أَخْبَرَتْهُ بِالْحَيْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَفِيفَةً يَقْبَلُ قَوْلَهَا وَتَرَكَ وَطْأَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ صِدْقُهَا مُمْكِنًا بِأَنْ كَانَتْ فِي أَوَانِ حَيْضِهَا قُبِلَتْ وَلَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا فِي الْعِدَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْوَطُ وَأَقْرَبُ إلَى الْوَرَعِ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا اتِّفَاقًا كَمَا قَالُوا فِي إخْبَارِ الْفَاسِقِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ إذَا كَانَتْ عَفِيفَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَّبَهَا مُطْلَقًا لِتَقْصِيرِهِ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا وَهَذَا إذَا وَطِئَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَالِاخْتِيَارِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمْ بِكُفْرِهِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ بِصِيغَةِ وَقِيلَ وَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَيُوَافِقُهُ مَا نَقَلَهُ أَيْضًا مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي أَلْفَاظِ الْكُفْرِ مَنْ اعْتَقَدَ الْحَرَامَ حَلَالًا أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَكْفُرُ إذَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَكْفُرُ إذَا اعْتَقَدَهُ حَلَالًا اهـ. فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا كَانَ فِيهَا وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. اهـ. وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُحِيطِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَتَفْسِيرُ الْإِزَارِ عَلَى قَوْلِهِمَا قَالَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بَعْضُهُمْ الْإِزَارُ الْمَعْرُوفُ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِمَا تَحْتَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الِاسْتِتَارُ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ حَلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ لَا يَحْرُمُ مَا سِوَى الْفَرْجِ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَصْبَغُ وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ النَّوَوِيُّ لِمَا أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ؛ فَسَأَلَتْ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَفِي رِوَايَةٍ «إلَّا الْجِمَاعَ» . وَلِلْجَمَاعَةِ مَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِذَنْ فَالتَّرْجِيحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ وَذَلِكَ مُبِيحٌ وَلِخَبَرِ «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ السُّرُوجِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ دَلِيلَهُ مَنْطُوقٌ وَدَلِيلُنَا مَفْهُومٌ وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى فَكَانَ مُقَدَّمًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُنَا مَفْهُومًا بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْطُوقًا فَإِنَّ السَّائِلَ سَأَلَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ فَقَوْلُهُ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ مَعْنَاهُ جَمِيعُ مَا يَحِلُّ لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ مَفْهُومٌ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ أَقْوَى مِنْ الْمَنْطُوقِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَفْهُومِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِوُجُوبِ مُطَابَقَةِ جَوَابِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِسُؤَالِ السَّائِلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ غَيْرَ مُرَادٍ لَمْ يُطَابِقْ فَكَانَ ثُبُوتُهُ وَاجِبًا مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا وَلَا تَبْدِيلًا لِهَذَا الْعَارِضِ وَالْمَنْطُوقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْطُوقٌ يَقْبَلُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ التَّرْجِيحُ فِي خُصُوصِ الْمَادَّةِ بالمنطوقية وَلَا الْمَرْجُوحِيَّةِ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ «فَكَانَ لَا يُبَاشِرُ إحْدَاهُنَّ وَهِيَ حَائِضٌ حَتَّى يَأْمُرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] فَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْجِمَاعِ عَيْنًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ نُثْبِتَ حُرْمَةً أُخْرَى فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَ النَّصِّ فَتَكُونُ مُعَارِضَةً لَهُ فِي بَعْضِ مُتَنَاوِلَاتِهِ وَمَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ شَرْعٌ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَمَّا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْجِمَاعِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِتَنَاوُلِهِ حُرْمَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا أَعْنِي مِنْ الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، ثُمَّ يَظْهَرُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالْحَدِيثِ الْمُفِيدِ لِحِلِّ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَبْقَى مَا بَيْنَهُمَا دَاخِلًا فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ لِمَا بَيَّنَّا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعَ بَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ صَرِيحًا حُكْمُ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَرُمَ تَمْكِينُهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا حَرُمَ فِعْلُهَا بِالْأَوْلَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا حَائِضًا وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ فَحَلَّ لَهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ وَلِأَنَّ غَايَةَ مَسِّهَا لِذَكَرِهِ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِكَفِّهَا وَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا. (تَنْبِيهَاتٌ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ لَفْظُ الِاسْتِمْتَاعِ وَهُوَ يَشْمَلُ النَّظَرَ وَاللَّمْسَ بِشَهْوَةٍ وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ لَفْظُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُرْبَانِ وَمُقْتَضَاهَا تَحْرِيمُ اللَّمْسِ بِلَا شَهْوَةٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَنُوطٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ بِخِلَافِ النَّظَرِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجَوِّزَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يُقَالَ بِحُرْمَةِ مُبَاشَرَتِهَا لَهُ حَيْثُ كَانَتْ بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا لَا بِمَا إذَا كَانَتْ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ كَمَا إذَا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَرْجِهِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَجِيهٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَقَوْلُ الْبَحْرِ وَهُوَ مَفْقُودٌ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُجْدِي؛ لِأَنَّا لَمْ نُرَاعِ ذَلِكَ بَلْ مَا دَامَتْ مُتَّصِفَةً بِالْحَيْضِ تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ صَاحِبِ الْبَحْرِ كَمَا يُفْهِمُهُ تَعْلِيلُهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي لِلْقَوْلِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّظَرَ إلَى هَذَا الْخَاصِّ بِشَهْوَةٍ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ، بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ فِي الْوَجْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ اهـ. لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ اسْتِمْتَاعٌ بِمَا لَا يَحِلُّ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا تَحِلُّ مُبَاشَرَتُهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ حُرْمَةُ النَّظَرِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَهُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى فَكَانَ مُصَادَرَةً هَذَا وَالدَّلِيلُ مُشْرِقٌ عَلَى مُدَّعِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَهِيَ أَنْ يَتَلَاقَى الْفَرْجَانِ بِلَا حَائِلٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِلْفَرْجِ حَرِيمٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مُنِعَ أَيْضًا خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ فِيهِ بِاقْتِرَابِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لَا تَخْلُو عَنْ لَوْثِ نَجَاسَةٍ فَنَهَى عَنْ الْقُرْبِ خَشْيَةَ التَّلَوُّثِ فَبَقِيَ النَّظَرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَتَحْرِيمُهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. اهـ. قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ النَّظَرَ مِنْ الْحَوْمِ حَوْلَ الْحِمَى وَلِهَذَا حَرُمَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ

فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالسُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا وَبِالرُّكْبَةِ وَمَا تَحْتَهَا وَالْمُحَرَّمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَهُمَا وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ يَسْتَمْتِعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ بِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ وَلَوْ بِلَا حَائِلٍ وَكَذَا بِمَا بَيْنَهُمَا بِحَائِلٍ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ تَلَطَّخَ دَمًا، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَلَا اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ مِنْ عَجِينٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا إذَا تَوَضَّأَتْ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْزِلَ عَنْ فِرَاشِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ الْيَهُودِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ امْرَأَةٌ تَحِيضُ مِنْ دُبُرِهَا لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَيْضٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَإِنْ أَمْسَكَ زَوْجُهَا عَنْ الْإِتْيَانِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِمَكَانِ الصُّورَةِ وَهُوَ الدَّمُ مِنْ الْفَرْجِ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) أَيْ يَمْنَعُ الْحَيْضُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَكَذَا الْجَنَابَةُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ يَقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَنْ النَّهْيِ كَيْ لَا يَلْزَمَ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى النَّهْيِ وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» بَعْدَ الْقَوْلِ بِتَنَاوُلِ الذِّكْرِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ الْآيَةَ وَمَا دُونَهَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَقَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ والْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَقَوَّاهُ فِي الْكَافِي وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَصَحَّحَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَكْرُوهَةٌ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهُمَا مَا دُونَ الْآيَةِ وَصَحَّحَهُ الْخُلَاصَةُ فِي الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقِرَاءَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَنَسَبَهُ الزَّاهِدِيُّ إلَى الْأَكْثَرِ وَوَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ وَكَلَامِهِمْ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْقُرْآنِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ. اهـ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّصْحِيحَ قَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تُفَصِّلْ وَالتَّعْلِيلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَمَا دُونَ الْآيَةِ قُرْآنٌ فَيَمْتَنِعُ كَالْآيَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِالْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَنْعُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَرَأَ عَلَى قَصْدِ أَنَّهُ قُرْآنٌ، أَمَّا إذَا قَرَأَهُ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ لَا يُمْنَعُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ وَفِي التَّسْمِيَةِ اتِّفَاقٌ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ افْتِتَاحِ أَمْرٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْعُيُونِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَلَوْ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لَكِنْ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا أُفْتِي بِهَذَا، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQخَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْحَقَائِقِ عَنْ التُّحْفَةِ وَالْخَانِيَّةِ يَجْتَنِبُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَائِضِ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ يَعْنِي الْجِمَاعَ وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ النَّظَرِ وَنَحْوِهِ بِمَا دُونَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَيُبَاحُ مَا وَرَاءَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ مَعَ الْإِزَارِ. اهـ. وَمَعَ النَّقْلِ يَبْطُلُ الْبَحْثُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَيْئًا كَمَا فِي الْكَافِي نَكِرَةٌ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ كَمَا فِي الْكَافِي مُؤَخَّرٌ عَنْ مَحَلِّهِ مِنْ النُّسَّاخِ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا أَيْ الْوَاقِعَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ؛ لِأَنَّ هَذَا كَمَا فِي الْكَافِي تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَيُرَدُّ؛ لِأَنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَا أُفْتِي بِهِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ لَمْ يُرِدْ الْهِنْدُوَانِيُّ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ ذَلِكَ لِمَا يَتَبَادَرُ إلَى ذِهْنِ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الْجَنْبِ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى نِيَّةِ قَائِلِهِ مِنْ جَوَازِهِ مِنْهُ وَكَمْ مِنْ قَوْلٍ صَحِيحٍ لَا يُفْتَى بِهِ خَوْفًا مِنْ مَحْذُورٍ آخَرَ وَلَمْ يَقُلْ لَا أَعْمَلُ بِهِ كَيْفَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي بَحْثِ الْمُؤَلِّفِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي مِثْلِ الْفَاتِحَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُهُ قُرْآنًا فِي الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ فَالتَّلَازُمُ مُنْفَكٌّ نَعَمْ ظَاهِرُ تَقْيِيدِ صَاحِبِ الْعُيُونِ بِالْآيَاتِ

وَهَذَا قُرْآنٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ يَقَعُ بِهِ التَّحَدِّي عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ وَالْعَجْزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فِي مِثْلِهِ بِالْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَإِلَّا لَانْتَفَى جَوَازُ التَّلَفُّظِ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إجْمَاعًا بِخِلَافِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ فِيهِ لَازِمَةٌ قَطْعًا وَلَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ إسْقَاطُهَا عَنْهُ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ النَّظْمِ الْخَاصِّ كَمَا هُوَ فِي الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ انْكَشَفَ بِهَذَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ مِنْ آيَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ نَحْوِ ثُمَّ نَظَرَ أَوْ لَمْ يُولَدْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا وَفِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إنَّ الْقُرْآنَ يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ فَأَوْرَدَ الْإِمَامُ الْخَاصِّيُّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي التَّوْشِيحِ بِأَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً لِلْقِرَاءَةِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا تَكُونُ مُجْزِئَةً، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ. وَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا يُجْزِئُهُ. اهـ. وَالْمَنْقُولُ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ الْقِرَاءَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهَا بِقَصْدٍ. اهـ. وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْأُولَيَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ تَعْيِينُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَاجِبًا وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى قَصْدِ الدُّعَاءِ فَرَقَمَ لِشَرْحِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهَا لَا تَنُوبُ عَنْ الْقِرَاءَةِ اهـ. وَأَمَّا الْأَذْكَارُ فَالْمَنْقُولُ إبَاحَتُهَا مُطْلَقًا وَيَدْخُلُ فِيهَا اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى آخِرِهِ الَّذِي هُوَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ عِنْدَنَا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ لِشُبْهَةِ كَوْنِهِ قُرْآنًا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا فَلَا يَقْرَأْهُ احْتِيَاطًا قُلْنَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ الْيَقِينِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَمَعَهُ لَا شُبْهَةَ تُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ الْمَذْكُورَ نَعَمْ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ الْأَذَانِ اسْتِحْبَابُ الْوُضُوءِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ لَا يُسَلَّمُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا حَاضَتْ الْمُعَلِّمَةُ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُعَلِّمَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُ نِصْفَ آيَةٍ اهـ. وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ يُفْهِمُ أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَسُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لَا يُؤَثِّرُ قَصْدَ الْقُرْآنِيَّةِ فِي حِلِّهِ لَكِنِّي لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ. اهـ. قُلْت الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ مَا لَمْ يُصَرَّحْ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مُعْجِزٌ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا الْقُرْآنَ فَاتَ مَا بِهَا مِنْ الْمَزَايَا الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ إمَّا تَفْصِيلًا وَذَلِكَ مِنْ الْبَلِيغِ أَوْ إجْمَالًا وَذَلِكَ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ حِينَئِذٍ كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَكَيْفَ يُطْلَقُ أَنَّهُ مَرْدُودٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: مَا قَالَهُ الْخَاصِّيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْيِينِ الْأُولَيَيْنِ لِلْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِأَصْحَابِنَا كَمَا سَيَأْتِي وَمَا فِي التَّجْنِيسِ عَلَى عَدَمِهِ فَأَنَّى يُصَادِمُ مَحَلَّ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ تَرْكَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ مَرْجِعُ التَّنْزِيهِ فَكَوْنُهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ. اهـ. قُلْت وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُبَيْلَ الْفَصْلِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يَنْبَغِي إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ قَوْلُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بِهِ يُفْتَى يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ الْمُشِيرِ إلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لَكِنْ الصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا لَمْ يُبَدَّلْ غَالِبٌ وَهُوَ وَاجِبُ التَّعْظِيمِ وَالصَّوْنِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ غُلِّبَ الْمُحَرِّمُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّهُمْ بَدَّلُوهَا عَنْ آخِرِهَا وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ. اهـ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَيُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا مَا بُدِّلَ مِنْهَا وَمِثْلُهَا فِي النَّهْرِ وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجُوزُ لَهُمَا قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَخْ) أَيْ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّفْرِيعِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ إذْ الْكَرْخِيُّ وَإِنْ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ لَكِنْ بِمَا بِهِ يُسَمَّى قَارِئًا، وَلِذَا قَالُوا لَا يُكْرَهُ التَّهْجِيرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بِالتَّعْلِيمِ كَلِمَةً لَا يُعَدُّ قَارِئًا فَتَنَبَّهْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ الْمُفِيدِ. اهـ. وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْمَوْلَى يَعْقُوبَ بَاشَا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ مَا دُونَ الْآيَةِ أَيْ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ لَا الْمُفْرَدَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ لِلْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ تَعْلِيمَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً. اهـ. وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ وَكَذَا يُؤَيِّدُهُ مَا فِي

عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّهُ قَائِلٌ بِاسْتِوَاءِ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْمَنْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَا دُونَ الْآيَةِ صَادِقٌ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّعْلِيمِ دُونَ قَصْدِ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ ثُمَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ التَّقْيِيدُ بِالْحَائِضِ الْمُعَلِّمَةِ مُعَلَّلًا بِالضَّرُورَةِ مَعَ امْتِدَادِ الْحَيْضِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِلْجُنُبِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْلِيمِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ يُلَقِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً تَامَّةً. اهـ. وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) أَيْ تُمْنَعُ الْحَائِضُ مَسَّ الْقُرْآنِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ «حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» وَاسْتَدَلُّوا لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] فَظَاهِرُ مَا فِي الْكَشَّافِ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ هُنَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِلْقُرْآنِ، وَلَفْظُهُ: فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ مَصُونٍ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَنْ سِوَاهُمْ وَهُمْ الْمُطَهَّرُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْنَاسِ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ وَمَا سِوَاهَا إنْ جَعَلْت الْجُمْلَةَ صِفَةً لِكِتَابٍ مَكْنُونٍ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَإِنْ جَعَلْتهَا صِفَةً لِلْقُرْآنِ فَالْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمَسَّهُ إلَّا مَنْ هُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ النَّاسِ يَعْنِي مَسَّ الْمَكْتُوبِ مِنْهُ. اهـ. لَكِنْ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ ذَكَرَ صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَقَالَ فَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ كَرَمِهِ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ عِنْدَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعَظَّمَ شَأْنَهُ بِأَنْ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَصَانَهُ عَنْ غَيْرِ الْمُقَرَّبِينَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عِنْدَ النَّاسِ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ الدَّارِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْقُرْآنُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» . اهـ. وَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي إخْبَارٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً} [النور: 3] . اهـ. وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَسِّ الْقُرْآنِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِمَسِّ الْمُصْحَفِ لِشُمُولِ كَلَامِهِ مَا إذَا مَسَّ لَوْحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ آيَةٌ، وَكَذَا الدِّرْهَمُ وَالْحَائِطُ وَتَقْيِيدُهُ بِالسُّورَةِ فِي الْهِدَايَةِ اتِّفَاقِيٌّ بَلْ الْمُرَادُ الْآيَةُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ الْمَكْتُوبِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا مَسُّ الْمَكْتُوبِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعَ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ اخْتِلَافًا فَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْمَكْتُوبِ حَتَّى إنْ مَسَّ الْجِلْدَ وَمَسَّ مَوَاضِعَ الْبَيَاضِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ اهـ. وَفِي تَفْسِيرِ الْغِلَافِ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ الْجِلْدُ الْمُشَرَّزُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مُصْحَفٌ مُشَرَّزٌ أَجْزَاؤُهُ مَشْدُودٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ مِنْ الشِّيرَازِةِ وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَفِي الْكَافِي وَالْغِلَافُ الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ هُوَ الْمُنْفَصِلُ كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا وَالْمُتَّصِلُ بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي بَيْعِهِ بِلَا ذِكْرٍ. اهـ. وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQشَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ حَمَلَ قَوْلَهَا وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجِّي لِلْجُنُبِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّعَلُّمُ لِلصِّبْيَانِ حَرْفًا حَرْفًا أَيْ كَلِمَةً كَلِمَةً مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لَا يُكْرَهُ إذَا عَلَّمَ نِصْفَ آيَةٍ مَعَ الْقَطْعِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ قَبْلَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْآيَةُ بِالْقَصِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ مَا دُونَهَا مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ يُعَدُّ قَارِئًا وَإِنْ كَانَ دُونَ آيَةٍ حَتَّى جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا كَانَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ مُعَلِّمَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُلَقِّنَ الصِّبْيَانَ كَلِمَةً كَلِمَةً وَتَقْطَعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ تُعَلِّمُهُمْ نِصْفَ آيَةٍ نِصْفَ آيَةٍ وَلَا تُلَقِّنُهُمْ آيَةً تَامَّةً. (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي اشْتِرَاطِ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ عَدَمَ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْكَلِمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا الشَّرْطُ فِي النِّهَايَةِ وَالسَّرَّاجِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَسُّهُ إلَّا بِغِلَافِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ حُكْمَ مَسِّ بَاقِي الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَظَاهِرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِالْقُرْآنِ. اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْمَنْسُوخِ أَنْ يَمَسَّهُ الْمُحْدِثُ أَوْ يَتْلُوهُ الْجُنُبُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَأُقِرَّ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ إجْمَاعًا كَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْحَاجِبِ لِلْعَضُدِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا أُقِرَّ حُكْمُهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْجَوَازُ فِيمَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ. اهـ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تِلَاوَةِ الْمَنْسُوخِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْلَى ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْعَضُدَ شَافِعِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مَا قَالَهُ دَلِيلًا لِمَذْهَبِنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ وَحُكْمُهُ كَالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا فَتِلَاوَتُهُ لِلْجُنُبِ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْحَلَبِيُّ؛ لِأَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْهُ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَكَوْنُهُ مَنْسُوخًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا مَسُّهُ فَقَدْ

إنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ، وَالْخِلَافُ فِي الْغِلَافِ الْمُشَرَّزِ جَارٍ فِي الْكُمِّ فَفِي الْمُحِيطِ لَا يُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَسَّ مُحَرَّمٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ بِلَا حَائِلٍ اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ فَصْلِ الْقُرْآنِ وَكَرِهَهُ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا اهـ. فَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ فَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِنَفْيِ الْجَوَازِ فِي الْفَتَاوَى وَقَالَ لِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ هَلْ يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِمِنْدِيلٍ هُوَ لَابِسُهُ عَلَى عُنُقِهِ قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِاعْتِبَارِهِمْ إيَّاهُ فِي الْأَوَّلِ تَابِعًا لَهُ كَبَدَنِهِ دُونَ الثَّانِي قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ بِطَرَفِهَا نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ إنْ كَانَ أَلْقَاهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا يَجُوزُ اعْتِبَارًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِهَا فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ بِلَا كُمٍّ قَالُوا: يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَمْنَعُ مَسَّ شُرُوحِ النَّحْوِ أَيْضًا اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ وَالْفِقْهِ لِلْمُحْدِثِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي فَضْلِ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَرَخَّصَ الْمَسَّ بِالْيَدِ فِي الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا التَّفْسِيرَ ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَغَيْرِهِ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَوَاشِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ كُتُبَ الشَّرِيعَةِ بِالْكُمِّ أَيْضًا بَلْ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ كُلَّمَا أَحْدَثَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنَّمَا نِلْت هَذَا الْعِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ فَإِنِّي مَا أَخَذْت الْكَاغَدَ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ وَكَانَ يُكَرِّرُ دَرْسَ كِتَابِهِ فَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً. (فُرُوعٌ) مِنْ التَّعْظِيمِ أَنْ لَا يَمُدَّ رِجْلَهُ إلَى الْكِتَابِ وَفِي التَّجْنِيسِ الْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كُهْنًا أَيْ عَتِيقًا وَصَارَ بِحَالٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ وَخَافَ أَنْ يَضِيعَ يُجْعَلُ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ وَيُدْفَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ يُدْفَنُ فَالْمُصْحَفُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ كَانَ دَفْنُهُ أَفْضَلَ مِنْ وَضْعِهِ مَوْضِعًا يُخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالنَّصْرَانِيُّ إذَا تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ يُعَلَّمُ وَالْفِقْهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَسَى يَهْتَدِي لَكِنْ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ، وَإِذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ مَسَّ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مَسُّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ عِنْدَهُمَا حَتَّى يَتَعَلَّقُ بِهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ اهـ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقُنْيَةِ اللُّغَةُ وَالنَّحْوُ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَيُوضَعُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَالتَّعْبِيرُ فَوْقَهُمَا وَالْكَلَامُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْفِقْهُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالْأَخْبَارُ وَالْمَوَاعِظُ وَالدَّعَوَاتُ الْمَرْوِيَّةُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ فَوْقَ ذَلِكَ وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي فِيهِ آيَاتٌ مَكْتُوبَةٌ فَوْقَ كُتُبِ الْقِرَاءَةِ، بِسَاطٌ أَوْ غَيْرُهُ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ يُكْرَهُ بَسْطُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ إلَّا إذَا عُلِّقَ لِلزِّينَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ كَلَامُ النَّاسِ مُطْلَقًا وَقِيلَ يُكْرَهُ حَتَّى الْحُرُوفُ الْمُفْرَدَةُ وَرَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ شُبَّانًا يَرْمُونَ إلَى هَدَفٍ كُتِبَ فِيهِ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ وَقَدْ قَطَعُوا الْحُرُوفَ فَنَهَاهُمْ أَيْضًا وَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ فِي الِابْتِدَاءِ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ فَإِذًا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ الْحُرُوفِ لَكِنْ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَوْسَعُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ بِقَلَمٍ أَوْ عُودٍ أَوْ سِكِّينٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِلصَّبِيِّ احْمِلْ إلَيَّ هَذَا الْمُصْحَفَ وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغَدٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ مِنْ الْفِقْهِ وَفِي الْكَلَامِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيَجُوزُ مَحْوُهُ لِيُلَفَّ فِيهِ شَيْءٌ وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQعُلِمَ حُكْمُهُ مِمَّا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ حَتَّى لِلْمُحْدِثِ. (قَوْلُهُ: قُلْت لَا أَعْلَمُ فِيهِ مَنْقُولًا) قَدْ يُقَالُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالثِّيَابِ الَّتِي يَلْبَسُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَثِيَابُهُ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُوَ لَا بِسُهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَمْلُهُ فِي جَيْبِهِ وَلَا وَضْعُهُ عَلَى رَأْسِهِ مَثَلًا بِدُونِ غِلَافٍ مُتَجَافٍ وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ

بِالرِّيقِ يَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فِي مَحْوِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبُزَاقِ مَحَا لَوْحًا يَكْتُبُ فِيهِ الْقُرْآنَ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا يَجُوزُ حَانُوتٌ أَوْ تَابُوتٌ فِيهِ كُتُبٌ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَضَعَ الثِّيَابَ فَوْقَهُ، يَجُوزُ قُرْبَانُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ فِيهِ مُصْحَفٌ مَسْتُورٌ يَجُوزُ رَمْيُ بُرَايَةِ الْقَلَمِ الْجَدِيدِ وَلَا يَرْمِي بُرَايَةَ الْقَلَمِ الْمُسْتَعْمَلِ لِاحْتِرَامِهِ كَحَشِيشِ الْمَسْجِدِ وَكُنَاسَتِهِ لَا تُلْقَى فِي مَوْضِعٍ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ اهـ. ذَكَرَهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُخْرَجِ وَالْمُغْتَسَلِ وَالْحَمَّامِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ فِي الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ عِنْدَهُ وَلَوْ كَانَتْ رُقْيَةٌ فِي غِلَافٍ مُتَجَافٍ لَمْ يُكْرَهْ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِهِ أَفْضَلُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَ عَلَى خَاتَمِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يُجْعَلُ الْفَصُّ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ اهـ. وَفِي التَّوْشِيحِ وَتُكْرَهُ الْمُسَافَرَةُ بِالْقُرْآنِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ صَوْنًا عَنْ وُقُوعِهِ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ وَاسْتِخْفَافِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الدِّرْهَمُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ آيَةٌ يُكْرَهُ إذَابَتُهُ إلَّا إذَا كَسَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ غَسَلَ الْجُنُبُ فَمَه لِيَقْرَأَ أَوْ يَدَهُ لِيَمَسَّ أَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ يَدَهُ لِيَمَسَّ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ الْمَسُّ وَلَا الْقِرَاءَةُ لِلْجُنُبِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ لَا يَتَجَزَّآنِ وُجُودًا وَلَا زَوَالًا وَفِي الْخُلَاصَةِ إنَّمَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ إذَا قَرَأَ جَهْرًا، فَإِنْ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ لَا بَأْسَ بِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا التَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ وَكَذَا لَا يَقْرَأُ إذَا كَانَتْ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً أَوْ امْرَأَتُهُ هُنَاكَ تَغْتَسِلُ مَكْشُوفَةً أَوْ فِي الْحَمَّامِ أَحَدٌ مَكْشُوفٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ. وَقَوْلُهُ (وَمَنَعَ الْحَدَثُ الْمَسَّ) أَيْ مَسَّ الْقُرْآنِ (وَمَنَعَهُمَا) أَيْ الْمَسَّ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (الْجَنَابَةُ وَالنِّفَاسُ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَحْكَامِ النِّفَاسِ. (قَوْلُهُ: وَتُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ وَيَحِلُّ وَطْءُ الْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا الْعَشَرَةَ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اغْتِسَالِهَا وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ تَصَرَّمَ الْقِتَالُ انْقَطَعَ وَسَكَنَ (قَوْلُهُ: وَلِأَقَلِّهِ لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ) . اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إمَّا يَنْقَطِعُ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ أَوْ دُونَهَا لِتَمَامِ الْعَادَةِ أَوْ دُونَهُمَا فَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ دُونَ عَادَتِهَا لَا يَقْرَبُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مَا لَمْ تَمْضِ عَادَتُهَا، وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِلْأَقَلِّ لِتَمَامِ عَادَتِهَا إنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ حَلَّ وَإِلَّا لَا وَكَذَا النِّفَاسُ إذَا انْقَطَعَ لِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا لَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ مُطْلَقًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى " حَتَّى يَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ وَنَقَلَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَنْ زُفَرَ وَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَيْنِ " يَطْهُرْنَ " بِالتَّخْفِيفِ " وَيَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ وَمُؤَدَّى الْأُولَى انْتِهَاءُ الْحُرْمَةِ الْعَارِضَةِ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا وَإِذَا انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ الْعَارِضَةُ عَلَى الْحِلِّ حَلَّتْ بِالضَّرُورَةِ وَمُؤَدَّى الثَّانِي عَدَمُ انْتِهَائِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ فَحَمَلْنَا الْأُولَى عَلَى الِانْقِطَاعِ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ الْعَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ فِي تَوْقِيفِ قُرْبَانِهَا فِي الِانْقِطَاعِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْغُسْلِ إنْزَالَهَا حَائِضًا حُكْمًا وَهُوَ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمِ إنْزَالَهُ إيَّاهَا طَاهِرَةً قَطْعًا بِخِلَافِ تَمَامِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ بَلْ يَجُوزُ الْحَيْضُ بَعْدَهُ وَلِذَا لَوْ زَادَتْ وَلَمْ تُجَاوِزْ الْعَشَرَةَ كَانَ الْكُلُّ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ، بَقِيَ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَرَفْعُ الْحُرْمَةِ قَبْلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ خُصَّ مِنْهَا صُورَةُ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ بِقِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ فَجَازَ أَنْ تُخَصَّ ثَانِيًا بِالْمَعْنَى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ فِي يَطَّهَّرْنَ الْمَانِعَةَ إلَى الْغُسْلِ وَالتَّخْفِيفِ إلَى الطُّهْرِ فَيَحِلُّ الْقُرْبَانُ قَبْلَهُ بِالْحِلِّ الَّذِي انْتَهَتْ حُرْمَتُهُ الْعَارِضَةُ بِحَمْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقِرَاءَتَيْ التَّشْدِيدِ) بِالْيَاءِ عَلَامَةِ الْجَرِّ لِعِطْفِهِ عَلَى الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَمِنْهُ مَا بَيْنَ قِرَاءَتَيْ آيَةِ الْوُضُوءِ إلَخْ

تِلْكَ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ وَهَذِهِ عَلَيْهِ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كَتَكَبَّرَ وَتَعَظَّمَ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى مُحَافَظَةً عَلَى حَقِيقَةِ يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَكُلٌّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ لَكِنْ هَذَا أَقْرَبُ إذْ لَا يُوجِبُ تَأَخُّرَ حَقِّ الزَّوْجِ بَعْدَ الْقَطْعِ بِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ. اهـ. فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ إلَى آخِرِهِ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] فَإِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلَّا بِالتَّشْدِيدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ أَدْنَاهُ الْوَاقِعُ آخِرًا أَعْنِي أَنْ تَطْهُرَ فِي وَقْتٍ مِنْهُ إلَى خُرُوجِهِ قَدْرَ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمُ لَا أَعَمُّ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ إنْ تَطَهَّرْنَ فِي أَوَّلِهِ وَيَمْضِي مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْزِلُهَا طَاهِرَةً شَرْعًا كَمَا رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَغْلَطُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ لَفْظَةَ أَدْنَى وَعِبَارَةُ الْكَافِي أَوْ تَصِيرُ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِمُضِيِّ أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ بِقَدْرِ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ بِأَنْ انْقَطَعَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا قَالَهُ حَقٌّ فَقَدْ رَأَيْت أَيْضًا مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا إلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ أَوْ بِمُضِيِّ جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَإِذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْأَدْنَى وَلَمْ يَقُلْ مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ نَفْيًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مُضِيَّ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ شَرْطٌ لِلْحِلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّارِحِينَ إنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا بُدَّ لِلْحِلِّ مِنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ زَمَانٌ قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَخَرَجَ الْوَقْتُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الِانْقِطَاعُ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَادَةِ فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَاتِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَصِيغَةُ لَمْ يَقْرَبْهَا وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الِاجْتِنَابِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْوَطْءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ وَالْكَافِي لِلنَّسَفِيِّ كَرَاهَةُ الْوَطْءِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ وَإِلَّا فَالْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ وَفِي النِّهَايَةِ تَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا وَفِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ تَنْتَظِرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ دُونَ الْمَكْرُوهِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ قَالَ: إذَا انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تُؤَخِّرُ إلَى وَقْتٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِيهِ وَتُصَلِّيَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ وَمَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مَكْرُوهٌ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ حُكْمَ الثَّالِثِ خِلَافُ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْغُسْلِ الثَّابِتِ بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. وَيُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَمَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ مَعَ خِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي التَّجْنِيسِ مُسَافِرَةٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ وَجَدَتْ مَاءً جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا لَكِنْ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَيَمَّمَتْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَلَمَّا وَجَدَتْ الْمَاءَ فَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ فَصَارَتْ كَالْجُنُبِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ يُخْرِجُهَا مِنْ الْحَيْضِ فَيَجُوزُ قُرْبَانُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَعْنِي الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ فِي الْكَافِي مَا إذَا تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تُصَلِّ فَقِيلَ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا جَعَلَ التَّيَمُّمَ كَالِاغْتِسَالِ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ قَطْعُ الرَّجْعَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْوَطْءِ تَرْكُهُ فَلَمْ نَجْعَلْ التَّيَمُّمَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ وَتَطَهَّرْنَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا التَّخَلُّصُ إنْ لَوْ قُرِئَ فَإِذَا طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا قُرِئَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالتَّشْدِيدِ لِيَكُونَ التَّخْفِيفُ مُوَافِقًا لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدُ مُوَافِقًا لِلتَّشْدِيدِ وَلَمْ يُقْرَأْ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْقِرَاءَتَيْنِ وَالْجَوَابُ بِالْمَنْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا لِمَا مَرَّ مِنْ اللَّازِمِ الْمَمْنُوعِ فَيُحْمَلُ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فِي حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى طَهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا وَتَطَهَّرْنَ بِمَعْنَى طَهُرْنَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فَإِنَّ تَفَعَّلَ يَجِيءُ بِمَعْنَى فَعُلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صَنِيعٍ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا انْقَطَعَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ انْقِطَاعِهِ لِأَقَلَّ مِنْ عَادَتِهَا أَوْ لِتَمَامِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَنْتَظِرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ الْعَادَةِ لِيُوَافِقَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ تَأَخُّرُ الِاغْتِسَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَفِيمَا دُونَ عَادَتِهَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ نَقَلَ فِي النَّهْرِ عَنْ النِّهَايَةِ مَا يُخَالِفُ نَقْلَ الْمُؤَلِّفِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ وَفِي النِّهَايَةِ وَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ إلَى الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ لِأَقَلِّهَا وَاجِبٌ. اهـ. وَهَذَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَبْسُوطِ لَكِنْ رَأَيْت عِبَارَةَ النِّهَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ

فِيهِ قَبْلَ تَأَكُّدِهِ بِالصَّلَاةِ كَالِاغْتِسَالِ كَمَا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْحِلِّ لِلْأَزْوَاجِ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُوجِبُ حِلَّ وَطْئِهَا وَانْقِطَاعَ الرَّجْعَةِ وَحِلَّهَا لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ مَا لَمْ تُصَلِّ وَفِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ الْخِلَافُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ دُونَ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ اغْتَسَلَتْ حِينَ تَخَافُ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَصَلَّتْ وَاجْتَنَبَ زَوْجُهَا قُرْبَانَهَا احْتِيَاطًا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى عَادَتِهَا لَكِنْ تَصُومُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيْضَةُ هِيَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْعِدَّةِ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ احْتِيَاطًا وَلَا تَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ احْتِيَاطًا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ إنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا الدَّمُ جَازَ، وَإِنْ عَاوَدَهَا إنْ كَانَ فِي الْعَشَرَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَشَرَةِ فَسَدَ نِكَاحُ الثَّانِي وَكَذَا صَاحِبُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجْتَنِبُهَا احْتِيَاطًا اهـ. قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ إذَا زَادَ لَا يَفْسُدُ وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْعَوْدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ، أَمَّا قَبْلَهَا فَيَفْسُدُ وَإِنْ زَادَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ الرَّدَّ إلَى الْعَادَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَاوَدَهَا فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَيْضَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الْحَيْضِ فِي الِانْقِطَاعِ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ تَمَامُ عَادَتِهَا بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ حَتَّى لَوْ طَهُرَتْ فِي الْأُولَى وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَوْ طَهُرَتْ فِي الثَّانِيَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ فَقَطْ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ الْغُسْلِ لُبْسُ الثِّيَابِ وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ التَّحْرِيمَةُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُنَا زَمَانُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا وَلَكِنْ مَا قَالُوا فِي حَقِّ الْقُرْبَانِ وَانْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ وَجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ لَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ عَقِبَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّفَقِ فَهُوَ طُهْرٌ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ. اهـ. وَقَوْلُهُ الْأَصَحُّ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي الصَّوْمِ التَّحْرِيمَةُ ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمُضِيِّ زَمَانِ الْغُسْلِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي بَعْضِ لَيَالِي رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَدَتْ فِي اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا تَغْتَسِلُ وَيَبْقَى سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا مِنْ الْغَدِ، وَفِي التَّوْشِيحِ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يُجْزِئُهَا صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا إلَّا بِهَذَا، وَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهَا صَوْمُهَا؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهَا وَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الطِّهَارَاتِ فَحُكِمَ بِطَهَارَتِهَا ضَرُورَةً. اهـ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَلَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ فَانْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَسِعَ الزَّوْجَ أَنْ يَطَأَهَا وَوَسِعَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّهُ لَا اغْتِسَالَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَهِيَ مُخَرَّجَةٌ مِنْ حَمْلِ قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ عَلَى مَا دُونَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ لَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِنَفْسِ الِانْقِطَاعِ فَلَا يَعُودُ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فَرُؤْيَةُ الدَّمِ مُؤَثِّرَةٌ فِي إثْبَاتِ الْحَيْضِ بِهِ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَقْتِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَنْهَا إنْ افْتَتَحَهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا لَا يَسَعُ فِيهِ التَّحْرِيمَةُ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي التَّطَوُّعِ كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ اهـ. ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ أَلْ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ فِي كَلَامِ النَّهْرِ زَائِدَةٌ مِنْ النُّسَّاخِ وَبِدُونِهَا تَتَوَافَقُ الْعِبَارَتَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الِانْقِطَاعِ لِلْعَشَرَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِيهِ يَكُونُ زَمَنُ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ. (فَائِدَةٌ) حُكِيَ أَنَّ خَلَفَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ ابْنَهُ مِنْ بَلْخٍ إلَى بَغْدَادَ لِلتَّعَلُّمِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ مَا تَعَلَّمَتْ قَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ زَمَانَ الْغُسْلِ مِنْ الطُّهْرِ فِي حَقِّ صَاحِبَةِ الْعَشَرَةِ وَمِنْ الْحَيْضِ فِيمَا دُونَهَا قَالَ خَلَفٌ وَاَللَّهِ مَا ضَيَّعْت سَفَرَك، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. اهـ. زَادَهُ عَلَى الشِّرْعَةِ (قَوْلُهُ: وَهَكَذَا جَوَابُ صَوْمِهَا إذَا طَهُرَتْ إلَخْ) أَيْ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ وَالْبَاقِي قَدْرُ الْغُسْلِ وَالتَّحْرِيمَةِ جَازَ لَهَا صَوْمُ الْيَوْمِ وَعَلَيْهَا قَضَاءُ الْعِشَاءِ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فِيمَا يَظْهَرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ ظُهُورُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ مَا لَمْ تُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ إنْشَاءُ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهِيَ حِينَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَتْ طَاهِرَةً فَتَصِحُّ نِيَّتُهَا وَيَسْقُطُ عَنْهَا بِلَا لُزُومِ قَضَاءٍ لَكِنْ فِي الزَّيْلَعِيِّ وَإِمْدَادِ الْفَتَّاحِ مَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ قَالَا، وَلِذَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الصُّبْحِ بِأَقَلَّ مِنْ وَقْتٍ يَسَعُ الْغُسْلَ مَعَ التَّحْرِيمَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ كَأَنَّهَا أَصْبَحَتْ وَهِيَ حَائِضٌ وَلَكِنْ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ تَشَبُّهًا وَتَقْضِيهِ. اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا جُعِلَتْ التَّحْرِيمَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ الْحَيْضِ وَلَمْ تُدْرِكْ مَا يَسَعُهَا لَمْ يُحْكَمْ

وَكَذَا إذَا شَرَعَتْ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ حَاضَتْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ الصَّوْمِ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ هُنَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ. (قَوْلُهُ وَالطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ وَنِفَاسٌ) يَعْنِي أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ دَمَيْنِ وَالدَّمَانِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ يَكُونُ حَيْضًا فِي الْأَوَّلِ وَنِفَاسًا فِي الثَّانِي. اعْلَمْ أَنَّ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً إلَّا مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ وَأَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا فَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ فَاصِلَا بَلْ يُجْعَلُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ فَاصِلًا لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ مَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَهُوَ حَيْضٌ كُلُّهُ مَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهِ وَمَا لَمْ تَرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ لَا وَمَا سِوَاهُ فَدَمُ اسْتِحَاضَةٍ وَطُهْرُهُ طُهْرٌ وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ أَبَا يُوسُفَ فِي الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ إنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَانَ ثَلَاثَةً بِلِيَالِهَا فَصَاعِدًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ الثَّالِثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا كَانَ اسْتِحَاضَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفْصَلُ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي فَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعُونَ نِفَاسٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الدَّمُ الْأَوَّلُ وَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ يُجَوِّزُ بِدَايَةَ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمَهُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ دَمٌ وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ بِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِهِ حَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ دَمٌ يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ خَتْمُهُ بِهِ، وَعَلَى عَكْسِهِ بِأَنْ كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ دَمٌ يَجُوزُ خَتْمُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ بِدَايَتُهُ بِهِ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا كَانَتْ الْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضًا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَلَوْ رَأَتْ الْمُعْتَادَةُ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَعَشَرَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ الَّتِي لَمْ تَرَ فِيهَا الدَّمَ حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْعَشَرَةَ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ تَفَاصِيلَ يُحْرَجُ النَّاسُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُحِيطًا بِطَرَفَيْ الْعَشَرَةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَإِلَّا كَانَ فَاصِلًا، فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ لَزِمَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ وَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ حُكْمًا (قَوْلُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ إلَخْ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَالصَّائِمَةُ إذَا حَاضَتْ فِي النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ بَطَلَ صَوْمُهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ نَفْلًا لَا بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّفْلِ إذَا حَاضَتْ فِي خِلَالِهَا. اهـ. يَعْنِي: يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا إذَا حَاضَتْ فِيهَا فَفَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فَصْلُهُ فِي الْحَيْضِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَا قَبْلَهُ حَيْضًا وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ إنْ بَلَغَ أَقَلُّهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ فَصْلَهُ بِمُدَّةِ الْحَيْضِ حَتَّى يُقَالَ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ بَلْ الْكَلَامُ فِي تَخَلُّلِهِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي الشرنبلالية بَعْدَ نَقْلِهِ لِعِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا وَلَعَلَّهُ قَالَ بِتَخْصِيصِهِ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِيُمْكِنَ فِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ) أَيْ طَرَفَيْ الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ إلَخْ أَيْ الطُّهْرُ النَّاقِصُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ لَا يُعْتَبَرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَيُجْعَلُ إحَاطَةُ الدَّمَيْنِ بِطَرَفَيْهِ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَا لَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ فُصِلَ وَمُحَمَّدٌ يَجْعَلُ الطُّهْرَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَاصِلًا فِي الْحَيْضِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ لَا فِي الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ رَأَتْ مُبَتَدَأَةٌ بَلَغَتْ بِالْحَبَلِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ خَمْسَةً دَمًا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَعِنْدَهُمَا نِفَاسُهَا الْخَمْسَةُ وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَعِنْدَهُ نِفَاسُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَتَمَامُهُ فِيهَا فَرَاجِعْهَا. (قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ الطُّهْرُ) هَذَا أَصْلٌ آخَرُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ) وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ بِدَايَةُ الْحَيْضِ وَلَا خَتْمُهُ بِالطُّهْرِ قَالَ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَيْضِ الطُّهْرُ وَلَا يَبْدَأُ الشَّيْءُ بِمَا يُضَادُّهُ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ وَلَكِنْ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ يُجْعَلُ تَبَعًا لَهُمَا كَمَا فِي الزَّكَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ

طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ حَيْضٌ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَرَأَتْ قَبْلَ عَادَتِهَا يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إجْمَاعًا فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَقَدْ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ لَكِنْ لَمْ تُصَحَّحْ فِي الشُّرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَعَلَّهُ لِضَعْفِ وَجْهِهَا فَإِنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النِّصَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُنْقَطِعٌ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَفِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا الَّذِي اُشْتُرِطَ وُجُودُهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ تَمَامُهُ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ فِي الْعَشَرَةِ مِثْلَ أَقَلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّمِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَرْئِيُّ هَذَا الْمِقْدَارَ كَانَ قَوِيًّا فِي نَفْسِهِ فَجُعِلَ أَصْلًا وَمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنْ الطُّهْرِ تَبَعٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ دُونَ هَذَا كَانَ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ لَا حُكْمَ لَهُ إذَا انْفَرَدَ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ زَمَانِ الطُّهْرِ تَبَعًا لَهُ فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا وَقَالَ مُحَمَّدٌ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ إنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ بِسَاعَةٍ لَا يُفْصَلُ اعْتِبَارًا بِالْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ فَكَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الدَّمِ يُوجِبُ حُرْمَتَهَا وَاعْتِبَارُ الطُّهْرِ يُوجِبُ حِلَّهَا فَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فُصِلَ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَهُوَ حَيْضٌ وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْكُلُّ اسْتِحَاضَةٌ وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ حِينَئِذٍ أَقَلُّ مِنْ الدَّمَيْنِ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ لَا الثَّانِي وَمِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يَبْدَأَ الْحَيْضُ بِالطُّهْرِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا يُجْعَلُ زَمَانُ الطُّهْرِ زَمَانَ الْحَيْضِ بِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِهِ وَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمَيْنِ دَمًا فَالسِّتَّةُ حَيْضٌ لِلِاسْتِوَاءِ وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَا يَكُونُ حَيْضًا لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا أَوْ يَوْمًا دَمًا فَالثَّلَاثَةُ حَيْضٌ لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ فَصَارَ فَاصِلًا وَالْمُتَقَدِّمُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَالْأَخِيرُ حَيْضٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ لِسَبْقِهَا وَلَا تَكُونُ الْعَشَرَةُ حَيْضًا لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا بِاعْتِبَارِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، وَقَدْ صُحِّحَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى الْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ جَعَلَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَثَبَتَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ أَخَذَ بِإِحْدَاهُمَا وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا فَهِيَ حَيْضٌ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي التَّوْشِيحِ وَالْمِعْرَاجِ وَالْخَبَّازِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَبْسُوطِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ قَوْلَ زُفَرَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُفِيدُ اشْتِرَاطَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النِّصَابِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ بَلْ تَنْظِيرٌ وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالدَّمُ مَوْجُودٌ حُكْمًا وَإِنْ انْعَدَمَ حِسًّا بِدَلِيلِ ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ كُلِّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَاعْتِمَادُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ عَلَى شَيْءٍ تَرْجِيحٌ لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدَّمَيْنِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الدَّمَانِ فِي الْعَشَرَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ إلَخْ) أَيْ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْضًا، إمَّا الْمُتَقَدِّمُ أَوْ الْمُتَأَخِّرُ يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا بِانْفِرَادِهِ يُجْعَلُ الْحَيْضُ أَسْرَعَهُمَا إمْكَانًا وَلَا يَكُونُ كِلَاهُمَا حَيْضًا إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا طُهْرٌ تَامٌّ. اهـ. وَهَذَا حَاصِلُ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا إلَخْ وَفِي النَّهْرِ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ طُهْرَانِ مُعْتَبَرَانِ وَصَارَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لِاسْتِوَاءِ الدَّمِ بِطَرَفَيْهِ حَتَّى صَارَ كَالْمُتَوَالِي كَمَا إذَا رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَقِيلَ يَتَعَدَّى إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَصِيرُ الْكُلُّ حَيْضًا وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُحْتَوِشَيْنِ حَيْضًا) كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَيْسَتْ مُرْتَبِطَةً بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي طَرَفَيْ الطُّهْرِ نِصَابَا حَيْضٍ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَا فِي الْعَشَرَةِ فَأَكْثَرَ طُهْرٌ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ الدَّمَيْنِ فَلَا تُوجِبُ الْفَصْلَ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ حَيْضًا لِسَبْقِهِ لَا الثَّانِي وَلَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا فَيُجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ) أَيْ لِأَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ دُونَ الثَّلَاثِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَكُونُ الْعَشَرَةُ حَيْضًا إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ اسْتَوَى الدَّمُ بِالطُّهْرِ هُنَا فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي، وَبَيَانُ الْجَوَابِ أَنَّ اسْتِوَاءَ الدَّمِ بِالطُّهْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشْرَةٌ ثَلَاثَةٌ دَمٌ وَسِتَّةٌ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ فَكَانَ الطُّهْرُ غَالِبًا فَلِهَذَا صَارَ فَاصِلًا. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ الْمُفَادَ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ

[أقل الطهر من الحيض]

وُجُودِ الدَّمِ فِي الْعَشَرَةِ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَا تُفِيدُ إلَّا اشْتِرَاطَ وُجُودِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَمًا وَلَوْ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ نَقَصَ الطُّهْرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ لَمْ يُفْصَلْ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً فُصِّلَ كَيْفَمَا كَانَ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْضًا يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا كَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ غَلَبَةَ الدَّمِ وَلَا مُسَاوَاتَهُ بِالطُّهْرِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَّعَ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعَشَرَةُ الْأُولَى حَيْضٌ إنْ كَانَتْ عَادَتَهَا أَوْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ يُخْتَمُ بِالطُّهْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَعَادَتُهَا فَقَطْ لِمُجَاوَزَةِ الدَّمِ الْعَشَرَةَ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ تَعَذُّرَ جَعْلَ الْعَشَرَةِ حَيْضًا لِاخْتِتَامِهَا بِالطُّهْرِ وَتَعَذُّرَ جَعْلُ مَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي حَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِيهِ لِلطُّهْرِ فَطَرَحْنَا الدَّمَ الْأَوَّلَ وَالطُّهْرَ الْأَوَّلَ فَبَقِيَ بَعْدَهُ يَوْمٌ دَمٌ وَيَوْمَانِ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ وَالطُّهْرُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَجَعَلْنَا الْأَرْبَعَةَ حَيْضًا. وَعِنْدَ زُفَرَ الثَّمَانِيَةُ حَيْضٌ لِاشْتِرَاطِهِ كَوْنَ الدَّمِ ثَلَاثَةً فِي الْعَشَرَةِ وَلَا يُخْتَمُ عِنْدَهُ بِالطُّهْرِ، وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعَةٌ دَمًا وَكَذَلِكَ هُوَ أَيْضًا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِخُرُوجِ الدَّمِ الثَّانِي عَنْ الْعَشَرَةِ. (فَرْعٌ آخَرُ) عَادَتُهَا عَشَرَةٌ فَرَأَتْ ثَلَاثَةً وَطَهُرَتْ سِتَّةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَهَّمَ بَعْدَهُ مِنْ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَالسِّتَّةُ أَغْلَبُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَيُجْعَلُ الدَّمُ الْأَوَّلُ فَقَطْ حَيْضًا بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ كَانَتْ طَهُرَتْ خَمْسَةً وَعَادَتُهَا تِسْعَةٌ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ قِيلَ لَا يُبَاحُ قُرْبَانُهَا لِاحْتِمَالِ الدَّمِ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَقِيلَ يُبَاحُ وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الزَّائِدَ مَوْهُومٌ؛ لِأَنَّهُ خَارِجَ الْعَادَةِ وَفِي نَظْمِ ابْنِ وَهْبَانَ إفَادَةُ أَنَّ الْمُجِيزَ لَلْقُرْبَانِ يَكْرَهُهُ. اهـ. مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِبَارَةِ النَّظْمِ هَذِهِ وَلَوْ طُهِّرَتْ بَعْدَ الثَّلَاثِ وَطَهُرَتْ ... وَعَادَتُهَا لَمْ تَمْضِ فَالْوَطْءُ يَذْكُرُ كَرَاهَتَهُ بَعْضٌ وَيَنْفِيهِ بَعْضُهُمْ ... وَبِالصَّوْمِ تَأْتِي وَالصَّلَاةِ وَتَذْكُرُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذِهِ الْإِفَادَةِ مِنْ النَّظْمِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ لَيْسَ هَذِهِ الصُّورَةَ بَلْ الِاغْتِسَالُ عَقِبَ الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّ الطُّهْرَ غَالِبٌ عَلَى الْحَيْضِ أَوْ لَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَهِيَ أَنَّ الدَّمَ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ الْعَادَةِ هَلْ وَطْؤُهَا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ فِيهِ خِلَافُ الْإِمَامَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهَا الْجَوَازُ أَصْلًا وَنَقْلُ الْكَرَاهَةِ لَا يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ بِمَعْنَى الْحِلِّ لَا يُجَامِعُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ بِخِلَافِهِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ. (قَوْلُهُ وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلِأَنَّهُ مُدَّةُ اللُّزُومِ فَصَارَ كَمُدَّةِ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ إلَّا عِنْدَ نَصْبِ الْعَادَةِ فِي زَمَنِ الِاسْتِمْرَارِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَإِلَى سَنَتَيْنِ، وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ أَكْثَرِهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الْأُولَى إذَا بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً فَسَتَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ وَالثَّانِيَةُ إذَا بَلَغَتْ بِرُؤْيَةِ عَشَرَةٍ مَثَلًا دَمًا وَسَنَةً ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَوْلُهُ فِي الْعَشَرَةِ صَوَابُهُ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَأَمَّا مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْهُ اعْتِبَارَ كَوْنِ الدَّمِ فِي الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةً فَقَطْ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ وَجَعَلَهَا فِي التَّوْشِيحِ رِوَايَةً عَنْهُ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَلَلِ وَمَنْشَؤُهُ نَفْيُ الْمُخَالَفَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعَةٌ دَمًا) كَذَا هُوَ فِي الْفَتْحِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ ثَلَاثَةٌ. (قَوْلُهُ: وَطُهِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ) أَيْ اغْتَسَلَتْ وَكَرَاهَتُهُ مَفْعُولٌ يُذْكَرُ فِي آخِرِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَضْمِينٌ عَدُّوهُ مِنْ عُيُوبِ الشِّعْرِ وَالضَّمِيرُ لِلْوَطْءِ وَضَمِيرُ يَنْفِيهِ لَهُ أَيْضًا وَتَأْتِي وَتَذْكُرُ لِمَنْ طَهُرَتْ قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِابْنِ الشِّحْنَةِ اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى صُورَتُهَا لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَادَتُهَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَاغْتَسَلَتْ يُكْرَهُ لِزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا وَطْؤُهَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا احْتِيَاطًا وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يُكْرَهُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَالثَّانِيَةُ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَأْتِي بِجَمِيعِ مَا يَمْتَنِعُ فِعْلُهُ عَلَى الْحَائِضِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْعَوْدِ اهـ. [أَقَلُّ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْض] (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ اللُّزُومِ) كَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالدُّرَرِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ لُزُومِ الْعِبَادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَيَانُهُ أَنَّ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَازِمَةٌ وَالسَّفَرُ قَدْ يَحْدُثُ أَحْيَانًا وَكَذَا الطُّهْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيْضِ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى كَوْنِ تِلْكَ الْمُدَّةِ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّرْعِ تَوْقِيتًا لِمَا لَزِمَ وَنَظِيرُ هَذَا مَا يَجِيءُ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ وَبَابِ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ضُرِبَتْ لِإِيلَاءِ الْأَعْذَارِ كَإِمْهَالِ الْخَصْمِ لِلدَّفْعِ وَالْمَدْيُونِ لِلْقَضَاءِ وَمَنْ فَسَّرَ هَذَا اللُّزُومَ بِلُزُومِ الْعِبَادَةِ فَقَدْ خَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ. اهـ. وَمُرَادُهُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى الْأَوَّلِ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ يَرْجِعُ إلَى اللُّزُومِ الْعَادِي، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرْعِيُّ وَأَنَّهُ مُرَادُ الْقَائِلِ الْأَوَّلِ وَوَجْهُهُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مُدَّةُ الطُّهْرِ نَظِيرُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُفِيدُ مَا كَانَ سَقَطَ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَخْبَارِ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ أَقَلُّ مُدَّةِ الطُّهْرِ وَلِهَذَا قَدَّرْنَا أَقَلَّ مُدَّةِ السَّفَرِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِيَةُ إذَا بَلَغَتْ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ

[المحيرة في الحيض]

طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ حَيْضُهَا مَا رَأَتْ وَطُهْرُهَا مَا رَأَتْ فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِهِ لِلطَّلَاقِ أَوَّلَ الطُّهْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ إلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ مَضْبُوطًا فَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِيرُ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ كَوْنِ حِسَابِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ أَوَّلَ الْحَيْضِ فَيَكُونُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَذْكُورِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ آخِرَ الطُّهْرِ فَيُقَدَّرُ بِسَنَتَيْنِ وَأَحَدٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا فَيَنْبَغِي أَنْ تُزَادَ الْعَشَرَةُ إنْزَالًا لَهُ مُطْلَقًا أَوَّلَ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا كَذَلِكَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ مُحَرَّمًا لَمْ يُنْزِلُوهُ مُطْلَقًا فِيهِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ. وَالثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ الْمُضَلِّلَةِ وَتُسَمَّى بِالْمُحَيِّرَةِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ الْأَوَّلُ الْإِضْلَالُ بِالْعَدَدِ وَالثَّانِي الْإِضْلَالُ بِالْمَكَانِ وَالثَّالِثُ الْإِضْلَالُ بِهِمَا وَالْأَصْلُ أَنَّهَا مَتَى تَيَقَّنَتْ بِالطُّهْرِ فِي وَقْتٍ صَلَّتْ فِيهِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَامَتْ، وَمَتَى تَيَقَّنَتْ بِالْحَيْضِ فِي وَقْتٍ تَرَكَتْهُمَا فِيهِ، وَمَتَى شَكَّتْ فِي وَقْتٍ أَنَّهُ وَقْتُ حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ تَحَرَّتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ تُصَلِّي فِيهِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَصُومُ وَتَقْضِيهِ دُونَهَا، وَمَتَى شَكَّتْ فِي وَقْتٍ أَنَّهُ حَيْضٌ أَوْ طُهْرٌ أَوْ خُرُوجٌ عَنْ الْحَيْضِ تُصَلِّي فِيهِ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِجَوَازِ أَنَّهُ وَقْتُ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا بِحَالٍ لِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا نَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا بَعْدَمَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا أَشْهُرًا وَاسْتَمَرَّ وَعَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ لِتَيَقُّنِهَا بِالْحَيْضِ فِيهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِتَرَدُّدِ حَالِهَا فِيهَا بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِشْرِينَ يَوْمًا لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِتَيَقُّنِهَا فِيهَا بِالطُّهْرِ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِأَكْثَرِ الطُّهْرِ حَدٌّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ فِي النَّهْرِ وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا حَدَّ لَهُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي تَقْدِيرِ طُهْرِهَا فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهَا لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا فِي السِّرَاجِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي عِصْمَةَ تَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ عَشَرَةً وَتُصَلِّي سَنَةً هَكَذَا دَأْبُهَا لَا غَايَةَ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ عِنْدَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ تَدَعُ فِي الِاسْتِمْرَارِ عَشَرَةً وَتُصَلِّي عِشْرِينَ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَقَدَّرُوا الطُّهْرَ بِعَشْرَيْنِ. اهـ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّقْدِيرِ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ غَيْرُ الْعِدَّةِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ اخْتِلَافًا فِي تَقْدِيرِ طُهْرِهَا لِلْعِدَّةِ، وَإِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا فِي الْمُتَحَيِّرَةِ فَقَطْ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِ كَالزَّيْلَعِيِّ وَالْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ حَيْثُ اقْتَصَرُوا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فَقَطْ وَلِذَا نَبَّهَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَقَالَ: إنَّ الشَّهْرَيْنِ أَعْنِي الْقَوْلَ الْمُفْتَى بِهِ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُتَحَيِّرَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَالشُّمُنِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ وَالْبَحْرُ وَغَيْرُهُمَا. اهـ. فَتَنَبَّهْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ هُنَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عِصْمَةَ مَشَى الْعَلَّامَةُ الْبِرْكَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ فِي الْحَيْضِ عَلَى خِلَافِهِ فَقَالَ الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الِاسْتِمْرَارِ إنْ وَقَعَ فِي الْمُعْتَادَةِ فَطُهْرُهَا وَحَيْضُهَا مَا اعْتَادَتْ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إنْ كَانَ طُهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا فَيُرَدُّ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَحَيْضُهَا بِحَالِهِ. اهـ. وَقَالَ فِي حَوَاشِيهِ الَّتِي كَتَبَهَا عَلَى تِلْكَ الرِّسَالَةِ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ آكَدُ خُصُوصًا الْعِدَّةُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى تَوَهُّمِ مُصَادَفَةِ الطَّلَاقِ الطُّهْرَ فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِيَقِينٍ. (قَوْلُهُ: إنَّهُ وَقْتُ حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ) أَيْ أَوْ دُخُولٌ فِي حَيْضٍ. اهـ. عَيْنِيٌّ. [الْمُحَيِّرَةِ فِي الْحَيْض] (قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ) عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ لِكُلِّ سَاعَةٍ وَقَالَ النَّجْمُ النَّسَفِيُّ الصَّحِيحُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا إذَا نَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا) لَيْسَ الْمُرَادُ عَدَدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ فَقَطْ بَلْ أَيَّامُ الْحَيْضِ أَوْ الطُّهْرِ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ تَقْسِيمِهِ إلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ قِسْمِ الْإِضْلَالِ بِالْعَدَدِ فَقَطْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ إلَّا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَعَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً عَلَى أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْإِضْلَالِ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ الْأَوْجُهِ وَلَكِنْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُلْنَا لِيُنَاسِبَهُ مَا ذَكَرَهُ لَهُ مِنْ الْحُكْمِ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَلَا تَعْلَمُ هَلْ هُوَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي تَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ ثَالِثِ الْأَوْجُهِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ هَلْ هُوَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَالظَّاهِرُ فِي حُكْمِهَا مَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْإِضْلَالُ بِهِمَا إذْ لَيْسَ ذَلِكَ الْقِسْمُ خَاصًّا بِمَا لَا تَعْلَمُ أَنَّهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً بَلْ أَعَمُّ بِدَلِيلِ مَا سَيَذْكُرُهُ فِي مَسَائِلِ صَوْمِهَا مِنْ أَنَّهَا تَارَةً تَعْلَمُ دَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَتَارَةً لَا تَعْلَمُ وَإِذَا أَبْقَيْنَا كَلَامَهُ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا تَعْلَمَ مَكَانَ حَيْضِهَا مِنْ الشَّهْرِ فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ هُنَا بِأَنَّهَا تَتَوَضَّأُ عِشْرِينَ يَوْمًا لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِتَيَقُّنِهَا فِيهَا بِالطُّهْرِ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَصِحَّ صَوْمُهَا فِيهَا وَمَا سَيَأْتِي خِلَافُهُ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ

أَحَدُهَا مَا إذَا لَمْ تَعْلَمْ عَدَدَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا فَإِنَّهَا تَدْعُ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ ثُمَّ تُصَلِّي سَبْعَةً بِالِاغْتِسَالِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ثُمَّ تُصَلِّي ثَمَانِيَةً بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِتَيَقُّنِهَا بِالطُّهْرِ فِيهَا وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا فِيهَا ثُمَّ تُصَلِّي ثَلَاثَةً بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ ثُمَّ تُصَلِّي بِالِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَثَانِيهَا إذَا عَلِمْت أَنَّ طُهْرَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَمْ تَعْلَمْ عَدَدَ حَيْضِهَا فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تُصَلِّي سَبْعَةً بِالْغُسْلِ ثُمَّ تُصَلِّي ثَمَانِيَةً بِالْوُضُوءِ بِالْيَقِينِ ثُمَّ تُصَلِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِالْوُضُوءِ بِالشَّكِّ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا ثَلَاثَةً فَابْتِدَاءُ طُهْرِهَا الثَّانِي بَعْدَ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا عَشْرَةً فَابْتِدَاءُ طُهْرِهَا الثَّانِي بَعْدَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَتُصَلِّي فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّتِي بَعْدَ الْأَحَدِ وَالْعِشْرِينَ بِالِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ تُصَلِّي يَوْمًا بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ بِيَقِينٍ لِتَيَقُّنِهَا بِالطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ الَّذِي هُوَ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ ثُمَّ تُصَلِّي ثَلَاثَةً بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ فِيهَا بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ وَقْتُ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ، وَثَالِثُهَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا ثَلَاثَةٌ وَلَا تَعْلَمُ عَدَدَ طُهْرِهَا فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ، ثُمَّ تُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِتَيَقُّنِهَا بِالطُّهْرِ فِيهِ، ثُمَّ تُصَلِّي ثَلَاثَةً بِالْوُضُوءِ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَبَدًا لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا عَنْ الْحَيْضِ كُلَّ سَاعَةٍ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ وَلَا تَدْرِي الْعَدَدَ تَتَوَضَّأُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ لِتَرَدُّدِ حَالِهَا فِيهِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَتَغْتَسِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَمَامِ الشَّهْرِ لِجَوَازِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْعَشَرَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ لَا فِي الْوُسْطَى وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الْإِضْلَالُ بِالْمَكَانِ فَأَصْلُهُ أَنَّهَا مَتَى أَضَلَّتْ أَيَّامَهَا فِي ضِعْفِهَا مِنْ الْعَدَدِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الضِّعْفِ فَلَا تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَضَلَّتْ ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَمَتَى أَضَلَّتْ أَيَّامَهَا فِي دُونِ ضِعْفِهَا مِنْ الْعَدَدِ فَإِنَّهَا تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَضَلَّتْ ثَلَاثَةً فِي خَمْسَةٍ فَإِنَّهَا تَتَيَقَّنُ بِالْحَيْضِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ الْحَيْضِ أَوْ آخِرُهُ، فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا كَانَتْ ثَلَاثَةً وَلَا تَعْلَمُ مَوْضِعَهَا مِنْ الشَّهْرِ تُصَلِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا أَرْبَعَةٌ تَوَضَّأَتْ فِي الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ إلَى آخِرِ الْعَشْرِ وَكَذَا لَوْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا خَمْسَةٌ تَوَضَّأَتْ خَمْسَةً ثُمَّ اغْتَسَلَتْ إلَى آخِرِ الْعَشْرِ وَلَوْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا سِتَّةٌ تَوَضَّأَتْ أَرْبَعَةً مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ وَتَدَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ يَوْمَيْنِ لِتَيَقُّنِهَا بِالْحَيْضِ فِيهِمَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ أَرْبَعَةً لِكُلِّ صَلَاةٍ لِتَوَهُّمِ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا سَبْعَةٌ صَلَّتْ بِالْوُضُوءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِهَا وَتَدَعُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لِتَيَقُّنِهَا بِالْحَيْضِ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الثَّمَانِيَةُ وَالتِّسْعَةُ وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْإِضْلَالُ بِهِمَا كَمَا إذَا اُسْتُحِيضَتْ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَمَكَانَهَا فَإِنَّهَا تَتَحَرَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُصَلِّي سَبْعَةً بِالِاغْتِسَالِ إلَخْ) أَيْ لِتَرَدُّدِ حَالِهَا فِيهَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُصَلِّي سَبْعَةً بِالْغُسْلِ) ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنَّهُ وَقْتُ خُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَوَضَّأُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ إلَخْ) كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ إلَى آخَرِ الْعَشْرِ الثَّانِي بِيَقِينٍ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَهَذَا كَمَا تَفْعَلُ فِي الْعَشَرَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِيهِمَا وَلَا شَكَّ فِي الْوُسْطَى نَعَمْ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ عَشَرَةً فِي الشَّهْرِ وَعَلِمَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَشَرَةِ الْوُسْطَى فَتُصَلِّي الْعَشْرَ الْأُوَلَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ مَرَّةً وَتُصَلِّي إلَى تَمَامِ الشَّهْرِ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ مَرَّةً. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا أَرْبَعَةٌ تَوَضَّأَتْ إلَخْ) كَذَا فِيمَا رَأَيْنَا مِنْ النُّسَخِ وَلَعَلَّ فِيهَا سَقَطًا وَالْأَصْلُ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ أَيَّامَهَا أَرْبَعَةٌ فِي عَشَرَةٍ تَوَضَّأَتْ إلَخْ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْعَشْرِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ: كَذَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ الَّتِي رَأَيْتهَا وَهُوَ لَا يُلَائِمُ سِيَاقَ الْكَلَامِ بَعْدَهُ وَلَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ وَالظَّاهِرُ فِي التَّصْوِيرِ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ مَقْصِدِ الطَّالِبِ فِي الْمَسَائِلِ الْغَرَائِبِ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: إنَّ أَيَّامَهَا إنْ كَانَتْ ثَلَاثَةً فَأَضَلَّتْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ وَلَا تَدْرِي فِي أَيْ مَوْضِعٍ مِنْ الْعَشَرَةِ وَلَا رَأْيَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُصَلِّي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ ثُمَّ تُصَلِّي بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْعَشْرِ بِالِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تُصَلِّي ثُمَّ تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَسَائِلِ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة صَرَّحَ بِالْعَشْرِ (قَوْلُهُ كَمَا إذَا اُسْتُحِيضَتْ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا وَمَكَانَهَا) قَيَّدَ بِنِسْيَانِهَا ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنْ الْإِضْلَالِ بِهِمَا وَإِلَّا فَالْأَحْكَامُ الَّتِي ذَكَرَهَا تَشْمَلُ مَا إذَا عَلِمَتْ عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَيْضًا

وَقِيلَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي الْمَكْتُوبَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَلَا تُصَلِّي تَطَوُّعًا كَالصَّوْمِ تَطَوُّعًا وَتَقْرَأُ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ وَالْوَاجِبَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَفْرُوضِ وَتَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَقِيلَ: لَا، وَلَا تَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك؛ لِأَنَّهَا سُورَةٌ عِنْدَ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَا تَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَا تَمَسُّ الْمُصْحَفَ وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَلَوْ سَمِعَتْ آيَةَ السَّجْدَةِ فَسَجَدَتْ فِي الْحَالِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَقَدْ صَحَّ أَدَاؤُهَا وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْهَا وَإِنْ سَجَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَعَادَتْ بَعْدَ الْعَشَرَةِ لِاحْتِمَالِ طَهَارَتِهَا وَقْتَ السَّمَاعِ وَحَيْضَهَا وَقْتَ السُّجُودِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْفَوَائِتِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا فَوَائِتُ فَقَضَتْهَا فَعَلَيْهَا إعَادَتُهَا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لِاحْتِمَالِ حَيْضِهَا وَقْتَ الْقَضَاءِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ تَقْضِيهَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِجَوَازِ أَنْ يَعُودَ حَيْضُهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهَا تَصُومُ كُلَّ شَهْرِ رَمَضَانَ لِاحْتِمَالِ طَهَارَتِهَا كُلَّ يَوْمٍ وَتُعِيدُ بَعْدَ رَمَضَانَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ - إنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا تَقْضِي عِشْرِينَ يَوْمًا لِجَوَازِ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَإِذَا قَضَتْ عَشَرَةً يَجُوزُ حُصُولُهَا فِي الْحَيْضِ فَتَقْضِي عَشْرَةً أُخْرَى وَالثَّانِي وَإِنْ عَلِمْت أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ يَكُونُ بِالنَّهَارِ فَتَقْضِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فَسَدَ مِنْ صَوْمِهَا فِي الشَّهْرِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَتَقْضِي ضِعْفَهُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ شَيْئًا قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا تَقْضِي عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرَةٍ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ تَقْضِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهُوَ الْأَصَحُّ احْتِيَاطًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِالنَّهَارِ وَهَذَا إذَا عَلِمَتْ دَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ بِاللَّيْلِ تَقْضِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لِجَوَازِ أَنَّهَا حَاضَتْ عَشْرَةً فِي أَوَّلِهِ وَخَمْسَةً فِي آخِرِهِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذَا قَضَتْهُ مَوْصُولًا بِالشَّهْرِ فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَخَمْسَةُ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بَقِيَّةُ حَيْضِهَا الثَّانِي فَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِيهَا وَيُجْزِئُهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَهَا وَعَلَى الْعَكْسِ فَيَوْمُ الْفِطْرِ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ طُهْرِهَا لَا تَصُومُ فِيهِ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا الصَّوْمُ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا فِي عَشَرَةٍ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي آخِرِ يَوْمٍ فَجُمْلَتُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ إنْ قَضَتْهُ مَفْصُولًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَضَاءِ كَانَ وَافَقَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ حَيْضِهَا فَلَا يُجْزِئُهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَجَاءَتْ تَسْتَفْتِي وَهِيَ لَا تَعْلَمُ مَوْضِعَ حَيْضِهَا وَلَا مَوْضِعَ طُهْرِهَا وَتَعْلَمُ عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَوْ لَا تَعْلَمُ فَإِنَّهَا تَتَحَرَّى إلَخْ وَسَنَذْكُرُ عَنْهَا حُكْمَ مَا إذَا عَلِمَتْ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَقْضِي عِشْرِينَ يَوْمًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ تَقْضِي بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ أَوْ كَانَتْ تُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، كَذَا فِي مَقْصِدِ الطَّالِبِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة (قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فَسَدَ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ إذَا كَانَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الْحَادِيَ عَشَرَ فَتَقْضِي ضِعْفَهَا احْتِيَاطًا أَيْ فَعَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ بَعْدَ الْفِطْرِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا سَوَاءٌ قَضَتْ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ أَوْ أَخَّرَتْ الْقَضَاءَ مُدَّةً طَوِيلَةً لِجَوَازِ أَنْ يُوَافِقَ شُرُوعُهَا فِي الْقَضَاءِ حَيْضَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَيَفْسُدُ صَوْمُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا أُخْرَى لِتَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَذَا فِي مَقْصِدِ الطَّالِبِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَضَتْهُ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا وَلَكِنْ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي شَهْرَيْنِ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ لِجَوَازِ مُصَادَفَةِ كُلٍّ مِنْ الصَّوْمَيْنِ لِلْحَيْضِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا تَقْضِي عِشْرِينَ) أَيْ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحْوَطُ الْوُجُوهِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَفِيهَا بَعْدَ هَذَا وَقَبْلَ قَوْلِهِ وَهَذَا إذَا عَلِمَتْ دَوْرَهَا إلَخْ مَا نَصُّهُ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالطُّهْرُ عِشْرُونَ وَلَكِنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَوْضِعَ حَيْضِهَا وَلَا مَوْضِعَ طُهْرِهَا فَالْجَوَابُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ وَطُهْرَهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا تَقْضِي بَعْدَ رَمَضَانَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ يَكُونُ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهَا تَقْضِي بَعْدَ رَمَضَانَ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَفْسُدُ مِنْ صِيَامِهَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تِسْعَةٌ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي عَشَرَةٌ فَتَقْضِي ضِعْفَ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ اعْتِرَاضِ الْحَيْضِ فِي أَوَّلِ يَوْمِ الْقَضَاءِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فَإِنَّهَا تَقْضِي عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَا خِلَافٍ. اهـ. (قَوْلُهُ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) يَعْنِي عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي طُهْرٍ يَقِينًا وَلَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ إلَّا بِأَنْ تَصُومَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَرْبَعَةً مِنْ شَوَّالٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ بَعْدِهَا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَصُومَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ صَامَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي طُهْرٍ يَقِينًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَلَمْ يُكْتَفَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَعَ وُقُوعِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهَا فِي طُهْرٍ يَقِينًا لِاحْتِمَالِ كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي أَنْ تَصُومَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ

الصَّوْمُ فِي عَشْرٍ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ بِالنَّهَارِ تَقْضِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا إنْ قَضَتْهُ مَوْصُولًا بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فَسَدَ مِنْ صَوْمِهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنْ قَضَتْهُ مَفْصُولًا تَقْضِي ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَضَاءِ وَافَقَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ حَيْضِهَا فَلَا يُجْزِئُهَا الصَّوْمُ فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي يَوْمَيْنِ فَجُمْلَتُهُ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا تَصُومُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ قَضَتْهُ مَوْصُولًا صَامَتْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَإِنْ قَضَتْهُ مَفْصُولًا صَامَتْ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا بَيَّنَّا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ كَامِلًا، فَإِنْ كَانَ نَاقِصًا وَعَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ بِاللَّيْلِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ، فَإِنْ وَصَلَتْ قَضَتْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَإِنْ فَصَلَتْ صَامَتْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَأَمَّا إنْ حَجَّتْ فَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فَسَدَ مِنْ صَوْمِهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا) الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ أَوَّلَ زَائِدَةٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَبَيَانُ مَا قَالَهُ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَقْتَ الزَّوَالِ مَثَلًا فَآخِرُهُ يَكُونُ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الْحَادِيَ عَشَرَ وَطُهْرُهَا يَكُونُ مِنْ وَقْتئِذٍ إلَى زَوَالِ الْيَوْمِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَهَذَا الْيَوْمُ يَحْتَمِلُ طُرُوءَ الْحَيْضِ فِيهِ فَيَفْسُدُ صَوْمُهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَوَّلِهِ وَخَمْسَةٍ مِنْ آخِرِهِ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْحَيْضِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلُ فَيُحْكَمُ بِفَسَادِ خَمْسَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ آخِرِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تَطْهُرُ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنْ شَوَّالٍ فَإِذَا قَضَتْهُ مَوْصُولًا تَقْضِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ هُوَ السَّادِسُ مِنْ حَيْضِهَا فَلَا تَصُومُهُ ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا صَوْمُ خَمْسَةٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ يُجْزِئُ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَعْدَهَا، ثُمَّ لَا يُجْزِئُ فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُ فِي يَوْمَيْنِ فَالْجُمْلَةُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَلْزَمُهَا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ قُلْتُ: وَمُقْتَضَى مَا مَرَّ أَنْ تَقْضِيَ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهَا بِنَاءً عَلَيْهِ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَوْمُ الْفِطْرِ ثَانِي يَوْمٍ مِنْ طُهْرِهَا فَلَا تَصُومُ فِيهِ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي ثَلَاثَةٍ بَعْدَهَا فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَكَانَ الْأَصْلُ إنْ يُجْزِئُهَا ذَلِكَ وَلَكِنْ الِاحْتِيَاطُ الْأَوَّلُ لِاحْتِمَالِ التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا وَبِالْأَوَّلِ تَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَصَلَتْ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُحِيطِ إنْ وَصَلَتْ قَضَتْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِجَوَازِ الصَّوْمِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَبِفَسَادِهِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا الصَّوْمُ فِي سَبْعَةٍ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ حَيْضِهَا فَيُجْزِئُهَا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَلَا يُجْزِئُهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي يَوْمٍ فَجُمْلَتُهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَإِنْ فَصَلَتْ قَضَتْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ لِجَوَازِ أَنْ يُوَافِقَ ابْتِدَاءُ صَوْمِهَا ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا فَلَا يُجْزِئُهَا الصَّوْمُ فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ لَا يُجْزِئُهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ يُجْزِئُهَا فِي يَوْمٍ فَجُمْلَتُهُ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنْ وَصَلَتْ تَقْضِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَقْصِدِ الطَّالِبِ مَعْزُوًّا لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَهِيَ لَا تَصُومُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. قُلْتُ: وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ سَقَطًا أَوْ تَحْرِيفًا وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَعَلِمْت أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا كَانَ بِالنَّهَارِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَاجَعْت التَّتَارْخَانِيَّة فَوَجَدْته ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا فِيمَا إذَا عَلِمْت أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِالنَّهَارِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ بِاللَّيْلِ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ بَعْدَ الْفِطْرِ إذَا وَصَلَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَإِذَا فَصَلَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَعَزَاهُ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ فَثَبَتَ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ سَقَطًا وَرَأَيْت فِيهَا التَّعْبِيرَ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مُوَافِقًا لِمَا نَقَلْنَاهُ أَوَّلًا عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَقْضِي عِشْرِينَ إذَا وَصَلَتْ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَحِيضَ خَمْسَةً فِي أَوَّلِهِ وَتِسْعَةً فِي آخِرِهِ أَوْ عَشَرَةً فِي أَوَّلِهِ وَأَرْبَعَةً فِي آخِرِهِ أَوْ تَحِيضُ فِي أَثْنَائِهِ بِأَنْ حَاضَتْ لَيْلَةَ السَّادِسِ وَطَهُرَتْ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشَرَ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَقْضِي فِي شَوَّالٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَفِي الثَّانِي عَشْرًا وَفِي الثَّالِثِ عِشْرِينَ فَقُلْنَا بِالْأَخِيرِ احْتِيَاطًا وَبَيَانُهُ عَلَى مَا صَوَّرْنَاهُ أَنَّهَا صَامَتْ مِنْ أَوَّلِهِ خَمْسَةً وَمِنْ آخِرِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَوْمُهَا فِيهَا صَحِيحٌ وَيَوْمُ الْفِطْرِ آخِرُ طُهْرِهَا فَإِذَا قَضَتْ الْعَشَرَةَ مَوْصُولَةً اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْقَضَاءِ أَوَّلَ الْحَيْضِ فَتَصُومُ عَشَرَةً أُخْرَى، وَقَدْ رَأَيْت رِسَالَةً لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدٍ الْبِرْكَوِيِّ فِي الْحَيْضِ ذَكَرَ فِيهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُلَخَّصَةً مُحَرَّرَةً فَأَحْبَبْت ذِكْرَ عِبَارَتِهِ لِجَمْعِهَا لِحَاصِلِ مَا مَرَّ وَهِيَ ثُمَّ إنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ دَوْرَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَأَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ أَوْ عَلِمْت أَنَّهُ بِالنَّهَارِ وَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا إنْ قَضَتْ مَوْصُولًا بِرَمَضَانَ وَإِنْ مَفْصُولًا فَثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ وَإِنْ كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَفِي الْفَصْلِ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا بِاللَّيْلِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ ثَلَاثُونَ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَإِنْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ تَقْضِي فِي الْوَصْلِ عِشْرِينَ وَفِي الْفَصْلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ إنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَأَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِالنَّهَارِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ تَقْضِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مُطْلَقًا أَيْ وَصَلَتْ أَوْ فَصَلَتْ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ بِاللَّيْلِ تَقْضِي عِشْرِينَ مُطْلَقًا. اهـ.

[الحكم فيما لو زاد الدم على أكثر الحيض والنفاس]

تَأْتِي بِطَوَافِ التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَتَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ، ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشَرَةٍ وَتَطُوفُ لِلصَّدْرِ وَلَا تُعِيدُهُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَقَدْ سَقَطَ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا تَجَنُّبًا عَنْ وُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ وَلَا يَطَؤُهَا بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِي بَابِ الْفُرُوجِ لَا يَجُوزُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّحَرِّي فِي بَابِ الْجَوَارِي وَقَالَ مَشَايِخُنَا لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى؛ لِأَنَّ زَمَانَ الطُّهْرِ أَكْثَرُ فَتَكُونُ الْغَلَبَةُ لِلْحَلَالِ وَعِنْدَ غَلَبَةِ الْحَلَالِ يَجُوزُ التَّحَرِّي كَمَا فِي الْمَسَالِيخِ إذَا غَلَبَ الْحَلَالُ مِنْهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ مَعَ حَذْفٍ لِلْبَعْضِ وَمَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا كَتَبْنَاهُ فَلْيُرَاجِعْهُ وَأَمَّا حُكْمُ الْعِدَّةِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهَا طُهْرًا وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَجُوزُ إلَّا تَوْقِيفًا وَالْعَامَّةُ قَدَّرُوهُ بِسَنَةٍ وَالْمَيْدَانِيُّ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَلُّ مِنْ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ عَادَةً فَنَقَصْنَا عَنْهُ سَاعَةً لِتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوَّلَ الطُّهْرِ وَبَحَثَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي زِيَادَةُ عَشَرَةٍ لِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَجَوَابُهُ بِمِثْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ شَهْرَانِ وَاخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَمَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا اسْتِحَاضَةٌ) ؛ لِأَنَّ مَا رَأَتْهُ فِي أَيَّامِهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ اسْتِحَاضَةٌ بِيَقِينٍ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَا قَبْلَهُ فَيَكُونَ حَيْضًا فَلَا تُصَلِّيَ وَبَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَا بَعْدَهُ فَيَكُونَ اسْتِحَاضَةً فَتُصَلِّيَ فَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِالشَّكِّ فَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ فِي الْحَيْضِ حَتَّى إذَا كَانَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَتِسْعُ لَيَالٍ، ثُمَّ زَادَ الدَّمُ فَإِنَّهُ حَيْضٌ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى لَيْلَةِ الْحَادِيَ عَشَرَ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَهَلْ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الزِّيَادَةَ قِيلَ لَا إذْ لَمْ تَتَيَقَّنْ بِكَوْنِهِ حَيْضًا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ وَقِيلَ نَعَمْ اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ وَكَوْنُهُ اسْتِحَاضَةٌ بِكَوْنِهِ عَنْ دَاءٍ وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا فِي النِّفَاسِ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهَا أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ أَوْ بِالطُّهْرِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِالطُّهْرِ فَلَا؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى خَتْمَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ وَمُحَمَّدٌ لَا يَرَى ذَلِكَ وَبَيَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي النِّفَاسِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَانْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَطَهُرَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ تَمَامَ عَادَتِهَا فَصَلَّتْ وَصَامَتْ، ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ ذَكَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ وَلَا يُجْزِئُهَا صَوْمُهَا فِي الْعَشَرَةِ الَّتِي صَامَتْ فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ يَسْتَقِيمُ فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ فَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَنِفَاسُهَا عِنْدَهُ عِشْرُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ شَهْرَانِ إلَخْ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الشَّهْرَيْنِ عَادَةً إذْ الْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِذَا طَهُرَتْ شَهْرَيْنِ فَقَدْ طَهُرَتْ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا وَالْعَادَةُ تَنْتَقِلُ بِمَرَّتَيْنِ فَصَارَ ذَلِكَ الطُّهْرُ عَادَةً لَهَا فَوَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي. اهـ. قَالَ فِي الشرنبلالية فَعَلَى هَذَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثِ حَيْضَاتٍ بِشَهْرٍ. اهـ. لَكِنْ فِي السِّرَاجِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِشَهْرَيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ إلَّا سَاعَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ فَلَا يَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَتَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ إلَّا سَاعَةً وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي مَضَتْ مِنْ الْحَيْضِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ. اهـ. وَقَدْ نَبَّهْنَاك عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا يَجْرِي فِي الْمُعْتَادَةِ الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَلَا تَغْفُلْ. [الْحُكْمِ فِيمَا لَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ] (قَوْلُهُ فَلَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ بِالشَّكِّ إلَخْ) يَعْنِي لَا تَتْرُكْ قَضَاءَهَا بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا رَأَتْ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ سِوَى الْقَضَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ تَتْرُك إلَخْ وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ حَكَمَ أَوَّلًا أَنَّهَا لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ وَثَانِيًا رَدَّدَ وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ وَبِالثَّانِي الْأَدَاءُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ النِّهَايَةِ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ نَاقِلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ فَلَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ فِيهِ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا تَتْرُكْ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَكَانَ إلْحَاقُهُ بِمَا بَعْدَهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الِاسْتِحَاضَةُ مُتَّصِلًا بِهِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُعْتَادَةِ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَجَاوَزَ الدَّمُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَادَةً بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا فَرَأَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ أَيْضًا دَمًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ إلَّا فِي الْوَقْتِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَرَأَتْ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ إلَخْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قُلْنَا فَتَأَمَّلْ

يَوْمًا فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْ فِي الْعَشَرَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْعِشْرِينَ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَكْثَرِ فَالْكُلُّ حَيْضٌ اتِّفَاقًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَرَأَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ السَّادِسَ حَيْضٌ أَيْضًا، فَإِنْ طَهُرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ وَالْيَوْمُ السَّادِسُ اسْتِحَاضَةٌ فَتَقْضِي مَا تَرَكَتْهُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً لَهَا أَوْ لَا إلَّا إنْ رَأَتْ فِي الثَّانِي كَذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى نَقْلِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ أَوْ لَا فَعِنْدَهُمَا لَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَعَمْ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَا لَوْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مَا رَأَتْهُ آخِرًا وَعِنْدَهُمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَا إذَا رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا فَإِنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِثْلَهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ حَيْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَقَالَا حَيْضٌ؛ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى نَقْضَ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَمُحَمَّدٌ يَرَى الْإِبْدَالَ إنْ أَمْكَنَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي فِيمَا إذَا رَأَتْ يَوْمَيْنِ وَيَوْمًا قَبْلَهَا وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ رَأَتْ صَاحِبَةُ الْعَادَةِ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا أَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا لَكِنْ إذَا جُمِعَا كَانَ حَيْضًا أَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَمْ تَرَ فِي أَيَّامِهَا شَيْئًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى الشَّهْرِ الثَّانِي، فَإِنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مَا رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ حَيْضًا غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ، وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ وَيُجْعَلُ مَا قَبْلَ أَيَّامِهَا تَبَعًا لِأَيَّامِهَا وَلَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا وَفِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُتَأَخِّرِ غَيْرَ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ فَالْكُلُّ حَيْضٌ اتِّفَاقًا أَيْ ذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِيرُ عَادَةً لَهَا أَوْ لَا يَصِيرُ إلَّا أَنْ تَرَاهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) كَذَا ذَكَرَ النَّظَرَ أَخُو الْمُصَنِّفِ صَاحِبُ النَّهْرِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قُلْتُ: هَذَا غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُحَقِّقُ إنَّمَا هُوَ فِي ثَمَرَةِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَالطَّرَفَيْنِ وَمَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ هُوَ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالصَّاحِبَيْنِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ إنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْعَشَرَةَ فَالْكُلُّ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ الزِّيَادَةِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْعَادَةِ وَيَتَجَاوَزَ الطُّهْرَ ثَمَرَةٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَأْبَاهُ قَوْلُهُ إنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِثْلَهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ حَيْضٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي فِيمَا إذَا رَأَتْ يَوْمَيْنِ فِيهَا وَيَوْمًا قَبْلَهَا فَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَحَيْضًا عِنْدَهُمَا الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي كِتَابِهِ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَةِ فَقَالَ الْمَرْأَةُ إذَا رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا أَيْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَقَبْلَ أَيَّامِهَا كَذَلِكَ وَبِالْجَمْعِ يَتِمُّ ثَلَاثًا فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِثْلَهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ حَيْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَقَالَا الْمَجْمُوعُ حَيْضٌ لَهُمَا أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي أَيَّامِهَا وَإِنْ قَلَّ أَصْلُهُ فَيَسْتَتْبِعُ مَا قَبْلَهُ وَلِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى نَقْضَ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمُحَمَّدًا يَرَى الْإِبْدَالَ إذَا أَمْكَنَ وَلَهُ أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي أَيَّامِهَا لَيْسَ بِنِصَابٍ فَلَا يَسْتَتْبِعُ مَا قَبْلَهُ وَلَا وَجْهَ لِنَقْضِ الْعَادَةِ إلَّا بِالْإِعَادَةِ عَلَى مَا عُرِفَ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ النَّسَفِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي بَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ وَلَوْ رَأَتْ مَا لَا يَكُونَ حَيْضًا فِي وَقْتِهَا وَقَبْلَ ذَاكَ أَيْضًا وَيَبْلُغُ الثَّلَاثَ ذَاكَ الْفَيْضُ فَالْحَالُ مَوْقُوفٌ وَقَالَا حَيْضٌ قَالَ فِي الْمُصَفَّى وَتَفْسِيرُ التَّوَقُّفِ أَنْ لَا تُصَلِّيَ وَلَا تَصُومَ. اهـ. (قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إلَخْ) قَالَ فِي السِّرَاجِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ عَادَةً مَا لَمْ تَرَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِثْلَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ عَادَةً (قَوْلُهُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ) قَالَ فِي السِّرَاجِ وَذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: أَمَّا الْمَرْئِيُّ فِي أَيَّامِهَا فَحَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ وَالْمَرْئِيُّ قَبْلَ أَيَّامِهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ هُوَ حَيْضٌ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ مَوْقُوفٌ حَتَّى تَرَى فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِثْلَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُتَأَخِّرِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الِانْتِقَالُ فِي الْمَكَانِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَشْرُ مَسَائِلَ خَمْسٌ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَيَّامِهَا وَخَمْسٌ فِي الْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا فَالْخَمْسُ فِي الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَهَا مُسْتَوْفَاةً، وَأَمَّا الْخَمْسُ فِي الْمُتَأَخِّرِ فَبَيَانُهَا عَلَى مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ وَبَعْدَهَا مَا لَا يَكُونُ فَالْكُلُّ حَيْضٌ وَإِنْ رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ وَبَعْدَهَا مَا يَكُونُ إنْ رَأَتْ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا وَلَمْ يَتَجَاوَزْ الْعَشَرَةَ فَالْكُلُّ حَيْضٌ وَإِنْ تَجَاوَزَ رُدَّتْ إلَى عَادَتِهَا وَمَا زَادَ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ وَلَمْ تَرَ فِي أَيَّامِهَا شَيْئًا أَوْ رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ وَبَعْدَهَا مَا يَكُونُ أَوْ رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ وَبَعْدَهَا مَا لَا يَكُونُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا:

[حيض المبتدأة ونفاسها]

أَيَّامِهَا مَا يَكُونُ حَيْضًا وَبَعْدَ أَيَّامِهَا مَا لَا يَكُونُ حَيْضًا يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْإِبْدَالَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَطَالَ فِيهِ فَمَنْ رَامَهُ فَلْيُرَاجِعْهَا وَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ انْتِقَالُ الْعَادَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ انْقَطَعَ دُونَ عَادَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْعَادَةُ كَمَا تَنْتَقِلُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ الْمُخَالِفِ لِلدَّمِ الْمَرْئِيِّ فِي أَيَّامِهَا مَرَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ تَنْتَقِلُ بِطُهْرِ أَيَّامِهَا مَرَّتَيْنِ قَيَّدَ بِكَوْنِهَا مُعْتَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَنْ كَانَتْ تَرَى شَهْرًا سِتًّا وَتَرَى شَهْرًا سَبْعًا فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالرَّجْعَةِ بِالْأَقَلِّ وَفِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْغَشَيَانِ بِالْأَكْثَرِ فَعَلَيْهَا إذَا رَأَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ فِي الِاسْتِمْرَارِ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِتَمَامِ السَّادِسِ وَتُصَلِّي فِيهِ وَتَصُومُ إنْ كَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّابِعُ حَيْضًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا فَوَجَبَ احْتِيَاطًا فَإِذَا جَاءَ الثَّامِنُ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ثَانِيًا وَتَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي صَامَتْهُ فِي السَّابِعِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَائِضًا فِيهِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَحَاضَتْ سِتَّةً، ثُمَّ حَاضَتْ أُخْرَى سَبْعَةً، ثُمَّ حَاضَتْ أُخْرَى سِتَّةً فَعَادَتُهَا سِتَّةً بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يُبْنَى الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبْنَى الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَقَدْ رَأَتْ السِّتَّةَ مَرَّتَيْنِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمَبْسُوطِ وَمِنْهُمْ كَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَالْمُصَفَّى جَعَلَ هَذَا نَظِيرَ الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ وَأَنَّهَا نَوْعَانِ أَصْلِيَّةٌ وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ أَوْ أَكْثَرَ وَإِنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهَا وَالْجَعْلِيَّةُ تَنْتَقِلُ بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ مَرَّةً وَاحِدَةً اتِّفَاقًا وَهِيَ أَنْ تَرَى أَطْهَارًا مُخْتَلِفَةً وَدِمَاءً مُخْتَلِفَةً بِأَنْ رَأَتْ فِي الِابْتِدَاءِ خَمْسَةً دَمًا وَسَبْعَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ أَرْبَعَةً وَسِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ ثَلَاثَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ يُبْنَى عَلَى أَوْسَطِ الْأَعْدَادِ فَتَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ أَرْبَعَةً وَتُصَلِّي سِتَّةَ عَشَرَ وَذَلِكَ دَأْبُهَا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مُزَاحِمٍ تَبْنِي عَلَى أَقَلِّ الْمَرْئِيَّيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَتَدَعُ ثَلَاثَةً وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذِهِ عَادَتُهَا جَعْلِيَّةٌ لَهَا فِي زَمَنِ الِاسْتِمْرَارِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَعْلِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ عَادَةً لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعَادَةِ الْجَعْلِيَّةِ إذَا طَرَأَتْ عَلَى الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ هَلْ تُنْتَقَضُ الْأَصْلِيَّةُ قَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ لَا؛ لِأَنَّهَا دُونَهَا وَقَالَ أَئِمَّةُ بُخَارَى نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَتَكَرَّرَ فِي الْجَعْلِيَّةِ خِلَافَ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِيَّةِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى كَانَتْ عَادَتُهَا الْأَصْلِيَّةُ فِي الْحَيْضِ خَمْسَةً فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ الْجَعْلِيَّةُ إلَّا بِرُؤْيَةِ سِتَّةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَيَتَكَرَّرُ فِيهَا خِلَافُ الْعَادَةِ الْأَصْلِيَّةِ مِرَارًا فَالْعَادَةُ الْأَصْلِيَّةُ تَنْتَقِلُ بِالتَّكْرَارِ بِخِلَافِهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْعَادَةُ تَنْتَقِلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ مَكَانِهَا مَرَّةً وَبِطُهْرٍ صَحِيحٍ صَالِحٍ لِنَصْبِ الْعَادَةِ يُخَالِفُ الْأَوَّلَ مَرَّةً وَدَمٌ صَالِحٌ مُخَالِفٌ مَرَّةً وَعِنْدَهُمَا بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُبْتَدَأَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ) أَيْ لَوْ كَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً أَوْ مَعَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ فَحَيْضُهَا وَنِفَاسُهَا الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ فَلَا يُحْكَمُ بِالْعَارِضِ إلَّا بِيَقِينٍ وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ عَلَى الصَّحِيحِ كَصَاحِبَةِ الْعَادَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ مَا لَمْ تَسْتَمِرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَتَثْبُتُ عَادَةُ هَذِهِ الْمُبْتَدَأَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَإِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ خَمْسَةً، ثُمَّ تُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ وَذَلِكَ عَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ عَنْ حَالَةِ الصِّغَرِ فِي النِّسَاءِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْمُعْتَادَةِ، ثُمَّ الْعَادَةُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ أَيْضًا نَوْعَانِ أَصْلِيَّةٌ وَجَعْلِيَّةٌ فَالْأُولَى عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنَّ الْحُكْمَ مَوْقُوفٌ كَمَا قَالَ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَيَّامِهَا وَفِي رِوَايَةٍ يَكُونُ حَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَا يَكُونُ عَادَةً وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَكُونُ عَادَةً. اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَأَنَّ الصَّوَابَ اسْتِثْنَاءُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى وَتَقْيِيدُهَا بِأَنْ لَا تَتَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ. (قَوْلُهُ: يَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ الْإِمَامِ) أَيْ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى أَنْ تَرَى مِثْلَهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَبِهَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ السِّرَاجِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي وَجْهِ النَّظَرِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ سَاقِطٌ أَصْلًا فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ: كَذَا فِي السِّرَاجِ) أَقُولُ: ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ أَوَّلًا أَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ، ثُمَّ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إذَا رَأَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى مَا تَوَالَى عَلَيْهِ الدَّمُ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا دُونَ عَادَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. اهـ. فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ. . (قَوْلُهُ: وَأَنَّهَا نَوْعَانِ) أَيْ جَعَلَ الْعَادَةَ مُطْلَقًا نَوْعَيْنِ: أَصْلِيَّةٌ وَهِيَ أَنْ تَرَى دَمَيْنِ إلَخْ. وَجَعْلِيَّةٌ وَهِيَ أَنْ تَرَى أَطْهَارًا إلَخْ. وَقَوْلُهُ وَأَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهَا أَيْ الْخِلَافُ السَّابِقُ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي نَقْلِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ أَوْ لَا كَذَا يُفْهَمُ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ [حَيْض الْمُبْتَدَأَة وَنِفَاسهَا] (قَوْلُهُ: وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ) أَيْ الْمُبْتَدَأَةُ. (قَوْلُهُ: لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ

وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَرَى دَمَيْنِ خَالِصَيْنِ وَطُهْرَيْنِ خَالِصَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ بِأَنْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ عَادَةً أَصْلِيَّةً لَهَا بِالتَّكْرَارِ، وَالثَّانِي أَنْ تَرَى دَمَيْنِ وَطُهْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِأَنْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا وَسِتَّةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيَّامُ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا مَا رَأَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِمَا فَقِيلَ عَادَتُهَا مَا رَأَتْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَقِيلَ عَادَتُهَا أَقَلُّ الْمَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ مَوْجُودٌ فِي الْأَكْثَرِ فَيَتَكَرَّرُ الْأَقَلُّ مَعْنًى، وَأَمَّا الْعَادَةُ الْجَعْلِيَّةُ فَهِيَ أَنْ تَرَى ثَلَاثَةَ دِمَاءٍ وَأَطْهَارٍ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ بِهَا بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا وَسَبْعَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا وَسِتَّةَ عَشَرَ طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَاخْتَلَفُوا فَقِيلَ عَادَتُهَا أَوْسَطُ الْأَعْدَادِ فَتَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ أَرْبَعَةً وَتُصَلِّي سِتَّةَ عَشَرَ وَقِيلَ أَقَلُّ الْمَرْئِيَّيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فَتَدَعُ مِنْ أَوَّلِ الِاسْتِمْرَارِ ثَلَاثَةً وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَوْ رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا وَسِتَّةَ عَشَرَ طُهْرًا وَخَمْسَةً دَمًا وَسَبْعَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعَادَتُهَا أَرْبَعَةٌ فِي الدَّمِ وَسِتَّةَ عَشَرَ فِي الطُّهْرِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ الْمَرْئِيَّيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَأَوْسَطُ الْأَعْدَادِ وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَأَرْبَعَةً دَمًا وَسِتَّةَ عَشَرَ طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا فَإِنَّ عَادَتَهَا ثَلَاثَةٌ فِي الدَّمِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ فِي الطُّهْرِ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا مَا رَأَتْهُ آخِرًا مَضْمُومًا إلَى مَا رَأَتْهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ بِالتَّكْرَارِ فَصَارَ عَادَةً جَعْلِيَّةً لَهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَبَقِيَّةُ مَسَائِلِ الْمُبْتَدَأَةِ مَذْكُورَةٌ فِيهِ فَمَنْ رَامَهَا فَلْيُرَاجِعْهُ وَلِخَوْفِ الْإِطَالَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْمَلَلِ لَمْ نُورِدْهَا وَأَطْلَقَ الْعَشَرَةَ فَشَمَلَ الْأُولَى وَالْوُسْطَى وَالْأَخِيرَةَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ. (قَوْلُهُ: وَتَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ أَوْ رُعَافٌ دَائِمٌ أَوْ جُرْحٌ لَا يَرْقَأُ لِوَقْتِ كُلِّ فَرْضٍ) لَمَّا كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ وُقُوعًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ الِاسْتِحَاضَةَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ النِّفَاسِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً بِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ حَالَةَ الْحَبَلِ أَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ أَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَادَتِهَا وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ أَوْ رَأَتْ مَا دُونَ الثَّلَاثِ أَوْ رَأَتْ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ أَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَكَذَا مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِحَاضَةِ إذَا زَادَ الدَّمُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ أَوْ زَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَكَذَا مَا تَرَاهُ الْآيِسَةُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ فَإِنَّ سَبَبَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَدَّمَ حُكْمَ الِاسْتِحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا عَلَى تَفْرِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْحُكْمِ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ اسْمٌ لِدَمٍ خَارِجٍ مِنْ الْفَرْجِ دُونَ الرَّحِمِ وَعَلَامَتُهُ أَنَّهُ لَا رَائِحَةَ لَهُ وَدَمُ الْحَيْضِ مُنْتِنُ الرَّائِحَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ وَالرُّعَافُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ وَالْجُرْحِ الَّذِي لَا يَرْقَأُ أَيْ الَّذِي لَا يَسْكُنُ دَمُهُ مِنْ رَقَأَ الدَّمُ سَكَنَ، وَإِنَّمَا كَانَ وُضُوءُهَا لِوَقْتِ كُلِّ فَرْضٍ لَا لِكُلِّ صَلَاةٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثُ «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» مَحْمُولٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْوَقْتِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ رَعَفَ أَوْ سَالَ مِنْ جُرْحِهِ دَمٌ يَنْتَظِرُ آخِرَ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى وَانْقَطَعَ الدَّمُ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ إلَى وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى تَوَضَّأَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ جَازَتْ الصَّلَاةُ. اهـ. وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ وَقَيَّدَ بِالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِنْجَاءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَفِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا تَبْقَى طَهَارَةُ صَاحِبِ الْعُذْرِ فِي الْوَقْتِ إذَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، أَمَّا إذَا أَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ فَلَا تَبْقَى كَمَا إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ أَحَدِ مَنْخِرَيْهِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَالَ مِنْ الْمَنْخِرِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الطَّهَارَةِ، فَأَمَّا إذَا سَالَ مِنْهُمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQبِزِيَادَةٍ إلَّا وَلَمْ أَرَهَا فِي غَيْرِهَا وَالصَّوَابُ مَا هُنَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيَّامُ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا مَا رَأَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) صَوَابُهُ آخِرَ مَرَّةٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ مُعَلَّلًا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعَادَةُ تَنْتَقِلُ بِرُؤْيَةِ الْمُخَالِفِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (قَوْلُهُ: رَجُلٌ رَعَفَ أَوْ سَالَ إلَخْ) يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّ حِصَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ صَاحِبَ عُذْرٍ لِعَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ وَقْتًا كَامِلًا، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ يَقْضِي هَذِهِ الصَّلَاةَ لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ وَدَامَ إلَى وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ السِّرَاجِ قُبَيْلَ النِّفَاسِ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْعُذْرَ حَصَلَ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ. اهـ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ

جَمِيعًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ انْقَطَعَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَيُصَلُّونَ بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا) أَيْ يُصَلِّي أَرْبَابُ الْأَعْذَارِ بِوُضُوئِهِمْ مَا شَاءُوا فَرْضًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا فَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ (فُرُوعٌ) وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْجُرْحِ أَنْ يَرْبِطَهُ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ وَلَوْ سَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ إذَا كَانَ مُفِيدًا بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ يُصِيبُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى أَجْزَأَهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا، وَقِيلَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَصْلًا وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُخْتَارُ مَا فِي النَّوَازِلِ إنْ كَانَ لَوْ غَسَلَهُ تَنَجَّسَ ثَانِيًا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ جَازَ أَنْ لَا يَغْسِلَهُ وَإِلَّا فَلَا وَمَتَى قَدَرَ الْمَعْذُورُ عَلَى رَدِّ السَّيَلَانِ بِرِبَاطٍ أَوْ حَشْوٍ أَوْ كَانَ لَوْ جَلَسَ لَا يَسِيلُ وَلَوْ قَامَ سَالَ وَجَبَ رَدُّهُ وَخَرَجَ بِرَدِّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ إذَا مُنِعَتْ الدُّرُورَ فَإِنَّهَا حَائِضٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا احْتَشَتْ قِيلَ كَصَاحِبِ الْعُذْرِ وَقِيلَ كَالْحَائِضِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا بِإِيمَاءٍ إنْ سَالَ بِالْمَيَلَانِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَعَهُ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ فَكَانَ صَاحِبَ عُذْرَيْنِ وَالْمَأْمُومُ صَاحِبُ عُذْرٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ يَسِيلُ دَمْعُهَا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ وَقْتٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَدِيدًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ نَعَمْ إذَا عَلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ عَلَامَاتٍ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِأَنَّهُ صَاحِبُ عُذْرٍ فَكَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ (قَوْلُهُ وَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَقَطْ) أَيْ وَلَا يَبْطُلُ بِدُخُولِهِ وَمُرَادُهُ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَإِضَافَةُ الْبُطْلَانِ إلَى الْخُرُوجِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ فِي الِانْتِقَاضِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوُضُوءِ أَوْ اللُّبْسِ وَلَا الْبِنَاءُ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَظُهُورُ الْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ مُقْتَصِرٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا لَوْ شَرَعَ صَاحِبُ الْعُذْرِ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ كَانَ ظُهُورُهُ مُسْتَنِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِظُهُورِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدَثَ مَحْكُومٌ بِارْتِفَاعِهِ إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَظْهَرُ عِنْدَهَا مُقْتَصِرٌ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ قِيَامُهُ شَرْعًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَنْ حَقَّقَ أَنَّهُ اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ لَمْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ إذَا تَوَضَّأَ عَلَى السَّيَلَانِ أَوْ وَجَدَ السَّيَلَانَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ إلَخْ) لَمْ يُعْهَدْ مِنْ أَئِمَّتِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إطْلَاقُ النَّفْلِ عَلَى مَا يَعُمُّ الْوَاجِبَ بَلْ عُهِدَ مِنْهُمْ إطْلَاقُ الْفَرْضِ عَلَى مَا يَعُمُّهُ كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْوُضُوءِ وَفَرْضُهُ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ الْفَرْضَ عَلَى الْوَاجِبِ فَالْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ فَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا لَزِمَ فِعْلُهُ لِيَعُمَّ الْوَاجِبَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقِيلَ كَالْحَائِضِ) جَزَمَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِالْأَوَّلِ وَعِبَارَتُهُ إذَا قَدَرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ أَوْ ذُو الْجُرْحِ أَوْ الْمُفْتَصِدُ عَلَى مَنْعِ دَمٍ بِرَبْطٍ وَعَنْ مَنْعِ النَّشِّ بِخِرْقَةِ الرَّبْطِ لَزِمَ وَكَانَ كَالْأَصِحَّاءِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِ النَّشِّ فَهُوَ ذُو عُذْرٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ حَيْثُ لَا تَخْرُجُ بِالرَّبْطِ عَنْ كَوْنِهَا حَائِضًا. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ: صَاحِبُ الْعُذْرِ إذَا مَنَعَ الدَّمَ عَنْ الْخُرُوجِ بِعِلَاجٍ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الْمُفْتَصِدُ لَا يَكُونُ صَاحِبَ عُذْرٍ بِخِلَافِ الْحَائِضِ إذَا احْتَشَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَائِضًا. اهـ. وَفِي قَوْلِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الْمُفْتَصِدُ إلَخْ شَاهِدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ كَيِّ الْحِمَّصَةِ لَا يَكُونُ صَاحِبَ عُذْرٍ بَلْ يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ الْخَارِجِ إنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةُ السَّيَلَانِ بِنَفْسِهِ يَكُونُ نَجَسًا نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ وَيَلْزَمُهُ غَسْلُهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ حَالَةَ سَيَلَانِهِ وَلَوْ اسْتَوْعَبَ وَقْتًا كَامِلًا وَإِلَّا فَلَا يَنْقُضُ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ أَصَابَ مَائِعًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ إلَخْ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُبْطِلَ لَيْسَ مُجَرَّدُ خُرُوجِ الْوَقْتِ بَلْ هُوَ مَعَ السَّيَلَانِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ كَانَ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَازَ لَهَا أَنْ تَبْنِيَ وَهَذَا لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ عَيَّنَهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ تُنْتَقَضُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِسَيَلَانٍ مُقَارِنٍ لِلطَّهَارَةِ أَوْ مَوْجُودٍ بَعْدَهُ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، ثُمَّ قَالَ وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ النَّاقِضَ لِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ شَيْئَانِ سَيَلَانُ الدَّمِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ، ثُمَّ لَوْ تَجَرَّدَ سَيَلَانُ الدَّمِ عَنْ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا وَكَذَلِكَ إذَا تَجَرَّدَ خُرُوجُ الْوَقْتِ عَنْ سَيَلَانِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ. اهـ. كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك فِي كَلَامِ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْحَصْكَفِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ وَالْمَعْذُورُ إنَّمَا تَبْقَى طَهَارَتُهُ فِي الْوَقْتِ بِشَرْطَيْنِ إذَا تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ، أَمَّا إذَا تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ آخَرَ وَعُذْرُهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ سَالَ أَوْ تَوَضَّأَ لِعُذْرِهِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ حَدَثٌ آخَرُ

الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ مَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ أَوْ يَسِيلُ دَمُهَا وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَوْ لِعِيدٍ أَوْ ضُحًى عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا تَنْتَقِضُ إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ لَا بِدُخُولِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الطُّلُوعِ انْتَقَضَ بِالطُّلُوعِ اتِّفَاقًا خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لِلْعَصْرِ بَطَلَ بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ لَا بِالدُّخُولِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَيِّهِمَا وُجِدَ وَعِنْدَ زُفَرَ بِالدُّخُولِ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِمْ وَقْتُ فَرْضٍ إلَّا وَذَلِكَ الْحَدَثُ يُوجَدُ فِيهِ) أَيْ وَحُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْعُذْرِ يَبْقَى إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَى أَصْحَابِهِمَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ وَلَوْ قَلِيلًا حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ وَقْتًا كَامِلًا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عُذْرًا قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ شَرْط الْبَقَاءَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً بِأَنْ يَسْتَوْعِبَ وَقْتًا كَامِلًا، كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي النِّهَايَةِ يُشْتَرَطُ فِي الِابْتِدَاءِ دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالسُّقُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَنْقَطِعَ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ حَمِيدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ فَالشَّرْطُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ مُسْتَغْرِقًا جَمِيعَ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ كُلَّ الْوَقْتِ لَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ انْقَطَعَ فِي الْوَقْتِ زَمَنًا يَسِيرًا لَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَفِي الْكَافِي مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ وَفِي التَّبْيِينِ أَنَّ الْأَظْهَرَ خِلَافُ مَا فِي الْكَافِي وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَا فِي الْكَافِي يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِمَا فِي غَيْرِهِ إذْ قَلَّ مَا يَسْتَمِرُّ كَمَالُ وَقْتٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ لَحْظَةً فَيُؤَدِّي إلَى نَفْيِ تَحَقُّقِهِ إلَّا فِي الْإِمْكَانِ بِخِلَافِ جَانِبِ الصِّحَّةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَدُومُ انْقِطَاعُهُ وَقْتًا كَامِلًا وَهُوَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِمُنْلَا خُسْرو لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي بِدَلِيلِ أَنَّ شُرَّاحَ الْجَامِعِ الْخَلَّاطِيِّ قَالُوا فِي شَرْحِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعُذْرِ يَثْبُتُ بِاسْتِيعَابِ الْوَقْتِ كَالثُّبُوتِ إنَّ الِانْقِطَاعَ الْكَامِلَ مُعْتَبَرٌ فِي إبْطَالِ رُخْصَةِ الْمَعْذُورِ وَالْقَاصِرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إجْمَاعًا فَاحْتِيجَ إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ فَقَدَّرْنَا بِوَقْتِ الصَّلَاةِ كَمَا قَدَّرْنَا بِهِ ثُبُوتَ الْعُذْرِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ ابْتِدَاءً إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ زَمَانًا يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَيُصَلِّي خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ ابْتِدَاءً مَنْ اسْتَوْعَبَ عُذْرُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلَاةٍ وَلَوْ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الْيَسِيرَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ وَفِي الْبَقَاءِ مَنْ وُجِدَ عُذْرُهُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وَفِي الزَّوَالِ يُشْتَرَطُ اسْتِيعَابُ الِانْقِطَاعِ حَقِيقَةً وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وُضُوءَانِ كَامِلٌ وَنَاقِصٌ فَالْكَامِلُ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ فَهَذِهِ لَا يَضُرُّهَا خُرُوجُ الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَسِلْ إلَى خُرُوجِهِ، وَالنَّاقِصُ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَهُوَ سَائِلٌ فَهَذِهِ يَضُرُّهَا خُرُوجُهُ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا وَلَهَا انْقِطَاعَانِ كَامِلٌ وَنَاقِصٌ فَالْكَامِلُ أَنْ يَنْقَطِعَ وَقْتًا كَامِلًا فَهَذَا يُوجِبُ الزَّوَالَ وَيَمْنَعُ اتِّصَالَ الدَّمِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، وَالنَّاقِصُ أَنْ يَنْقَطِعَ دُونَهُ فَهَذَا لَا يُزِيلُهُ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ وَبَيَانُهُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَدَمُهَا سَائِلٌ فَتَوَضَّأَتْ عَلَى السَّيَلَانِ، ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ فَأَفْسَدَهُ خُرُوجُ الْوَقْتِ، ثُمَّ إذَا تَوَضَّأَتْ لِلْعَصْرِ فَتَمَّ الِانْقِطَاعُ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا؛ لِأَنَّهُ كَامِلٌ فَلَا يَضُرُّهُ الْخُرُوجُ وَلَكِنْ عَلَيْهَا إعَادَةُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ دَمَهَا انْقَطَعَ وَقْتًا كَامِلًا وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا صَلَّتْ الظُّهْرَ بِطَهَارَةِ الْعُذْرِ وَالْعُذْرُ زَائِلٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الظُّهْرِ إنَّمَا عُرِفَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ دَمُهَا انْقَطَعَ بَعْدَمَا فَرَغَتْ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ عَلَى قَوْلِهِمَا فَإِنَّهَا لَا تُعِيدُ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ عُذْرَهَا زَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ اهـ وَظَنَّ الْقَوَّامُ الْأَتْقَانِيُّ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا تَبْقَى طَهَارَتُهُ. اهـ. فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ السَّيَلَانَ بِدُونِ خُرُوجِ الْوَقْتِ مُبْطِلٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت مِنْ صَرِيحِ النَّقْلِ فَتَنَبَّهْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لَوْ اُسْتُحِيضَتْ فَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ فَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ الْعَصْرَ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا. اهـ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ حِينٍ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ الْحَالَ وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُنْيَةِ قَدْ صَرَّحَ بِمَا قَالَهُ الْحَصْكَفِيُّ وَعَزَاهُ إلَى أَحْكَامِ الْفِقْهِ وَعَلَّلَهُ شَارِحُهَا الْمُحَقِّقُ الْحَلَبِيُّ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَقَعْ لِذَلِكَ الْعُذْرِ حَتَّى لَا يَنْتَقِضَ بِهِ بَلْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِضُ بِهِ مَا وَقَعَ لَهُ. اهـ. فَأَفَادَ تَخْصِيصَ الْعِبَارَاتِ السَّابِقَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ الْعُذْرِ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ.

[أحكام النفاس]

غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ تَعْرِيفٌ لِلْمُسْتَحَاضَةِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ قَدْ تَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بِأَنْ لَا يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتٌ إلَّا وَهُوَ يُوجَدُ فِيهِ وَاخْتَارَ تَعْرِيفًا لِلْمُسْتَحَاضَةِ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ مُسْتَغْرِقًا وَقْتَ صَلَاةٍ فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ اسْتِمْرَارٍ فِي الْبَقَاءِ فِي زَمَانٍ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. اهـ. وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَهَا لَا تَعْرِيفٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَعْرِيفَ الِاسْتِحَاضَةِ. [أَحْكَام النِّفَاسُ] (قَوْلُهُ وَالنِّفَاسُ دَمٌ يَعْقُبُ الْوَلَدَ) شَرْعًا وَفِي اللُّغَةِ هُوَ مَصْدَرُ نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا إذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَهُنَّ نِفَاسٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِجُمْلَةِ الْحَيَوَانِ قِوَامُهَا بِالدَّمِ وَقَوْلُهُمْ النِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوَلَدِ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ كَالْحَيْضِ، فَأَمَّا اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ أَوْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ، ثُمَّ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَخْلُوا ظَاهِرًا عَنْ قَلِيلِ دَمٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّفَاسِ وَلَمْ يُوجَدْ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هِيَ نُفَسَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ صَائِمَةً وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا اهـ. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نُفَسَاءَ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهَا وَصَحَّحَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعْزِيًّا إلَى الْمُفِيدِ وَقَالَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْوَلَدِ إذْ لَا تَخْلُو عَنْ رُطُوبَةٍ وَصَحَّحَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلَ الْإِمَامِ بِالْوُجُوبِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ قَالَ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ وَفِي الْعِنَايَةِ، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالدَّمِ الدَّمَ الْخَارِجَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ مِنْ الْفَرْجِ فَإِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهَا بِأَنْ كَانَ بِبَطْنِهَا جُرْحٌ فَانْشَقَّتْ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مِنْهَا تَكُونُ صَاحِبَةَ جُرْحٍ سَائِلٍ لَا نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَقَعَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إلَّا إذَا سَالَ الدَّمُ مِنْ الْأَسْفَلِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ السُّرَّةِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ كَالْخَارِجِ عَقِبَ كُلِّهِ فَيَكُونُ نِفَاسًا، وَإِنْ خَرَجَ الْأَقَلُّ لَا يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ النُّفَسَاءِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاةُ وَلَوْ لَمْ تُصَلِّ تَكُونُ عَاصِيَةً لِرَبِّهَا، ثُمَّ كَيْفَ تُصَلِّي قَالُوا يُؤْتَى بِقِدْرٍ فَيُجْعَلُ الْقِدْرُ تَحْتَهَا أَوْ يُحْفَرُ لَهَا حَفِيرَةٌ وَتَجْلِسُ هُنَاكَ وَتُصَلِّي كَيْ لَا تُؤْذِيَ وَلَدَهَا، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ إذَا خَرَجَ أَكْثَرُهُ لَا يَكُونُ نِفَاسًا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا النِّفَاسُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلِّهِ (قَوْلُهُ وَدَمُ الْحَامِلِ اسْتِحَاضَةٌ) لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ بِالْوَلَدِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ دَمٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ لِلِانْفِتَاحِ بِهِ وَلِذَا حَكَمَ الشَّارِعُ بِكَوْنِ وُجُودِ الدَّمِ دَلِيلًا عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَا لَا تُنْكَحُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» وَأَفَادَ أَنَّ مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فِي حَالِ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ فَتَتَوَضَّأُ إنْ قَدَرَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ تَتَيَمَّمُ وَتُومِئُ بِالصَّلَاةِ وَلَا تُؤَخِّرُ فَمَا عُذْرُ الصَّحِيحِ الْقَادِرِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى. (قَوْلُهُ: وَالسِّقْطُ إنْ ظَهَرَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدًا) وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَالتَّثْلِيثُ لُغَةٌ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَهُوَ الْوَلَدُ السَّاقِطُ قَبْلَ تَمَامِهِ وَهُوَ كَالسَّاقِطِ بَعْدَ تَمَامِهِ فِي الْأَحْكَامِ فَتَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ إذَا ادَّعَاهُ الْمَوْلَى وَيَحْنَثُ بِهِ لَوْ كَانَ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِالْوِلَادَةِ وَلَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَّا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ ثُبُوتِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ إلَخْ) فَهُوَ تَسْمِيَةُ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الدَّمُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ صَوْمِهَا إثْبَاتُ نِفَاسِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا أَيْضًا كَالْغُسْلِ، وَقَدْ جَعَلَ فِي السِّرَاجِ الْعِلَّةَ فِيهِمَا وَاحِدَةً وَهِيَ الِاحْتِيَاطُ وَكَيْفَ سَلَّمَ أَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ نِفَاسِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهُ فِي الصَّوْمِ وَلَمْ يَلُحْ لِي وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا نَعَمْ ظَاهِرُ مَا فِي الشَّرْحِ يُفِيدُ أَنَّهَا تَكُونُ نُفَسَاءَ عِنْدَ الْإِمَامِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْغُسْلَ وَسِيلَةٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ لِكَوْنِهِ تَابِعًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَعَلَّلَ الزَّيْلَعِيُّ وُجُوبَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ بِأَنَّ نَفْسَ خُرُوجِ الْوَلَدِ نِفَاسٌ وَهَذَا جَزْمٌ بِأَنَّهَا عِنْدَهُ نُفَسَاءُ لَا ظَاهِرًا فَقَطْ كَمَا زَعَمَ فِي النَّهْرِ. اهـ. وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مَا فِي النِّهَايَةِ أَيْضًا عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَلَمْ تَرَ دَمًا فَهِيَ نُفَسَاءُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ هِيَ طَاهِرَةٌ. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالنِّفَاسُ دَمٌ أَيْ خُرُوجُ دَمٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ حُكْمِيٍّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِي مُدَّتِهِ وَنِفَاسُ مَنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَبِينُ خَلْقُهُ إلَّا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: إنَّمَا ذَكَرَ الشَّارِحُ هَذَا فِي نِكَاحِ الرَّقِيقِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ مَا ذَكَرَ مَمْنُوعٌ فَقَدْ وَجَّهَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ عَلَقَةً

[أقل النفاس]

النَّسَبِ وَالْمُرَادُ نَفْخُ الرُّوحِ وَإِلَّا فَالْمُشَاهَدُ ظُهُورُ خِلْقَتِهِ قَبْلَهَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ ظَهَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ خِلْقَتِهِ شَيْءٌ فَلَا يَكُونُ وَلَدًا وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَلَا نِفَاسَ لَهَا لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ جَعْلُ الْمَرْئِيِّ مِنْ الدَّمِ حَيْضًا بِأَنْ يَدُومَ إلَى أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَيَقْدُمُهُ طُهْرٌ تَامٌّ يُجْعَلُ حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَانَ اسْتِحَاضَةً، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَمُسْتَبِينٌ هُوَ أَمْ لَا بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي الْمَخْرَجِ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ إنْ أَسْقَطَتْ أَوَّلَ أَيَّامِهَا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ قَدْرَ عَادَتِهَا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ بِالشَّكِّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا نُفَسَاءَ أَوْ طَاهِرَةً، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ عَادَتِهَا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا نُفَسَاءُ أَوْ حَائِضٌ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ بِيَقِينٍ إنْ كَانَتْ اسْتَوْفَتْ أَرْبَعِينَ مِنْ وَقْتِ الْإِسْقَاطِ وَإِلَّا فَبِالشَّكِّ فِي الْقَدْرِ الدَّاخِلِ فِيهَا وَبِيَقِينٍ فِي الْبَاقِي، ثُمَّ تَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامِهَا فَإِنَّهَا تُصَلِّي مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ بِيَقِينٍ وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلشَّكِّ وَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْخُلَاصَةِ غَلَطٌ فِي التَّصْوِيرِ هُنَا مِنْ النُّسَّاخِ فَاحْتَرِسْ مِنْهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي النِّهَايَةِ، فَإِنْ رَأَتْ دَمًا قَبْلَ إسْقَاطِ السِّقْطِ وَرَأَتْ دَمًا بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ فَمَا رَأَتْ قَبْلَهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَهِيَ نُفَسَاءُ فِيمَا رَأَتْهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ فَمَا رَأَتْهُ بَعْدَهُ حَيْضٌ إنْ أَمْكَنَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أَيْ النِّفَاسِ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَلَدِ عَلَمُ الْخُرُوجِ مِنْ الرَّحِمِ فَأَغْنَى عَنْ امْتِدَادِهِ بِمَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَا يُوجَدُ فَإِنَّهَا كَمَا وَلَدَتْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ سَاعَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَكَانَ مَا رَأَتْ نِفَاسًا لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَجَبَ اعْتِبَارُ أَقَلِّ النِّفَاسِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِأَنْ قَالَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي أَيْ مِقْدَارٌ يُعْتَبَرُ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ أَقَلُّهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَحَدَ عَشَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِسَاعَةٍ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَأَقَلُّهُ مَا يُوجَدُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى نَقْضِ الْعَادَةِ عِنْدَ عَوْدِ الدَّمِ فِي الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِيهِ لَا يَفْصِلُ طَالَ الطُّهْرُ أَوْ قَصُرَ حَتَّى لَوْ رَأَتْ سَاعَةً دَمًا وَأَرْبَعِينَ إلَّا سَاعَتَيْنِ طُهْرًا، ثُمَّ سَاعَةً دَمًا كَانَ الْأَرْبَعُونَ كُلُّهُ نِفَاسًا وَعِنْدَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ الْأَوَّلُ نِفَاسًا وَالثَّانِي حَيْضًا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا كَانَ اسْتِحَاضَةً وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ وَكَذَا فِي حَقِّ الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا عِنْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ قَدَّرَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ فَعَلَى هَذَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ يَوْمٍ وَتَوْضِيحُهُ بِتَمَامِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَرْبَعِينَ مُضْغَةً وَعِبَارَتُهُ فِي عِقْدِ الْفَرَائِدِ قَالُوا يُبَاحُ لَهَا إنْ تُعَالِجَ فِي اسْتِنْزَالِ الدَّمِ مَا دَامَ الْحَمْلُ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ عُضْوٌ وَقَدَّرُوا تِلْكَ الْمُدَّةَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أَبَاحُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآدَمِيٍّ. اهـ. وَلَا مَانِعَ أَنَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تُخْلَقُ أَعْضَاؤُهُ وَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ مَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ لَهَا زَوْجٌ وَبَنَى بِهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ مِنْ النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ عِنْدِي وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ وَقَدْ اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ فَفَاسِدٌ. اهـ. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَسْتَبِينُ إلَّا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَزِيَادَةُ الْعَشَرَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَيْضِ لِاحْتِمَالِ مُقَارَنَةِ النِّكَاحِ لِلْحَيْضِ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِبَانَةَ بَعْضِ الْخَلْقِ لَا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ لَوْ جَاءَتْ بِهِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا كَانَ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ. [أَقَلّ النُّفَاس] (قَوْلُهُ كَانَ الْأَرْبَعُونَ كُلُّهُ نِفَاسًا) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ وَتَوْضِيحُهُ بِتَمَامِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ) عِبَارَتُهُ قَوْلُهُ لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، أَمَّا إذَا كَانَ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَهُ حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ إذْ لَوْ كَانَ أَقَلَّ ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مُدَّةِ النِّفَاسِ فَيَكُونُ الدَّمُ بَعْدَهُ نِفَاسًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَقَلُّهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَالنِّفَاسُ فِي الْعَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْحَيْضِ فَزَادَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَقَلُّهُ سَاعَةٌ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ فَعَلَى هَذَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ يَوْمٍ وَوَجْهُ التَّخْرِيجِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَنْ نَقُولَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ نِفَاسٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ فَذَلِكَ أَرْبَعُونَ

[باب الأنجاس]

وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَلِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّتِهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فَكَانَ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ لَا تَدْخُلُ فِي الْوَلَدِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَتَجْتَمِعُ الدِّمَاءُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِذَا دَخَلَ الرُّوحُ صَارَ الدَّمُ غِذَاءً لِلْوَلَدِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ مَا كَانَ مُحْتَسِبًا مِنْ الدِّمَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَمُرَادُهُ الْمُبْتَدَأَةُ، وَأَمَّا صَاحِبَةُ الْعَادَةِ إذَا زَادَ دَمُهَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ قَبْلَ هَذَا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُجَوِّزُ خَتْمَ عَادَتِهَا بِالطُّهْرِ وَمُحَمَّدٌ يَمْنَعُهُ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: وَنِفَاسُ التَّوْأَمَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ) وَهُمَا الْوَلَدَانِ اللَّذَانِ بَيْنَ وِلَادَتَيْهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ ظَهَرَ انْفِتَاحُ الرَّحِمِ فَكَانَ الْمَرْئِيُّ عَقِبَهُ نِفَاسًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ نِفَاسُهَا مِنْ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ اسْتِحَاضَةٌ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مَا تَرَاهُ عَقِبَ الثَّانِي إنْ كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ نِفَاسُ الْأَوَّلُ لِتَمَامِهَا وَاسْتِحَاضَةٌ بَعْدَ تَمَامِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي كَمَا وَضَعَتْ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَمِنْ فَوَائِدِ الِاخْتِلَافِ إذَا كَانَ عَادَتُهَا عِشْرِينَ فَرَأَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَبَعْدَ الثَّانِي أَحَدًا وَعِشْرِينَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْعِشْرُونَ الْأُولَى نِفَاسٌ وَمَا بَعْدَ الثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْعِشْرُونَ الْأُولَى اسْتِحَاضَةٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي مَعَهَا وَمَا بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ وَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَبَعْدَ الثَّانِي عِشْرِينَ وَعَادَتُهَا عِشْرُونَ فَاَلَّذِي بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ إجْمَاعًا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نِفَاسٌ أَيْضًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَقَيَّدَ بِالتَّوْأَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُمَا حَمْلَانِ وَنِفَاسَانِ، وَلَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَذَا بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَكِنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْعَلُ حَمْلًا وَاحِدًا. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ الْأَنْجَاسِ) لِمَا فَرَغَ مِنْ الْحُكْمِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا شَرَعَ فِي الْحَقِيقِيَّةِ وَإِزَالَتِهَا وَقَدَّمَ الْحُكْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِكَوْنِ قَلِيلِهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُ إزَالَتِهَا بِعُذْرٍ مَا إمَّا أَصْلًا أَوْ خَلَفًا بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَأَمَّا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ إذَا وَجَدَ مَاءً يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَقَطْ إنَّمَا وَجَبَ صَرْفُهُ إلَى النَّجَاسَةِ لَا الْحَدَثِ لِيَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ فَيَكُونَ مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَتَيْنِ لَا لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَنْجَاسُ جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] وَكَمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ بَيَانَ الْحُكْمِيِّ أُمِنَ اللَّبْسُ فَأَطْلَقَهُ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الْكَافِي الْخَبَثُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَالْحَدَثُ عَلَى الْحُكْمِيِّ وَالنَّجَسُ عَلَيْهِمَا اهـ. ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ ثَلَاثٌ حَيْضٌ كُلُّ حَيْضَةٍ خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَطُهْرَانِ بَيْنَ الْحَيْضَيْنِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَوَجْهُ التَّخْرِيجِ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنْ نَقُولَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نِفَاسٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ فَذَلِكَ أَرْبَعُونَ وَثَلَاثٌ حَيْضٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا كُلُّ حَيْضَةٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِكَ كُلُّهُ مِائَةُ يَوْمٍ وَإِنَّمَا أَخَذَ لَهَا بِأَكْثَرَ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ أَخْذٌ لَهَا بِأَقَلِّ الطُّهْرِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَخْذٌ لَهَا فِي الْحَيْضِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُصَدَّقُ فِي خَمْسٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ فَذَلِكَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ ثَلَاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُصَدَّقُ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَسَاعَةٍ وَوَجْهُهُ أَنْ نَقُولَ أَقَلُّ النِّفَاسِ سَاعَةٌ، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرٌ، ثُمَّ ثَلَاثٌ حَيْضٌ تِسْعَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ طُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَسَاعَةٌ وَقَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ أَدْنَى زَمَانٍ عِنْدَهُ تُصَدَّقُ ... فِيهِ الَّتِي بَعْدَ الْوِلَادِ تَطْلُقُ هِيَ الثَّمَانُونَ بِخَمْسٍ تُقْرَنُ ... وَمِائَةٍ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ وَالْخَمْسُ وَالسِّتُّونَ عِنْدَ الثَّانِي ... وَحَطَّ إحْدَى عَشْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحُرَّةِ النُّفَسَاءِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ وَغَيْرُ النُّفَسَاءِ فَقَدْ بَسَطَ فِيهِ الْكَلَامَ وَسَيَأْتِي فِي الْعِدَّةِ مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ اسْمٌ لِمَا نَقَصَ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَوْ زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِ النِّفَاسِ أَوْ عَلَى عَادَةٍ عُرِفَتْ لَهَا وَجَاوَزَتْ أَكْثَرَهَا. اهـ. وَيُزَادُ أَيْضًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ وَمَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ عَلَى مَا فِيهِ، وَكَذَا مَا تَرَاهُ الْآيِسَةُ. [بَابُ الْأَنْجَاسِ] (قَوْلُهُ وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُ إزَالَتِهَا بِعُذْرٍ مَا) قَدَّمْنَا أَوَّلَ كِتَابِ الطَّهَارَةِ مَا تَعَقَّبَ بِهِ فِي النَّهْرِ ذَلِكَ الْوَجْهَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَرَجُلَاهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَكَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ بَعْدَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ سَقَطَتْ عَنْهُ الطَّهَارَةُ بِهَذَا الْعُذْرِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبِكَسْرِهَا لِمَا لَا يَكُونُ طَاهِرًا فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْحُكْمِيِّ أَيْضًا لَيْسَ إلَّا لُغَةً

وَالنَّجَاسَةُ شَرْعًا عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَإِزَالَتُهَا عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ فَرْضٌ إنْ كَانَ الْقَدْرَ الْمَانِعَ كَمَا سَيَأْتِي وَأَمْكَنَ إزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَا هُوَ أَشَدُّ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إزَالَتِهَا إلَّا بِإِبْدَاءِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاسِ يُصَلِّي مَعَهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَشَدُّ فَلَوْ أَبَدَاهَا لِلْإِزَالَةِ فَسَقَ إذْ مَنْ اُبْتُلِيَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَحْظُورَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُرْتَكَبَ أَهْوَنَهُمَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً تَرَكَهُ وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ وَنَسِيَهُ فَغَسَلَ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِ الثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَلَوْ صَلَّى مَعَ هَذَا الثَّوْبِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي صَلَّى مَعَ هَذَا الثَّوْبِ. اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمُصَلِّي إذَا رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ فَفِيهِ تَقَاسِيمٌ وَاخْتِلَافَاتٌ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُعِيدَ إلَّا الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى غَسْلَ الْجَمِيعِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ الْبَعْضُ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَلَوْ وَجَبَ غُسْلٌ عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ رِجَالٍ يَرَوْنَهُ يَغْتَسِلُ وَلَا يُؤَخِّرُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ يَتْرُكُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى مِنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الدِّرْهَمِ وَلَوْ وَجَبَ غُسْلٌ عَلَى امْرَأَةٍ لَا تَجِدُ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ تُؤَخِّرُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجِدُ سُتْرَةً مِنْ النِّسَاءِ فَكَالرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَالِ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَتَيَمَّمَ الْمَرْأَةُ وَتُصَلِّيَ لِعَجْزِهَا شَرْعًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَإِزَالَتُهَا عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ إلَخْ) رَاجِعْ الْقَرْمَانِيَّ عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ إلَخْ يَظْهَرُ لَك الدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) مَسْأَلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَيْسَتْ مِمَّا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ وَالْكَلَامُ قَبْلَهُ فِيمَا إذَا عَلِمَ وَقْتَ الْإِصَابَةِ وَنَسِيَ الْمَوْضِعَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَلَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ فِي النَّهْرِ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فَجَعَلَاهُمَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ يَتْرُكُهُ) لِيَنْظُرَ فِيمَا لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَنْزِلَ بِثَوْبِهِ فِي نَهْرٍ هَلْ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ ابْنِ الشِّحْنَةِ عَلَى الْوَهْبَانِيَّةِ قَالَ مَا نَصُّهُ الْمَرْأَةُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَلَا تَجِدُ سُتْرَةً وَهُنَاكَ رِجَالٌ تُؤَخِّرُ الْغُسْلَ قُلْتُ: وَلَعَلَّ مَحْمَلَ هَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهَا الِاغْتِسَالُ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي عَلَيْهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي إلْزَامِهَا الِاغْتِسَالَ فِي الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ حَرَجٌ وَإِنَّهُ مَرْفُوعٌ شَرْعًا فَيَلْحَقُ بِالْعَجْزِ فَقَدْ خَرَّجَ مُحَمَّدٌ فِيمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْجَوَابِ فِي الْجَامِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَرْأَةِ بِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْكَشْفِ إلَّا بِالْغَسْلِ مَعَ الْكُمَّيْنِ وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَيْهَا وَالْحَرَجُ فِي الْأَحْكَامِ يُلْحَقُ بِالْعَجْزِ وَلَوْ عَجَزَتْ عَنْ الْبِنَاءِ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ جَازَ لَهَا الْبِنَاءُ فَكَذَا إذَا خَرَجَتْ فَعَلَى هَذَا لَوْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَفُوتُهَا الصَّلَاةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا الِاغْتِسَالُ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهَا إذَا أَمْكَنَهَا غَسْلُ الذِّرَاعَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ مَعَ الْكُمَّيْنِ وَالْخِمَارِ فَكَشَفَتْهُمَا لَا تَبْنِي؛ لِأَنَّهَا كَشَفَتْ عَوْرَتَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَالرَّجُلِ إذَا كَشَفَ عَوْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ حَالَ الْبِنَاءِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا إلَّا بِالْكَشْفِ كَالرَّجُلِ إذَا كَشَفَ عَوْرَتَهُ لِحَاجَةٍ بِأَنْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْمَخْرَجِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ بِأَنْ كَانَ لَهُ جُبَّةٌ وَخِمَارٌ ثَخِينَيْنِ يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُمَا جَازَ الْبِنَاءُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا كَشَفَتْ لِلْحَاجَةِ كَالرَّجُلِ إذَا كَشَفَ عَوْرَتَهُ لِلْحَاجَةِ بِأَنْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةَ مَوْضِعَ الْمَخْرَجِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ لَا تُؤَخِّرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ إلَخْ) لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ لَا تَتَجَزَّأُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا مَرَّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تُوصَفُ بِالْحُكْمِيَّةِ بِخِلَافِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ بَلْ الظَّاهِرُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَبَيَانُهُ هُنَا أَنَّهُ تَعَارَضَ دَلِيلَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ظَاهِرًا وَلَا يُقَدَّمُ النَّهْيُ هُنَا كَمَا فُعِلَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَسِتْرِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ تَسَاوِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي قُوَّةِ الثُّبُوتِ وَهُمَا هُنَا لَيْسَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَقْوَى ثُبُوتًا مِنْ النَّهْيِ عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَلَمَّا تَسَاوَيَا فِي الْمَرْأَةِ لِثُبُوتِهِمَا بِقَطْعِيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ رُجِّحَ النَّهْيُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجِدُ سُتْرَةً مِنْ النِّسَاءِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِمُصَنَّفِهَا بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ وَقِيَاسُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ كَالْمَرْأَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْجِنْسِ مَعَ جِنْسِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِ وَلَا يَقْبُحُ قُبْحَهُ وَأَقَرَّهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ وَالشُّرُنْبُلالي وَأَيَّدَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ بِمَا فِي الْمَبْسُوطِ إنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ مُبَاحٌ فِي الضَّرُورَةِ لَا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ إنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ مِنْ نَظَرِ غَيْرِ الْجِنْسِ قَالَ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ الْحُكْمُ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ سِوَى مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ الرُّكْبَةَ وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى الرَّجُلِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ فَعَلَى قَوْلِ الْمَبْسُوطِ يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاغْتِفَارِ وَيُبَاحُ

عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَيَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى التَّيَمُّمِ وَسَيَأْتِي تَفَارِيعُهَا فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: يَطْهُرُ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ بِالْمَاءِ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَرَادَ بِهِ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ فِي بَحْثِ الْمِيَاهِ وَأَرَادَ بِطَهَارَةِ الْبَدَنِ طَهَارَتَهُ مِنْ الْخَبَثِ لَا مِنْ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ الْمَائِعَ الطَّاهِرَ، وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ يَجُوزُ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ. (قَوْلُهُ: وَبِمَائِعٍ مُزِيلٍ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ) قِيَاسًا عَلَى إزَالَتِهَا بِالْمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ مَعْلُولَةٌ بِعِلَّةِ كَوْنِهِ قَالِعًا لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ وَالْمَائِعُ قَالِعٌ فَهُوَ مُحَصِّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَمَا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةِ كَمَا عَرَفَ فِي الْأُصُولِ، وَالْحَتُّ الْقَشْرُ بِالْعُودِ وَالظُّفْرِ وَنَحْوِهِ، وَالْقَرْصُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ قِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مُزِيلًا لِيَخْرُجَ الدُّهْنُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ مَعَ الْمُزِيلِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلَا الَّذِي لَمْ يَثْخُنْ فَإِنَّهُ مُزِيلٌ وَكَذَا الرِّيقُ وَعَلَى هَذَا فَرَّعُوا طَهَارَةَ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ، ثُمَّ رَضَعَهُ حَتَّى أَزَالَ أَثَرَ الْقَيْءِ وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ بِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَصِحُّ وَلَا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ إزَالَتَهَا إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالطَّاهِرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ حَتَّى لَوْ غَسَلَ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ بِالدَّمِ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ زَالَتْ نَجَاسَةُ الدَّمِ وَبَقِيَّةُ نَجَاسَةِ الْبَوْلِ فَلَا يُمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ وَصَحَّحَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْبَوْلِ لَا يَكُونُ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَوَجْهُهُ أَنَّ سُقُوطَ التَّنَجُّسِ حَالَ كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةَ التَّطْهِيرِ وَلَيْسَ الْبَوْلُ مُطَهِّرًا لِلتَّضَادِّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَيَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ فَمَا ازْدَادَ الثَّوْبُ بِهَذَا إلَّا شَرًّا إذْ يَصِيرُ جَمِيعُ الْمَكَانِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَيْنُ الدَّمِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ أَيْضًا فِيمَنْ حَلَفَ مَا فِيهِ دَمٌ، وَقَدْ غَسَلَهُ بِالْبَوْلِ لَا يَحْنَثُ عَلَى الضَّعِيفِ وَيَحْنَثُ عَلَى الصَّحِيحِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ فَقِيلَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَالْأَصَحُّ لَا وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ فَهُوَ مَائِعٌ مُزِيلٌ طَاهِرٌ فَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ مُزِيلًا الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي تَنَجُّسَ الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ لَكِنْ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ فِي إجَّانَةٍ وَأَوْرَدَ الْمَاءَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْمَاءُ فِيهَا وَأَوْرَدَ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْمَحَلِّ نَجَسٌ إذَا انْفَصَلَ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَوْ لَا وَهَذَا فِي الْمَاءَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْمَاءُ الثَّالِثُ فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا إذَا انْفَصَلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا وَانْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَجَسٌ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ تَطْهِيرِهِ، وَقَدْ زَالَتْ، وَإِنَّمَا حُكِمَ شَرْعًا بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَكَانِ الضَّرُورَةِ الِاغْتِسَالُ بَيْنَ الْجِنْسِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِ الرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً أَوْ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْ النِّسَاءِ فَقَطْ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاغْتِفَارِ قِيَاسًا التَّأْخِيرُ فِيمَا لَوْ كَانَ الرَّجُلُ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمِ إذَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَقَدْ جَوَّزُوا لَهَا كَشْفَ الذِّرَاعَيْنِ لِلْبِنَاءِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِعَدَمِ الرِّجَالِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكْشِفَ الْخُنْثَى لِلِاسْتِنْجَاءِ وَلَا لِلْغُسْلِ عِنْدَ أَحَدٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَشَفَتْ عِنْدَ ذَكَرٍ احْتَمَلَ أَنَّهَا أُنْثَى وَإِنْ عِنْدَ أُنْثَى احْتَمَلَ أَنَّهَا ذَكَرٌ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ مُرِيدَ الِاغْتِسَالِ إمَّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى وَعَلَى كُلٍّ فَأَمَّا بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ خَنَاثَى أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ وَخَنَاثَى أَوْ نِسَاءٍ وَخَنَاثَى أَوْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى فَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ يَغْتَسِلُ فِي صُورَتَيْنِ مِنْهَا وَهُمَا رَجُلٌ بَيْنَ رِجَالٍ وَامْرَأَةٌ بَيْنَ نِسَاءٍ وَيُؤَخَّرُ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ صُورَةً. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَطْهُرُ الْبَدَنُ) قَالَ فِي النَّهْرِ عِبَارَةُ النُّقَايَةِ يَطْهُرُ الشَّيْءُ أَوْلَى لِشُمُولِهَا الثَّوْبَ وَالْمَكَانَ وَالْآنِيَةَ وَالْمَأْكُولَاتِ وَكُلَّ شَيْءٍ تَنَجَّسَ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّهَا تَشْمَلُ الْأَشْيَاءَ النَّجِسَةَ لِعَيْنِهَا فَالْأَوْلَى عِبَارَةُ الدُّرَرِ يَطْهُرُ الْمُتَنَجِّسُ (قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) أَيْ مَا فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْبَوْلِ لَا يَكُونُ) أَيْ التَّطْهِيرُ عَنْ التَّغْلِيظِ وَعِبَارَةُ الصَّيْرَفِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّ حُكْمَ التَّغْلِيظِ لَا يَزُولُ فَقَوْلُهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالطَّاهِرِ إلَخْ لَا يَكَادُ يَصِحُّ إذْ لَا قَائِلَ بِالطَّهَارَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ بَلْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُطَهِّرُ إذْ تَطْهِيرُهُ لِغَيْرِهِ فَرْعُ طَهَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ الْمَاءَ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ إجْمَاعًا، كَذَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ أَوْ كَانَ الْمَاءُ فِيهَا) أَيْ الْإِجَّانَةِ

عِنْدَ انْفِصَالِهِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي اعْتِبَارِ الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ طَاهِرًا مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجَسِ بِخِلَافِ الْمَاءِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهُ مَا هُوَ مَحْكُومٌ شَرْعًا بِنَجَاسَتِهِ فِي الْمَحَلِّ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّمَا سَقَطَ هَذَا الْقِيَاسُ فِي الْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَمَّا فِي الْمَاءِ الَّذِي وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَلَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى فِي غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجَسِ وَضْعُهُ فِي الْإِجَّانَةِ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ، ثُمَّ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا وَضْعُ الْمَاءِ أَوَّلًا، ثُمَّ وَضْعُ الثَّوْبِ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَلَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا مُطْلَقًا لَمْ يُفَرِّقْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ النَّجَسِ فِي الْإِجَّانَةِ وَالْعُضْوِ النَّجَسِ بِأَنْ يَغْسِلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ أَوْ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الثَّالِثِ طَاهِرًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِذَلِكَ فِي الثَّوْبِ خَاصَّةً، أَمَّا الْعُضْوُ الْمُتَنَجِّسُ إذَا غُمِسَ فِي إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ نَجَّسَ الْجَمِيعَ وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ بَلْ بِأَنْ يُغْسَلَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ يُصَبُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى حُصُولَ الطَّهَارَةِ لَهُمَا بِالْغَسْلِ فِي الْأَوَانِي فَسَقَطَ فِي الثِّيَابِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ فِي الْعُضْوِ لِعَدَمِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَنَجِّسُ مِنْ الثَّوْبِ مَوْضِعًا صَغِيرًا فَلَمْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا غَسَلَهُ فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ لِتَيَسُّرِ الصَّبِّ. وَعَلَى هَذَا جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي آبَارٍ وَلَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى تَنَجَّسَ كُلُّهَا، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى صَارَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَطْهُرْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا وَكُلُّهَا نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الْأُولَى طَاهِرًا وَسَائِرُهَا مُسْتَعْمَلَةٌ، كَذَا فِي الْمُصَفَّى وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَا إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ عِنْدَهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْقُرْبَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقِي لِلْعُضْوِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ وَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يَصِيرُ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي الْخَيْرِ الْبَاقِي فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ فِي الْفَسَاقِيِ وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي شَرْحِنَا هَذَا فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: لَا الدُّهْنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِالدُّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُزِيلٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ الدَّمَ مِنْ الثَّوْبِ بِدُهْنٍ حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُهُ جَازَ فَخِلَافُ الظَّاهِرِ عَنْهُ بَلْ الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ خِلَافُهُ، كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَكَذَا مَا رُوِيَ فِي الْمُحِيطِ مِنْ كَوْنِ اللَّبَنِ مُزِيلًا فِي رِوَايَةٍ فَضَعِيفٌ وَعَلَى ضَعْفِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دُسُومَةٌ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْمَاءُ الْمُقَيَّدُ مَا اُسْتُخْرِجَ بِعِلَاجٍ كَمَاءِ الصَّابُونِ وَالْحُرْضِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَثْمَارِ وَالْبَاقِلَا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا كَذَا قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَفِي الْعُيُونِ لَا يُزِيلُ عَنْ الْبَدَنِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَاهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْخُفُّ بِالدَّلْكِ بِنَجَسٍ ذِي جُرْمٍ وَإِلَّا يُغْسَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْبَدَنِ أَيْ يَطْهُرُ الْخُفُّ بِالدَّلْكِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَهَا جُرْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جُرْمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلِهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ «فَطُهُورُهُمَا التُّرَابُ» وَخَالَفَ فِيهِ مُحَمَّدٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا رُوِيَ رُجُوعُهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ قَيَّدَ بِالْخُفِّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ لَا يَطْهُرَانِ بِالدَّلْكِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ وَالْبَدَنُ لِلِينِهِ وَرُطُوبَتِهِ وَمَا بِهِ مِنْ الْعَرَقِ لَا يَجِفُّ، فَعَلَى هَذَا فَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسَافِرِ إذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ لِتَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ لَا لِلتَّطْهِيرِ وَإِلَّا فَمُحَمَّدٌ لَا يُجَوِّزُ الْإِزَالَةَ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَهُمَا لَا يَقُولَانِ بِالدَّلْكِ إلَّا فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْمَسْحَ لِلتَّطْهِيرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْجَفَافِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ هُنَا هُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَفْصِيلَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَهُمَا قَيَّدَاهُ بِالْجَفَافِ وَعَلَى قَوْلِهِ أَكْثَر الْمَشَايِخِ وَفِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَوْ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ) لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْإِجَّانَةِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا أَمْ لَا وَفِي الْقُنْيَةِ بِرَمْزِ شِهَابِ الْأَئِمَّةِ الْإِمَامِيِّ غَسَلَ الثَّوْبَ النَّجَسَ فِي الطَّسْتِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ الطَّسْتَ ثَلَاثًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ بَعْدَ عَصْرِ الثَّوْبِ وَفِيهَا بِرَمْزِ صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ يَغْسِلُ الطَّسْتَ فِي الْأُولَى ثَلَاثًا وَفِي الثَّانِيَةِ مَرَّتَيْنِ وَفِي الثَّالِثَةِ مَرَّةً وَفِيهَا بِرَمْزِ مَجْدِ التَّرْجُمَانِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْخُتَنِيُّ ظَاهِرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ الْإِجَّانَةِ كَالرِّشَاءِ وَالدَّلْوِ فِي نَزْحِ الْبِئْرِ. اهـ. وَذَكَرَ فِيهَا حُكْمَ غَسْلِ ثَوْبَيْنِ فِي إجَّانَةٍ حَيْثُ رَمَزَ لِنَجْمِ الْأَئِمَّةِ الْحَكِيمِيِّ خِرَقٌ كَثِيرَةٌ جُمِعَتْ وَغُسِلَتْ وَعُصِرَتْ كُلَّ مَرَّةٍ طَهُرَتْ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ فِي خَرِيطَةٍ فَغُسِلَتْ وَعُصِرَتْ وَعَنْ الْعَلَاءِ التَّاجِرِيِّ لَا تَطْهُرُ قَالَ وَهُوَ مَنْصُوصٌ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَنَّاطِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَافِظِ أَنَّهُ لَا تَطْهُرُ وَذَلِكَ فِي الثَّوْبَيْنِ فِي الْإِجَّانَةِ، فَأَمَّا فِي الْغَسْلِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ تَطْهُرُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ خِيطَتْ الْخِرَقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَغُسِلَتْ تَطْهُرُ كُلُّهَا، ثُمَّ رَمَزَ بِالرَّمْزِ الْأَوَّلِ غَسَلَتْ ثَوْبَيْنِ نَجَسَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَعَصَرَتْهُمَا جُمْلَةً فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَطْهُرَانِ إلَّا إذَا غَسَلَتْهُمَا فِي الْإِجَّانَةِ فَلَا إلَّا إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ يُغْسَلَانِ كَذَلِكَ عَادَةً، ثُمَّ رَمَزَ بِرَمْزٍ مُحْتَمَلٍ

[التطهير بالدهن]

وَالْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَلِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَفِي الْكَافِي وَالْفَتْوَى أَنَّهُ يَطْهُرُ لَوْ مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ اهـ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ لَا يُطَهِّرُ إلَّا بِشَرْطِ ذَهَابِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ وَإِلَّا لَا يَطْهُرُ وَأَطْلَقَ الْجُرْمَ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْجُرْمُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنْ ابْتَلَّ الْخُفُّ بِخَمْرٍ فَمَشْي بِهِ عَلَى رَمْلٍ أَوْ رَمَادٍ فَاسْتَجْمَدَ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى تَنَاثَرَ طَهُرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ، ثُمَّ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْجَفَافِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفِّ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ فَهُوَ جُرْمٌ وَمَا لَا يُرَى بَعْدَ الْجَفَافِ فَلَيْسَ بِجُرْمٍ وَاشْتِرَاطُ الْجُرْمِ قَوْلُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ لَمْ يَجْزِهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ مُقَيَّدٌ فَقَيَّدَهُ أَبُو يُوسُفَ بِغَيْرِ الرَّقِيقِ وَقَيَّدَاهُ بِالْجُرْمِ وَالْجَفَافِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ أَبُو يُوسُفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُفَادٌ بِقَوْلِهِ طَهُورٌ أَيْ مُزِيلٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْخُفَّ إذَا تَشَرَّبَ الْبَوْلَ لَا يُزِيلُهُ الْمَسْحُ فَإِطْلَاقُهُ مَصْرُوفٌ إلَى مَا يَقْبَلُ الْإِزَالَةَ بِالْمَسْحِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ مَعْنَى طَهُورٍ مُطَهِّرٌ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ شَرْعًا بِالْمَسْحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ وَكَمَا لَا يُزِيلُ مَا تَشَرَّبَ بِهِ مِنْ الرَّقِيقِ كَذَلِكَ لَا يُزِيلُ مَا تَشَرَّبَ مِنْ الْكَثِيفِ حَالَ الرُّطُوبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى بِاعْتِرَافِ هَذَا الْمُجِيبِ. وَالْحَاصِلُ فِيهِ بَعْدَ إزَالَةِ الْجُرْمِ كَالْحَاصِلِ قَبْلَ الدَّلْكِ فِي الرَّقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَشْرَبُ إلَّا مَا فِي اسْتِعْدَادِهِ قَبُولُهُ، وَقَدْ يُصِيبُهُ مِنْ الْكَثِيفَةِ الرَّطْبَةِ مِقْدَارٌ كَثِيرٌ يَشْرَبُ مِنْ رُطُوبَتِهِ مِقْدَارَ مَا يَشْرَبُهُ مِنْ بَعْضِ الرَّقِيقِ. اهـ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّشَرُّبَ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِمَا لَكِنْ عُفِيَ عَنْهُ فِي التَّشَرُّبِ مِنْ الْكَثِيفِ حَالَ الرُّطُوبَةِ لِلضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفِيدُ طَهَارَتَهَا بِالدَّلْكِ مَعَ الرُّطُوبَةِ إذْ مَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ لَيْسَ مَسَافَةً يَجِفُّ فِي مُدَّةِ قَطْعِهَا مَا أَصَابَ الْخُفَّ رَطْبًا وَلَمْ يُعْفَ عَنْ التَّشَرُّبِ فِي الرَّقِيقِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى إذْ قَدْ جَوَّزُوا كَوْنَ الْجُرْمِ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنْ يَمْشِيَ بِهِ عَلَى رَمْلٍ أَوْ تُرَابٍ فَيَصِيرُ لَهَا جُرْمٌ فَتَطْهُرُ بِالدَّلْكِ فَحَيْثُ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لَا ضَرُورَةَ فِي التَّطْهِيرِ بِدُونِهِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الدَّلْكَ بِالْأَرْضِ تَبَعًا لِرِوَايَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَسْحُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا مَسَحَهُمَا بِالتُّرَابِ يَطْهُرُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إنْ حَكَّهُ أَوْ حَتَّهُ بَعْدَمَا يَبِسَ طَهُرَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا لَوْلَا الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. لَكُنَّا نَقُولُ: إنَّهُ إذَا لَمْ يَمْسَحْهُمَا بِالتُّرَابِ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالتُّرَابِ لَهُ أَثَرٌ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي الْمُسَافِرِ إذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ، فَأَمَّا الْحَكُّ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَالْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيَّنَ أَنَّ لَهُ أَثَرًا أَيْضًا. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَسْأَلَةَ مَسْحِ الْمُسَافِرِ يَدَهُ الْمُتَنَجِّسَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَسْحِ خَاصَّةً بِالْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا كَمَا قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا مَسَحَ الرَّجُلُ مِحْجَمَهُ بِثَلَاثِ خِرْقَاتٍ رَطَبَاتٍ نِظَافٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَسْلِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَنَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ وَقِيَاسُهُ مَا حَوْلَ مَحَلِّ الْفَصْدِ إذَا تَلَطَّخَ وَيَخَافُ مِنْ الْإِسَالَةِ السَّرَيَانَ إلَى الثَّقْبِ اهـ. وَهُوَ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمَحَاجِمِ بِمَا إذَا خَافَ مِنْ الْإِسَالَةِ ضَرَرًا كَمَا لَا يَخْفَى وَالْمَنْقُولُ مُطْلَقٌ. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ خِفٌّ بِطَانَةُ سَاقَهُ مِنْ الْكِرْبَاسِ فَدَخَلَ فِي خُرُوقِهِ مَاءٌ نَجَسٌ فَغَسَلَ الْخُفَّ وَدَلَكَهُ بِالْيَدِ، ثُمَّ مَلَأَ الْمَاءَ وَأَرَاقَهُ طَهُرَ لِلضَّرُورَةِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى عَصْرِ الْكِرْبَاسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، ثُمَّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا الْخُفُّ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا إذَا جَفَّفَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةِ وَعَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّجْفِيفِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْخُفُّ إذَا دُهِنَ بِدُهْنٍ نَجَسٍ، ثُمَّ غُسِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ. (قَوْلُهُ: وَبِمَنِيٍّ يَابِسٍ بِالْفَرْكِ وَإِلَّا يُغْسَلُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمَاءِ يَعْنِي يَطْهُرُ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ وَالْخُفُّ إذَا أَصَابَهُ مَنِيٌّ بِفَرْكِهِ إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا يَطْهُرَانِ فِي الطَّسْتِ مُطْلَقًا، ثُمَّ رَمَزَ بِرَمْزِ كَمَالٍ الْبَيَاخِيِّ يَطْهُرَانِ مُطْلَقًا. [التَّطْهِيرُ بِالدُّهْنِ] (قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ الْجُرْمَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ ذِي جُرْمٍ وَقَعَ صِفَةَ نَجَسٍ فَاقْتَضَى قَوْلُهُ وَإِلَّا يُغْسَلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ غُسِلَ وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الشَّارِحِ لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ الشَّارِحَ بَعْدَ حَلِّ الْمَتْنِ قَالَ وَقِيلَ إذَا مَشَى عَلَى الرَّمْلِ أَوْ التُّرَابِ فَالْتَصَقَ بِالْخُفِّ أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ تُرَابًا أَوْ رَمَادًا أَوْ رَمْلًا فَمَسَحَهُ يَطْهُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ إلَخْ (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ) وَهُوَ الْأَذَى وَالْقَذِرُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ أَبُو يُوسُفَ بِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الرَّقِيقِ يَعْنِي بِذِي الْجُرْمِ قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ وَالرَّقِيقُ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْجُرْمِ وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ بِزِيَادَةِ الْجَفَافِ (قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَهُ إلَخْ) هَذَا وَارِدٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: بِثَلَاثِ خِرَقَاتٍ) لَمْ يُقَيِّدْهُ فِي الْقُنْيَةِ بِالثَّلَاثِ فَقَالَ رَامِزُ النَّجْمُ الْأَئِمَّةُ الْحَكِيمِيُّ مَسَحَ الْحِجَامُ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَصَلَّى الْمَحْجُومُ أَيَّامًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى إنْ أَزَالَ الدَّمَ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ اهـ. (قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمَاءِ) لَيْسَ بِظَاهِرٍ

كَانَ يَابِسًا وَبِغَسْلِهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَهُوَ فَرْعُ نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ» ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يَغْسِلْهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ الْمَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهُوَ سَرَفٌ أَوْ هُوَ عَلَى مَجَازِهِ وَهُوَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ فَهُوَ فَرْعُ عِلْمِهِ أَطْلَقَ مَسْأَلَةَ الْمَنِيِّ فَشَمَلَ مَنِيَّهُ وَمَنِيَّهَا وَفِي طَهَارَةِ مَنِيِّهَا بِالْفَرْكِ اخْتِلَافٌ قَالَ الْفَضْلِيُّ لَا يَطْهُرُ بِهِ لِرِقَّتِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَمَنِيِّ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَشَمَلَ الْبَدَنَ وَالثَّوْبَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِلْبَلْوَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِرُطُوبَتِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ وَشَمَلَ مَا إذَا تَقَدَّمَهُ مَذْيٌ أَوَّلًا وَقِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ مَذْيٌ، فَإِنْ سَبَقَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي، ثُمَّ يُمْنِي إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ فَيُجْعَلُ تَبَعًا. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ، وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغَسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ وَقِيلَ وَلَوْ بَالَ وَلَمْ يَنْتَشِرْ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ بِأَنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الثُّقْبَ فَأَمْنَى لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَنِيِّ وَكَذَا إذَا جَاوَزَ لَكِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَفْقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى مُرُورِهِ عَلَى الْبَوْلِ فِي مَجْرَاهُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ اهـ. وَظَاهِرُ الْمُتُونِ الْإِطْلَاقُ أَعْنِي سَوَاءٌ بَالَ وَاسْتَنْجَى أَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ مُسْتَهْلَكٌ كَالْمَذْيِ وَلَمْ يَعْفُ فِي الْمَذْيِ إلَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَهْلَكًا لَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَأَطْلَقَ فِي الثَّوْبِ فَشَمَلَ الْجَدِيدَ وَالْغَسِيلَ فَيَطْهُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْفَرْكِ وَقَيَّدَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِكَوْنِ الثَّوْبِ غَسِيلًا احْتِرَازًا عَنْ الْجَدِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَلَمْ أَرَهُ فِيمَا عِنْدِي مِنْ الْكُتُبِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ لِلثَّوْبِ بِطَانَةٌ نَفَذَ إلَيْهَا وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبِطَانَةَ تَطْهُرُ بِالْفَرْكِ كَالظِّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ نَجَاسَةُ الْمَنِيِّ عِنْدَنَا مُغَلَّظَةٌ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى خِزَانَةِ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَحَقِيقَةُ الْفَرْكِ الْحَكُّ بِالْيَدِ حَتَّى يَتَفَتَّتَ، كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِطَهَارَةِ الْمَحِلِّ بِالْفَرْكِ وَكَذَا فِي الْكُلِّ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي آخِرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَبَقَاءُ أَثَرِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْفَرْكِ لَا يَضُرُّ كَبَقَائِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ وَفِي الْمَسْعُودِيِّ مَنِيُّ الْإِنْسَانِ نَجَسٌ وَكَذَا مَنِيُّ كُلِّ حَيَوَانٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَجِسَانِ كَالْمَنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَكَذَا الْوَلَدُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ فَهُوَ نَجَسٌ وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الْوَلَدُ إذَا نَزَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ وَسَقَطَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ سَوَاءٌ غُسِّلَ أَوْ لَا وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ الْمُصَلِّي لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى أَصَابَ الثَّوْبَ دَمٌ عَبِيطٌ فَيَبِسَ فَحَتَّهُ طَهُرَ الثَّوْبُ كَالْمَنِيِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ طَهَارَةَ الثَّوْبِ بِالْفَرْكِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنِيِّ لَا فِي غَيْرِهِ وَفِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ إذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ وَنَحْوَهُمَا فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ إلَّا بِالْغَسْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ سَائِلَةً أَوْ لَهَا جُرْمٌ وَلَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ خَمْرٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا الْمِلْحَ وَمَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ مَا يَتَخَلَّلُ فِيهَا لَمْ يُحْكَمْ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ، وَلَوْ أَصَابَهُ عَصِيرٌ فَمَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ مَا يَتَخَمَّرُ الْعَصِيرُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَنَحْوُ السَّيْفِ بِالْمَسْحِ) أَيْ يَطْهُرُ كُلُّ جِسْمٍ صَقِيلٍ لَا مَسَامَّ لَهُ بِالْمَسْحِ جَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَخَرَجَ الْجَدِيدُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَدَأٌ أَوْ مَنْقُوشًا فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَخَرَجَ الثَّوْبُ الصَّقِيلُ لِوُجُودِ الْمَسَامِّ وَدَخَلَ الظُّفْرُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا وَكَذَلِكَ الزُّجَاجَةُ وَالزُّبْدِيَّةُ الْخَضْرَاءُ أَعْنِي الْمَدْهُونَةَ وَالْخَشَبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ إذْ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُجْعَلَ النَّجَسُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ قَامَ فِي الْمَذْيِ دُونَ الْبَوْلِ. اهـ. إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي الْبَوْلِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَكَذَا قَالَ فِي الشرنبلالية وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى جَعْلِ عِلَّةِ الْعَفْوِ الضَّرُورَةَ كَمَا بَيَّنَهُ الْكَمَالُ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَوْلِ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا لَوْ أَصَابَ ثَوْبًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَجِسَتَانِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ، ثُمَّ تَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ. (قَوْلُهُ: وَالْخَشَبَ

الْخَرَّاطِيُّ وَالْبُورِيَّا الْقَصَبَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَزَادَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْعَظْمَ وَالْآبِنُوسَ وَصَفَائِحَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْقُوشَةً، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ، ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا وَلِأَنَّهُ لَا يَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ وَالْعَذِرَةَ وَالْبَوْلَ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَوْلَ وَالدَّمَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَالْعَذِرَةُ الرَّطْبَةُ كَذَلِكَ وَالْيَابِسَةُ تَطْهُرُ بِالْحَتِّ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالْمُصَنِّفُ كَأَنَّهُ اخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَقَدْ أَفَادَ الْمُصَنِّفُ طَهَارَتَهُ بِالْمَسْحِ كَنَظَائِرِهِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ تَطْهُرُ حَقِيقَةً وَقِيلَ تَقِلُّ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ اكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ طَهُرَتَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّحِيحِ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ قَطَعَ الْبِطِّيخَ أَوْ اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ الْمَمْسُوحَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يَكُونُ مُطَهِّرًا بِشَرْطِ زَوَالِ الْأَثَرِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمْسَحَهُ بِتُرَابٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ صُوفِ الشَّاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتَاوَى أَيْضًا وَالْمَسَامُّ مَنَافِذُ الشَّيْءِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَرْضُ بِالْيُبْسِ وَذَهَابِ الْأَثَرِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلتَّيَمُّمِ) أَيْ تَطْهُرُ الْأَرْضُ الْمُتَنَجِّسَةُ بِالْجَفَافِ إذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْهَا لِأَثَرِ عَائِشَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا أَيْ طَهَارَتُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الصَّعِيدَ عُلِمَ قَبْلَ التَّنَجُّسِ طَاهِرًا وَطَهُورًا وَبِالتَّنَجُّسِ عُلِمَ زَوَالُ الْوَصْفَيْنِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالْجَفَافِ شَرْعًا أَحَدُهُمَا أَعْنِي الطَّهَارَةَ فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ زَوَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَهُورًا لَا يَتَيَمَّمُ بِهِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ فِي الْفَرْقِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْمَكَانِ ثَبَتَتْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ الَّتِي خَصَّ مِنْهَا حَالَةَ غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْ الْحُجَجِ الْمُجَوِّزَةِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْأَثَرِ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فَإِنَّهُ مِنْ الْحِجَجِ الْمُوجِبَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ فِي الْكَافِي قَالَ بَعْدَهُ وَلِي فِيهِ أَشْكَالٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا عُمُومَ لَهُ فِي الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ تَحْتَ النَّصِّ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ ضَرُورَةً وَالتَّخْصِيصُ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّعْمِيمِ وَلِأَنَّ الطَّيِّبَ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ وَالْمُنْبِتَ وَعَلَى الثَّانِي حَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُرَادَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا وَهُوَ مِنْ الْحُجَجِ الْمُجَوِّزَةِ كَالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ قَيَّدَ بِالْأَرْضِ احْتِرَازًا عَنْ الثَّوْبِ وَالْحَصِيرِ وَالْبَدَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ مُطْلَقًا وَيُشَارِكُ الْأَرْضَ فِي حُكْمِهَا كُلُّ مَا كَانَ ثَابِتًا فِيهَا كَالْحِيطَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْكَلَأِ وَالْقَصَبِ وَغَيْرِهِ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَيْهَا فَيَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ قُطِعَ الْخَشَبُ وَالْقَصَبُ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَيَدْخُلُ فِي الْقَصَبِ الْخُصُّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْبَيْتُ مِنْ الْقَصَبِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا السُّتْرَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى السُّطُوحِ مِنْ الْقَصَبِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَكَذَا الْجِصُّ بِالْجِيمِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَرْضِ بِخِلَافِ اللَّبِنِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْأَرْضِ وَأَمَّا الْحَجَرُ فَذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ إنْ كَانَ الْحَجَرُ أَمْلَسَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ، وَإِنْ كَانَ تَشَرَّبَ النَّجَاسَةَ كَحَجَرِ الرَّحَا فَهُوَ كَالْأَرْضِ وَالْحَصَى بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ، وَأَمَّا اللَّبِنُ وَالْآجُرُّ، فَإِنْ كَانَا مَوْضُوعَيْنِ يُنْقَلَانِ وَيُحَوَّلَانِ فَإِنَّهُمَا لَا يَطْهُرَانِ بِالْجَفَافِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِأَرْضٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّبِنُ مَفْرُوشًا فَجَفَّ قَبْلَ إنْ يُقْلَعَ طَهُرَ بِمَنْزِلَةِ الْحِيطَانِ، وَفِي النِّهَايَةِ إنْ كَانَتْ الْآجُرَّةُ مَفْرُوشَةً فِي الْأَرْضِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْأَرْضَ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَرَّاطِيَّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرَهُ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ نِسْبَةٌ إلَى الْخَرَّاطِ وَهُوَ خَشَبٌ يَخْرُطُهُ الْخَرَّاطُ فَيَصِيرُ صَقِيلًا كَالْمِرْآةِ. (قَوْلُهُ: وَالْبُورِيَّا) الْحَصِيرُ الْمَنْسُوجُ قَامُوسٌ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ فِي الْكَافِي قَالَ بَعْدَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ الْإِطْلَاقُ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ أَيْضًا وَكَذَا الْمُرَادُ بِالتَّخْصِيصِ التَّقْيِيدُ يَعْنِي مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ عِنْدَنَا فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا فَيُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَوْلُهُ وَعَلَى الثَّانِي حَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ مَعَ اشْتِرَاطِهِمَا الطَّهَارَةَ فِيهِ فَيَكُونُ قَطْعِيًّا فَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْحَصَى بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة يُرِيدُ بِهِ إذَا كَانَ الْحَصَى فِي الْأَرْضِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا يَطْهُرُ. اهـ.

رُفِعَ الْآجُرُّ عَنْ الْفَرْشِ هَلْ يَعُودُ نَجَسًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الصَّحِيحِ فِي نَظَائِرِهِ وَأَطْلَقَ فِي الْيُبْسِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالشَّمْسِ كَمَا قَيَّدَهُ الْقُدُورِيُّ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَادَةِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ وَالرِّيحِ وَالظِّلِّ وَقَيَّدَ بِالْيُبْسِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَوْ كَانَتْ رَطْبَةً لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ فَإِنْ كَانَتْ رَخْوَةً تَتَشَرَّبُ الْمَاءَ كُلَّمَا صُبَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا طَهُرَتْ وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَصُبُّ بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ طَهُرَ وَاسْتَحْسَنَ هَذَا صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً إنْ كَانَتْ مُنْحَدِرَةً حَفَرَ فِي أَسْفَلِهَا حَفِيرَةً وَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الْحَفِيرَةِ كَبَسَهَا أَعْنِي الْحَفِيرَةَ الَّتِي فِيهَا الْغُسَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً مُسْتَوِيَةً فَلَا يُمْكِنُ الْغَسْلُ بَلْ يَحْفِرُ لِيَجْعَلَ أَعْلَاهُ فِي أَسْفَلِهِ وَأَسْفَلَهُ فِي أَعْلَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُجَصَّصَةً قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ يُدَلِّكُهَا وَيُنَشِّفُهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ صُوفَةٍ ثَلَاثًا فَتَطْهُرُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ فِي الْإِجَّانَةِ وَالتَّنْشِيفُ بِمَنْزِلَةِ الْعَصْرِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ كَثِيرًا حَتَّى زَالَتْ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى نَشَفَتْ طَهُرَتْ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحِيطِ وَقَيَّدَ بِذَهَابِ الْأَثَرِ الَّذِي هُوَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَفَّتْ وَذَهَبَ أَثَرُهَا بِالرُّؤْيَةِ وَكَانَ إذَا وَضَعَ أَنْفَهُ شَمَّ الرَّائِحَةَ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْفَتَاوَى إذَا احْتَرَقَتْ الْأَرْضُ بِالنَّارِ فَتَيَمَّمَ بِذَلِكَ التُّرَابِ قِيلَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِمُطَهَّرٍ غَيْرِ الْمَائِعَاتِ إذَا أَصَابَهُ مَاءٌ هَلْ يَعُودُ نَجَسًا فَذَكَرَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ وَأَنَّ أَظْهَرَهُمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ تَعُودُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ قَلَّتْ وَلَمْ تَزُلْ وَحَكَى خَمْسَ مَسَائِلَ الْمَنِيَّ إذَا فُرِكَ وَالْخُفَّ إذَا دُلِّكَ وَالْأَرْضَ إذَا جَفَّتْ مَعَ ذَهَابِ الْأَثَرِ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ دِبَاغًا حُكْمِيًّا بِالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالْبِئْرَ إذَا غَارَ مَاؤُهَا، ثُمَّ عَادَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي بَعْضِهَا وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِ عِبَارَاتِهِمْ، فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ فَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُودُ نَجَسًا وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ نَجَسًا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخُفِّ فَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ هُوَ كَالْمَنِيِّ فِي الثَّوْبِ يَعْنِي الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْعَوْدِ وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُودُ نَجَسًا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْأَرْضِ فَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ نَجِسَةً وَقَالَ فِي الْمُجْتَبَى الصَّحِيحُ عَدَمُ عَوْدِ النَّجَاسَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عَدَمُ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْمَنِيِّ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ الْفَرْكِ قَالَ وَكَذَا الْأَرْضُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ، ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ فَأَفَادَ الشَّارِحُ أَنَّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لَكِنْ الْمُتُونُ مُجْمِعَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالدِّبَاغِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ كُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ عَوْدِهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ إذَا غَارَ مَاؤُهَا، ثُمَّ عَادَ فَفِي الْخُلَاصَةِ لَا تَعُودُ نَجِسَةً وَعَزَاهُ إلَى الْأَصْلِ وَيُزَادُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْآجُرَّةُ الْمَفْرُوشَةُ إذَا تَنَجَّسَتْ فَجَفَّتْ، ثُمَّ قُلِعَتْ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْعَوْدِ وَيُزَادُ السِّكِّينُ إذَا مُسِحَتْ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ اخْتَارَ الْقُدُورِيُّ عَوْدَ النَّجَاسَةِ وَاخْتَارَ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَدَمَ الْعَوْدِ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَرْضُ إذَا أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ فَيَبِسَتْ وَذَهَبَ أَثَرُهَا ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَاءُ وَالْمَنِيُّ إذَا فُرِكَ وَالْخُفُّ إذَا دُلِّكَ وَالْجُبُّ إذَا غَارَ مَاؤُهَا، ثُمَّ عَادَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَعُودُ نَجِسًا وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصْحِيحَ وَالِاخْتِيَارَ قَدْ اخْتَلَفَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا كَمَا تَرَى فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا يُفِيدُهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِالطَّهَارَةِ فِي كُلٍّ وَمُلَاقَاةُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنَجُّسَ، وَقَدْ اخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالْعَوْدِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَزُلْ وَإِنَّمَا قَلَّتْ وَلَا يَرِدُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ إذَا دَخَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَائِعِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْحَصَى إذَا تَنَجَّسَتْ وَجَفَّتْ وَذَهَبَ أَثَرُهَا لَا يَطْهُرُ أَيْضًا إلَّا إذَا كَانَ مُتَدَاخِلًا فِي الْأَرْضِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى نَشَفَتْ طَهُرَتْ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ قَالَ لَوْ أَنَّ أَرْضًا أَصَابَهَا نَجَاسَةٌ فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَجَرَى عَلَيْهَا إلَى أَنْ أَخَذَتْ قَدْرَ ذِرَاعٍ مِنْ الْأَرْضِ طَهُرَتْ الْأَرْضُ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي وَفِي الْمُنْتَقَى أَرْضٌ أَصَابَهَا بَوْلٌ أَوْ عَذِرَةٌ، ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَطَرُ غَالِبًا، وَقَدْ جَرَى مَاؤُهُ عَلَيْهَا فَذَلِكَ مُطَهِّرٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ الْمَطَرُ قَلِيلًا لَمْ يَجْرِ مَاؤُهُ عَلَيْهَا لَمْ تَطْهُرْ. اهـ. (قَوْلُهُ إلَّا فِي الْمَنِيِّ) أَيْ وَإِلَّا فِي الْمَحَاجِمِ وَمَحَلِّ الْفَصَادَةِ فَإِنَّ الْمَسْحَ فِيهَا كَالْغُسْلِ كَمَا مَرَّ

وَجَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِغَيْرِ الْمَائِعَاتِ إنَّمَا هُوَ لِسُقُوطِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ عَفْوًا لَا لِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ فَعَنْهُ أَخَذُوا كَوْنَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي النَّجَاسَاتِ عَفْوًا عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ طَهَارَتُهُ أَيْضًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ إلَى هُنَا أَنَّ التَّطْهِيرَ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ بِالْغَسْلِ وَالدَّلْكِ وَالْجَفَافِ وَالْمَسْحِ فِي الصَّقِيلِ دُونَ مَاءٍ وَالْفَرْكُ يَدْخُلُ فِي الدَّلْكِ وَالْخَامِسُ مَسْحُ الْمَحَاجِمِ بِالْمَاءِ بِالْخِرَقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالسَّادِسُ النَّارُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَرْضِ إذَا احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ وَالسَّابِعُ انْقِلَابُ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْخَمْرِ فَلَا خِلَافَ فِي الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ كَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ تَقَعُ فِي الْمُمَلَّحَةِ فَتَصِيرُ مِلْحًا يُؤْكَلُ وَالسِّرْقِينُ وَالْعَذِرَةُ تَحْتَرِقُ فَتَصِيرُ رَمَادًا تَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَضَمَّ إلَى مُحَمَّدٍ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْمُحِيطِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخ اخْتَارُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَتَنْتَفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا فَكَيْفَ بِالْكُلِّ فَإِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ فَإِذَا صَارَ مِلْحًا تَرَتَّبَ حُكْمُ الْمِلْحِ وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ خَمْرًا فَيُنَجَّسُ وَيَصِيرُ خَلًّا فَيَطْهُرُ فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ زَوَالَ الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَرَّعُوا الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ صَابُونٍ صُنِعَ مِنْ زَيْتٍ نَجَسٍ اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى جَعْلُ الدُّهْنِ النَّجَسُ فِي صَابُونٍ يُفْتَى بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَالتَّغْيِيرُ يُطَهِّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَرَمَادُ السِّرْقِينِ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ عَكْسُ الْخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّمَادَ طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجَسٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِيهَا أَيْضًا الْعَذِرَاتُ إذَا دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ حَتَّى صَارَتْ تُرَابًا قِيلَ تَطْهُرُ كَالْحِمَارِ الْمَيِّتِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَمْلَحَةِ فَصَارَ مِلْحًا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ فَارَةٌ وَقَعَتْ فِي دُنِّ خَمْرٍ فَصَارَ خَلًّا يَطْهُرُ إذَا رَمَى بِالْفَأْرَةِ قَبْلَ التَّخَلُّلِ وَإِنْ تَفَسَّخَتْ الْفَأْرَةُ فِيهَا لَا يُبَاحُ، وَلَوْ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْعَصِيرِ ثُمَّ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ ثُمَّ تَخَلَّلَ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَكَذَا لَوْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْعَصِيرِ، ثُمَّ تَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ لَا يَطْهُرُ اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا صُبَّ الْمَاءُ فِي الْخَمْرِ، ثُمَّ صَارَتْ الْخَمْرُ خَلًّا تَطْهُرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَدْخَلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ التَّطْهِيرَ بِالنَّارِ فِي الِاسْتِحَالَةِ وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَقَ مَوْضِعَ الدَّمِ مِنْ رَأْسِ الشَّاةِ وَالتَّنُّورُ إذَا رُشَّ بِمَاءٍ نَجَسٍ لَا بَأْسَ بِالْخَبْزِ فِيهِ، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَكَذَا الطِّينُ النَّجَسُ إذَا جَعَلَ مِنْهُ الْكُوزُ أَوْ الْقِدْرُ وَجُعِلَ فِي النَّارِ يَكُونُ طَاهِرًا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالثَّامِنُ الدِّبَاغُ وَقَدْ مَرَّ، وَالتَّاسِعُ الذَّكَاةُ فَكُلُّ حَيَوَانٍ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْعَاشِرُ النَّزْحُ فِي الْآبَارِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُطَهِّرَاتِ عَشَرَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى نَاقِلًا عَنْ صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ. (قَوْلُهُ: وَعُفِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ كَعَرْضِ الْكَفِّ مِنْ نَجَسٍ مُغَلَّظٍ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخُرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَالرَّوْثُ وَالْخِثْيُ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَأْخُذُهُ الطَّرَفُ كَوَقْعِ الذُّبَابِ مَخْصُوصٌ مِنْ نَصِّ التَّطَهُّرِ اتِّفَاقًا فَيَخُصُّ أَيْضًا قَدْرَ الدِّرْهَمِ بِنَصِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ قَدْرُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْحَجَرُ مُطَهِّرًا حَتَّى لَوْ دَخَلَ فِي قَلِيلِ مَاءٍ نَجَّسَهُ أَوْ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ دُهْنًا نَجِسًا قَدْرَ دِرْهَمٍ فَانْفَرَشَ فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ فِي اخْتِيَارِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَمُخْتَارُ غَيْرِهِمْ الْمَنْعُ فَلَوْ صَلَّى قَبْلَ اتِّسَاعِهِ جَازَتْ وَبَعْدَهُ لَا وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُونَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ فَرْكِ الْمَنِيِّ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ ذَكَرَ مَا نَصُّهُ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَسْعُودِيَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَجِسَتَانِ كَالْمَنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ الْبَحْرِ وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ جَزَمَ هُنَاكَ بِأَنَّ الْمُضْغَةَ نَجِسَةٌ وَنَقَلَ هُنَا عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَأَقَرَّهُ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِنَحِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ لِتَصْرِيحِ النِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ بِذَلِكَ وَلِمَا تَقَدَّمَ فِي النِّفَاسِ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ السِّقْطَ إذَا لَمْ يَسْتَبِنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا عِبْرَةَ لَهُ أَصْلًا وَهُوَ كَالدَّمِ. اهـ. فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِينِ الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ مُضْغَةً غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ حُكْمَهَا كَالدَّمِ يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَةِ الدَّمِ كَالنُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَهُمَا نَجِسَتَانِ فَتَكُونُ الْمُضْغَةُ نَجِسَةً فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ التَّنَاقُضِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْقَوْلُ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى الْمُضْغَةِ الْغَيْرِ الْمُخَلَّقَةِ أَيْ الَّتِي لَمْ تُنْفَخْ فِيهَا الرُّوحُ وَالْقَوْلُ بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْمُضْغَةِ الْمُخَلَّقَةِ أَيْ الَّتِي نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ لِمَا نَقَلْنَاهُ فِي النِّفَاسِ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5] أَنَّ التَّخْلِيقَ بِنَفْخِ الرُّوحِ فَالْمُخَلَّقَةُ مَا نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهَا الرُّوحُ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نَفْخُ الرُّوحِ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. (قَوْلُهُ: لَا يَمْنَعُ) قَالَ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَبِهِ يُفْتَى لَكِنْ فِي الْمُنْيَةِ وَشَرْحِهَا وَبِهِ أَيْ بِالْقَوْلِ الثَّانِي يُؤْخَذُ

النَّجَاسَةَ حِينَئِذٍ وَاحِدَةٌ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّدًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَا طَاقَيْنِ لِتَعَدُّدِهَا فَيَمْنَعُ وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ لَوْ صَلَّى مَعَ دِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَ وَجْهِهِ وَهُوَ جَوَاهِرُ سُمْكِهِ وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفُذُ نَفْسُ مَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ فَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ مُتَّحِدَةً فِيهِمَا، ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ الْمُتَنَجِّسُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ أَوْ الْحَمَامُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَى رَأْسِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ فَلَمْ يَكُنْ حَامِلَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ مَنْ لَا يَسْتَمْسِكُ حَيْثُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ حَمَلَ مَيِّتًا إنْ كَانَ كَافِرًا لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يُغَسَّلْ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ غُسِّلَ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَمُرَادُهُ مِنْ الْعَفْوِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِدُونِ إزَالَتِهِ لَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لِمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهَا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَقَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ نُظِرَ إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَالْأَفْضَلُ إزَالَتُهَا وَاسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ، فَإِنْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ وَيَجِدُ جَمَاعَةً آخَرِينَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ الْجَائِزَةِ بِيَقِينٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَقْطَعُهَا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ لِتَجْوِيزِهِمْ رَفْضَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِهَا وَلَا تُرْفَضُ لِأَجْلِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا وَسَوَّى فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَرَفَضِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ وَيَكُونُ مُسِيئًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْسِلَهَا وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا اهـ. وَأَرَادَ بِالدِّرْهَمِ الْمِثْقَالَ الَّذِي وَزْنُهُ عِشْرُونَ قِيرَاطًا وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ زَمَانٍ دِرْهَمُهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَعَرْضِ الْكَفِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَسْطُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَالْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ وَوَفَّقَ الْهِنْدُوَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمِسَاحَةِ فِي الرَّقِيقِ كَالْبَوْلِ وَرِوَايَةَ الْوَزْنِ فِي الثَّخِينِ وَاخْتَارَ هَذَا التَّوْفِيقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَصَاحِبُ الْمُجْتَبَى وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ إعْمَالَ الرِّوَايَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى خُصُوصًا مَعَ مُنَاسَبَةِ هَذَا التَّوْزِيعِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ فَقَالَ إذَا كَانَ مِثْلَ ظُفْرِي هَذَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَظُفْرُهُ كَانَ مِثْلُ الْمِثْقَالِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَقَالَ النَّخَعِيّ أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا مِقْدَارُ الْمَقْعَدَةِ فَاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ وَقَالُوا مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ وَالْمُرَادُ بِعَرْضِ الْكَفِّ مَا وَرَاء مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ صَرِيحًا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْعَرْضُ أَوْ الْوَزْنُ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ فِي الْهِدَايَةِ رِوَايَةَ الْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي النَّوَادِرِ وَرِوَايَةُ الْوَزْنِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً إنَّمَا أُشِيرَ إلَيْهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ حَيْثُ قَالَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالِيُّ إلَيْهِ أَشَارَ فِي الْبَدَائِعِ وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا يَثْبُتُ بِهِ التَّغْلِيظُ وَالتَّخْفِيفُ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّخْفِيفُ وَالتَّغْلِيظُ بِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَعَدَمِهِ وَقَالَا بِالِاخْتِلَافِ وَعَدَمِهِ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ نَصٌّ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةِ شَيْءٍ فَهُوَ مُغَلَّظٌ، وَإِنْ تَعَارَضَ نَصَّانِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا إنْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَهُوَ مُغَلَّظٌ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَهُوَ مُخَفَّفٌ هَكَذَا تَوَارَدَتْ كَلِمَتُهُمْ وَزَادَ فِي الِاخْتِيَارِ فِي تَفْسِيرِ الْغَلِيظَةِ عِنْدَهُ وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ إلَخْ) أَيْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ إلَخْ) أَقُولُ: إنْ كَانَ مُرَادُهُ الْكَرَاهَةَ فِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بَلْ لِإِطْلَاقِهِ لَهَا كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ حَيْثُ تَنْصَرِفُ إلَى التَّحْرِيمِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا أَيْ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَمَمْنُوعٌ بِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي بَلْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ لِقَوْلِهِ فَالْأَفْضَلُ إزَالَتُهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ عَدَمَ الْإِزَالَةِ فُضَيْلٍ وَلَا فَضِيلَةَ فِي الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مُسَلَّمٌ فِي الدِّرْهَمِ لَا فِيمَا دُونَهُ فَعِبَارَةُ السِّرَاجِ حِينَئِذٍ كَعِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ يَجِبُ وَإِنْ زَادَ يُفْرَضُ. اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ إنْ كَانَ مُقْتَدِيًا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَغَسَلَ النَّجَاسَةَ يُدْرِكُ إمَامَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُ الثَّوْبَ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ لِلْإِكْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يُدْرِكُ جَمَاعَةً أُخْرَى فَلَا. اهـ. وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا الْقَطْعَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ. اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي قَوْلِهِ وَلَا تُرْفَضُ لِأَجْلِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَالْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا مَوْجُودَةٌ عَقِبَ قَوْلِهِ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِعَرْضِ الْكَفِّ إلَخْ) قَالَ مُنْلَا مِسْكِينٌ وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تَغْرِفَ الْمَاءَ بِالْيَدِ

وَفِي تَفْسِيرِهَا عِنْدَهُمَا وَلَا بَلْوَى فِي إصَابَتِهِ فَظَهَرَ بِهِ أَنَّ عِنْدَهُ كَمَا يَكُونُ التَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ يَكُونُ بِعُمُومِ الْبَلْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنْ وَرَدَ نَصٌّ وَاحِدٌ فِي نَجَاسَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَكَذَا عِنْدَهُمَا كَمَا يَكُونُ التَّخْفِيفُ بِالِاخْتِلَافِ يَكُونُ أَيْضًا بِعُمُومِ الْبَلْوَى فِي إصَابَتِهِ وَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَيَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِدْقِ الْقَضِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْكَافِي وَهِيَ أَنَّ مَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ خَفَّتْ قَضِيَّتُهُ نَعَمْ قَدْ يَقَعُ النِّزَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فِي وُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ فَيَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إذَا كَانَ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي نَجَاسَةِ شَيْءٍ يُضْعِفُ حُكْمَهُ بِمُخَالَفَةِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَهُمَا فَيَثْبُتُ بِهِ التَّخْفِيفُ فَضَعْفُهُ بِمَا إذَا وَرَدَ نَصٌّ آخَرُ يُخَالِفُهُ يَكُونُ بِطَرِيقِ أَوْلَى فَيَكُونُ حِينَئِذٍ التَّخْفِيفُ بِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ التَّخْفِيفِ بِالِاخْتِلَافِ فَعِنْدَهُ لَا يَثْبُتُ وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي قَالَ وَكَأَنَّ مَنْ هُنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ الرَّوْثِ وَالْخِثْيِ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ مَعَ فَقْدِ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ، ثُمَّ عَلَى طَرْدِ أَنَّهُ يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا بِالتَّعَارُضِ كَمَا بِاخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الِاعْتِذَارِ لِمُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ بِطَهَارَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ الْمُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ عِنْدَهُمَا الْخِلَافُ الْمُسْتَقَرُّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَاضِينَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ وُجُودِهِمَا أَوْ الْكَائِنِينَ فِي عَصْرِهِمَا لَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ سُؤْرَ الْحِمَارِ فَإِنَّ تَعَارُضَ النَّصَّيْنِ قَدْ وُجِدَ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالنَّجَاسَةِ أَصْلًا وَعَلَى قَوْلِهِمَا الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ مُغَلَّظٌ اتِّفَاقًا مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ وَفِي الْكَافِي وَخِفَّةُ النَّجَاسَةِ تَظْهَرُ فِي الثِّيَابِ لَا فِي الْمَاءِ. اهـ. وَالْبَدَنُ كَالثِّيَابِ وَأَرَادَ بِالدَّمِ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ غَيْرَ دَمِ الشَّهِيدِ فَخَرَجَ الدَّمُ الْبَاقِي فِي اللَّحْمِ الْمَهْزُولِ إذَا قُطِعَ وَالْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَالدَّمُ الَّذِي فِي الْكَبِدِ الَّذِي يَكُونُ مَكْمَنًا فِيهِ لَا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا دَمُ قَلْبِ الشَّاةِ فَفِي رَوْضَةِ النَّاطِفِيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَدَمِ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ نَجَسٌ وَقِيلَ طَاهِرٌ وَخَرَجَ الدَّمُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ كَمَا سَيَأْتِي وَدَمُ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ، وَإِنْ كَثُرَ وَدَمُ السَّمَكِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَدَخَلَ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَكُلُّ دَمٍ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ وَدَمُ الْحَلَمَةِ وَالْوَزَغِ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ سَائِلًا وَفِي الْمُحِيطِ وَدَمُ الْحَلَمَةِ نَجَسٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ قُرَادٌ وَحَمْنَانَةٌ وَحَمَلَةٌ فَالْقُرَادُ أَصْغَرُ أَنْوَاعِهِ وَالْحَمْنَانَةُ أَوْسَطُهَا وَلَيْسَ لَهُمَا دَمٌ سَائِلٌ وَالْحَلَمَةُ أَكْبَرُهَا وَلَهَا دَمٌ سَائِلٌ وَدَمُ كُلِّ عِرْقٍ نَجَسٌ وَكَذَا الدَّمُ السَّائِلُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. وَأَمَّا دَمُ الشَّهِيدِ فَهُوَ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ فَإِذَا أُبِينَ مِنْهُ كَانَ نَجِسًا، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ مُلَطَّخًا بِهِ فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ وَأَرَادَ بِالْبَوْلِ كُلَّ بَوْلٍ سَوَاءٌ كَانَ بَوْلَ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بَوْلَ الْخُفَّاشِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي وَإِلَّا بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِتَخْفِيفِهِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ بَوْلَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ وَشَمَلَ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ بَوْلُ الْهِرَّةِ أَوْ الْفَأْرَةِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ لَا يُفْسِدُ وَقِيلَ إنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَفْسَدَ وَهُوَ الظَّاهِرُ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا بَالَتْ الْهِرَّةُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ عَلَى الثَّوْبِ تَنَجَّسَ وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَنْجُسُ الْإِنَاءُ دُونَ الثَّوْبِ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ لِعَادَةِ تَخْمِيرِ الْأَوَانِي كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُحِيطِ وَخُرْءُ الْفَأْرَةِ وَبَوْلُهَا نَجَسٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQثُمَّ تَبْسُطَ فَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِقْدَارُ الْكَفِّ. (قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ الْخِلَافِ إلَخْ) أَيْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ وَدَمُ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ) وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَقِّ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ مِنْ الشَّامِ فَقَالَ اُنْظُرُوا إلَى قِلَّةِ حَيَاءِ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّهُ مِنْ قَوْمٍ أَرَاقُوا دَمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَاءَنِي يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَقِّ فَعَدَّ الْحَسَنُ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ التَّعَمُّقِ وَكَرِهَ لَهُ التَّكَلُّفَ لِمَا فِيهِ مِنْ حَرَجِ النَّاسِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ وَلَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ الصَّعْبَةِ» اهـ. مَا فِي النِّهَايَةِ فَرَائِدُ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا دَمُ الشَّهِيدِ فَهُوَ طَاهِرٌ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ؛ لِأَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لِضَرُورَةِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الدَّمِ بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَصَلَ الدَّمُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجَسًا حَتَّى لَوْ أَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَكْبَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ لِانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَسْقُطْ اعْتِبَارُ نَجَاسَتِهِ ذَكَرَهُ رَضِيُّ الدِّينِ فِي الْمُحِيطِ، ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّظَرَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ التَّعْلِيلِ لِجَوَازِ صَلَاةِ حَامِلِ الشَّهِيدِ الْمُتَلَطِّخِ بِدِمَائِهِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ يُفِيدُ جَوَازَ صَلَاةِ حَامِلِ الْمُسْلِمِ الْمَيِّتِ الْمَغْسُولِ الَّذِي لَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ تَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَذْكُورَةَ بِهِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّهِيدِ اتِّفَاقِيٌّ وَظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّضِيعِ الْمَذْكُورَةِ يُفِيدُ عَامَّ جَوَازِ صَلَاةِ حَامِلِ الْمُسْلِمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَوْجَهُ وَحِينَئِذٍ فَوَضْعُهُ فِي الشَّهِيدِ غَيْرُ اتِّفَاقِيٍّ وَيَحْتَاجُ إلَى تَعْلِيلٍ غَيْرِ الْمَذْكُورِ لَهَا إلَى آخِرِ مَا قَالَ الْحِلْيَةُ فَرَاجِعْهُ

؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ فِي الْمَاءِ وَغَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ فَصَارَ مَعْفُوًّا فِيهِمَا. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ يَنْجُسُ الْإِنَاءُ أَيْ إنَاءَ الْمَاءِ لَا مُطْلَقَ الْإِنَاءِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ بَوْلُ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْؤُهُمَا نَجَسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخُرْؤُهَا لَا يُفْسِدُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ. اهـ. وَبِهَذَا كُلِّهِ ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ التَّجْنِيسِ بِنَقْلِ الِاتِّفَاقِ بِقَوْلِهِ بَالَ السِّنَّوْرُ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ بَوْلَهُ نَجَسٌ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَكَذَا لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ أَفْسَدَهُ اتِّفَاقُ الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ لَا مُطْلَقًا لِوُجُودِ الْخِلَافِ كَمَا عَلِمْت وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ لَيْسَ بِنَجَسٍ لِلضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ بَوْلُ الْفَأْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ قَالَ آخِرًا وَبَوْلُ الْهِرَّةِ نَجَسٌ إلَّا عَلَى قَوْلٍ شَاذٍّ وَفِيهَا أَيْضًا وَمَرَارَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَبَوْلِهِ وَجِرَّةُ الْبَعِيرِ حُكْمُهَا حُكْمُ سِرْقِينِهِ؛ لِأَنَّهُ تَوَارَى فِي جَوْفِهِ وَالْجِرَّةُ بِالْكَسْرِ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ جَوْفِهِ إلَى فَمِهِ فَيَأْكُلُهُ ثَانِيًا وَالسِّرْقِينُ الزِّبْلُ وَأَشَارَ بِالْبَوْلِ إلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يُوجِبُ خُرُوجُهُ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ فَهُوَ مُغَلَّظٌ كَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْقَيْءِ إذَا مَلَأَ الْفَمَ، أَمَّا مَا دُونَهُ فَطَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَيَّدَ بِالْخَمْرِ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَالطِّلَاءِ وَالسُّكَّرِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِوَايَاتٍ فِي رِوَايَةٍ مُغَلَّظَةٌ وَفِي أُخْرَى مُخَفَّفَةٌ وَفِي أُخْرَى طَاهِرَةٌ ذَكَرَهَا فِي الْبَدَائِعِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ مُغَلَّظٌ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا قَطْعِيَّةٌ وَحُرْمَةُ غَيْرِ الْخَمْرِ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ التَّغْلِيظِ لِلْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ فِيهِ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً لَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّغْلِيظِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّجَاسَاتِ الْغَلِيظَةِ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَالْعَمَلُ بِالظَّنِّيِّ وَاجِبٌ قَطْعًا فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ وُجُوبِ مُقْتَضَاهُ ظَنِّيًّا وَالْأَوْلَى أَنْ يُرِيدَ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ. اهـ. وَفِي الْعِنَايَةِ الْمُرَادُ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَتَجَاذُبِ الِاجْتِهَادِ وَالضَّرُورَاتِ الْمُخَفَّفَةِ. اهـ. وَأَشَارَ بِخُرْءِ الدَّجَاجِ إلَى خُرْءِ كُلِّ طَيْرٍ لَا يَذْرِقُ فِي الْهَوَاءِ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ لِوُجُودِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ فِيهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْتَقْذِرًا لِتَغْيِيرِهِ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادِ رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الْعَذِرَةَ، وَفِي الْإِوَزِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ نَجَسٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَخُرْءُ الْبَطِّ إذَا كَانَ يَعِيشُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَطِيرُ فَكَالدَّجَاجِ، وَإِنْ كَانَ يَطِيرُ وَلَا يَعِيشُ بَيْنَ النَّاسِ فَكَالْحَمَامَةِ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ خُرْءَ الطُّيُورِ الَّتِي تَذْرِقُ فِي الْهَوَاءِ نَوْعَانِ فَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالْحَمَّامِ وَالْعُصْفُورِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْآبَارِ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْحِدَأَةِ فَسَيَذْكُرُ أَنَّهُ مُخَفَّفٌ وَفِيهِ خِلَافٌ نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَصَرَّحَ بِبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مَعَ كَوْنِهِ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْبَوْلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَوْلِ بَوْلُ الْآدَمِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَمَا سَيَأْتِي وَأَشَارَ بِالرَّوْثِ وَالْخِثْيِ إلَى نَجَاسَةِ خُرْءِ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الطُّيُورِ فَالرَّوْثُ لِلْحِمَارِ وَالْفَرَسِ وَالْخِثْيُ لِلْبَقَرِ وَالْبَعْرُ لِلْإِبِلِ وَالْغَائِطُ لِلْآدَمِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي تَغْلِيظِ غَائِطِ الْآدَمِيِّ وَنَجْوِ الْكَلْبِ وَرَجِيعِ السِّبَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ فَعِنْدَهُ غَلِيظَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي الرَّوْثَةِ أَنَّهَا رِكْسٌ» أَيْ نَجَسٌ وَلَمْ يُعَارَضْ وَعِنْدَهُمَا خَفِيفَةٌ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى طَهَارَتَهَا وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ حَتَّى رَجَعَ مُحَمَّدٌ آخِرًا إلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرَّوْثُ، وَإِنْ فَحُشَ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَرَأَى بَلْوَى النَّاسِ مِنْ امْتِلَاءِ الطُّرُقِ وَالْخَانَاتِ بِهَا وَقَاسَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا طِينَ بُخَارَى؛ لِأَنَّ مَشْيَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ فِيهَا وَاحِدٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُرْوَى رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ حَتَّى إذَا أَصَابَتْهُ عَذِرَةٌ يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ لَيْسَ بِنَجَسٍ لِلضَّرُورَةِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَعَزَاهُ إلَى التَّتَارْخَانِيَّة

[جلدة آدمي إذا وقعت في الماء القليل]

وَفِي الرَّوْثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلْكِ عِنْدَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعَمَلِ النَّصُّ لَا الْخِلَافُ وَالْبَلْوَى فِي النِّعَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُهَا حَتَّى طَهُرَتْ بِالدَّلْكِ فَإِثْبَاتُ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَمَا قِيلَ إنَّ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ عِنْدَهُ كَبَوْلِ الْإِنْسَانِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ تُعْتَبَرُ إذَا تَحَقَّقَتْ بِالنَّصِّ النَّافِي لِلْحَرَجِ وَهُوَ لَيْسَ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالشَّعِيرُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بَعْرِ الْإِبِلِ وَالشَّاةِ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ بِخِلَافِ مَا يُوجَدُ فِي خِثْيِ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَابَةَ فِيهِ، خُبْزٌ وُجِدَ فِي خِلَالِهِ خُرْءُ الْفَأْرَةِ، فَإِنْ كَانَ صُلْبًا يُرْمَى الْخُرْءُ وَيُؤْكَلُ الْخُبْزُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ خُرْءُ الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَ فِي إنَاءِ الدُّهْنِ أَوْ الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ فِي الْحِنْطَةِ. اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُفْسِدُهُ وَفِيهَا أَيْضًا الْبَعْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ عِنْدَ الْحَلْبِ فَرُمِيَ قَبْلَ التَّفَتُّتِ لَا يَتَنَجَّسُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَشَى فِي الطِّينِ أَوْ أَصَابَهُ لَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ غَسْلُهُ وَلَوْ صَلَّى بِهِ جَازَ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ وَجْهُ دِينِهِ وَمَفَاتِيحُ رِزْقِهِ وَأَوَّلُ مَا يُسْأَلُ فِي الْمَوْقِفِ وَأَوَّلُ مَنْزِلَةِ الْآخِرَةِ لَا غَايَةَ لَهُ وَلِهَذَا قُلْنَا حَمْلُ الْمُصَلَّى أَيْ السَّجَّادَةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فِي زَمَانِنَا، دَخَلَ مَرْبِطًا وَأَصَابَ رِجْلَهُ الْأَرْوَاثُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ مَا لَمْ يَفْحُشْ. اهـ. وَهُوَ تَرْجِيحٌ لِقَوْلِهِمَا فِي الْأَرْوَاثِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ نَقَلُوا فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى وَالشُّرُوحِ فُرُوعًا وَنَصُّوا عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِالتَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُغَلَّظَةٌ وَأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ وَدَخَلَ فِيهَا بَعْضُ الطَّاهِرَاتِ تَبَعًا فِي الذَّكَرِ فَمِنْهَا الْأَسْآرُ النَّجِسَةُ وَمِنْهَا مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ جِلْدُ الْحَيَّةِ نَجَسٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَذْبُوحَةً؛ لِأَنَّ جِلْدَهَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ بِخِلَافِ قَمِيصِهَا فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَالدُّودَةُ السَّاقِطَةُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجِسَةٌ بِخِلَافِ السَّاقِطَةِ مِنْ اللَّحْمِ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ الْحِمَارُ إذَا شَرِبَ مِنْ الْعَصِيرِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ، الرِّيحُ إذَا مَرَّتْ بِالْعَذِرَاتِ وَأَصَابَتْ الثَّوْبَ الْمَبْلُولَ يَتَنَجَّسُ إنْ وُجِدَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَاتِ قِيلَ يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ بِهَا وَقِيلَ لَا يَتَنَجَّسُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ مَا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ فَالْأَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَهُ وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجَسٌ. جِلْدَةُ آدَمِيٍّ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تُفْسِدُهُ إذَا كَانَتْ قَدْرَ الظُّفْرِ وَالظُّفْرُ لَوْ وَقَعَ بِنَفْسِهِ لَا يُفْسِدُهُ، الْكَافِرُ الْمَيِّتُ نَجَسٌ قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَهُ وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ وَعَظْمُ الْآدَمِيِّ نَجَسٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَالْأُذُنُ الْمَقْطُوعَةُ وَالسِّنُّ الْمَقْلُوعَةُ طَاهِرَتَانِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِمَا، وَإِنْ كَانَتَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَسْنَانِ السَّاقِطَةِ إنَّهَا نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِهِ الْأُذُنُ نَجَسٌ وَبِهِ نَأْخُذُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي صَلَاةِ الْأَثَرِ سِنٌّ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يَفْسُدُ وَإِذَا طُحِنَتْ وَفِي الْحِنْطَةِ لَا تُؤْكَلُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّ سِنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى إذَا أَثْبَتَهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ أَثْبَتَ سِنَّ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ وَقَالَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْنِي وَسِنُّ الْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ صُلْبًا إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ زَادَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَإِنْ كَانَ مُتَفَتِّتًا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ يُؤْكَلُ أَيْضًا اهـ. [جِلْدَةُ آدَمِيٍّ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ] (قَوْلُهُ: جِلْدُهُ الْآدَمِيِّ إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَا يُفْسِدُهُ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَشَايِخِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا أَفْسَدَهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يُفْسِدُهُ وَأَفَادَ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا كَانَ مِقْدَارَ الظُّفُرِ وَأَنَّ الْقَلِيلَ مَا دُونَهُ، ثُمَّ فِي مُحِيطِ الشَّيْخِ رَضِيِّ الدِّينِ تَعْلِيلًا لِفَسَادِ الْمَاءِ بِالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ، وَقَدْ بَانَ مِنْ الْحَيِّ فَيَكُونُ نَجَسًا إلَّا أَنَّ فِي الْقَلِيلِ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَفِيهِ قَبْلَ هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ عَصَبُ الْمَيْتَةِ وَجِلْدُهَا إذَا يَبِسَ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّ بِالْيُبْسِ زَالَتْ عَنْهُ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ. اهـ. وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُلْتَقَطِ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ إلَى أَحَدٍ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي تَقْيِيدُ جِلْدِ الْآدَمِيِّ الْكَثِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِهِ رَطْبًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ فَسَادَ الْمَاءِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ قَلِيلًا. اهـ. مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ (قَوْلُهُ: وَسِنُّ الْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ طَاهِرَةٌ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ تَأَمَّلْهُ مَعَ قَوْلِهِمْ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ وَلَوْ سِنًّا فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ نَجَاسَةُ سِنِّ الْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ هَذَا وَفِي الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَةِ سِنِّ الْآدَمِيِّ بُعْدٌ وَأَقُولُ: فِي نَجَاسَةِ السِّنِّ إشْكَالٌ هُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَظْمًا أَوْ عَصَبًا وَكِلَاهُمَا طَاهِرٌ، أَمَّا الْعَظْمُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَأَمَّا الْعَصَبُ فَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَحَكَى فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيهِ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَّحِدَا حُكْمًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. اهـ. أَقُولُ: إشْكَالُهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَمَا بَحَثَهُ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِي إلَخْ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ، فَإِنْ كَانَ سِنَّ نَفْسِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ إذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ كَانَ سِنَّ غَيْرِهِ وَزَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ السِّنِّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ طَرَفُ عَصَبٍ وَفِي نَجَاسَةِ الْعَصَبِ رِوَايَتَانِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ قَالَ فِيهَا وَعَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا خِلَافَ فِي السِّنِّ بَيْنَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ طَاهِرٌ وَالْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّ عَظْمَ الْأَسْنَانِ نَجَسٌ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْكَافِي. اهـ. فَقَطْ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ

طَاهِرَةٌ وَجِلْدُ الْكَلْبِ نَجَسٌ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ هُوَ الْمُخْتَارُ وَمَاءُ فَمِ الْمَيِّتِ نَجَسٌ بِخِلَافِ مَاءِ فَمِ النَّائِمِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَلَمْ يَمْسَحْهُ فِي الْمِنْدِيلِ حَتَّى فَسَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ وَلَكِنْ ابْتَلَّ السَّرَاوِيلُ بِالْعَرَقِ أَوْ بِالْمَاءِ، ثُمَّ فَسَا وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَاءُ الْمُطَابِقِ نَجَسٌ قِيَاسًا وَلَيْسَ بِنَجَسٍ اسْتِحْسَانًا وَصُورَتُهُ إذَا احْتَرَقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَأَصَابَ مَاءُ طَابَقٍ ثَوْبَ إنْسَانٍ لَا يُفْسِدُهُ اسْتِحْسَانًا مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَكَذَا الْإِصْطَبْلُ إذَا كَانَ حَارًّا وَعَلَى كُوَّتِهِ طَابَقٌ، أَوْ بَيْتُ الْبَالُوعَةِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَابَقٌ وَتَقَاطَرَ مِنْهُ وَكَذَا الْحَمَّامُ إذَا أُهْرِيقَ فِيهِ النَّجَاسَاتُ فَعَرِقَ حِيطَانُهَا وَكُوَّتِهَا وَتَقَاطَرَ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَرَشَّحَ فِي أَسْفَلِ الْكُوزِ فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ نَجَسًا؛ لِأَنَّ الْبِلَّةَ فِي أَسْفَلِ الْكُوزِ صَارَ نَجَسًا بِبُخَارِ الْإِصْطَبْلِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَتَنَجَّسُ؛ لِأَنَّ الْكُوزَ طَاهِرٌ وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهِ طَاهِرٌ فَمَا تَرَشَّحَ مِنْهُ يَكُونُ طَاهِرًا، إذَا صَلَّى وَمَعَهُ فَأْرَةٌ أَوْ هِرَّةٌ أَوْ حَيَّةٌ تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَقَدْ أَسَاءَ وَكَذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِسُؤْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي كُمِّهِ ثَعْلَبٌ أَوْ جَرْوُ كَلْبٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُ نَجَسٌ، ثَوْبٌ أَصَابَهُ عَصِيرٌ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ أَيَّامٌ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَمْرًا فِي الثَّوْبِ، وَالْمِسْكُ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُؤْكَلُ فِي الطَّعَامِ وَيُجْعَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمِسْكَ دَمٌ؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَمًا فَقَدْ تَغَيَّرَتْ فَيَصِيرُ طَاهِرًا كَرَمَادِ الْعَذِرَةِ، التُّرَابُ الطَّاهِرُ إذَا جُعِلَ طِينًا بِالْمَاءِ النَّجَسِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ الصَّحِيحُ أَنَّ الطِّينَ نَجَّسَ أَيُّهُمَا مَا كَانَ نَجَسًا، وَإِذَا بُسِطَ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ الْيَابِسُ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ مُبْتَلَّةٍ فَظَهَرَتْ الْبِلَّةُ فِي الثَّوْبِ لَكِنْ لَمْ يَصِرْ رَطْبًا وَلَا بِحَالٍ لَوْ عُصِرَ يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ مُتَقَاطِرٌ لَكِنْ مَوْضِعُ النَّدْوَةِ يُعْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ نَجَسًا، وَكَذَا لَوْ لَفَّ الثَّوْبَ النَّجَسَ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَالنَّجَسُ رَطْبٌ مُبْتَلٌّ وَظَهَرَتْ نَدْوَتُهُ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ لَكِنْ لَمْ يَصِرْ بِحَالٍ لَوْ عُصِرَ يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ مُتَقَاطِرٌ لَا يَصِيرُ نَجَسًا. اهـ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلطَّاهِرِ أَيُّهُمَا كَانَ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ الطَّاهِرِ إذَا جُعِلَ طِينًا بِالْمَاءِ النَّجَسِ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَصْحِيحِ قَاضِي خَانْ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهَا طَيْرُ الْمَاءِ مَاتَ فِيهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْعَصَبِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ) سَيَأْتِي عَنْ مَآلِ الْفَتَاوَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِنَجَسٍ اسْتِحْسَانًا) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ الضَّرُورَةُ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ أَوْ تَعَسُّرُهُ إذْ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهُ الِاسْتِحْسَانِ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ اسْتَقْطَرَتْ النَّجَاسَةُ فَمَائِيَّتُهَا نَجِسَةٌ بِخِلَافِ سَائِرِ أَجْزَائِهَا لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فَبَقِيَ الْقِيَاسُ فِيهَا بِلَا مُعَارِضٍ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يُسْتَقْطَرُ مِنْ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ الْمُسَمَّى بِالْعِرْقِيِّ فِي وِلَايَةِ الرُّومِ نَجَسٌ حَرَامٌ كَسَائِرِ أَصْنَافِ الْخَمْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ لَفَّ الثَّوْبَ) النَّجَسَ إلَى قَوْلِهِ لَا يَصِيرُ نَجَسًا قَالَ فِي الْمُنْيَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ نَجَسًا قَالَ فِي شَرْحِهَا، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَكَثِيرٌ ذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَى خِلَافٍ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا يَبْقَى مِنْ الرُّطُوبَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَقَاطَرُ بَعْدُ لَوْ عُصِرَ لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى النَّدَاوَةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَوْلَى لِوُجُودِ النَّجَاسَةِ بِكَمَالِهَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي سَرَتْ مِنْهُ الرُّطُوبَةُ كَمَا فِي الَّذِي عُصِرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً فَزَالَتْ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى حَدِّ النِّهَايَةِ فَهِيَ الرُّطُوبَةُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ عَصْرِ الثَّالِثَةِ يُعْفَى عَنْهَا حِينَئِذٍ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فَابْتَدَأَتْ بِالثَّوْبِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَمَا دَامَتْ الْبِدَايَةُ مِثْلَ تِلْكَ النِّهَايَةِ فِي عَدَمِ التَّقَاطُرِ بِالْعَصْرِ يُعْفَى عَنْهَا كَمَا عُفِيَ هُنَاكَ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ عَصْرِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِهَايَةٍ فَالْحَاصِلُ قِيَاسُ ابْتِدَاءِ النَّجَاسَةِ فِيمَا هُوَ طَاهِرٌ عَلَى انْتِهَائِهَا فِيمَا كَانَ نَجَسًا فَلْيُتَأَمَّلْ وَإِذَا فُهِمَ هَذَا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّوْبِ الْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ بِخِلَافِ الْمَبْلُولِ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ النَّدَاوَةَ حِينَئِذٍ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ بِالْعَصْرِ كَمَا لَوْ عَصَرَ الثَّوْبَ الْمَبْلُولَ بِالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ حَتَّى انْقَطَعَ التَّقَاطُرُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَكَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبْلُولُ مُتَلَوِّنًا بِلَوْنٍ أَوْ مُتَكَيِّفًا بِرِيحٍ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي الطَّاهِرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَمَا لَوْ غَسَلَ ذَلِكَ النَّجَسَ وَلَمْ يَزُلْ أَثَرُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْمَشَقَّةِ حَيْثُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ فَكَذَا هَذَا إلْحَاقًا لِلْبِدَايَةِ بِالنِّهَايَةِ عَلَى مَا مَرَّ هَذَا وَقَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِبَلِّ الثَّوْبِ وَعَصْرِهِ نَبْعُ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تَقَرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا، ثُمَّ تَرْجِعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالِطِ فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَصْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدَاوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ. اهـ. وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ وَفِي الْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالدُّرَرِ وَمَتْنِ الْمُلْتَقَى وَمَتْنِ التَّنْوِيرِ وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَكُلُّهُمْ أَطْلَقُوهُ عَنْ ذِكْرِ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَصْحِيحِ قَاضِي خَانْ) أَقُولُ: قَدْ مَشَى فِي الْمُنْيَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ

لَا يُفْسِدُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَفِي غَيْرِهِ يُفْسِدُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ غُسَالَةُ الْمَيِّتِ نَجِسَةٌ أَطْلَقَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَكُونُ نَجَسًا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْمَيِّتِ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ غَالِبًا وَدُخَانُ النَّجَاسَةِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ، بَيْضُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إذَا انْكَسَرَ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ فَأَصَابَهُ مِنْ مَائِهِ وَمُحِّهِ فِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ نَجَسٌ اعْتِبَارًا بِلَحْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَلَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ وَقِيلَ هُوَ طَاهِرٌ اعْتِبَارًا بِبِيضِ الدَّجَاجَةِ الْمَيِّتَةِ. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى وَفِي نَجَاسَةِ الْقَيْءِ وَمَاءِ الْبِئْرِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَمَاتَتْ رِوَايَتَانِ وَسُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ غَلِيظَةٌ وَغُسَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ غَلِيظَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى تَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ وَالثَّانِيَةُ بِالثِّنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ بِالْوَاحِدَةِ. اهـ. وَفِيمَا عَدَا الْأَخِيرَةَ نَظَرٌ بَلْ الرَّاجِحُ التَّغْلِيظُ فِي الْقَيْءِ وَمَاءِ الْبِئْرِ الْمُتَنَجِّسِ، وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَلَيْسَ بِنَجَسٍ أَصْلًا بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ فَأْرَةٌ مَاتَتْ فِي الْخَمْرِ وَتَخَلَّلَتْ طَابَ الْخَلُّ فِي رِوَايَةٍ هُوَ الصَّحِيحُ فَأْرَةٌ مَاتَتْ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ يُقَوَّرُ مَا حَوْلَهَا وَيُرْمَى وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي، فَإِنْ كَانَ مَائِعًا لَا يُؤْكَلُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ وَيُدْبَغُ بِهِ الْجِلْدُ وَالتَّشَرُّبُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَدَكُ الْمَيْتَةِ يُسْتَصْبَحُ بِهِ وَلَا يُدْبَغُ بِهِ الْجِلْدُ. اهـ. وَفِي عُدَّةِ الْفَتَاوَى إذَا وَجَدَ فِي الْقُمْقُمَةِ فَأْرَةً وَلَا يَدْرِي أَهِيَ فِيهَا مَاتَتْ أَمْ فِي الْجَرَّةِ أَمْ فِي الْبِئْرِ تُحْمَلُ عَلَى الْقُمْقُمَةِ. اهـ. وَفِي مَآلِ الْفَتَاوَى مَاءُ الْمَطَرِ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَذِرَاتِ لَا يَنْجُسُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَذِرَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ أَوْ تَكُونَ الْعَذِرَةُ عِنْدَ الْمِيزَابِ، إذَا فَسَا فِي السَّرَاوِيلِ وَصَلَّى مَعَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي الرِّيحِ أَجْزَاءً لَطِيفَةً فَتَدْخُلُ أَجْزَاءُ الثَّوْبِ وَقِيلَ إنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيَّ كَانَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ السَّرَاوِيلِ وَلَا تَأْوِيلَ لِفِعْلِهِ إلَّا التَّحَرُّزَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ السَّرَاوِيلُ رَطْبًا وَقْتَ الْفَسْوَةِ أَوْ يَابِسًا، إذَا رَأَى عَلَى ثَوْبِ غَيْرِهِ نَجَاسَةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يُخْبِرُهُ وَلَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ، جِلْدُ مَرَارَةِ الْغَنَمِ نَجَسٌ وَمَرَارَتُهُ وَبَوْلُهُ سَوَاءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ وَعِنْدَهُمَا نَجَسٌ وَمَثَانَةُ الْغَنَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ حَتَّى لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ إذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ قَطْرَةُ خَمْرٍ وَقَعَتْ فِي دَنِّ خَلٍّ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ إلَّا بَعْدَ سَاعَةٍ وَلَوْ صُبَّ كُوزٌ مِنْ خَمْرٍ فِي دَنٍّ مِنْ خَلٍّ وَلَا يُوجَدُ لَهُ طَعْمٌ وَلَا رَائِحَةٌ حَلَّ الشَّرَابُ فِي الْحَالِ، السَّلْقُ وَالسَّلْجَمُ الْمَطْبُوخُ فِي رَمَادِ الْعَذِرَةِ نَجَسٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا وَلِكَوْنِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْمُهِمَّاتِ وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ فِي قَبْرِهِ الطَّهَارَةُ. (قَوْلُهُ: وَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفٍ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ وَالْفَرَسِ وَخُرْءِ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ) أَيْ عُفِيَ مَا كَانَ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ الثَّوْبِ الْمُصَابِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُخَفَّفَةً؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِلْمَنْعِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُهُ فِي مِثْلِهِ مِنْ عَدَمِ التَّقْدِيرِ وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَيَسْتَفْحِشُهُ حَتَّى رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ تَقْدِيرَهُ، وَقَالَ الْفَاحِشُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِ النَّاسِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الرُّبْعُ مُلْحَقًا بِالْكُلِّ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ أُلْحِقَ بِهِ هُنَا وَبِالْكُلِّ يَحْصُلُ الِاسْتِفْحَاشُ فَكَذَا بِمَا قَامَ مَقَامَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّهُ أَحْسَنُ لِاعْتِبَارِ الرُّبْعِ كَثِيرًا كَالْكُلِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِ الرُّبْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقِيلَ رُبْعُ طَرَفٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ كَالذَّيْلِ وَالْكُمِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَاضِي خَانْ وَقَالَ شَارِحُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَقِيلَ الْعِبْرَةُ لِلْمَاءِ إنْ كَانَ نَجَسًا فَالطِّينُ نَجَسٌ وَإِلَّا فَطَاهِرٌ وَقِيلَ الْعِبْرَةُ لِلتُّرَابِ وَقِيلَ لِلْغَالِبِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ أَيُّهُمَا كَانَ طَاهِرًا فَالطِّينُ طَاهِرٌ. اهـ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ الْبَزَّازِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ. اهـ. وَوَجَّهَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِصَيْرُورَتِهِ شَيْئًا آخَرَ وَهُوَ تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ إذْ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ إذَا كَانَ مَاؤُهَا نَجَسًا أَوْ دُهْنُهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ طَاهِرًا لِصَيْرُورَتِهِ شَيْئًا آخَرَ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْمُرَكَّبَاتِ إذَا كَانَ بَعْضُ مُفْرَدَاتِهَا نَجَسًا وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ فَلِلَّهِ دَرُّ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَدَرُّ قَاضِي خَانْ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُ هُوَ الصَّحِيحَ مُشِيرًا إلَى أَنَّ سَائِرَ الْأَقْوَالِ لَا صِحَّةَ لَهَا بَلْ هِيَ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ النَّتِيجَةَ تَابِعَةٌ لِأَخَسِّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَفِيمَا عَدَا الْأَخِيرَةِ) أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْمُجْتَبَى. (قَوْلُهُ: وَمَثَانَةُ الْغَنَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ إذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ إذْ بَوْلُ الْغَنَمِ نَجَاسَتُهُ مُخَفَّفَةٌ وَالْمَثَانَةُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا مُغَلَّظَةٌ فَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ حُكْمَهَا وَلَوْ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَخُوهُ فِي نَهْرِهِ حَيْثُ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إطْلَاقِهِمْ نَجَاسَةَ شَيْءٍ التَّغْلِيظُ كَالْأَسْآرِ النَّجِسَةِ وَثَوْبِ الْحَيَّةِ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ وَالدُّودَةِ السَّاقِطَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا نَاقِضَةٌ وَمَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ وَلَوْ سِنًّا وَمَثَانَةَ الْغَنَمِ وَمَرَارَتَهُ لَكَانَ أَوْلَى.

وَالدِّخْرِيصِ إنْ كَانَ الْمُصَابُ ثَوْبًا وَرُبْعُ الْعُضْوِ الْمُصَابِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ إنْ كَانَ بَدَنًا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُجْتَبَى وَالسِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْحَقَائِقِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقِيلَ رُبْعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ وَقِيلَ رُبْعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ شَارِحُ الْقُدُورِيِّ الْإِمَامُ الْبَغْدَادِيُّ الْأَقْطَعُ وَهَذَا أَصَحُّ مَا رَوَى فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ. اهـ. لَكِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الثَّوْبِ وَلَمْ يُفِدْ حُكْمَ الْبَدَنِ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى لَكِنْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا يَقْتَضِي التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ اعْتِبَارِ رُبْعِ جَمِيعِ الثَّوْبِ السَّاتِرِ لِجَمِيعِ بَدَنِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَابِ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا وَلَمْ يُنْقَلْ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصْلًا وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفِ لِلْمُخَفَّفَةِ بِثَلَاثَةٍ الْأَوَّلُ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَهُوَ مُخَفَّفٌ عِنْدَهُمَا طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ وَأَبُو يُوسُفَ قَالَ بِالتَّخْفِيفِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَصْلِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ بِهِ أَيْضًا لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَهُمَا حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ وَحَدِيثُ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» وَفِي الْكَافِي فَإِنْ قِيلَ تَعَارُضُ النَّصَّيْنِ كَيْفَ يَتَحَقَّقُ وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ قُلْنَا: إنَّهُ قَالَ ذَلِكَ رَأْيًا وَلَمْ يَقْطَعْ بِهِ فَتَكُونُ صُورَةُ التَّعَارُضِ قَائِمَةً. اهـ. وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا أَجَابَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَدْ رَدَّهُ فَلِيُرَاجَعَا. الثَّانِي بَوْلُ الْفَرَسِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي أَكْلِ لَحْمِهِ اخْتِلَافٌ صَرَّحَ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي بَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مُغَلَّظًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مُخَفَّفٌ عِنْدَهُمَا طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَحْمُهُ إمَّا تَنْزِيهًا أَوْ تَحْرِيمًا مَعَ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ لَا لِأَنَّ لَحْمَهُ نَجَسٌ بِدَلِيلِ أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ اتِّفَاقًا. وَالثَّالِثُ خُرْءُ طَيْرٍ لَا يُؤْكَلُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِمَامَانِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْكَرْخِيُّ فِيمَا نَقَلَاهُ عَنْ أَئِمَّتِنَا فِيهِ فَرَوَى الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ مُخَفَّفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مُغَلَّظٌ عِنْدَهُمَا وَرَوَى الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا مُغَلَّظٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ إنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّخْفِيفِ أَيْضًا فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُغَلَّظٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَلَهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الطَّهَارَةُ وَالتَّغْلِيظُ وَالتَّخْفِيفُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَرِوَايَتَانِ التَّخْفِيفُ وَالطَّهَارَةُ، وَأَمَّا التَّغْلِيظُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالدِّخْرِيصِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قِيلَ هُوَ مُعَرَّبٌ وَقِيلَ عَرَبِيٌّ وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ الْبَنِيقَةُ وَالدِّخْرِصُ وَالدُّخْرُوصَةُ لُغَةٌ وَالْجَمْعُ دَخَارِصُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُعْطِي اعْتِبَارَ رُبْعِ جَمِيعِ الثَّوْبِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ قَالَ وَمَا فِي الْكِتَابِ أَوْلَى لِمَا مَرَّ وَلَا شَكَّ أَنَّ رُبْعَ الْمُصَابِ لَيْسَ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا وَلِضَعْفِ وَجْهِ هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا يَقْتَضِي التَّوْفِيقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ إنَّمَا فِيهِ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ لِمَحِلِّ الْخِلَافِ وَذَلِكَ أَنَّ اعْتِبَارَ رُبْعِ الْجَمِيعِ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ لَابِسًا لَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا ثَوْبٌ تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ اتِّفَاقًا وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كَامِلٌ فَتَنَجَّسَ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ بِأَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَلَغَ سِنُّهُ رُبْعًا مُنِعَ. اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ فِي بَادِي النَّظَرِ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى صُورَةِ التَّقْيِيدِ وَالِاسْتِدْرَاكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعِبَارَتُهُ هَكَذَا وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَعْنِي اعْتِبَارَ الرُّبْعِ أَحْسَنُ لِاعْتِبَارِ الرُّبْعِ كَثِيرًا كَالْكُلِّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ تَنَجَّسَ إلَّا رُبُعُهُ وَانْكِشَافُ رُبْعِ الْعُضْوِ مِنْ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ فِيهِمَا غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ شَامِلًا اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّوْبِ الْمُصَابِ. اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِ النَّهْر أَنَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ مَا إذَا كَانَ لَابِسًا لِلشَّامِلِ لَا لِلْأَدْنَى بَلْ هُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي كَلَامِ الْمُحَقِّقِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فَقَالَ وَوَفَّقَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الثَّوَابَ إنْ كَانَ شَامِلًا لِلْبَدَنِ اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبْعُهُ؛ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّوْبِ الْمُصَابِ أَيْ لِأَنَّ رُبْعَ الثَّوْبِ الشَّامِلِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَرُبْعَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّامِلِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ اهـ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا أَجَابَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ) إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. اهـ. وَعِبَارَةُ النِّهَايَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا هَكَذَا، فَإِنْ قِيلَ التَّعَارُضُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ دَلَالَةَ التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمُثْلَةَ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ فَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْبَاقِي، قُلْتُ: الدَّلَالَةُ دُونَ الْعِبَارَةِ وَفِي عِبَارَتِهِ تَعَارُضٌ فَرُجِّحَ جَانِبُ الْعِبَارَةِ فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ أَوْ نَقُولُ انْتِسَاخُ الْمُثْلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِ طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِسَاخِ أَحَدِهِمَا انْتِسَاخُ الْآخَرِ كَمَا فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ وَتَكْرَارِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

[طهارة دم السمك ولعاب البغل والحمار]

إنَّهُ نَجَسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَفْسَدَهُ وَقِيلَ لَا يَفْسُدُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ وَصَحَّحَ الشَّارِحُ وَجَمَاعَةٌ رِوَايَةَ الْهِنْدُوَانِيُّ فَالتَّخْفِيفُ عِنْدَهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ، وَأَمَّا التَّغْلِيظُ عِنْدَهُمَا فَاسْتَشْكَلَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ التَّخْفِيفَ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ وَجَدَ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَكَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ. اهـ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِضَعْفِ رِوَايَةِ الطَّهَارَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ صَحَّحَهَا بَعْضُهُمْ كَمَا سَيَأْتِي فَلَمْ يَعُدْ اخْتِلَافًا وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ رِوَايَةَ الْكَرْخِيِّ وَهِيَ الطَّهَارَةُ عِنْدَهُمَا وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الدَّقَائِقِ وَالْأَوْلَى اعْتِمَادُ التَّصْحِيحِ الْأَوَّلُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا فِي الْمُتُونِ وَلِهَذَا قَالَ شَارِحُ الْمُنْيَةِ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ تَصْحِيحُ النَّجَاسَةِ أَوْجَهُ وَوَجَّهَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ لَا تُؤَثِّرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصِلَ إلَى أَنْ يَفْحُشَ فَيَكْفِي تَخْفِيفُهُ. اهـ. وَالْخُرْءُ وَاحِدُ الْخُرُوءِ، مِثْلُ قُرْءٍ وَقُرُوءٍ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ بِالضَّمِّ كَجُنْدٍ وَجُنُودٍ وَالْوَاوُ بَعْدَ الرَّاءِ غَلَطٌ وَالْهِنْدُوَانِي بِضَمِّ الْهَاءِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَبَرَةٍ وَفِي الْمَنْظُومَةِ لِلنَّسَفِيِّ بِكَسْرِهَا وَهَذِهِ النِّسْبَةُ إلَى الْهِنْدُوَانِ بِكَسْرِ الْهَاءِ حِصَارٌ بِبَلْخٍ يُقَالُ لَهُ بَابُ الْهِنْدُوَانِيُّ يَنْزِلُ فِيهِ الْغِلْمَانُ وَالْجَوَارِي الَّتِي تُجْلَبُ مِنْ الْهِنْدُوَانِ فَلَعَلَّهُ وُلِدَ هُنَاكَ كَذَا فِي الْحَقَائِقِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الشَّاةِ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ تُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ تَبَعًا لِلْغَلِيظَةِ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَبَوْلٌ انْتَضَحَ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ) أَيْ وَعُفِيَ دَمُ السَّمَكِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا هُوَ دَمٌ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ يَبْيَضُّ وَالدَّمُ يَسْوَدُّ وَأَيْضًا الْحَرَارَةُ خَاصِّيَّةُ الدَّمِ وَالْبُرُودَةُ خَاصِّيَّةُ الْمَاءِ فَلَوْ كَانَ لِلسَّمَكِ دَمٌ لَمْ يَدُمْ سُكُونُهُ فِي الْمَاءِ، أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ السَّمَكَ الْكَبِيرَ إذَا سَالَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ طَهَارَةُ دَمِ السَّمَكِ مُطْلَقًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ نَجَاسَتُهُ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَعَنْهُ نَجَاسَةُ دَمِ الْكَبِيرِ وَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَنْوَاعِ الدِّمَاءِ وَأَحْكَامِهَا، وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْأَسْآرِ وَفِي الْمَجْمَعِ وَيُلْحَقُ بِالْخَفِيفَةِ لُعَابُ الْبَغْلِ ذُو الْحِمَارِ وَطَهَّرَاهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ رِوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَإِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ كَقَوْلِهِمَا وَأَمَّا الْبَوْلُ الْمُنْتَضَحُ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وُجُوبُ غَسْلِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا أَصَابَهُ مَاءٌ فَكَثُرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ أَيْضًا وَشَمَلَ بَوْلَهُ وَبَوْلَ غَيْرِهِ وَقَيَّدَ بِرُءُوسِ الْإِبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ رُءُوسِ الْمِسَلَّةِ مُنِعَ وَفِي الْكَافِي قِيلَ قَوْلُهُ رُءُوسِ الْإِبَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ مِنْ الْإِبَرِ مُعْتَبَرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي التَّبْيِينِ وَحَكَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ قَالَ وَغَيْرُهُ مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ. اهـ. وَرَدَّ فِي الْعِنَايَةِ كُلًّا مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَرَدَّ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ هُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اشْتِمَالَ الْقِصَّةِ عَلَى الْمُثْلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ مَنْسُوخَةٌ فَلَا تَعَارُضَ وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ هُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ الدَّالَّ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ انْتَفَى التَّعَارُضُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ يَثْبُتْ نَجَاسَةُ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَنْزِهُوا» عِنْدَهُ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ. اهـ. أَيْ لَمْ تَثْبُتْ النَّجَاسَةُ يَقِينًا بَلْ يَثْبُتُ الشَّكُّ بِالتَّعَارُضِ (قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى اعْتِمَادُ التَّصْحِيحِ الْأَوَّلِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا بِقَوْلِهِمَا أَنْسَبُ إذْ لَا وَجْهَ لِلتَّغْلِيظِ مَعَ ثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْكَرْخِيِّ ضَعِيفَةٌ وَإِنْ رُجِّحَتْ فَمَنْعُهُ ظَاهِرٌ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا الْمَعْنَى لَمَا ثَبَتَ تَخْفِيفٌ بِاخْتِلَافٍ أَصْلًا وَقَوْلُ التَّخَالُفِ بَعْدَ إثْبَاتِ ضَعْفِ دَلِيلِهِ وَرَدِّهِ مُؤَثِّرٌ فِي التَّخْفِيفِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ وَجِيهٌ كَيْفَ، وَقَدْ اُعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ فِي مَذْهَبِ الْغَيْرِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا أَصْلًا. (قَوْلُهُ: وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي الْقُنْيَةِ نِصْفُ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَنِصْفُ الْغَلِيظَةِ يُجْمَعَانِ. اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ تُجْمَعُ النَّجَاسَةُ الْمُتَفَرِّقَةُ فَتُجْعَلُ الْخَفِيفَةُ غَلِيظَةً إذَا كَانَتْ نِصْفًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْغَلِيظَةِ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ. اهـ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَا فَتُرَجَّحُ الْغَلِيظَةُ وَلَوْ كَانَتْ أَقَلَّ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ بِمَاءٍ أَوْ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ فِيمَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ فَإِذَا بَلَغَ نِصْفَ الْقَدْرِ الْمَانِعِ مِنْ الْغَلِيظَةِ وَنِصْفَهُ مِنْ الْخَفِيفَةِ مُنِعَ تَرْجِيحًا لِلْغَلِيظَةِ وَكَذَا إذَا زَادَتْ الْغَلِيظَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْخَفِيفَةُ أَكْثَرَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. [طَهَارَة دَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ] (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَجْمَعِ إلَى قَوْلِهِ وَطَهَّرَاهُ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - (قَوْلُهُ: قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ) قَيَّدَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، ثُمَّ قَالَ وَالتَّقْيِيدُ بِهِ ذَكَرَهُ الْمُعَلَّى فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ إذَا انْتَضَحَ مِنْ الْبَوْلِ شَيْءٌ يُرَى أَثَرُهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ حَتَّى صَلَّى وَهُوَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ. اهـ. قَالَ وَإِذَا صَرَّحَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِقَيْدٍ لَمْ يَرِدْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ سِيَّمَا وَالْمَوْضِعُ احْتِيَاطٌ وَلَا حَرَجَ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ مِثْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَا يُرَى كَمَا فِي أَثَرِ رِجْلِ الذُّبَابِ فَإِنَّ فِي التَّحَرُّزِ عَنْهُ حَرَجًا ظَاهِرًا، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ

[النجس المرئي يطهر بزوال عينه]

الْمَشَايِخِ لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأَشَارَ إلَى مَا قَالُوا لَوْ أَلْقَى عَذِرَةً أَوْ بَوْلًا فِي مَاءِ فَانْتُضِحَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ وَقْعِهَا لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ أَوْ يَعْلَمْ أَنَّهُ الْبَوْلُ، وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي عِلَاجِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ إذَا اسْتَنْقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأَصَابَتْ شَيْئًا نَجَّسَتْهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَالْبَوْلُ فِي الْمُخْتَصَرِ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا التَّصْحِيحَ فِي غُسَالَةِ الْمَيِّتِ قَرِيبًا، وَقَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعَفْوَ عَلَى الْكُلِّ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ طَاهِرَةٌ فَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ ذُكِرَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ وَالتَّبَعِيَّةِ وَلَا لَبْسَ لِتَصْرِيحِهِ فِي الْكَافِي بِالطَّهَارَةِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى طَهَارَتِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاتَّضَحَ بِمَعْنَى تَرَشَّشَ وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْبَوْلُ الَّذِي يُصِيبُ الثَّوْبَ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ إذَا اتَّصَلَ وَانْبَسَطَ وَزَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالدُّهْنِ النَّجَسِ إذَا انْبَسَطَ، أَبْوَالُ الْبَرَاغِيثِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، يَمْشِي فِي السُّوقِ فَتَبْتَلُّ قَدَمَاهُ بِمَاءٍ رُشَّ بِهِ السُّوقُ فَصَلَّى لَمْ يَجْزِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَالِبَةٌ فِي أَسْوَاقِنَا وَقِيلَ يُجْزِئُهُ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ طِينُ الشَّارِعِ وَمَوَاطِئِ الْكِلَابِ فِيهِ طَاهِرٌ، وَكَذَا الطِّينُ الْمُسَرْقَنُ وَرَدْغَةُ طَرِيقٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ طَاهِرَةٌ إلَّا إذَا رَأَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَقَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَصْحَابِنَا اهـ. (قَوْلُهُ: وَالنَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ إلَّا مَا يَشُقُّ) أَيْ يَطْهُرُ مَحَلُّهُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَرْئِيِّ مَا يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ هُوَ مَا لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالْبَوْلِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ مَعْنَى مَا فَرَّقَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ وَغَيْرُ الْمَرْئِيَّةِ هِيَ الَّتِي لَا جُرْمَ لَهَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا زَالَتْ الْعَيْنُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَأَفَادَ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَزُلْ بِالثَّلَاثِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَزُولَ الْعَيْنُ، وَإِنَّمَا قَالَ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِغَسْلِهِ لِيَشْمَلَ مَا يَطْهُرُ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ مِمَّا قَدَّمَهُ مِنْ طَهَارَةِ الْخُفِّ بِالدَّلْكِ وَالْمَنِيِّ بِالْفَرْكِ وَالسَّيْفِ بِالْمَسْحِ وَالْأَرْضِ بِالْيُبْسِ فَفِي ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ الْكَرْمَانِيِّ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ وَفِي التُّمُرْتَاشِيِّ إنْ اسْتَبَانَ أَثَرُهُ عَلَى الثَّوْبِ بِأَنْ تُدْرِكَهُ الْعَيْنُ أَوْ عَلَى الْمَاءِ بِأَنْ يَنْفَرِجَ أَوْ يَتَحَرَّكَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ. (قَوْلُهُ: لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِالْأَلِفِ وَالصَّوَابُ الْجَانِبَيْنِ بِالْيَاءِ كَمَا هُوَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ أَوْ يُعْلَمْ أَنَّهُ الْبَوْلُ) قَالَ فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا يُفْسِدُهُ. اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مُقَيَّدٌ بِالْجَارِي لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ اخْتِلَافًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَقَلَ التَّفْصِيلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ مُطْلَقًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْفَضْلِ وَعَكْسُهُ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ وَاخْتَارَهُ شَارِحُهَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الرَّشَاشَ الْمُتَصَاعِدَ مِنْ صَدْمِ شَيْءٍ لِلْمَاءِ إنَّمَا هُوَ أَجْزَاءُ الْمَاءِ لَا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الصَّادِمِ فَيُحْكَمُ بِالْغَالِبِ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ وَلِلْقَاعِدَةِ الْمُطَّرِدَةِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: وَمَا تَرَشَّشَ إلَى قَوْلِهِ نَجِسَةٌ) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَطْلَقَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ غُسَالَةَ الْمَيِّتِ نَجِسَةٌ قَالَ فِي السِّرَاجِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَا يَكُونُ نَجِسًا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْمَيِّتِ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ غَالِبًا، كَذَا فِي الْفَتَاوَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَرَدْغَةُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ مُحَرَّكَةٌ وَتُسَكَّنُ الْمَاءُ وَالطِّينُ وَالْوَحْلُ الشَّدِيدُ. [النَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ إلَخْ) وَيَطْهُرُ الْبَدَنُ بِغَسْلِهِ وَالثَّوْبُ بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ وَعَصْرِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَكَذَا تَطْهِيرُهُ فِي الْإِجَّانَةِ وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ وَقِيلَ فِي النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ يَكْفِي زَوَالُهَا بِمَرَّةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَرْئِيَّةَ عَلَى قِسْمَيْنِ مَرْئِيَّةٌ كَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ. فَأَمَّا الْمَرْئِيَّةُ فَطَهَارَةُ مَحَلِّهَا زَوَالُ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْكَنْزِ وَاعْتَمَدَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ ثَلَاثًا بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً. اهـ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَى مَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَغَيْرُهُ بِصِيغَةِ قِيلَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَرْئِيَّةِ فَطَهَارَةُ مَحَلِّهَا غَسْلُهَا ثَلَاثًا وَالْعَصْرُ كُلَّ مَرَّةٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوهُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهَا غَالِبًا وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ شَرْطُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ بِحَيْثُ لَوْ عَصَرَهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ لَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ وَلَوْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ صِيَانَةً لِلثَّوْبِ لَا يَطْهُرُ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ نَاقِلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَكَذَا تَطْهِيرُهُ فِي الْإِجَّانَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي تَطْهِيرِهِ رَاجِعًا إلَى الثَّوْبِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمُتَنَجِّسِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ الشَّامِلِ لِلْبَدَنِ وَالثَّوْبِ أَوْ لِلْبَدَنِ، وَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامِ مَعَهُ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْبَدَائِعِ خِلَافًا لِلْإِمَامِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ الصَّبَّ لِطَهَارَةِ الْعُضْوِ فَلَوْ غَسَلَ الْعُضْوَ فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ جَمْعِ إجَّانَةٍ أَيْ ظُرُوفٍ أَوْ فِي إجَّانَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَجْدِيدِ الْمَاءِ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِغَسْلِ الثِّيَابِ فِي

هَذَا كُلِّهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْغَسْلِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ زَوَالُ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَّا مَا شَقَّ اسْتِثْنَاءُ مَا شَقَّ إزَالَتُهُ مِنْ أَثَرِ النَّجَاسَةِ لَا مِنْ عَيْنِهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ثُمَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ لَفْظًا؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَثَرِ مِنْ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ وَحَذْفُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُثْبَتِ جَائِزٌ إذَا اسْتَقَامَ الْمَعْنَى كَقَوْلِك قَرَأْت إلَّا يَوْمَ كَذَا. اهـ. وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْعَرَضِ مِنْ الْعَيْنِ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا. اهـ. فَقَدْ أَفَادَ صِحَّتَهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْمُتَّصِلِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَهُ إلَى الْمُتَّصِلِ بِالتَّقْدِيرِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ مَائِلٌ إلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَثَرِ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ، فَإِنْ شَقَّ إزَالَتُهُمَا سَقَطَتْ وَتَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ فِي إزَالَتِهِ إلَى اسْتِعْمَالِ غَيْرِ الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ أَوْ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ بِالنَّارِ كَذَا فِي السِّرَاجِ، وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الرَّائِحَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا اللَّوْنُ، فَإِنْ شَقَّ إزَالَتُهُ يُعْفَى أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ الشَّاقِّ لَا يَضُرُّ مَا فِي التَّجْنِيسِ حِبٌّ فِيهِ خَمْرٌ غُسِلَ ثَلَاثًا يَطْهُرُ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ رَائِحَتُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ بِجَعْلِهِ فِيهِ يَطْهُرُ، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْخَمْرِ يَتَخَلَّلُ بِالْخَلِّ إلَّا أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ أَفَادَ أَنَّ بَقَاءَ رَائِحَتِهَا فِيهِ بِقِيَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا وَعَلَى هَذَا قَدْ يُقَالُ فِي كُلِّ مَا فِيهِ رَائِحَةٌ كَذَلِكَ وَفِي الْخُلَاصَةِ الْكُوزُ إذَا كَانَ فِيهِ خَمْرٌ تَطْهِيرُهُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ سَاعَةً، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَطْهُرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا. اهـ. مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ بَقَاءِ الرَّائِحَةِ أَوْ لَا وَالتَّفْصِيلُ أَحْوَطُ. اهـ. مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمَرْأَةُ إذَا اخْتَضَبَتْ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ فَغَسَلَتْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ طَاهِرٍ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا فِي وُسْعِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ طَاهِرًا مَا دَامَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ الْمُلَوَّنُ بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ اللَّوْنُ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةٍ يَنْبَغِي هُوَ الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ قَالَ قَالُوا لَوْ صَبَغَ ثَوْبَهُ أَوْ يَدَهُ بِصِبْغٍ أَوْ حِنَّاءٍ نَجَسَيْنِ فَغُسِلَ إلَى أَنْ صَفَا الْمَاءُ يَطْهُرُ مَعَ قِيَامِ اللَّوْنِ وَقِيلَ يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى غَسَلَ يَدَهُ مِنْ دُهْنٍ نَجَسٍ طَهُرَتْ وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ الدُّهْنِ عَلَى الْأَصَحِّ تَنَجَّسَ، الْعَسَلُ يَلْقَى فِي قِدْرٍ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيُغْلَى حَتَّى يَعُودَ إلَى مِقْدَارِهِ الْأَوَّلِ هَكَذَا ثَلَاثًا قَالُوا وَعَلَى هَذَا الدِّبْسُ. اهـ. وَأَطْلَقَ الْأَثَرَ الشَّاقَّ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَمَا فِي الْكَافِي. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) أَيْ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ مِنْ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ حَيْثُ شَرَطَ الْغَسْلَ ثَلَاثًا عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَعِنْدَ التَّحَقُّقِ أَوْلَى وَلَمْ يَشْتَرِطْ الزِّيَادَةَ فِي الْمُتَحَقِّقِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لَوْ لَمْ تَكُنْ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ حَقِيقَةً لَمْ تَكُنْ رَافِعَةً لِلتَّوَهُّمِ ضَرُورَةً كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ لَا يَكْفِي وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ أَوَّلًا أَنَّهُ يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَآخِرًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ الْوَاحِدَةِ حَيْثُ قَالَ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَالْمُفْتَى بِهِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِعَدَدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصَرَّحَ الْإِمَامُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِأَنَّهُ لَوْ غَلَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِجَّانَاتِ وَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ لَضَاقَ عَلَى النَّاسِ. وَالْعُضْوُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّبُّ وَأَلْحَقَهُ مُحَمَّدٌ بِالثَّوْبِ فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ الْعُضْوُ وَالثَّوْبُ وَيَخْرُجَانِ مِنْ الْإِجَّانَةِ الثَّالِثَةِ طَاهِرَيْنِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ فِي الثَّوْبِ وَطَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْعُضْوِ لِعَدَمِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ التَّقَرُّبِ فِي الثَّوْبِ وَلِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ فِي الْعُضْوِ مِنْ شَرْحِ الْغَزِّيِّ عَلَى زَادِ الْفَقِيرِ لِابْنِ الْهُمَامِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَخْ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ مَا فِي التَّجْنِيسِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يَنْعَصِرُ وَبَيْنَ مَا لَا يَنْعَصِرُ حَيْثُ لَا يُغْتَفَرُ فِي الثَّانِي بَقَاءُ الْأَثَرِ وَإِنْ كَانَ يَشُقُّ كَمَا سَيَأْتِي وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ: أَفَادَ أَنَّ بَقَاءَ رَائِحَتِهَا فِيهِ بِقِيَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَثَرِ مِنْ الْعَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا تَكَلَّفُوا بِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ عِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا جَزَمَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثٌ لِقَاضِي خَانْ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ. اهـ. وَلَكِنْ يُبْعِدُهُ تَعْبِيرُ صَاحِبِ الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ قَالُوا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ تَنَجَّسَ الْعَسَلُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مِقْدَارَ مَا يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مَا نَصُّهُ وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْإِفْتَاءِ أَنَّ الْمَنَوَيْنِ كَافِيَانِ لِعَشَرَةِ أَمْنَاءٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدْرًا مِنْ الْمَاءِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلَا يَطْهُرُ أَبَدًا اهـ.

عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا قَدْ زَالَتْ بِمَرَّةٍ أَجْزَأَهُ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ وَفِي السِّرَاجِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مُخْتَارُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ مُخْتَارُ الْبُخَارِيِّينَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا، وَإِنْ كَانَ مُوَسْوِسًا فَالثَّانِي. اهـ. وَاشْتِرَاطُ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ يَكْتَفِي بِالْعَصْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ أَرْفَقُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْعَصْرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَذَا فِي الْكَافِي، ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْعَصْرِ فِيمَا يَنْعَصِرُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا غُسِلَ الثَّوْبُ فِي الْإِجَّانَةِ، أَمَّا إذَا غَمَسَ الثَّوْبَ فِي مَاءٍ جَارٍ حَتَّى جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ طَهُرَ وَكَذَا مَا لَا يَنْعَصِرُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ وَلَا التَّجْفِيفُ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ وَلَا يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْغَمْسِ وَكَذَا الْإِنَاءُ النَّجِسُ إذَا جَعَلَهُ فِي النَّهْرِ وَمَلَأَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ طَهُرَ، وَلَوْ تَنَجَّسَتْ يَدُهُ بِسَمْنٍ نَجِسٍ فَغَمَسَهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَجَرَى عَلَيْهَا طَهُرَتْ وَلَا يَضُرُّهُ بَقَاءُ أَثَرِ الدُّهْنِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُنَجَّسُ بِمُجَاوِرَةِ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدُّهْنُ وَدَكَ مَيْتَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَةُ أَثَرِهِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ فَإِنْ غَمَسَ الثَّوْبَ بِهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَصِرْ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَأَمَّا حُكْمُ الصَّبِّ فَإِنَّهُ إذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الثَّوْبِ النَّجِسِ إنْ أَكْثَرَ الصَّبَّ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الْمَاءِ وَخَلَفَهُ غَيْرُهُ ثَلَاثًا فَقَدْ طَهُرَ؛ لِأَنَّ الْجَرَيَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ وَالْعَصْرَ وَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ، وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي التَّبْيِينِ وَالْمُعْتَبَرُ ظَنُّ الْغَاسِلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَيُعْتَبَرُ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ. اهـ. وَتُعْتَبَرُ قُوَّةُ كُلِّ عَاصِرٍ دُونَ غَيْرِهِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ قُدْرَةَ الْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَلَوْ كَانَتْ قُوَّتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَالِغْ فِي الْعَصْرِ صِيَانَةً لِثَوْبِهِ عَنْ التَّمْزِيقِ لِرِقَّتِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَكِنْ اخْتَارَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ عَدَمَ الطَّهَارَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَصْرِ فِيمَا يَنْعَصِرُ مَخْصُوصٌ مِنْهُ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَّامِ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَهُوَ عَلَيْهِ يَطْهُرُ بِلَا عَصْرٍ حَتَّى ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَمًا أَوْ بَوْلًا وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ كَفَاهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَّامِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ وَتُتْرَكُ الرِّوَايَاتُ الظَّاهِرَةُ فِيهِ وَقَالُوا فِي الْبِسَاطِ النَّجِسِ إذَا جُعِلَ فِي نَهْرٍ لَيْلَةً طَهُرَ وَفِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ عَصْرُ الْكِرْبَاسِ طَهُرَ كَالْبِسَاطِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِزَارَ الْمَذْكُورَ إنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا فَقَدْ جَعَلُوا الصَّبَّ الْكَثِيرَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الْمَاءِ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ ثَلَاثًا قَائِمًا مَقَامَ الْعَصْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ السِّرَاجِ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ إزَارِ الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي الْإِزَارِ لِأَجْلِ ضَرُورَةِ السِّتْرِ كَمَا فَهِمَهُ الْمُحَقِّقُ بَلْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْإِزَارَ لَيْسَ مُتَنَجِّسًا، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ مَاءُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَعَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَاهِرٌ وَعَلَيْهِ بُنِيَ هَذَا الْفَرْعُ، وَأَمَّا عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى وَالتَّقْدِيرُ بِاللَّيْلَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِسَاطِ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ قَالُوا الْبِسَاطُ إذَا تَنَجَّسَ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ إلَى أَنْ يُتَوَهَّمَ زَوَالُهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ. اهـ. وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّيْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَبِتَثْلِيثِ الْجَفَافِ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ) أَيْ مَا لَا يَنْعَصِرُ فَطَهَارَتُهُ غَسْلُهُ ثَلَاثًا وَتَجْفِيفُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ لِلتَّجْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ التَّقَاطُرُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْيُبْسُ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا تَدَاخَلَهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ أَوْ لَا، أَمَّا الثَّانِي فَيُغْسَلُ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَالْجِلْدِ وَالْخُفِّ وَالْكَعْبِ وَالْجُرْمُوقِ وَالْخَزَفِ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ الْجَدِيدِ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَرْفَقُ) فِي قَالَ التَّتَارْخَانِيَّة وَفِي النَّوَازِلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ: وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ إلَخْ) عِبَارَةُ السِّرَاجِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ فَإِنْ غُمِسَ الثَّوْبُ فِيهِ ثَلَاثًا وَقُلْنَا بِقَوْلِ الْبَلْخِيِّينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ الصَّفَّارِ يَكْفِيهِ الْعَصْرُ مَرَّةً وَاحِدَةً. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَلْخِيِّينَ يُغْمَسُ ثَلَاثًا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْمُخْتَارُ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَصْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لَا يُشْتَرَطُ أَصْلًا، يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، يُشْتَرَطُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَتُعْتَبَرُ قُوَّةُ كُلِّ عَاصِرٍ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَتَّى إذَا انْقَطَعَ تَقَاطُرُهُ بِعَصْرِهِ، ثُمَّ قَطَرَ بِعَصْرِ رَجُلٍ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ. اهـ. أَيْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَطْهُرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّخْصِ الْأَقْوَى كَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُكَلَّفٌ بِقُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ وَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ لِيَعْصِرَ ثَوْبَهُ عِنْدَ غَسْلِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ أَخُوهُ فِي النَّهْرِ وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ. (قَوْلُهُ: وَالْخَزَفُ وَالْآجُرُّ وَالْخَشَبُ الْجَدِيدُ) أَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ صَاحِبُ الْفَتْحِ فِي هَذَا الْقِسْمِ بَلْ ذَكَرَ

ثَلَاثًا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَجِفَّ كَذَا ذَكَرَهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْخَزَفَةِ بِمَا إذَا تَنَجَّسَتْ وَهِيَ رَطْبَةٌ، أَمَّا لَوْ تُرِكَتْ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى جَفَّتْ فَإِنَّهَا كَالْجَدِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ اجْتِذَابَهَا حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ ظَاهِرِهَا. اهـ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي أَصَابَهُ النَّجَاسَةُ صُلْبًا كَالْحَجَرِ وَالْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْأَوَانِي فَإِنَّهُ يُغْسَلُ مِقْدَارَ مَا يَقَعُ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ إذَا كَانَ لَا يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ طَعْمُ النَّجَاسَةِ وَلَا رَائِحَتُهَا وَلَا لَوْنُهَا فَإِذَا وُجِدَ مِنْهَا أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْآنِيَةُ مِنْ الْخَزَفِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ جَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَدِيدٍ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ إلَى أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُفِيدُ أَنَّ الْأَثَرَ فِيهِ غَيْرُ مُغْتَفَرٍ، وَإِنْ كَانَ يَشُقُّ زَوَالُهُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوا فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ لَا تَعْرَى عَنْ شَيْءٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ هُنَا دَالٌّ عَلَى قِيَامِ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاكْتِسَابُ فِيهِ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ وَاسْتَمَرَّتْ قَائِمَةً بَعْدَ اضْمِحْلَالِ الْعَيْنِ مِنْهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَيَدُلُّ لِلتَّفْرِقَةِ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْخَمْرِ يُجْعَلُ فِيهِ الْخَلُّ حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرُهَا فَيَطْهُرُ. اهـ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْأَوَانِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: خَزَفٌ وَخَشَبٌ وَحَدِيدٌ وَنَحْوُهَا وَتَطْهِيرُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ حَرْقٌ وَنَحْتٌ وَمَسْحٌ وَغَسْلٌ، فَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ مِنْ خَزَفٍ أَوْ حَجَرٍ وَكَانَ جَدِيدًا وَدَخَلَتْ النَّجَاسَةُ فِي أَجْزَائِهِ يُحْرَقُ، وَإِنْ كَانَ عَتِيقًا يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ وَكَانَ جَدِيدًا يُنْحَتُ، وَإِنْ كَانَ عَتِيقًا يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ رَصَاصٍ وَكَانَ صَقِيلًا يُمْسَحُ، وَإِنْ كَانَ خَشِنًا يُغْسَلُ. اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَحَكَى عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَافِظِ أَنَّهُ إذَا أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْبَدَنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ مُتَعَذِّرٌ فَقَامَ التَّوَالِي فِي الْغَسْلِ مَقَامَ الْعَصْرِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّوَالِي وَالتَّرْكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبَدَنِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ بَعْدَ التَّفْرِيعِ عَلَى اشْتِرَاطِ الثَّلَاثِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يُوَافِقُهُ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَعَدَمُ اشْتِرَاطِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَظْهَرُ. اهـ. وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ عَلَى الْحَصِيرِ تُفْرَكُ وَفِي الرَّطْبَةِ يُجْرَى عَلَيْهَا الْمَاءُ ثَلَاثًا وَالْإِجْرَاءُ كَالْعَصْرِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْبَرْدِيُّ إذَا تَنَجَّسَ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً تُغْسَلُ بِالْمَاءِ ثَلَاثًا وَيُقَوَّمُ الْحَصِيرُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَاءُ مِنْ أَثْقَابِهِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَدْ يَبِسَتْ فِي الْحَصِيرِ تُدْلَكُ حَتَّى تَلِينَ النَّجَاسَةُ فَتَزُولَ بِالْمَاءِ وَلَوْ كَانَ الْحَصِيرُ مِنْ الْقَصَبِ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ. اهـ. وَحَمَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى الْحَصِيرِ الصَّقِيلَةِ كَأَكْثَرِ حُصْرِ مِصْرَ، أَمَّا الْجَدِيدَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِمَّا يَتَشَرَّبُ فَسَيَأْتِي وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى صَلَاةِ الْبَقَّالِي أَنَّ الْحَصِيرَ تَطْهُرُ بِالْمَسْحِ كَالْمِرْآةِ وَالْحَجَرِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ أَعْنِي مَا يَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَبَدًا وَيَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَالْخَزَفَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْخَشَبَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْبَرْدِيِّ وَالْجِلْدِ دُبِغَ بِنَجَسٍ وَالْحِنْطَةِ انْتَفَخَتْ مِنْ النَّجَاسَةِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ تُغْسَلُ ثَلَاثًا وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ وَالسِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ بِمَاءٍ نَجِسٍ تُمَوَّهُ ثَلَاثًا بِطَاهِرٍ وَاللَّحْمُ وَقَعَ فِي مَرَقِهِ نَجَاسَةٌ حَالَ الْغَلَيَانِ يُغْلَى ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ وَفِي غَيْرِ حَالَةِ الْغَلَيَانِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَرَقَةُ لَا خَيْرَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّجَاسَةُ خَمْرًا فَإِنَّهُ إذَا صُبَّ فِيهَا خَلٌّ حَتَّى صَارَتْ كَالْخَلِّ حَامِضَةً طَهَّرَتْهُ وَفِي التَّجْنِيسِ طُبِخَتْ الْحِنْطَةُ فِي الْخَمْرِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ تُطْبَخُ بِالْمَاءِ ثَلَاثًا وَتُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ وَكَذَا اللَّحْمُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا طُبِخَتْ بِالْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. وَالْكُلُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ صُبَّتْ الْخَمْرُ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغَلَيَانِ لَا يَطْهُرُ وَقِيلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّرَفَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْآتِي مُقَيَّدَيْنِ بِكَوْنِهِمَا جَدِيدَيْنِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ أَيْضًا وَذَكَرَ الْوَسَطَ هُنَا مُقَيَّدًا بِالْقَدِيمِ وَجَعَلَ حُكْمَهُ كَالْخَزَفَةِ الْقَدِيمَةِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَالسِّكِّينُ الْمُمَوَّهَةُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُنْيَةِ وَلَوْ مَوَّهَ الْحَدِيدَ النَّجِسَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، ثُمَّ يُمَوِّهُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ قَالَ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِي الْحَمْلِ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا فِي حَقِّ الِاسْتِعْمَالِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ غَسَلَ بَعْدَ التَّمْوِيهِ بِالنَّجِسِ ثَلَاثًا وَلَوْ وَلَاءً، ثُمَّ قُطِعَ بِهِ بِطِّيخٌ أَوْ غَيْرُهُ لَا يَتَنَجَّسُ الْمَقْطُوعُ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُنَجِّسُهُ كَمَا فِي الْخِضَابِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَرَّ، أَمَّا لَوْ صَلَّى مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّمْوِيهِ ثَلَاثًا بِالطَّاهِرِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالْغُسْلُ يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ إجْمَاعًا وَالتَّمْوِيهُ يُطَهِّرُ بَاطِنَهُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى بَلْ لَوْ قِيلَ يَكْفِي التَّمْوِيهُ مَرَّةً لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ النَّارَ تُزِيلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ يَخْلُفُهَا الْمَاءُ الطَّاهِرُ وَلَكِنْ التَّكْرَارُ يُزِيلُ الشُّبْهَةَ عَنْ أَصْلٍ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَبَّ الْخَمْرَ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمٌ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ يُفْهَمُ مِنْهُ وَمِمَّا تَقَدَّمَ وَاللَّحْمُ وَقَعَ فِي مَرَقَةٍ نَجِسَةٍ إلَخْ أَنَّ الْحُكْمَ مُخْتَلَفٌ بَيْنَمَا إذَا طُبِخَ بِخَمْرٍ وَبَيْنَمَا إذَا وَقَعَ فِي مَرَقَةٍ نَجِسَةٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ

[الاستنجاء بحجر منق]

يُغْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبْرِيدِ، الْخُبْزُ الَّذِي عُجِنَ بِالْخَمْرِ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَلَوْ صُبَّ فِيهِ الْخَلُّ وَذَهَبَ أَثَرُهَا يَطْهُرُ الدُّهْنُ النَّجِسُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَحِيلَتُهُ أَنْ يُصَبَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ فَيَعْلُو الدُّهْنُ هَكَذَا يَفْعَلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ امْرَأَةٌ تَطْبُخُ مَرَقَةً فَجَاءَ زَوْجُهَا سَكْرَانَ وَصَبَّ الْخَمْرَ فِيهَا فَصَبَّتْ الْمَرْأَةُ فِيهَا خَلًّا إنْ صَارَتْ الْمَرَقَةُ كَالْخَلِّ فِي الْحُمُوضَةِ. طَهُرَتْ، دَجَاجَةٌ شُوِيَتْ وَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْحُبُوبِ وَتَطْهِيرُهُ أَنْ يُطْبَخَ وَيُبَرَّدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَكَذَلِكَ الْبَعْرُ إذَا وُجِدَ فِي حَمَلٍ مَشْوِيٍّ. اهـ. مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ أُلْقِيَتْ دَجَاجَةٌ حَالَ الْغَلَيَانِ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَشُقَّ بَطْنَهَا لِتُنْتَفَ أَوْ كَرِشٌ قَبْلَ الْغَسْلِ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا لَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ أَنْ يُطَهَّرَ عَلَى قَانُونِ مَا تَقَدَّمَ فِي اللَّحْمِ قُلْتُ: - وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ - هُوَ مُعَلَّلٌ بِتَشَرُّبِهِمَا النَّجَاسَةَ الْمُتَخَلَّلَةَ بِوَاسِطَةِ الْغَلَيَانِ وَعَلَى هَذَا اُشْتُهِرَ أَنَّ اللَّحْمَ السَّمِيطَ بِمِصْرَ نَجَسٌ لَا يَطْهُرُ لَكِنْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَيَمْكُثَ فِيهِ اللَّحْمُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ التَّشَرُّبُ وَالدُّخُولُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي السَّمِيطِ الْوَاقِعِ حَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَلَا يَتْرُكُ فِيهِ إلَّا مِقْدَارَ مَا تَصِلُ الْحَرَارَةُ إلَى سَطْحِ الْجِلْدِ فَتَنْحَلُ مَسَامُّ السَّطْحِ مِنْ الصُّوفِ بَلْ ذَلِكَ التَّرْكُ يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِهِ انْقِلَاعُ الشَّعْرِ فَالْأَوْلَى فِي السَّمِيطِ أَنْ يَطْهُرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا لِتَنَجُّسِ سَطْحِ الْجِلْدِ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَرِسُونَ فِيهِ مِنْ الْمُنَجِّسِ، وَقَدْ قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا فِي الدَّجَاجَةِ وَالْكَرِشِ وَالسَّمِيطُ مِثْلُهُمَا. اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ فَصَّلَ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ بَيْنَ مَا لَا يَتَشَرَّبُ فِيهِ النَّجَسُ وَمَا يَتَشَرَّبُ فَالْأَوَّلُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ تَجْفِيفٍ وَالثَّانِي يَحْتَاجُ إلَى التَّجْفِيفِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمَتْنَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِيهِ أَيْضًا وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثُ نَجِسَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْأَوَّلُ إذَا أَصَابَ شَيْئًا يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ وَالثَّانِي بِالْمَثْنَى وَالثَّالِثُ بِالْوَاحِدِ وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي الثَّوْبِ الثَّانِي مِثْلَ حُكْمِهِ فِي الْأَوَّلِ وَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ثَلَاثًا كَانَ نَجَسًا، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا. (قَوْلُهُ وَسُنَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ) ذَكَرَهُ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ وَهُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَفِي الْمُغْرِبِ الِاسْتِنْجَاءُ مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجْوِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ غَسْلُهُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ السِّينُ لِلطَّلَبِ أَيْ طَلَبُ النَّجْوِ لِيُزِيلَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِهِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يُسَنُّ إلَّا مِنْ حَدَثٍ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ غَيْرِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الرِّيحِ لَا يَكُونُ عَلَى السَّبِيلِ شَيْءٌ فَلَا يُسَنُّ مِنْهُ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَلَا مِنْ النَّوْمِ وَالْفَصْدِ إلَيْهِ أَشَارَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْحَصَى الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ ضَابِطِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ لَهُ صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَفَادَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا سُنَّةً وَصَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَلَا يَكُونُ فَرْضًا وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ أَرْبَعَةٌ فَرِيضَةٌ وَوَاحِدٌ سُنَّةٌ فَالْأَوَّلُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْجَنَابَةِ وَإِذَا تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا وَوَاحِدٌ سُنَّةٌ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مِقْدَارَ الْمَخْرَجِ فَتُسَامَحُ فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْحَدَثِ إنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ عَلَى الْمَخْرَجِ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ الْبَدَنِ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ شَيْءٌ فَهِيَ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ وَأَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الْمَسْنُونُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُنَقٍّ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِكَيْفِيَّةٍ مِنْ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ نَحْوُ إقْبَالِهِ بِالْحَجَرِ فِي الشِّتَاءِ وَإِدْبَارِهِ بِهِ فِي الصَّيْفِ لِاسْتِرْخَاءِ الْخُصْيَتَيْنِ فِيهِ لَا فِي الشِّتَاءِ وَفِي الْمُجْتَبَى الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَبْلَغُ وَالْأَسْلَمُ عَنْ زِيَادَةِ التَّلْوِيثِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ إذَا أَصَابَ شَيْئًا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ تَوْجِيهَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَخْرُجُ بِغَالِبِ النَّجَاسَةِ فَلَا يَغْلِبُ الظَّنُّ بِخُرُوجِهَا إلَّا بِالثَّلَاثِ وَفِي الثَّانِي يَغْلِبُ بِالْمَثْنَى وَفِي الثَّالِثِ بِالْوَاحِدِ تَأَمَّلْ. اهـ. وَهَكَذَا لَا تَطْهُرُ الْإِجَّانَةُ الْأُولَى إلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَالْإِجَّانَةُ الثَّانِيَةُ بِمَرَّتَيْنِ وَالْإِجَّانَةُ الثَّالِثَةُ بِمَرَّةٍ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ بِرَمْزِ صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ مُعَبِّرًا بِالطَّسْتِ مَكَانَ الْإِجَّانَةِ لَكِنْ فِيهَا أَيْضًا بِرَمْزِ شِهَابِ الْأَئِمَّةِ الْإِمَامِيِّ غَسْلُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الطَّسْتِ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ الطَّسْتُ ثَلَاثًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ بَعْدَ عَصْرِ الثَّوْبِ وَفِيهَا أَيْضًا قَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْخُتَنِيُّ ظَاهِرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ الْإِجَّانَةِ كَالرَّشَا وَالدَّلْوِ فِي نَزْحِ الْبِئْرِ اهـ. [الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ مُنْقٍ] (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْحَصَى إلَخْ) لَا يَخْفَى عَلَيْك دَفْعُهُ إذْ قَوْلُ السِّرَاجِ لَا يُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ لَهُ لِكَوْنِهِ لَا يَخْرُجُ مَعَهَا شَيْءٌ يُزَالُ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ ضَابِطِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا شَيْءٌ فَالِاسْتِنْجَاءُ لِلنَّجَاسَةِ لَا لَهَا فَلَا وُرُودَ عَلَى كُلٍّ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ هُنَا وَهْمٌ فَاجْتَنِبْهُ اهـ. نَعَمْ يَرِدُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُغْرِبِ. . (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ عَلَى الْمَخْرَجِ وَقَوْلُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعْنًى وَلِهَذَا فَلَوْ قَالَ وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ فَهِيَ

اهـ. فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْعُدَ مُسْتَرْخِيًا كُلَّ الِاسْتِرْخَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَكَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَلَا يَتَنَفَّسُ إذَا كَانَ صَائِمًا وَيَحْتَرِزُ مِنْ دُخُولِ الْأُصْبُعِ الْمُبْتَلَّةِ كُلُّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَفِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ الْخُلَاصَةِ إنَّمَا يَفْسُدُ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعِ الْمِحْقَنَةِ وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ. اهـ. وَلِلْمَخَافَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُنَشِّفَ الْمَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَيْضًا حِفْظُ الثَّوْبِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْطُوَ قَبْلَهُ خُطُوَاتٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ وَفِي الْمُبْتَغَى وَالِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ وَلَوْ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَلْ يَنْضَحُ فَرْجَهُ بِمَاءٍ أَوْ سَرَاوِيلَهُ حَتَّى إذَا شَكَّ حَمَلَ الْبَلَلَ عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلَافَهُ وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الشِّتَاءِ أَفْضَلُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِزَالَةِ بِهِ وَلَا يُدْخِلُ الْأُصْبُعَ قِيلَ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَالْمَرْأَةُ كَالرِّجْلِ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلَوْ غَسَلَتْ الْمَرْأَةُ بِرَاحَتِهَا كَفَاهَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا تُدْخِلُ الْمَرْأَةُ أُصْبُعَهَا فِي قُبُلِهَا لِلِاسْتِنْجَاءِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالسُّنَّةِ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ وَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ الْقَلِيلَةَ عَفْوٌ عِنْدَنَا وَعُلَمَاؤُنَا فَصَلُوا بَيْنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ وَاَلَّتِي عَلَى غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَدَثِ إذَا تَرَكَهَا يُكْرَهُ وَفِي مَوْضِعِهِ إذَا تَرَكَهَا لَا يُكْرَهُ وَمَا عَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فِي الْمُوَاظَبَةِ بِالْمَاءِ وَمُقْتَضَاهُ كَرَاهَةُ تَرْكِهِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ صِيغَةَ كَانَ يَفْعَلُ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْرَارِ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ لَفْظَةَ كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الدَّوَامُ وَلَا التَّكْرَارُ، وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا تَقْتَضِيهِ بِوَضْعِهَا، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنْ صَحِبَتْهُ عَائِشَةُ إلَّا حِجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حِجَّةُ الْوَدَاعِ فَاسْتَعْمَلَتْ كَانَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّهَا طَيَّبَتْهُ فِي إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّطَيُّبُ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهَا اسْتَعْمَلَتْ كَانَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَالَ الْأُصُولِيُّونَ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ بَابِ الْوِتْرِ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي التَّحْرِيرِ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ إفَادَتَهَا لِلتَّكْرَارِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ لَكِنْ الِاسْتِعْمَالُ مُخْتَلِفٌ كَمَا رَأَيْت، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْإِنْقَاءِ إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ السُّنَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُنَقَّ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ فَاتَتْ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْجَوَازِ وَأَطْلَقَ الْخَارِجَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ مُعْتَادًا لِيُفِيدَ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ إذَا أَصَابَ الْمَحَلَّ كَالدَّمِ يَطْهُرُ بِالْحِجَارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ أَوْ لَا وَلِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْغَائِطُ رَطْبًا وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ جَفَّ الْغَائِطُ فَإِنَّ الْحَجَرَ كَافٍ فِيهِ وَالثَّانِي خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَرَادَ بِنَحْوِ الْحَجَرِ مَا كَانَ عَيْنًا طَاهِرَةً مُزِيلَةً لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَدَرِ وَالتُّرَابِ وَالْعُودِ وَالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ وَالْجِلْدِ الْمُمْتَهَنِ فَخَرَجَ الزُّجَاجُ وَالثَّلْجُ وَالْآجُرُّ وَالْخَزَفُ وَالْفَحْمُ. (قَوْلُهُ: وَمَا سُنَّ فِيهِ عَدَدٌ) أَيْ فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ الْإِنْقَاءُ وَشَرْطُ الشَّافِعِيِّ الثَّلَاثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ فَرْضٌ وَلَا نَقُولُ بِهِ وَذِكْرُ الثَّلَاثِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ حُصُولُ الْإِنْقَاءِ بِهَا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ عِنْدَهُمْ وَبِدَلِيلِ «أَنَّهُ لَمَّا أَتَى لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ أَلْقَى الرَّوْثَةَ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرَيْنِ» كَذَا ذَكَرَ أَئِمَّتُنَا وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِأَنَّ الْأَمْرَ أَوَّلًا بِإِتْيَانِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُغْنِي عَنْ طَلَبِ ثَالِثٍ بَعْدَ إلْقَاءِ الرَّوْثَةِ وَبِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ ثَالِثًا وَأَتَى لَهُ بِهِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ نَفْيُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحُوا ـــــــــــــــــــــــــــــQسُنَّةٌ لَا فَرْضٌ وَحَذَفَ مَا بَيْنَهُمَا لَكَانَ صَوَابًا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ اخْتَارَ إلَخْ) لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهَا حَيْثُ أَفَادَتْ التَّكْرَارَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِعْمَالِ صَحَّ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْمُوَاظَبَةِ، وَعَدَمُ اسْتِلْزَامِهَا التَّكْرَارَ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ إلَخْ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلِيُفِيدَ إلَخْ وَنَصُّ عِبَارَةِ السِّرَاجِ وَقِيلَ أَيْضًا إنَّمَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ إذَا كَانَ الْغَائِطُ رَطْبًا لَمْ يَجِفَّ وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ، أَمَّا إذَا قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ جَفَّ الْغَائِطُ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ بِقِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ يَزُولُ الْغَائِطُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَيَتَجَاوَزُ مَخْرَجَهُ وَبِجَفَافِهِ لَا يُزِيلُهُ الْحَجَرُ فَوَجَبَ الْمَاءُ فِيهِ اهـ.

بِالِاسْتِحْبَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَحَبُّ) أَيْ غَسْلُ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ قَالِعٌ لِلنَّجَاسَةِ وَالْحَجَرُ مُخَفِّفٌ لَهَا فَكَانَ الْمَاءُ أَوْلَى كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يَطْهُرْ بِالْحَجَرِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ السَّبِيلُ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ إذَا جَفَّتْ بَعْدَ التَّنَجُّسِ ثُمَّ أَصَابَهَا مَاءٌ وَكَذَا فِي نَظَائِرِهَا، وَقَدْ اخْتَارُوا فِي الْجَمِيعِ عَدَمَ عَوْدِ النَّجَاسَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُمْ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ هُنَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ وَقَالَ أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» فَعُلِمَ أَنَّ مَا أَطْلَقَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ يَطْهُرُ إذْ لَوْ لَمْ يُطَهَّرْ لَمْ يُطْلَقْ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِالْعَرَقِ حَتَّى لَوْ سَالَ الْعَرَقُ مِنْهُ وَأَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَنْدُوبٌ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ الْحَجَرُ أَوْ لَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ كَانَ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَاءِ كَانَ مُقِيمًا لَهَا أَيْضًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْكُلِّ وَقِيلَ الْجَمْعُ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا وَقِيلَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا وَالنَّظَرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ يُفِيدُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ لِإِفَادَتِهِ الْمُوَاظَبَةَ وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ، أَطْلَقَ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِعَدَدٍ لِيُفِيدَ أَنَّ الصَّحِيحَ تَفْوِيضُهُ إلَى رَأْيِهِ فَيَغْسِلَ حَتَّى يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ طَهُرَ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ نَقْلِ الْخِلَافِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الثَّلَاثَ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ السَّبْعَ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الْعَشَرَةَ وَالْمُرَادُ بِالِاشْتِرَاطِ الِاشْتِرَاطُ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَتَرْكُ الْكُلِّ لَا يَضُرُّهُ عِنْدَهُمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ يَسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ قَالُوا مَنْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ لِلِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ فَاسِقًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ سُتْرَةٌ لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ قَالُوا يَفْسُقُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْمِصْرِيِّينَ فِي الْمِيضَأَةِ فَضْلًا عَنْ شَاطِئِ النِّيلِ. اهـ.، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ. (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ إنْ جَاوَزَ النَّجَسُ الْمَخْرَجَ) أَيْ وَيَجِبُ غَسْلُ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ إنْ تَعَدَّتْ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ؛ لِأَنَّ لِلْبَدَنِ حَرَارَةً جَاذِبَةً أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ فَلَا يُزِيلُهَا الْمَسْحُ بِالْحَجَرِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ فِيهِ لِلنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ وَفَسَّرْنَا فَاعِلَ يَجِبُ بِالْغَسْلِ دُونَ الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ لِمَا أَنَّ غَسْلَ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ لَا يُسَمَّى اسْتِنْجَاءً وَلِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا سُنَّةً وَأَرَادَ بِالْمَاءِ هُنَا كُلَّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ بِقَرِينَةِ تَصْرِيحِهِ أَوَّلَ الْبَابِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ الْمُعَيِّنَةِ لِلْمَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَافِي؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا عَلِمْت سَابِقًا وَأَرَادَ بِالْمُجَاوَزَةِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْفَرْضُ. (قَوْلُهُ: وَيُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمَانِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ وَيُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَعَ سُقُوطِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمُجَاوِزُ لِلْمَخْرَجِ مَعَ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَاقِطٌ شَرْعًا وَلِهَذَا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهُ فَبَقِيَ الْمُجَاوِزُ غَيْرَ مَانِعٍ وَهَذَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عِنْدَهُمَا وَفِي حُكْمِ الظَّاهِرِ عِنْدَهُ وَهَذَا بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ مَا إذَا كَانَتْ مَقْعَدَتُهُ كَبِيرَةً وَكَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ الْمَخْرَجَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا عَلَى الْمَقْعَدَةِ سَاقِطٌ، وَإِنَّمَا خِلَافُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ الْمَخْرَجَ وَكَانَ قَلِيلًا وَكَانَ لَوْ جُمِعَ مَعَ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ كَانَ كَثِيرًا فَعَلَى هَذَا فَالِاخْتِلَافُ الْمَنْقُولُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَنْدُوبٌ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَأَنَّى يَكُونُ الْمُتَسَحَّبُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَسْنُونِ. اهـ. أَيْ لَوْ كَانَ الْمَاءُ مَنْدُوبًا كَيْفَ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْمَسْنُونِ (قَوْلُهُ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْمُصَلِّينَ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا الْمِصْرِيِّينَ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا بِعُمُومِهِ إلَخْ) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ سَاقِطٌ شَرْعًا فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلًا لِعَدَمِ مَنْعِ الْمُتَجَاوِزِ الَّذِي فِيهِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ، وَشَأْنُ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكْفِيهِ الْحَجَرُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ أَكْثَرَ مِنْ الدِّرْهَمِ وَنَقَلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَيْنِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَكْفِي وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ: لَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ وَقِيلَ يَكْفِي وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ الصَّحِيحُ

الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ وَبَيْنَ ابْنِ شُجَاعٍ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُخَصَّ هَذَا الْعُمُومُ بِالْمَقْعَدَةِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي قُدِّرَ بِهَا الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالِيُّ، وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي جَاوَزَ مَا عَلَيْهَا الدِّرْهَمَ فَلَيْسَتْ سَاقِطَةً فَلَهُ وَجْهٌ مَعَ بَعْدِهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ هَذَا حُكْمُ الْغَائِطِ إذَا تَجَاوَزَ، وَأَمَّا الْبَوْلُ إذَا تَجَاوَزَ عَنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ إلَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَصَابَ طَرَفَ الْإِحْلِيلِ مِنْ الْبَوْلِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ صَاحِبِ النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا بِالْمَخْرَجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا تَجَاوَزَ مَا عَلَى نَفْسِ الْمَخْرَجِ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّرَجِ وَكَانَ الْمُجَاوِزُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُنْيَةِ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْخَارِجِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ، وَقَدْ نَقَلُوا هَذَا التَّصْحِيحَ هُنَا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: لَا بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ وَطَعَامٍ وَيَمِينٍ) أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ «ابْغِنِي أَحْجَارًا اسْتَقْضِ بِهَا وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ قُلْتُ: مَا بَالُ الْعِظَامِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ» . وَرَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا بَالُ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَتَمَسَّحُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلَا يَشْرَبْ نَفَسًا وَاحِدًا» وَفِي الْقُنْيَةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ جَمَعَ الْحَدِيثُ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَمَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ وَلَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِارْتِكَابِ أَحَدِهِمَا فَالصَّوَابُ أَنْ يَأْخُذَ الذَّكَرَ بِشِمَالِهِ فَيُمِرُّهُ عَلَى جِدَارٍ أَوْ مَوْضِعٍ نَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ يَقْعُدُ وَيُمْسِكُ الْحَجَرَ بَيْنَ عَقِبَيْهِ فَيُمِرُّ الْعُضْوَ عَلَيْهِ بِشِمَالِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ يَأْخُذُ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ وَلَا يُحَرِّكَهُ وَيُمِرُّ الْعُضْوَ عَلَيْهِ بِشِمَالِهِ قَالَ مَوْلَانَا نَجْمُ الدِّينِ وَفِيمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ إمْسَاكِ الْحَجَرِ بِعَقِبَيْهِ حَرَجٌ وَتَعْسِيرٌ وَتَكَلُّفٌ بَلْ يُسْتَنْجَى بِجِدَارٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا يَأْخُذْ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ وَيَسْتَنْجِي بِيَسَارِهِ اهـ. وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْقَصْرَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّ مَا يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْعَظْمُ وَالرَّوْثُ وَالرَّجِيعُ وَالْفَحْمُ وَالطَّعَامُ وَالزُّجَاجُ وَالْوَرَقُ وَالْخَزَفُ وَالْقَصَبُ وَالشَّعْرُ وَالْقُطْنُ وَالْخِرْقَةُ وَعَلَفُ الدَّوَابِّ مِثْلُ الْحَشِيشِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَنْجَى بِهَا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَالرَّوْثُ وَإِنْ كَانَ نَجَسًا عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِيهَا رِكْسٌ أَوْ رِجْسٌ» لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَابِسًا لَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ صَحَّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُجَفِّفُ مَا عَلَى الْبَدَنِ مِنْ النَّجَاسَةِ الرَّطْبَةِ وَالرَّجِيعُ الْعَذِرَةُ الْيَابِسَةُ وَقِيلَ الْحَجَرُ الَّذِي قَدْ اُسْتُنْجِيَ بِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يُجْزِئُهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ اسْتَنْجَى بِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَرْفٌ آخَرُ لَمْ يَسْتَنْجِ بِهِ. اهـ. وَالْوَرَقُ قِيلَ: إنَّهُ وَرَقُ الْكِتَابَةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ وَرَقُ الشَّجَرِ وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلِأَنَّهُ إسْرَافٌ وَإِهَانَةٌ، وَإِنَّمَا كَرِهُوا وَضْعَ الْمَمْلَحَةَ عَلَى الْخُبْزِ لِلْإِهَانَةِ فَهَذَا أَوْلَى وَسَوَاءٌ كَانَ مَائِعًا أَوْ لَا كَاللَّحْمِ، وَأَمَّا الْخَزَفُ وَالزُّجَاجُ وَالْفَحْمُ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَقْعَدَةِ، وَأَمَّا بِالْيَمِينِ فَلِلنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ كَانَ بِالْيُسْرَى عُذْرٌ يَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا جَازَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا بَاقِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقِيلَ إنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا يُورِثُ الْفَقْرَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا سُنَّةً فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُقِيمًا لِسُنَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ أَصْلًا فَقَوْلُهُمْ بِالْإِجْزَاءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَلَيْسَ بِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (فُرُوعٌ) إذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة أَنَّهُ الْمُخْتَارُ. (قَوْلُهُ: مِنْ مَوْضِعِ الشَّرَجِ) أَيْ الْحَلْقَةِ. (قَوْلُهُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَأْخُذَ الذَّكَرَ بِشِمَالِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ فَلَمْ أَرَ مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ صَرَّحَ بِكَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ وَصَبِّهِ وَرَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِيَمِينِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَأْخُذُ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَصُبُّهُ بِيَمِينِهِ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ عِنْدَنَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَنَا كَذَلِكَ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ لِلنَّاسِ فَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوهُ لِظُهُورِهِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيِّ وَيُفِيضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَرْجِهِ وَيُعْلِي الْإِنَاءَ وَيَغْسِلُ فَرْجَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيُمْنَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ اهـ. فَهُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا بَحَثْته.

[آداب دخول الخلاء]

بَيْتُ التَّغَوُّطِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِثَوْبٍ غَيْرِ ثَوْبِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ إنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَيَجْتَهِدُ فِي حِفْظِ ثَوْبِهِ عَنْ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَيَدْخُلُ مَسْتُورَ الرَّأْسِ وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الرِّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبَثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَالْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ بِمَعْنَى الشَّرِّ وَبِضَمِّهَا جَمْعُ الْخَبِيثِ وَهُوَ الذَّكَرُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ الْخَبِيثَةِ وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ الشَّيَاطِينِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَيَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَقْعُدُ وَلَا يَكْشِفُ عَوْرَتَهُ وَهُوَ قَائِمٌ وَيُوَسِّعُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَيَمِيلُ عَلَى الْيُسْرَى وَلَا يَتَكَلَّمُ عَنْ الْخَلَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ وَالْمَقْتُ هُوَ الْبُغْضُ وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا يَحْمَدُ إذَا عَطَسَ وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ وَلَا يَنْظُرُ لِعَوْرَتِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ وَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَا يَبْزُقُ وَلَا يَمْخُطُ وَلَا يَتَنَحْنَحُ وَلَا يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ وَلَا يَعْبَثُ بِبَدَنِهِ وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ وَلَا يُطِيلُ الْقُعُودَ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ أَوْ وَجَعَ الْكَبِدِ كَمَا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِذَا فَرَغَ قَامَ وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي أَيْ بِإِبْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ كُلُّهُ هَلَكَ وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ كَانَ جَارِيًا وَيُكْرَهُ عَلَى طَرَفِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ فِي زَرْعٍ أَوْ فِي ظِلٍّ يُنْتَفَعُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ وَيُكْرَهُ بِجَنْبِ الْمَسَاجِدِ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَفِي الْمَقَابِرِ وَبَيْنَ الدَّوَابِّ وَفِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَمُسْتَقْبِلُ الْقَلْبَةِ وَمُسْتَدْبَرُهَا وَلَوْ فِي الْبُنْيَانِ، فَإِنْ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ نَاسِيًا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْحِرَافَ انْحَرَفَ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُمْسِكَ وَلَدَهَا لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِقْبَالِ لِلتَّطَهُّرِ فَاخْتَارَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَكَذَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ وَيَبُولَ فِي أَعْلَاهَا وَأَنْ يَبُولَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ وَأَنْ يَبُولَ فِي حُجْرٌ فَأْرَةٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ نَمْلَةٍ أَوْ ثَقْبٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَجَرِّدًا عَنْ ثَوْبِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَالَ قَائِمًا لِوَجَعٍ فِي صُلْبِهِ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي مَوْضِعٍ وَيَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْتَسِلَ فِيهِ لِلنَّهْيِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ. (كِتَابُ الصَّلَاةِ) هِيَ لُغَةً الدُّعَاءُ وَشَرْعًا الْأَفْعَالُ الْمَخْصُوصَةُ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ بَقَاءِ مَعْنَى اللُّغَةِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لَا نَقْلًا فِيهِ نَظَرٌ إذْ الدُّعَاءُ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا شَرْعًا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْقِرَاءَةُ فَبَعِيدٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ كَمَا فِي الْغَايَةِ لَا لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ وُجُودِهَا بِدُونِ الدُّعَاءِ فِي الْأُمِّيِّ بَلْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطُهَا وَوَاجِبَاتُهَا وَحُكْمُهَا سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ بِالْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَنَيْلُ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ فِي الْآخِرَةِ إنْ كَانَ وَاجِبًا وَإِلَّا فَالثَّانِي وَسَبَبُهَا أَوْقَاتُهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هِيَ عَلَامَاتٌ وَلَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُفْضِي إلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ [آدَاب دُخُولَ الْخَلَاءِ] (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَإِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَلَهُ مَمَرٌّ طَوِيلٌ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ عِنْدَ أَوَّلِ دُخُولٍ لِلْمَرِّ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى فِي الْجُلُوسِ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ أَجْزَاءُ الْمُسْتَقْذَرِ فَلَا يُطْلَبُ تَقْدِيمُ خُصُوصِ الْيَسَارِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَفِي مَسْجِدَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مُتَنَافَذَيْنِ يُقَدِّمُ الْيُمْنَى عِنْدَ دُخُولِ أَوَّلَهُمَا لَا يُرَاعِي شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى فِي الدُّخُولِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، كَذَا رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ وَالشَّيْخِ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ الشَّافِعِيِّ وَلَا شَيْءَ عِنْدَنَا يُنَابَذُهُ. [كِتَابُ الصَّلَاةِ] [حُكْمُ الصَّلَاة] (كِتَابُ الصَّلَاةِ) (قَوْلُهُ: هِيَ لُغَةً الدُّعَاءُ) هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ تَبَعًا لِأَبِي عَلِيٍّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ إنَّ حَقِيقَةَ صَلَّى حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَقِيلَ لِلدَّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا فِي تَخَشُّعِهِ بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ. اهـ. وَالصَّلَوَانِ بِالسُّكُونِ الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي أَعَالِي الْفَخْذَيْنِ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا الْأَلْيَتَانِ وَادَّعَى أَبُو حَيَّانَ أَنَّهُمَا عِرْقَانِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ صَلَّى حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي تَحَرُّكِ الصَّلَوَيْنِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ اسْتِعَارَةٌ يَعْنِي تَصْرِيحِيَّةٌ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ فِي الدُّعَاءِ تُسَبِّبُهَا لِلدَّاعِي بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لَا نَقْلًا) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي النَّقْلِ لَمْ يَبْقَ الْمَعْنَى الَّذِي وَضَعَهُ الْوَاضِعُ مَرْعِيًا وَفِي التَّغْيِيرِ يَكُونُ بَاقِيًا لَكِنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَفِي النَّهْيِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَهِيَ مَنْقُولَةٌ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى حَقَائِقَ شَرْعِيَّةٍ أَمْ مُغَيَّرَةٌ قِيلَ بِالْأَوَّلِ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِوُجُودِهَا بِدُونِهِ فِي الْأُمِّيِّ وَقِيلَ بِالثَّانِي وَأَنَّهُ إنَّمَا زِيدَ عَلَى الدُّعَاءِ بَاقِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ وَأَطْلَقَ الْجُزْءَ عَلَى الْكُلِّ. (قَوْلُهُ: بَلْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقِرَاءَةِ وَمَنَعَهُ فِي النَّهْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سَنَدًا

[أوقات الصلاة]

الْحُكْمِ بِلَا تَأْثِيرٍ وَالْعَلَامَةُ هِيَ الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا إفْضَاءٍ وَلَا تَأْثِيرٍ فَهُوَ عَلَامَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْعِلَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ النِّعَمُ الْمُتَرَادِفَةُ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالضَّرُورَةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَوْنُهُ ظَرْفًا ثُمَّ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ إنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ انْتَقَلَتْ كَذَلِكَ إلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ وَإِلَّا فَالسَّبَبُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ يُضَافُ إلَى جُمْلَتِهِ وَتَمَامُهُ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِلُبِّ الْأُصُولِ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَكَانَ فَرْضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَهِيَ لَيْلَةُ السَّبْتِ لِسَبْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إلَى السَّمَاءِ وَكَانَتْ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاتَيْنِ: صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا. قَالَ تَعَالَى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [غافر: 55] ثُمَّ بَدَأَ بِالْأَوْقَاتِ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَالشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنَّ السَّبَبَ أَشْرَفُ مِنْهُ وَلِكَوْنِهِ شَرْطًا أَيْضًا وَقَدَّمَ الْفَجْرَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَوَّلِهِ وَلَا آخِرِهِ أَوْ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ صَلَّاهَا آدَم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الظُّهْرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى أُمَّتِهِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ كَيْفَ تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ الَّتِي اُفْتُرِضَ فِيهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَفِي الْغَايَةِ إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلُ الْخَمْسِ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ صَبِيحَةُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الْفَجْرِ وَأَجَابَ عَنْهُ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا وَقْتَ الصُّبْحِ وَالنَّائِمُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. (قَوْلُهُ: وَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ الصُّبْحِ الصَّادِقِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِحَدِيثِ أُمَامَةَ «أَتَانِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَزَقَ الْفَجْرُ وَحُرِّمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ كَوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلَ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك» وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَبَزَقَ أَيْ بَزَغَ وَهُوَ أَوَّلُ طُلُوعِهِ وَقُيِّدَ بِالصَّادِقِ احْتِرَازًا عَنْ الْكَاذِبِ فَإِنَّهُ مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ الَّذِي يَبْدُو كَذَنَبِ الذِّئْبِ، ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ وَالْأَوَّلُ الْمُسْتَطِيرُ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ فِي الْأُفُقِ وَهِيَ أَطْرَافُ السَّمَاءِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ آخِرُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَوَّلِ طُلُوعِهِ أَوْ لِاسْتِطَارَتِهِ أَوْ لِانْتِشَارِهِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ لِتَعْرِيفِهِمْ الصَّادِقَ بِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الصَّادِقُ هُوَ الْبَيَاضُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْأُفُقِ. (قَوْلُهُ: وَالظُّهْرُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ سِوَى الْفَيْءِ) أَيْ وَقْتُ الظُّهْرِ، أَمَّا أَوَّلُهُ فَمَجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أَيْ لِزَوَالِهَا وَقِيلَ لِغُرُوبِهَا وَاللَّامُ لِلتَّأْقِيتِ ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَأَمَّا آخِرَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْأُولَى رَوَاهَا مُحَمَّدٌ عَنْهُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى الْفَيْءِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَالْأَوْلَى قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إنَّهَا الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي النِّهَايَةِ إنَّهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِلُبِّ الْأُصُولِ) هُوَ مُخْتَصَرُ تَحْرِيرِ ابْنِ الْهُمَامِ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَوَّلِهِ وَلَا آخِرِهِ) سَيَأْتِي قَرِيبًا نُقِلَ الْخِلَافُ فِي أَوَّلِهِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ وَنُقِلَ عَنْ النَّظْمِ أَنَّ آخِرَهُ إلَى أَنْ يَرَى الرَّامِي مَوْضِعَ نَبْلِهِ، قَالَ فَفِي آخِرِهِ خِلَافٌ كَمَا فِي أَوَّلِهِ فَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْخِلَافِ فَمِنْ عَدَمِ التَّتَبُّعِ. (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: هَذَا بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ كَانَ فِي الْإِسْرَاءِ لَيْلًا فِيهِ نَظَرٌ، وَلِذَا جَزَمَ السُّرُوجِيُّ بِأَنَّ الْفَجْرَ أَوَّلُ الْخَمْسِ وُجُوبًا وَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ أَيْ أَوَّلُ صَلَاةٍ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ افْتِرَاضِهَا الظُّهْرُ وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا فَلِذَا لَمْ يَقْضِ الْفَجْرَ وَقَوْلُ الْعِرَاقِيِّ إنَّهُ كَانَ نَائِمًا وَلَا وُجُوبَ عَلَى النَّائِمِ مَرْدُودٌ، وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَعْذُورَ بِنَوْمٍ وَنَحْوِهِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ نَعَمْ الْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي التَّرْكِ عَمْدًا وَطَائِفَةٌ عَلَى عَدَمِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ أَشْبَعَ ابْنُ الْعِزِّ فِي حَاشِيَتِهِ أَيْ عَلَى الْهِدَايَةِ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. قُلْتُ: وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ لَا يَجِبُ الِانْتِبَاهُ عَلَى النَّائِمِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَيَجِبُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ. اهـ. نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ نَرَ هَذَا الْفَرْعَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فَاغْتَنِمْهُ اهـ. [أَوْقَات الصَّلَاة] [وَقْتُ صَلَاة الْفَجْرِ] (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ هُوَ الْأَوَّلُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْبَابِ «ثُمَّ صَلَّى بِي الْفَجْرَ يَعْنِي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ بَرِقَ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ» . (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا فِي الْأَصْلِ

[وقت صلاة العصر]

غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَفِي الْمُحِيطِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْيَنَابِيعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ أَنَّ بُرْهَانَ الشَّرِيعَةِ الْمَحْبُوبِيَّ اخْتَارَهُ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ النَّسَفِيُّ وَوَافَقَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَرَجَّحَ دَلِيلَهُ وَفِي الْغِيَاثِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ وَارْتَضَاهُ الشَّارِحُونَ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَبِقَوْلِهِمَا نَأْخُذُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْكِيُّ فِي الْفَيْضِ مِنْ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مُسَلَّمٌ فِي الْعِشَاءِ فَقَطْ عَلَى مَا فِيهِ أَيْضًا كَمَا سَنَذْكُرُهُ لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الْوَقْتُ بِالشَّكِّ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى الْمِثْلِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِثْلَيْنِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ وَفِي الْمُغْرِبِ الْفَيْءُ بِوَزْنِ الشَّيْءِ مَا نَسَخَ الشَّمْسَ وَذَلِكَ بِالْعَشِيِّ وَالْجَمْعُ أَفَيَاءٌ وَفُيُوءٌ وَالظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ بِالْغَدَاةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْفَيْءُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوَالِ سُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَيْ رَجَعَ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا قِيلَ أَنَّ الْفَيْءَ هُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَفِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ رِوَايَاتٌ أَصَحُّهَا أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَيَجْعَلَ عِنْدَ مُنْتَهَى ظِلِّهَا عَلَامَةً، فَإِنْ كَانَ الظِّلُّ يَنْقُصُ عَنْ الْعَلَامَةِ فَالشَّمْسُ لَمْ تَزُلْ وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ يَطُولُ وَيُجَاوِزُ الْخَطَّ عُلِمَ أَنَّهَا زَالَتْ وَإِنْ امْتَنَعَ الظِّلُّ مِنْ الْقِصَرِ وَالطُّولِ فَهُوَ وَقْتُ الزَّوَالِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْمُجْتَبَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَغْرِزُهُ لِمَعْرِفَةِ الْفَيْءِ وَالْأَمْثَالِ فَلْيَعْتَبِرْهُ بِقَامَتِهِ وَقَامَةُ كُلِّ إنْسَانٍ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِهِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُعْتَبَرَ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ مِنْ طَرَفِ سَمْتِ السَّاقِ وَسِتَّةً وَنِصْفٍ مِنْ طَرَفِ الْإِبْهَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ ظِلًّا وَقْتَ الزَّوَالِ إلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ فِيهَا تَأْخُذُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. [وَقْت صَلَاة الْعَصْرُ] (قَوْلُهُ: وَالْعَصْرُ مِنْهُ إلَى الْغُرُوبِ) أَيْ وَقْتُ الْعَصْرِ مِنْ بُلُوغِ الظِّلِّ مِثْلَيْهِ سِوَى الْفَيْءِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْخِلَافُ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ جَارٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَفِي آخِرِهِ خِلَافٌ أَيْضًا فَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَنَا رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» . [وَقْت صَلَاة الْمَغْرِبُ] (قَوْلُهُ: وَالْمَغْرِبُ مِنْهُ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ) أَيْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» وَضَبَطَهُ الشُّمُنِّيُّ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَهُوَ ثَوَرَان حُمْرَتِهِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ) أَيْ الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَمُعَاذٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ هُوَ الْحُمْرَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمَعِ بِأَنَّ عَلَيْهَا الْفَتْوَى وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ رِوَايَةٌ وَلَا دِرَايَةٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ خِلَافُ الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ عَنْهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ «وَإِنْ أَخَّرَ وَقْتَهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ» وَغَيْبُوبَتُهُ بِسُقُوطِ الْبَيَاضِ الَّذِي يَعْقُبُ الْحُمْرَةَ وَإِلَّا كَانَ بَادِيًا وَيَجِيءُ مَا تَقَدَّمَ يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ لَمْ يُنْقَضْ الْوَقْتُ بِالشَّكِّ وَرَجَّحَهُ أَيْضًا تِلْمِيذُهُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِ الْقُدُورِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ هُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. وَبِهَذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَأَشَدُّ الْحَرِّ إلَخْ) أَصْرَحُ مِنْهُ مَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الظِّلَّ قَدْ سَاوَى التُّلُولَ وَلَا قَدْرَ يُدْرَكُ لِفَيْءِ الزَّوَالِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي دِيَارِهِمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ» وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الْجَمْعَ فِي السَّفَرِ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ [وَقْت صَلَاة الظُّهْرُ] (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ حَمْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ الشَّفَقَ عَلَى الْحُمْرَةِ وَإِثْبَاتُ هَذَا الِاسْمِ لِلْبَيَاضِ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ لَا يُسَاعِدُهُ رِوَايَةٌ وَلَا الْقَوِيُّ مِنْ الدِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ ثَبَتَ رُجُوعُهُ فَقَدْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ قَوِيُّ الدِّرَايَةِ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ أَنَّ رُجُوعَهُ لَمْ يَثْبُتْ لِمَا نَقَلَهُ الْكَافَّةُ مِنْ لَدُنْ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَإِلَى الْآنَ مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ وَدَعْوَى حَمْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ خِلَافُ الْمَنْقُولِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ الشَّفَقُ الْبَيَاضُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -

[وقت صلاة العشاء]

ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى وَيُعْمَلُ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا أَوْ قَوْلِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ مِنْ ضَعْفِ دَلِيلٍ أَوْ تَعَامُلٍ بِخِلَافِهِ كَالْمُزَارَعَةِ وَإِنْ صَرَّحَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَحْوَطُ. (قَوْلُهُ: وَالْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ مِنْهُ إلَى الصُّبْحِ) أَيْ وَقْتُهُمَا مِنْ غُرُوبِ الشَّفَقِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَكَوْنِ وَقْتِهِمَا وَاحِدًا مَذْهَبُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا وَقْتُ الْوِتْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لَهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَلَهُمَا مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعِشَاءِ لِلتَّرْتِيبِ) أَيْ لَا يُقَدَّمُ الْوِتْرُ عَلَى الْعِشَاءِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَلِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا اعْتِقَادًا وَالْآخَرُ عَمَلًا فَأَفَادَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّذَكُّرِ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ الْوِتْرَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُهُ وَعِنْدَ النِّسْيَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْعِشَاءِ تَبَعًا لَهَا فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَهَا كَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ أَصْلًا وَأَشَارَ إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ الْفَوَائِتَ وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِسُنِّيَّتِهِ وَفِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ أَنَّهُمَا يُوَافِقَانِ أَبَا حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا فِي سَائِرِ السُّنَنِ وَمُرَادُهُ مِنْ الْوُجُوبِ الثُّبُوتُ لَا الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ عِنْدَهُمَا سُنَّةٌ فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عِنْدَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا) أَيْ الْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَطْلُعُ فِيهِ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ كَبُلْغَارَ وَفِي أَقْصَرِ لَيَالِي السَّنَةِ فِيمَا حَكَاهُ مُعْجَمُ صَاحِبِ الْبُلْدَانِ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَأَفْتَى بِهِ الْبَقَّالِيُّ كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ الْوُضُوءِ عَنْ مَقْطُوعِهِمَا مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهَا وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِثُبُوتِ الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَبَيْنَ سَبَبِهِ الْجَعْلِيِّ الَّذِي جُعِلَ عَلَامَةً عَلَى الْوُجُوبِ الْخَفِيِّ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَوَازُ تَعَدُّدِ الْمُعَرِّفَاتِ لِلشَّيْءِ فَانْتِفَاءُ الْوَقْتِ انْتِفَاءُ الْمُعَرِّفِ وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَهُ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ مَا تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْإِسْرَاءِ مِنْ فَرْضِ اللَّهِ الصَّلَاةَ خَمْسًا إلَى آخِرِهِ وَالصَّحِيحُ ـــــــــــــــــــــــــــــQقُلْتُ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَمْ يَرْوِ الْبَيْهَقِيُّ الشَّفَقَ الْأَحْمَرَ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَتَمَامُهُ فِيهِ. [وَقْت صَلَاة الْعِشَاءُ] (قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَظَاهِرُ مَا أَخْرَجَ إِسْحَاقُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ وَهِيَ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» ، فَإِنْ قُلْتُ: يَنْبَغِي حَمْلُ الرِّوَايَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُجْعَلَ لَفْظُ صَلَاةِ الْمَلْفُوظِ فِيهِمَا مُقَدَّرًا جَمْعًا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا بَلْ الْأَمْرُ بِالْقَلْبِ فَإِنَّ الْعِشَاءَ مُحْكَمٌ فِي الْوَقْتِ وَصَلَاةُ الْعِشَاءِ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ آتِيَك لِصَلَاةِ كَذَا وَالْمُرَادُ آتِيَك لِوَقْتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي رَدِّ الْمُحْتَمِلِ إلَى الْمُحْكَمِ عِنْدَ صُورَةِ التَّعَارُضِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ نَظِيرَ هَذَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَأَنَّهُ قَالَ «تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، ثُمَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْوُجُوبِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَهُمَا لَمْ يَجِبَا) أَيْ لَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ فَحَذَفَ الْعَائِدَ عَلَى مَنْ وَهُوَ لَا يَسُوغُ حَذْفُهُ فِي مِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْ مَوْصُولَةً أَوْ شَرْطِيَّةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً فَلِأَنَّهَا مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهَا صِلَتُهَا وَلَمْ يَجِبَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَتَى كَانَ جُمْلَةً فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلَّا إذَا كَانَ مَنْصُوبًا فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتِنَا أَيْ يَحْمَدُهُ أَوْ كَانَ مَجْرُورًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَهْيِئَةِ الْعَامِلِ لِلْعَمَلِ وَقَطْعِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ أَيْ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى فَلَا يَسُوغُ حَذْفُهُ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ مَرَرْت وَهَذَا مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً فَلِأَنَّ اسْمَ الشَّرْطِ أَوْ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا بُدَّ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ جَوَابًا لَهُ مِنْ ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَيْهِ فَتَقُولُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ مَعَهُ وَغُلَامُ مَنْ تُكْرِمْ أُكْرِمْهُ وَلَا يَجُوزُ مَنْ يَقُمْ أَقُمْ وَلَا غُلَامَ مَنْ تُكْرِمْ أُكْرِمْ فَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) أَقُولُ: رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ شَارِحُ الْمُنْيَةِ وَوَافَقَهُ الْعَلَّامَةُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى وَالشُّرُنْبُلاليّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَحَوَاشِيهِ عَلَى الدُّرَرِ وَالْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ وَكَذَا أَخُو الْمُؤَلِّفِ فِي نَهْرِهِ وَتَابَعَهُمْ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْوِيرِ وَلَكِنْ انْتَصَرَ لِلْمُحَقِّقِ ابْنُ الْهُمَامِ فَلْيُتَدَبَّرْ شَرْحُ التَّنْوِيرِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ الْمَدَارِيُّ وَرَدَّ كَلَامَ شَارِحِ الْمُنْيَةِ فِي حَاشِيَتِهِ وَكَتَبْت فِي هَامِشِهِ مَا يَدْفَعُ جَوَابَهُ بِأَظْهَرِ وَجْهٍ وَأَبْيَنِهِ فَلْيُرَاجَعْ ذَلِكَ

أَنَّهُ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ لِفَقْدِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَمَنْ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْعِشَاءِ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ الْوِتْرُ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَنُدِبَ تَأْخِيرُ الْفَجْرِ) لِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَحَمَلَهُ عَلَى تَبَيُّنِ طُلُوعِهِ يَأْبَاهُ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «كُلَّمَا أَصْبَحْتُمْ بِالصُّبْحِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْإِسْفَارِ وَالْخَتْمُ بِهِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْأَصْحَابِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِالْغَلَسِ وَالْخَتْمُ بِالْإِسْفَارِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَقَالُوا يُسْفِرُ بِهَا بِحَيْثُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ صَلَاتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِقِرَاءَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ وَقِيلَ يُؤَخِّرُهَا جِدًّا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مَوْهُومٌ فَلَا يَتْرُكُ الْمُسْتَحَبَّ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْكِتَابِ لَكِنْ لَا يُؤَخِّرُهَا بِحَيْثُ يَقَعُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ حَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَاجَّ بِمُزْدَلِفَةَ لَا يُؤَخِّرُهَا وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْفَجْرِ الْغَلَسُ وَفِي غَيْرِهَا الِانْتِظَارُ إلَى فَرَاغِ الرِّجَالِ عَنْ الْجَمَاعَةِ. (قَوْلُهُ: وَظُهْرُ الصَّيْفِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهُ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ» وَالْمُرَادُ الظُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ السُّؤَالِ عَنْهَا وَحَدُّهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْمِثْلِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ أَوْ لَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ لَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قِيلَ وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ أَصْلًا وَاسْتِحْبَابًا فِي الزَّمَانَيْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ. (قَوْلُهُ: وَالْعَصْرُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «كَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَأَرَادَ بِالتَّغَيُّرِ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهَا الْعُيُونُ عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا إلَيْهِ مَكْرُوهٌ لَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْ تَرْكِهَا فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا، كَذَا فِي السِّرَاجِ وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَمَدَّهُ إلَيْهِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْكَرَاهَةِ مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ مُتَعَذِّرٌ فَجُعِلَ عَفْوًا، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَحُكْمُ الْآذَانِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلًا وَتَأْخِيرًا صَيْفًا وَشِتَاءً كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَالْعِشَاءُ إلَى الثُّلُثِ) أَيْ نُدِبَ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» وَفِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ إلَى مَا قَبْلَ الثُّلُثِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى الثُّلُثِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَوُفِّقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الشِّتَاءِ وَالثَّانِي عَلَى الصَّيْفِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ. اهـ. وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْعِشَاءِ فِي الصَّيْفِ لِئَلَّا تَتَقَلَّلَ الْجَمَاعَةُ وَأَفَادَ أَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَقَالُوا إنَّهُ مُبَاحٌ وَإِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ إلَى مَا بَعْدَ الثُّلُثِ مَكْرُوهٌ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ وَكَانَ يَكْرَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي عِبَارَتِهِ فِي الْبَدَائِعِ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ آخِرُ الْوَقْتِ فِي الصَّيْفِ وَشَرَطَ الشَّافِعِيُّ لَهُ شِدَّةَ الْحَرِّ وَحَرَارَةَ الْبَلَدِ وَالصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ وَقَصْدَ النَّاسِ لَهَا مِنْ بَعِيدٍ وَبِهِ جَزَمَ فِي السِّرَاجِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَجْمَعِ وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ مُطْلَقًا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ يَأْبَاهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا إلَيْهِ مَكْرُوهٌ لَا الْفِعْلُ) أَيْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي نَفْسِ التَّأْخِيرِ لَا فِي نَفْسِ الْفِعْلِ وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَتَرْجِيحُ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِي كُلٍّ مِنْ التَّأْخِيرِ وَالْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَالتُّحْفَةِ وَمُحِيطِ رَضِيِّ الدِّينِ وَالْبَدَائِعِ تَقْيِيدُ التَّأْخِيرِ إلَى الثُّلُثِ بِالشِّتَاءِ، أَمَّا الصَّيْفُ فَيُنْدَبُ فِيهِ التَّعْجِيلُ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّعْجِيلُ فِي الصَّيْفِ وَكَلَامُ الْقُدُورِيِّ فِي التَّأْخِيرِ وَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ بِالشِّتَاءِ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْمُغَيَّا فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» لِيَنْطَبِقَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُدَّعِي. اهـ. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا بِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ فِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى كُلٍّ لَا يَدْخُلُ الثُّلُثُ لِوُجُودِ لَفْظَةِ قَبْلَ عَلَى أَنَّهُ تَبْقَى الْمُنَافَاةُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَوْ نِصْفَهُ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ وَوَفَّقَ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا قَبْلَ آخِرِ الثُّلُثِ وَانْتِهَاؤُهَا فِي آخِرِهِ وَلَوْ بِالتَّخْمِينِ وَقَالَ فِي الشرنبلالية، وَقَدْ ظَفِرْت بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ إلَيْهِ وَوَجْهُ كُلٍّ فِي الْبُرْهَانِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُوَفَّقُ بِهِ لِفَكِّ التَّعَارُضِ. اهـ. أَيْ التَّعَارُضِ بَيْنَ عِبَارَتَيْ الْقُدُورِيِّ وَالْكَنْزِ كَمَا هُوَ مُنْشَأُ كَلَامِ صَاحِبِ الدُّرَرِ

[الأوقات المنهي عن الصلاة فيها]

النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» وَقَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ كَرَاهَةَ النَّوْمِ قَبْلَهَا بِمَنْ خُشِيَ عَلَيْهِ فَوْتُ وَقْتِهَا أَوْ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا وَقَيَّدَ الشَّارِحُ كَرَاهَةَ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا بِغَيْرِ الْحَاجَةِ، أَمَّا لَهَا فَلَا وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَمُذَاكَرَةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ وَإِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَازَ لَهُ الْكَلَامُ، وَفِي الْقُنْيَةِ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْعَصْرِ إلَى وَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبِ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ. (قَوْلُهُ: وَالْوِتْرُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ لِمَنْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاهِ) أَيْ وَنُدِبَ تَأْخِيرُهُ لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا» وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «مَنْ خَشِيَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يُوتِرَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ» وَهِيَ أَفْضَلُ وَهُوَ دَلِيلٌ مَفْهُومٌ قَوْلُهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ وَلَزِمَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ الْمُفَادِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) أَيْ وَنُدِبَ تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ لِمَا رَوَيْنَا فِي ظُهْرِ الصَّيْفِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مَنْ أَخَّرَ الْإِيمَانَ إنْ كَانَ عِنْدَهُمْ حِسَابٌ يَعْرِفُونَ بِهِ الشِّتَاءَ وَالصَّيْفَ فَهُوَ عَلَى حِسَابِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالشِّتَاءُ مَا اشْتَدَّ فِيهِ الْبَرْدُ عَلَى الدَّوَامِ وَالصَّيْفُ مَا يَشْتَدُّ فِيهِ الْحَرُّ عَلَى الدَّوَامِ، فَعَلَى قِيَاسِ هَذَا الرَّبِيعُ مَا يَنْكَسِرُ فِيهِ الْبَرْدُ عَلَى الدَّوَامِ وَالْخَرِيفُ مَا يَنْكَسِرُ فِيهِ الْحَرُّ عَلَى الدَّوَامِ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الشِّتَاءُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهِ إلَى شَيْئَيْنِ إلَى الْوُقُودِ وَلُبْسِ الْحَشْوِ وَالصَّيْفُ مَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْهُمَا وَالرَّبِيعُ وَالْخَرِيفُ مَا يُسْتَغْنَى عَنْ أَحَدِهِمَا. اهـ. وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّبِيعَ مُلْحَقٌ بِالشِّتَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَالْخَرِيفُ مُلْحَقٌ بِالصَّيْفِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَغْرِبُ) أَيْ وَنُدِبَ تَعْجِيلُهَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا غَرُبَتْ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ» وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ مُقْتَضَاهُ النَّدْبُ لَا الْكَرَاهَةُ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي أُخْرَى لَا مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ الْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَكُونُ قَلِيلًا وَفِي الْكَرَاهَةِ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ خِلَافٌ. اهـ. وَفِي الْأَسْرَارِ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ أَدَاؤُهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِهَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَعْجِيلُهَا هُوَ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ أَوْ سَكْتَةٍ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَيَأْتِي وَتَأْخِيرُهَا لِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مَكْرُوهَةٌ وَمَا رَوَى الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى بَدَا نَجْمٌ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَلِيلَ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَرَاهَةٌ هُوَ مَا قَبْلَ ظُهُورِ النَّجْمِ، وَفِي الْمُنْيَةِ لَا يُكْرَهُ لِلسَّفَرِ وَلِلْمَائِدَةِ أَوْ كَانَ يَوْمَ غَيْمٍ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ إذَا جِيءَ بِجِنَازَةٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ بَدَءُوا بِالْمَغْرِبِ، ثُمَّ بِهَا، ثُمَّ بِسُنَّةِ الْمَغْرِبِ. اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِهَا تَحْرِيمِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَمَا فِيهَا عَيْنُ يَوْمِ غَيْنٍ) أَيْ وَنُدِبَ تَعْجِيلُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِهَا عَيْنُ يَوْمِ الْغَيْمِ وَهِيَ الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ احْتِمَالَ وُقُوعِهَا فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَفِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلَ الْجَمَاعَةِ عَلَى احْتِمَالِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ الْغَيْنُ لُغَةٌ فِي الْغَيْمِ وَهُوَ السَّحَابُ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَلَيْسَ فِيهِ وَهْمُ الْوُقُوعِ قَبْلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ قَدْ أُخِّرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا رَجَحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْغَيْمِ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِجَوَازِ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: وَيُؤَخِّرُ غَيْرَهُ فِيهِ) أَيْ وَيُؤَخِّرُ غَيْرَ مَا فِي أَوَّلِهِ عَيْنُ يَوْمِ غَيْنٍ وَهِيَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَخْ) قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِنُورِ الْإِيضَاحِ نَقْلًا عَنْ مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ يُعَجَّلُ بِهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ. اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ إلَخْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ بَحْثٌ) أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ. (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَلِيلَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْأَذَانِ مِنْ الْفَتْحِ قَوْلُهُمْ بِكَرَاهَةِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ قَدْرَهُمَا مَكْرُوهٌ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِهِمَا إذَا تَوَسَّطَ فِيهِمَا لِيَتَّفِقَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ. اهـ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ إلَى الرَّدِّ عَلَى صَاحِبِ الْفَتْحِ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ اخْتَارَا عَدَمَ كَرَاهَةِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَسَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةٌ [الْأَوْقَات المنهي عَنْ الصَّلَاة فِيهَا] (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي وَهْمِ الْوُقُوعِ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: لِأَنَّ الظُّهْرَ قَدْ أَخَّرَ فِي تَأْخِيرِهِ إذَا كَانَ يَوْمَ غَيْمٍ فَإِذَا أَدَّاهُ فِي الْوَقْتِ عَلِمَ بِهِ دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَانْتَفَى الْوَهْمُ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ يُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ إلَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْغُرُوبَ بِغَالِبِ الظَّنِّ فَإِذَا أَخَّرَهُ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ حَفِظَ وَقْتَهُ وَبِهِ يُعْلَمُ دُخُولُ وَقْتِ الْعِشَاءِ فَيَنْتَفِي وَهْمُ الْوُقُوعِ قَبْلَ الْوَقْتِ إذْ التَّعْجِيلُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَكُونُ بَعْدَ

الْفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ لَا كَرَاهَةَ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا يُضَرُّ التَّأْخِيرُ وَالْمَغْرِبُ يُخَافُ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِشِدَّةِ الِالْتِبَاسِ. (قَوْلُهُ: وَمُنِعَ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْغُرُوبِ إلَّا عَصْرُ يَوْمِهِ) لِمَا رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» وَمَعْنَى تُضَيَّفُ تَمِيلُ وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ فَالضَّادُ الْمُعْجَمَةُ الْمَفْتُوحَةُ فَالْمُثَنَّاةُ التَّحْتِيَّةُ الْمُشَدَّدَةُ وَأَصْلُهُ تَتَضَيَّفُ حُذِفَ مِنْهُ إحْدَى التَّاءَيْنِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَأَنْ نَقْبُرَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرُ الرَّدِيفِ وَإِرَادَةُ الْمَرْدُوفِ إذْ الدَّفْنُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ خِلَافًا لِأَبِي دَاوُد لِمَا رَوَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مَوْتَانَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» أَطْلَقَ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ قَبِيلِ الْمَمْنُوعِ؛ لِأَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ الظَّنِّيَّ الثُّبُوتِ غَيْرُ الْمَصْرُوفِ عَنْ مُقْتَضَاهُ يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّهُ أَفَادَ التَّحْرِيمَ فَالتَّحْرِيمُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَرْضِ فِي الرُّتْبَةِ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَالتَّنْزِيهُ فِي رُتْبَةِ الْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ مِنْ الْأَوَّلِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِهِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبَةً فَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهَا لِنُقْصَانٍ فِي الْوَقْتِ بِسَبَبِ الْأَدَاءِ فِيهِ تَشْبِيهًا بِعِبَادَةِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ إذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا وَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِنُقْصَانِ الْوَقْتِ وَإِلَّا فَالْوَقْتُ لَا نَقْصَ فِيهِ نَفْسُهُ بَلْ هُوَ وَقْتٌ كَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا النَّقْصُ فِي الْأَرْكَانِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا مَا وَجَبَ كَامِلًا فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قِيلَ لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لَا يُدْخِلُ النَّقْصَ فِي الْأَرْكَانِ الَّتِي هِيَ الْمُقَوِّمَةُ لِلْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ فِعْلِ الْأَرْكَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْقَضَاءُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ ثَمَّ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ ثَمَّ وَرَدَ لِلْمَكَانِ وَهُنَا لِلزَّمَانِ وَاتِّصَالُ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مَاهِيَّتِه وَلِهَذَا فَسَدَ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنْ وَرَدَ النَّهْيُ فِيهِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ وَالصَّوْمُ يَقُومُ بِهِ وَيَطُولُ بِطُولِهِ وَيَقْصُرُ بِقِصَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِعْيَارُهُ فَازْدَادَ الْأَثَرُ فَصَارَ فَاسِدًا وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا فَهِيَ صَحِيحَةٌ مَكْرُوهَةٌ حَتَّى وَجَبَ قَضَاؤُهُ إذَا قَطَعَهُ وَيَجِبُ قَطْعُهُ وَقَضَاؤُهُ فِي غَيْرِ مَكْرُوهٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ أَتَمَّهُ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا لَزِمَهُ بِذَلِكَ الشُّرُوعِ وَفِي الْمَبْسُوطِ الْقَطْعُ أَفْضَلُ وَالْأَوَّلُ هُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَالْوِتْرُ دَاخِلٌ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ أَوْ فِي الْوَاجِبِ فَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا فِي الْكَافِي وَالْمَنْذُورُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِوَقْتِ الْكَرَاهَةِ دَاخِلٌ فِيهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَالنَّفَلُ إذَا شُرِعَ فِيهِ فِي وَقْتٍ مُسْتَحَبٍّ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ دَاخِلٌ فِيهِ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَضَى فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ مَا قَطَعَهُ مِنْ النَّفْلِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَحَيْثُ يُخْرِجُهُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ضَرُورَةُ صِيَانَةِ الْمُؤَدِّي عَنْ الْبُطْلَانِ لَيْسَ غَيْرَ وَالصَّوْنُ عَنْ الْبُطْلَانِ يَحْصُلُ مَعَ النُّقْصَانِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَأَدَّى فِيهِ يَصِحُّ وَيَأْثَمُ وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيهِمَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ ضَعِيفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَدْخُلُ فِي الْوَاجِبِ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَلَا تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ اُعْتُبِرَتْ وَاجِبَةً فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَنَفْلًا فِي كَرَاهَتِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ احْتِيَاطًا ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّأْخِيرِ فِي الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ تَأَمَّلْ. اهـ.

فِيهِمَا وَعِبَارَةُ الْكِتَابِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ أَصْلِهِ الْوَافِي حَيْثُ قَالَ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إلَى آخِرِهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ إنَّمَا هُنَّ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ لَا فِي النَّوَافِلِ بِخِلَافِ الْمَنْعِ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْكُلَّ وَأَرَادَ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَا وَجَبَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، أَمَّا إذَا تَلَاهَا فِيهَا أَوْ حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ فِيهَا فَأَدَّاهَا فَإِنَّهُ يُصْبِحُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إذْ الْوُجُوبُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْحُضُورِ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّأْخِيرُ فِيهِمَا وَفِي التُّحْفَةِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا حَضَرَتْ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُؤَخِّرَهَا بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ وَظَاهِرُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ فِي غَيْرِ مَكْرُوهٍ فَأَخَّرَهَا حَتَّى صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَا يُعِيدُ وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ يُنْظَرُ إنْ قَرَأَهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ تَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتَسْقُطُ عَنْ ذِمَّتِهِ وَإِنْ قَرَأَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَجَدَهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ وَيُعِيدُ. اهـ. وَسَجْدَةُ السَّهْوِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الصَّلَاةِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْقَضَاءِ، وَقَدْ وَجَبَ ذَلِكَ كَامِلًا فَلَا يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ مَا لَمْ تَرْتَفِعْ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ فَهِيَ فِي حُكْمِ الطُّلُوعِ وَاخْتَارَ الْفَضْلِيُّ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ فِي الطُّلُوعِ فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ حَلَّتْ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِتَفْسِيرِ التَّغَيُّرِ الْمُصَحَّحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَرَادَ بِالْغُرُوبِ التَّغَيُّرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ حَيْثُ قَالَ وَعِنْدَ احْمِرَارِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ تَغِيبَ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْرَجَ مِنْ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ الْفَوَائِتَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ كَوْنَهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ فَهُوَ مُعَارَضٌ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَيُقَدَّمُ حَدِيثُ عُقْبَةَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ وَلَوْ تَنَزَّلْنَا إلَى طَرِيقِهِمْ فِي كَوْنِ الْخَاصِّ مُخَصَّصًا كَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ عَامٌّ فِي الْأَوْقَاتِ، فَإِنْ وَجَبَ تَخْصِيصُ عُمُومِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ وَجَبَ تَخْصِيصُ حَدِيثِ عُقْبَةَ عُمُومَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ وَتَخْصِيصُ عُمُومِ الْوَقْتِ هُوَ إخْرَاجُهُ الْأَوْقَاتَ الثَّلَاثَةَ مِنْ عُمُومِ وَقْتِ التَّذَكُّرِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الْآخَرِ هُوَ إخْرَاجُ الْفَوَائِتِ مِنْ عُمُومِ مَنْعِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَارَضَانِ فِي الْفَائِتَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ إذْ تَخْصِيصُ حَدِيثِ عُقْبَةَ يَقْتَضِي إخْرَاجَهَا عَنْ الْحِلِّ فِي الثَّلَاثَةِ وَتَخْصِيصُ حَدِيثِ التَّذَكُّرِ لِلْفَائِتَةِ مِنْ عُمُومِ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي حِلَّهَا فِيهَا، وَيَكُونُ إخْرَاجُ حَدِيثِ عُقْبَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ وَأَخْرَجَ أَيْضًا النَّوَافِلَ بِمَكَّةَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» وَجَوَابُهُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَقْتِ فَيَتَعَارَضُ عُمُومُهُمَا فِي الصَّلَاةِ وَيُقَدَّمُ حَدِيثُ عُقْبَةَ لِمَا قُلْنَا وَكَذَا يَتَعَارَضَانِ فِي الْوَقْتِ إذْ الْخَاصُّ يُعَارِضُ الْعَامَّ عِنْدَنَا وَعَلَى أُصُولِهِمْ يَجِبُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ حَدِيثَ عُقْبَةَ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ فِيهَا وَأَخْرَجَ أَبُو يُوسُفَ مِنْهُ النَّفَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَجَوَابُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَنَا تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي فَيَكُونُ حَاصِلُهُ نَهْيًا مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ بِغَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ الْمُعَارِضُ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ وَبَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِاتِّحَادِهِمَا حُكْمًا وَحَادِثَةً وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِذَا قَالَ فِي الْحَاوِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا عَزَاهُ لَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ إنَّ حَدِيثَ أَبِي يُوسُفَ مُنْقَطِعٌ أَوْ مَعْنَاهُ وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَنْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَجَبَ تَخْصِيصُ عُمُومِ الصَّلَاةِ) تَخْصِيصٌ الْأَوَّلُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَالْأَصْلُ تَخْصِيصُهُ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْفَتْحِ وَالضَّمِيرُ لِحَدِيثِ التَّذَكُّرِ وَتَخْصِيصٌ الثَّانِي مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ خُصُوصًا وَعُمُومًا، فَإِنْ وَجَبَ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا لِعُمُومِ الْآخَرِ وَجَبَ فِي الثَّانِي كَذَلِكَ بَقِيَ أَنَّ كَوْنَ حَدِيثِ التَّذَكُّرِ عَامًّا فِيهِ خَفَاءٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِنَايَةِ وَيُمْكِنُ اسْتِفَادَةُ الْعُمُومِ مِنْ إضَافَةِ الظَّرْفِ إلَى مَا بَعْدَهُ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ تَأْتِي لِمَا تَأْتِي لَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ. (قَوْلُهُ: وَأَخْرَجَ أَيْضًا إلَخْ) أَيْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: وَفِي الْعِنَايَةِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ؛ لِأَنَّهَا شَاذَّةٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ وَلَا بِمَكَّةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلا خَطَأً} [النساء: 92] أَيْ وَلَا خَطَأَ. اهـ. زَادَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ النَّهْيِ. اهـ.

عَصْرَ يَوْمِهِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَدَاؤُهُ وَقْتَ التَّغَيُّرِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا هُوَ تَأْخِيرُهُ لَا أَدَاؤُهُ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ آخِرُ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يُؤَدَّ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَالْجُزْءُ الْمُتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْوَقْتِ وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ لِلشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَقِيلَ الْأَدَاءُ مَكْرُوهٌ أَيْضًا. اهـ. وَعَلَى هَذَا مَشَى فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَقُيِّدَ بِعَصْرِ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ عَصْرَ أَمْسِهِ لَا يَجُوزُ وَقْتَ التَّغَيُّرِ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الصَّحِيحَةَ أَكْثَرُ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ كَامِلًا تَرْجِيحًا لِلْأَكْثَرِ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَقَلِّ الْفَاسِدِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي الْجُزْءِ النَّاقِصِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي نَاقِصٍ غَيْرِهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ فِي حَقِّهِ إلَى الْكُلِّ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنْ لَا رِوَايَةَ فِيهَا فَتَلْتَزِمُ الصِّحَّةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّقْصَ لَازِمُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَأَمَّا الْجُزْءُ فَلَا نَقْصَ فِيهِ، غَيْرَ أَنْ تَحْمِلَ ذَلِكَ النَّقْصَ لَوْ أَدَّى فِيهِ الْعَصْرَ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَدَاءِ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يُوجَدْ النَّقْصُ الضَّرُورِيُّ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَامِلٌ فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْكَامِلِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي مِنْ أَنَّ السَّبَبَ لَمَّا كَانَ نَاقِصًا فِي الْأَصْلِ كَانَ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ نَاقِصًا أَيْضًا فَعِنْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ لَا يَتَّصِفُ بِالْكَمَالِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا نَقَصَ فِي الْوَقْتِ أَصْلًا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ فَجْرَ يَوْمِهِ يَبْطُلُ بِالطُّلُوعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّبَبَ فِي الْعَصْرِ آخِرُ الْوَقْتِ وَهُوَ وَقْتُ التَّغَيُّرِ وَهُوَ نَاقِصٌ فَإِذَا أَدَّاهَا فِيهِ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ وَوَقْتُ الْفَجْرِ كُلُّهُ كَامِلٌ فَوَجَبَتْ كَامِلَةً فَتَبْطُلُ بِطُرُوِّ الطُّلُوعِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ فَسَادٍ لِعَدَمِ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قِيلَ رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» أُجِيبَ بِأَنَّ التَّعَارُضَ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْفَجْرِ رَجَعْنَا إلَى الْقِيَاسِ كَمَا هُوَ حُكْمُ التَّعَارُضِ فَرَجَّحْنَا حُكْمَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَحُكْمَ النَّهْيِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْجِيحَ الْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْقِيَاسِ أَمَّا عِنْدَهُ فَالتَّرْجِيحُ لَهُ، وَفِي الْقُنْيَةِ كَسَالَى الْعَوَامّ إذَا صَلَّوْا الْفَجْرَ وَقْتَ الطُّلُوعِ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا ظَاهِرًا وَلَوْ صَلَّوْهَا تَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْأَدَاءُ الْجَائِزُ عِنْدَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ التَّرْكِ أَصْلًا وَفِي الْبُغْيَةِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. اهـ. وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنُ الصَّلَاةِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُ مَا كَانَ رُكْنًا لَهَا وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِوَاءِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِوَقْتِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الزَّوَالِ لَا تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا، كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي. (قَوْلُهُ: وَعَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لَا عَنْ قَضَاءِ فَائِتَةٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ مُنِعَ عَنْ التَّنَفُّلِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ قَصْدًا لَا عَنْ غَيْرِهِ لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَهُوَ بِعُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِلْفَرَائِضِ فَأَخْرَجُوهَا مِنْهُ بِالْمَعْنَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي كَافِيهِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ. (قَوْلُهُ: فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَلِكَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عَلِمْت أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ حَتَّى غَرُبَتْ أَنَّهَا تُفْسِدُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ فَاتَتْ إلَّا أَنَّهَا تَقَرَّرَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَامِلَةً فَلَا تُؤَدَّى بِالنَّاقِصِ. اهـ. أَقُولُ: هَذَا الْبَحْثُ مَشْهُورٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ وَذَكَرَ جَوَابَهُ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْجَوَابِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْوَقْتَ مُتَّسَعًا وَجَعَلَ لَهُ شَغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ فَالْفَسَادُ الَّذِي يَعْتَرِضُ حَالَةَ الْبَقَاءِ جُعِلَ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ مُتَعَذِّرٌ. اهـ. وَقَالَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ هَذَا يُشْكِلُ بِالْفَجْرِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّ الْعَصْرَ يَخْرُجُ إلَى مَا هُوَ وَقْتٌ لِصَلَاةٍ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْفَجْرِ أَوْ بِأَنَّ فِي الطُّلُوعِ دُخُولًا فِي الْكَرَاهَةِ وَفِي الْغُرُوبِ خُرُوجًا عَنْهُمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: أُجِيبَ إلَخْ) وَفِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ أَيْضًا «وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ» عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّهُ أَبَدًا يَطْرَأُ عَلَى الْأَصْلِ الثَّابِتِ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلَتْ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَاحِقٌ بَلْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنَّهَا كُلَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالنُّصُوصِ النَّاهِيَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ وَتَرْكِ بَعْضِهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِنَا طَرَأَ نَاقِصٌ عَلَى كَامِلٍ فِي الْفَجْرِ بِخِلَافِ عَصْرِ يَوْمِهِ مَعَ أَنَّ النَّقْصَ قَارَنَ الْعَصْرَ ابْتِدَاءً وَالْفَجْرَ بَقَاءً فَيَبْطُلُ فِي الْعَصْرِ كَالْفَجْرِ

[التنفل بعد صلاة الفجر والعصر]

وَهُوَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ لَا بِمَعْنَى فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ النَّظَرُ إلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ نَقِيضَ قَوْلِهِمْ الْعِبْرَةُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَيْنِ النَّصِّ لَا لِمَعْنَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مُعَارَضَةَ النَّصِّ بِالْمَعْنَى وَالنَّظَرُ إلَى النُّصُوصِ يُفِيدُ مَنْعَ الْقَضَاءِ تَقْدِيمًا لِلنَّهْيِ الْعَامِّ عَلَى حَدِيثِ التَّذَكُّرِ نَعَمْ يُمْكِنُ إخْرَاجُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَيَكْفِي فِي إخْرَاجِ الْقَضَاءِ مِنْ الْفَسَادِ الْعِلْمُ بِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ بِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ، وَأَمَّا مِنْ الْكَرَاهَةِ فَفِيهِ مَا سَبَقَ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْكَرَاهَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَتَخْصِيصُهُ بِلَا مُخَصِّصٍ شَرْعِيٍّ لَا يَجُوزُ أَطْلَقَ فِي الْفَائِتَةِ فَشَمِلَتْ الْوِتْرَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَهُوَ سُنَّةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْضِيَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِيهِ لَكِنْ فِي الْقُنْيَةِ الْوِتْرُ يُقْضَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ سَائِرِ السُّنَنِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ بَقِيَّةَ الْوَاجِبَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلٌ فِي النَّفْلِ فَيُكْرَهُ فِيهِمَا كَالْمَنْذُورِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ نَفْلٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ سَبَبٌ مَوْضُوعٌ لِالْتِزَامِهِ بِخِلَافِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَفْلٍ؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالسَّجْدَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَيَكُونُ وَاجِبًا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُ النَّذْرِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ التِّلَاوَةُ فِعْلَهُ كَجَمْعِ الْمَالِ فِعْلُهُ وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ: وُجُوبُ السَّجْدَةِ فِي التَّحْقِيقِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّمَاعِ لَا بِالِاسْتِمَاعِ وَلَا التِّلَاوَةِ وَذَلِكَ لَيْسَ فِعْلًا مِنْ الْمُكَلَّفِ بَلْ وَصْفٌ خَلْقِيٌّ فِيهِ بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالطَّوَافِ وَالشُّرُوعُ فِعْلُهُ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا. اهـ. وَهُوَ قَاصِرٌ عَلَى السَّامِعِ لِلتِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَأَمَّا التَّالِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ إنَّمَا هُوَ التِّلَاوَةُ وَلَا السَّمَاعُ وَأُطْلِقَ فِي التَّنَفُّلِ فَشَمِلَ مَا لَهُ سَبَبٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ فَتُكْرَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فِيهِمَا لِلْعُمُومِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» ؛ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ وَذَلِكَ حَاظِرٌ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ فِي وَقْتٍ مُسْتَحَبٍّ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، ثُمَّ قَضَاهُ فِيهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ ذِمَّتِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ مِنْهُ الْفَجْرَ، ثُمَّ قَضَاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَجُوزُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَشْرَعَ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بِالْفَرِيضَةِ فَلَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْعَمَلِ وَيَكُونُ مُنْتَقِلًا مِنْ عَمَلٍ إلَى عَمَلٍ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَبَّرَ لِلْفَرِيضَةِ فَقَدْ أَفْسَدَ السُّنَّةَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أُقِيمَ لِلْفَجْرِ وَخَافَ رَجُلٌ فَوْتَ الْفَرْضِ يَشْرَعُ فِي السُّنَّةِ فَيَقْطَعَهَا فَيَقْضِيَهَا قَبْلَ الطُّلُوعِ مَرْدُودٌ لِكَرَاهَةِ قَضَاءِ التَّنَفُّلِ الَّذِي أَفْسَدَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشُّرُوعِ لِلْقَطْعِ قَبِيحٌ شَرْعًا وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهِ وَإِلَى أَنَّ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مَدْخَلًا فِي كَرَاهَةِ النَّوَافِلِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ كَرَاهَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْمَجْمُوعَةِ إلَى الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَاتٍ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَاعْلَمْ أَنَّ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ وَمَا مَعَهَا لَا تُكْرَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غَايَةِ التَّغَيُّرِ لَا إلَى الْغُرُوبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. (قَوْلُهُ: وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ) أَيْ وَمُنِعَ عَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [التَّنَفُّلِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ] (قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: التَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ التَّقْيِيدُ بِالنَّفْلِ يُفْهَمُ الْجَوَازُ فِيمَا عَدَاهُ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ نَصٌّ عَلَى مَا هُوَ الْجَائِزُ لِيُعْلَمَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ غَيْرِ النَّفْلِ وَلَوْلَا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى مَا ذُكِرَ إذْ التَّقْيِيدُ بِالتَّنَفُّلِ يُغْنِي عَنْهُ وَهَذَا دَقِيقٌ جِدًّا فَتَدَبَّرْهُ إذْ بِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ إخْرَاجِ النَّفْلِ عَنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ وَلَا مَسْنُونٍ. (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَخْ) الْإِشَارَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ لِأَحَدٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا عَجِيبٌ فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا لَفْظُهُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَعَزَاهُ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى الْمُجْتَبَى وَفِي الْقُنْيَةِ لِمَجْدِ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيِّ وَظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ إلَخْ) يُخَالِفُهُ مَا فِي التَّبْيِينِ حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَضَاءُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ. اهـ. عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ وَمَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْغُرُوبِ، وَقَدْ قُدِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغُرُوبِ التَّغَيُّرُ وَفِي الشرنبلالية عِنْدَ قَوْلِ الدُّرَرِ إلَّا فِي وَقْتِ الِاحْمِرَارِ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِيهِ مَكْرُوهٌ أَقُولُ: ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فَيُنَاقِضُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إلَخْ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ قُلْتُ: وَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ لِحَمْلِ نَفْيِ الْجَوَازِ

قَصْدًا لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْنِ» قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ قَصْدًا لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ قِيلَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَقِيلَ يُتِمُّهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا تَنُوبُ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ عَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّتِهِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لَأَغْنَاهُ عَنْ التَّطْوِيلِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا أَتَى بِالْفَجْرِ ثَانِيًا ظَاهِرًا وَلَمْ يَقُلْ بِسُنَّتِهِ مُضْمِرًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الْفَجْرِ بِمَعْنَى الزَّمَنِ، وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةُ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَفِي الْمُجْتَبَى تَخَفُّفُ الْقِرَاءَةُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قُيِّدَ بِالتَّنَفُّلِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّنَفُّلِ فِيهِ لِحَقِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حَتَّى يَكُونَ كَالْمَشْغُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهَا حَتَّى لَوْ نَوَى تَطَوُّعًا كَانَ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهَا وَالْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ لِابْنِ الْهُمَامِ يَجْرِي هُنَا لِلنَّهْيِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ النَّهْيُ فِيهِ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ أَثَّرَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا، وَمَا كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَثَّرَ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَبْلَ الْمَغْرِبِ) أَيْ وَمُنِعَ عَنْ التَّنَفُّلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ مَا رَأَيْت أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا» وَهُوَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَنْدُوبِيَّةِ، أَمَّا ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ فَلَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ آخَرُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ وَالرَّكْعَتَانِ لَا تَزِيدُ عَلَى الْقَلِيلِ إذْ تَجُوزُ فِيهِمَا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْجَوَابِ لَا يَدْفَعُهُ قَيْدُنَا بِالتَّنَفُّلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ كَقَاضِي خان وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِالسُّنَّةِ وَلَعَلَّهُ بَيَانُ الْأَفْضَلِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مَعْزِيًّا إلَى حُجَّةِ الدِّينِ الْبَلْخِيّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَنْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ فَعَلَى هَذَا تُؤَخَّرُ عَنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ. (قَوْلُهُ: وَوَقْتُ الْخُطْبَةِ) أَيْ وَمُنِعَ عَنْ التَّنَفُّلِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ حَرَامٌ وَقْتَهَا لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا قُلْتُ: لِصَاحِبِك انْصَتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» فَكَيْفَ بِالتَّنَفُّلِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ كَامِلٌ لِعَدَمِ نَقْصٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِكَامِلٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَمَنْ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَلَا بَأْسَ بِالْقَضَاءِ فِيهِمَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ وَتَغَيُّرِهَا فِي الْعَصْرِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ حَتَّى تَغْرُبَ؛ لِأَنَّ الْغُرُوبَ فِيهَا مُؤَوَّلٌ بِالتَّغَيُّرِ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ قَالَ: وَقَدْ أَفْصَحَ بِهِ فِي الْخَبَّازِيَّةِ حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ الْمُرَادُ حَتَّى تَتَغَيَّرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَائِتَةَ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ التَّغَيُّرِ إلَى الْغُرُوبِ. اهـ. وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ إلَى غَايَةِ التَّغَيُّرِ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ غَايَةٍ هِيَ التَّغَيُّرُ وَبِهِ يَصِحُّ كَلَامُهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَنْدُوبِيَّةِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ النَّوَافِلِ وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ فَقَالَ: هَذَا لَا يُجَامِعُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ وُجُوبِ حَمْلِ اسْتِثْنَاءِ الْقَلِيلِ عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِهِمَا أَيْ مِمَّا لَا يُعَدُّ تَأْخِيرًا وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ النَّدْبُ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «صَلَّى قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ لَا يَدْفَعُهُ مَمْنُوعٌ إذْ عَدَمُ ظُهُورِ الدَّلِيلِ لَا يُوجِبُ إبْطَالَ الْمَدْلُولِ عَلَى أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ظَاهِرٌ فِي النُّسَخِ لِاسْتِبْعَادِ بَقَائِهِ مَعَ عَدَمِ فِعْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْمَغْرِبُ إنَّمَا هُوَ الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ. اهـ. أَقُولُ: وَالْعِبَارَةُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَذَلِكَ وَهُوَ قَدْ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَنْ الْقُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا إلَى قَوْلِهِ الْأَفْضَلُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ إنْ كَانَ ضَمِيرُ لَعَلَّهُ رَاجِعًا لِتَقْدِيمِ الْجِنَازَةِ عَلَى السُّنَّةِ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا لِتَقْدِيمِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ لِتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ الْمَغْرِبَ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِنَازَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِي كَلَامِهِمْ فِي مِثْلِهِ إرَادَةُ الْوُجُوبِ تَأَمَّلْ اهـ.

[باب الأذان]

يَخْطُبُ فَقَالَ أَصَلَّيْت يَا فُلَانُ قَالَ لَا قَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَسَمَّاهُ النَّسَائِيّ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْسَكَ لَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيّ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ إذْ النَّفَلُ مَكْرُوهٌ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَوَقْتِهَا سَوَاءٌ أَمْسَكَ الْخَطِيبُ عَنْهَا أَوْ لَا، أَطْلَقَ الْخُطْبَةَ فَشَمِلَتْ كُلَّ خُطْبَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ خُطْبَةَ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ كُسُوفٍ أَوْ اسْتِسْقَاءٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَوْ حَجٍّ وَهِيَ ثَلَاثٌ أَوْ خَتْمٌ أَيْ خَتْمُ الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى أَوْ خُطْبَةَ نِكَاحٍ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِلَى هُنَا صَارَتْ الْأَوْقَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا ثَمَانِيَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْخُطْبَةِ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا وَمِنْهَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّ التَّطَوُّعَ مَكْرُوهٌ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ وَمِنْهَا التَّنَفُّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مُطْلَقًا وَبَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْبَيْتِ وَمِنْهَا التَّنَفُّلُ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنْهَا وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ إذَا ضَاقَ يُكْرَهُ أَدَاءُ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهِ وَمِنْهَا وَقْتُ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَمِنْهَا وَقْتُ حُضُورِ الطَّعَامِ إذَا كَانَتْ النَّفْسُ تَائِقَةً إلَيْهِ وَالْوَقْتُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ مَا يَشْغَلُ الْبَالَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَيُخِلُّ بِالْخُشُوعِ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الشَّاغِلُ، كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَذُكِرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ مَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِأَدَاءِ الْعِشَاءِ لَا غَيْرُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ هُوَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي التَّأْخِيرِ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ بِعُذْرٍ) أَيْ مُنِعَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ الْعُذْرِ لِلنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ بِتَعْيِينِ الْأَوْقَاتِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ وَلِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً قَطُّ إلَّا لِوَقْتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ» ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَمَحْمُولٌ عَلَى الْجَمْعِ فِعْلًا بِأَنْ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَيُحْمَلُ تَصْرِيحُ الرَّاوِي بِالْوَقْتِ عَلَى الْمَجَازِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَالْمَنْعُ عَنْ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ عِنْدَنَا مُقْتَضٍ لِلْفَسَادِ إنْ كَانَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَلِلْحُرْمَةِ إنْ كَانَ جَمْعَ تَأْخِيرٍ مَعَ الصِّحَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمُسَافِرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَدْ شَاهَدْت كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فِي الْأَسْفَارِ خُصُوصًا فِي سَفَرِ الْحَجِّ مَاشِينَ عَلَى هَذَا تَقْلِيدًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ يُخِلُّونَ بِمَا ذَكَرَتْ الشَّافِعِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ الشُّرُوطِ لَهُ فَأَحْبَبْت إيرَادَهَا إبَانَةً لِفِعْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ لِمُرِيدِهِ، اعْلَمْ أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فِعْلَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَفْضَلُ إلَّا لِلْحَاجِّ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَفِي حَقِّ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ قَالُوا شُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثَةٌ الْبُدَاءَةُ بِالْأُولَى وَنِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَمَحِلُّ هَذِهِ النِّيَّةِ عِنْدَ التَّحْرِيمِ أَعْنِي فِي الْأُولَى وَيَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الْأَظْهَرِ وَلَوْ نَوَى مَعَ السَّلَامِ مِنْهَا جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُوَالَاةُ بِأَنْ لَا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِهَا وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ وَمَا عَدَّهُ الْعُرْفُ فَصْلًا طَوِيلًا فَهُوَ طَوِيلٌ يَضُرُّ وَمَالًا فَلَا وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِنَا تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ سِوَى تَأْخِيرِهَا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ نَوَى، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً كَفَى عَلَى مَا فِي الرَّافِعِيِّ وَالرَّوْضَةِ وَاعْتُبِرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْرُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَمَا ذَكَرْنَا وَأَخَّرَ عَصَى فِي التَّأْخِيرِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَضَاءً قَالُوا وَإِذَا كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الْأُولَى فَتَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ نَازِلًا فَتَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِ الْأُولَى أَفْضَلُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي مَنَاسِكِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. [بَابُ الْأَذَانِ] ـــــــــــــــــــــــــــــQ [التَّنَفُّلِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ] (قَوْلُهُ: أَوْ كُسُوفٍ) فِيهِ أَنَّ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا مَذْهَبُنَا تَأَمَّلْ، وَأَمَّا خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَهِيَ عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ [الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ بِعُذْرٍ] (بَابُ الْأَذَانِ)

هُوَ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] وَشَرْعًا إعْلَامٌ مَخْصُوصٌ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَسَبَبُهُ الِابْتِدَائِيُّ أَذَانُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَإِقَامَتُهُ حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَامًا بِالْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَلَكَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ مَشْهُورٌ وَصَحَّحَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَلَكِ فَقِيلَ جِبْرِيلُ وَقِيلَ غَيْرُهُ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَالْبَقَائِيُّ دُخُولُ الْوَقْتِ وَدَلِيلُهُ الْكِتَابُ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَصِفَتُهُ سَتَأْتِي وَرُكْنُهُ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ وَكَيْفِيَّتُهُ مَعْلُومَةٌ، وَأَمَّا سُنَنُهُ فَنَوْعَانِ سُنَنٌ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ وَسُنَنٌ فِي صِفَاتِ الْمُؤَذِّنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَسَيَأْتِي، وَأَمَّا الثَّانِي فَأَنْ يَكُونَ رَجُلًا عَاقِلًا ثِقَةً عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَأَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فَأَذَانُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَلَا مَكْرُوهٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَا يُعَادُ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ «وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» وَصَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ أَذَانِ الْفَاسِقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي كَوْنِهِ خِيَارًا أَنْ لَا يَأْخُذَ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُؤَذِّنِ وَلَا لِلْإِمَامِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يُشَارِطْهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَكِنْ عَرَفُوا حَاجَتَهُ فَجَمَعُوا لَهُ فِي وَقْتٍ شَيْئًا كَانَ حَسَنًا وَيَطِيبُ لَهُ وَعَلَى هَذَا الْمُفْتِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يُهْدُوا إلَيْهِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ عَلَى قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ لِلْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُعَلِّمِ وَالْمُفْتِي كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان الْمُؤَذِّنُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لَا يَسْتَحِقُّ ثَوَابَ الْمُؤَذِّنِينَ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَفِي أَخْذِ الْأَجْرِ أَوْلَى. اهـ. وَقَدْ يُمْنَعُ لِمَا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لِلْجَهَالَةِ الْمُوَقَّعَةِ فِي الْغَرَرِ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِي وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ الْمُقَدَّرَ فِي الْوَقْفِ لِلْمُؤَذِّنِ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَذَانُهُ فِيمَنْ يُوَلِّي وَيُرَتِّبُ لِلْأَذَانِ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَمْ الْإِمَامَةُ قِيلَ بِالْأَوَّلِ لِلْآيَةِ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33] فَسَّرَتْهُ عَائِشَةُ بِالْمُؤَذِّنِينَ وَلِلْحَدِيثِ «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ قِيلَ أَطْوَلُ النَّاسِ رَجَاءً يُقَالُ طَالَ عُنُقِي إلَى وَعْدِك أَيْ رَجَائِي وَقِيلَ أَكْثَرُ النَّاسِ اتِّبَاعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُمْ كُلُّ مَنْ يُصَلِّي بِأَذَانِهِمْ يُقَالُ جَاءَنِي عُنُقٌ مِنْ النَّاسِ أَيْ جَمَاعَةٌ وَقِيلَ أَعْنَاقُهُمْ تَطُولُ حَتَّى لَا يُلْجِمَهُمْ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ إعْنَاقًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ إسْرَاعًا فِي السَّيْرِ وَقِيلَ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَئِمَّةً وَلَمْ يَكُونُوا مُؤَذِّنِينَ وَهُمْ لَا يَخْتَارُونَ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَفْضَلَهَا وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ إنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ اخْتَارَ الْإِمَامَةَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَخَافُ إنْ تَرَكْت الْفَاتِحَةَ أَنْ يُعَاتِبَنِي الشَّافِعِيُّ وَإِنْ قَرَأْتُهَا مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يُعَاتِبَنِي أَبُو حَنِيفَةَ فَاخْتَرْت الْإِمَامَةَ طَلَبًا لِلْخَلَاصِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ. اهـ. وَقَدْ كُنْت أَخْتَارُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى هَذَا النَّقْلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّهَا أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَوْلُ عُمَرَ لَوْلَا الْخِلِّيفَى لَأَذَّنْت لَا يَسْتَلْزِمُ تَفْضِيلَهُ عَلَيْهَا بَلْ مُرَادُهُ لَأَذَّنْت مَعَ الْإِمَامَةِ لَا مَعَ تَرْكِهَا فَيُفِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَوْنُ الْإِمَامِ هُوَ الْمُؤَذِّنُ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا عُلِمَ مِنْ إخْبَارِهِ. اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مَهِيبًا وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَيَزْجُرُ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَاتِ وَلَا يُؤَذِّنُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ إذَا صَلَّى فِي مَكَانِهِ وَيُسَنُّ الْأَذَانُ فِي مَوْضِعٍ عَالٍ وَالْإِقَامَةُ عَلَى الْأَرْضِ وَفِي أَذَانِ الْمَغْرِبِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسَنُّ الْمَكَانُ الْعَالِي فِي أَذَانِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ أَسْمَعَ لِلْجِيرَانِ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَلَا يُجْهِدَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَوِلَايَةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَالْقَوْمُ كَارِهُونَ لَهُ وَكَذَا الْإِمَامَةُ إلَّا أَنَّ هَهُنَا اسْتَثْنَى الْفَاسِقَ اهـ. يَعْنِي فِي الْإِمَامَةِ. (قَوْلُهُ: سُنَّ لِلْفَرَائِضِ) أَيْ سُنَّ الْأَذَانُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَوِيَّةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ حَتَّى أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْوُجُوبَ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ قَاتَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِهِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ اسْتِخْفَافِهِمْ بِالدِّينِ بِخَفْضِ أَعْلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ إعْلَامِ الدِّينِ كَذَلِكَ وَاخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وُجُوبَهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّرْكِ مَرَّةً دَلِيلُ الْوُجُوبِ وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَّا لَمْ يَأْثَمْ أَهْلُ بَلْدَةٍ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُضْرَبُوا وَلَمْ يُحْبَسُوا وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ صَلَّوْا فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَأَثِمُوا. اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمَقْرُونَةَ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ لَا الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ فِي بَلَدٍ سَقَطَتْ الْمُقَاتَلَةُ عَنْ أَهْلِهَا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ وَاحِدٌ فِي بَلَدٍ سَقَطَ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ إظْهَارُ أَعْلَامِ الدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكِفَايَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ سُنَّةً فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ أَذَانُ الْحَيِّ يَكْفِينَا كَمَا سَيَأْتِي وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْإِثْمِ عَلَى تَرْكِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّوَافِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَعَلَّ الْإِثْمَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ بِالسُّنِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمُحِيطِ وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ فِي حَقِّ لُحُوقِ الْإِثْمِ لِتَارِكِهِمَا. اهـ. وَخَرَجَ بِالْفَرَائِضِ مَا عَدَاهَا فَلَا أَذَانَ لِلْوِتْرِ وَلَا لِلْعِيدِ وَلَا لِلْجَنَائِزِ وَلَا لِلْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ؛ لِأَنَّهَا اتِّبَاعٌ لِلْفَرَائِضِ وَالْوِتْرُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ لَكِنَّهُ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ لَا لِأَنَّ الْأَذَانَ لَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: بِلَا تَرْجِيعٍ) أَيْ لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيعٌ وَهُوَ أَنْ يَخْفِضَ بِالشَّهَادَتَيْنِ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَرْفَعَ بِهِمَا صَوْتَهُ «؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ لَا يُرَجِّعُ وَأَبُو مَحْذُورَةَ رَجَّعَ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلتَّعْلِيمِ» كَمَا كَانَ عَادَتُهُ فِي تَعْلِيمِ أَصْحَابِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ وَلَا يَحْصُلُ بِالْإِخْفَاءِ فَصَارَ كَسَائِرِ كَلِمَاتِهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ التَّرْجِيعَ عِنْدَنَا مُبَاحٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ بِصُورَةِ نَقْلِ الْخِلَافِ وَلَا يَخْفَى أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِوَجْهٍ فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ وَعَدَمِ الْقَهْرِ لَهُمْ وَالضَّرْبُ وَالْحَبْسُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ قَهْرِهِمْ فَجَازَ أَنْ يُقَاتَلُوا إذَا امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ الْأَمْرِ بِالْأَذَانِ وَلَمْ يُسَلِّمُوا أَنْفُسَهُمْ فَإِذَا قُوتِلُوا فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ ضُرِبُوا وَحُبِسُوا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ إلَخْ) أَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ السَّابِقِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلْدَةٍ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ عَدَمُ الْإِنْكَارِ عَلَى أَهْلِ بَلْدَةٍ تَرَكُوهُ لَا عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَرْكِهِ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ جَوَازُ تَرْكِهِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا اتَّسَعَتْ أَطْرَافُهَا كَمِصْرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلَّةٍ سَمِعُوا الْأَذَانَ وَلَوْ مِنْ مَحَلَّةٍ أُخْرَى يَسْقُطُ عَنْهُمْ لَا إنْ لَمْ يَسْمَعُوا. (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْإِثْمِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمَذْكُورُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ السُّنَنِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ الْإِثْمَ إلَخْ) لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ هُنَا لَكِنْ سَيَجْزِمُ بِهِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ مُسْتَنِدًا إلَى شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْفَرَائِضِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَلَا يُسَنُّ لِلْمَنْذُورَةِ وَرَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَدْ يُسَنُّ الْأَذَانُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي أَذَانِ الْمَوْلُودِ وَالْمَهْمُومِ وَالْمَفْزُوعِ وَالْغَضْبَانِ وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ وَعِنْدَ مُزْدَحِمِ الْجَيْشِ وَعِنْدَ الْحَرِيقِ قِيلَ وَعِنْدَ إنْزَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ قِيَاسًا عَلَى أَوَّلِ خُرُوجِهِ لِلدُّنْيَا لَكِنْ رَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِنْدَ تَغَوُّلِ الْغِيلَانِ أَيْ عِنْدَ تَمَرُّدِ الْجِنِّ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ فِيهِ أَقُولُ: وَلَا بُعْدَ فِيهِ عِنْدَنَا. (قَوْلُهُ: وَأَبُو مَحْذُورَةَ رَجَعَ بِأَمْرِهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ ذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ رُوِيَتْ فِي قِصَّتِهِ وَهِيَ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ كَانَ يُبْغِضُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْإِسْلَامِ بُغْضًا شَدِيدًا فَلَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ فَلَمَّا بَلَغَ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ خَفَضَ صَوْتَهُ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَكَ أُذُنَهُ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ وَامْدُدْ بِهَا صَوْتَك إمَّا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ مِنْ الْحَقِّ أَوْ لِيَزِيدَهُ مَحَبَّةً لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَكْرِيرِ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ. (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَتِهِمْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى، أَمَّا التَّرْجِيعُ بِمَعْنَى التَّغَنِّي

فِيهِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ لَكِنْ ذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنُ وَلَا التَّطْرِيبُ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجِيعَ هُنَا لَيْسَ هُوَ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ بَلْ هُوَ التَّغَنِّي وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ: بِلَالٌ وَأَبُو مَحْذُورَةَ وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِذَا غَابَ بِلَالٌ أَذَّنَ أَبُو مَحْذُورَةَ وَإِذَا غَابَ أَبُو مَحْذُورَةَ أَذَّنَ عَمْرٌو» قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو مَحْذُورَةَ اسْمُهُ سَمُرَةُ بْنُ مُعِيرٍ. (قَوْلُهُ: وَلَحْنٌ) أَيْ لَيْسَ فِيهِ لَحْنٌ أَيْ تَلْحِينٌ وَهُوَ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ التَّطْرِيبُ وَالتَّرَنُّمُ يُقَالُ لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ تَلْحِينًا طَرَّبَ فِيهَا وَتَرَنَّمَ، وَأَمَّا اللَّحْنُ فَهُوَ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ لِمَا لَا يَفْطِنُ لَهُ غَيْرُهُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» وَفِي الصِّحَاحِ اللَّحْنُ الْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ وَالتَّلْحِينُ التَّخْطِئَةُ وَالْمُنَاسِبُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ بِالتَّغَنِّي بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ كَلِمَاتِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِيهِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى لَكِنْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ مَطْلُوبٌ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا وَقَيَّدَهُ الْحَلْوَانِيُّ بِمَا هُوَ ذِكْرٌ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْمَدِّ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّلْحِينَ هُوَ إخْرَاجُ الْحَرْفِ عَمَّا يَجُوزُ لَهُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ نَقْصٍ مِنْ الْحُرُوفِ أَوْ مِنْ كَيْفِيَّاتِهَا وَهِيَ الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ أَوْ زِيَادَةُ شَيْءٍ فِيهَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ سَمَاعُ الْمُؤَذِّنِ إذَا لَحَّنَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي الْقِرَاءَةِ أَيْضًا بَلْ أَوْلَى قِرَاءَةً وَسَمَاعًا وَقَيَّدَهُ بِالتَّلْحِينِ؛ لِأَنَّ التَّفْخِيمَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ اللُّغَتَيْنِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّهُ تَغْلِيظُ اللَّامِ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَرَبِ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي خِلَافًا فِيهِ بَيْنَ الْقُرَّاءِ وَصَرَّحَ الشَّارِحُ بِكَرَاهَةِ الْخَطَأِ فِي إعْرَابِ كَلِمَاتِهِ. (قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ بَعْدَ فَلَاحِ أَذَانَ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) «لِحَدِيثِ بِلَالٍ حَيْثُ ذَكَرَهَا حِينَ وُجِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمًا فَلَمَّا انْتَبَهَ أَخْبَرَهُ بِهِ فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك» وَهُوَ لِلنَّدْبِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا، وَإِنَّمَا خُصَّ الْفَجْرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَخُصَّ بِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ دُونَ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ قَبْلَهَا مَكْرُوهٌ أَوْ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّوْمُ مُشَارِكًا لِلصَّلَاةِ فِي أَصْلِ الْخَيْرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِبَادَةً كَمَا إذَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى تَحْصِيلِ طَاعَةٍ أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ أَوْ لِأَنَّ النَّوْمَ رَاحَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةُ رَاحَةٌ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ الرَّاحَةُ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلَ وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ فَلَاحٍ أَذَانَ الْفَجْرِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ مَحِلَّهَا بَعْدَ الْأَذَانِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَضْلِيِّ هَكَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى. (قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْأَذَانِ فِي كَوْنِهِ سُنَّةَ الْفَرَائِضِ فَقَطْ وَفِي عَدَدِ كَلِمَاتِهِ وَفِي تَرْتِيبِهَا لِحَدِيثِ الْمَلَكِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ أَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى وَأَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ تِسْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً» ، وَإِنَّمَا قَالَ تِسْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً لِأَجْلِ التَّرْجِيعِ وَإِلَّا فَالْأَذَانُ عِنْدَنَا خَمْسَ عَشَرَةَ كَلِمَةً وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَعْمَلْ بِمَجْمُوعِهِ الْفَرِيقَانِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَا يَقُولُونَ بِتَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ وَالْحَنَفِيَّةَ لَا يَقُولُونَ بِالتَّرْجِيعِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى إيتَارِ صَوْتِهَا بِأَنْ يَحْدُرَ فِيهَا كَمَا هُوَ الْمُتَوَارَثُ لِيُوَافِقَ مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ النَّصِّ الْغَيْرِ الْمُحْتَمَلِ لَا إيتَارُ أَلْفَاظِهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَا يَقُولُونَ بِإِيتَارِ التَّكْبِيرِ بَلْ هُوَ مَثْنَى فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ كَانَ يُثَنِّي الْإِقَامَةَ حَتَّى مَاتَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ أَذَّنَ رَجُلٌ وَأَقَامَ آخَرُ بِإِذْنِهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْأَوَّلُ يُكْرَهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَجَوَابُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ مَا فِي الْمَجْمَعِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا نَكْرَهُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَرْضَ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا فِيهِ نَظَرٌ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالْأَفْضَلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يَحِلُّ فِيهِ فَفِي الْقُرْآنِ أَوْلَى. اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ قَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ قُلْتُ: وَفِي الْمَنْبَعِ قَالَ: فَإِنْ قُلْتُ: ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا تَرْجِيعَ فِي الْأَذَانِ لَكِنْ لَوْ رَجَّعَ هَلْ يَكُونُ الْأَذَانُ مَكْرُوهًا قُلْتُ: مَا رَأَيْت إطْلَاقَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ فِي الْمَبْسُوطِ ذَكَرَ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ التَّلْحِينِ فَقَالَ وَلِهَذَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُنَاسِبُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ) مُرَادُهُ بِالْأَوَّلِ التَّطْرِيبُ وَالتَّرَنُّمُ وَبِالثَّالِثِ الْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ. (قَوْلُهُ: فَلَمَّا انْتَبَهَ أَخْبَرَهُ بِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِلَالٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاَلَّذِي فِي الْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -

أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ وَلَوْ أَقَامَ غَيْرُهُ جَازَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِقَامَةَ آكَدُ فِي السُّنِّيَّةِ مِنْ الْأَذَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِهَذَا قَالُوا يُكْرَهُ تَرْكُهَا لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْأَذَانِ، وَقَالُوا إنَّ الْمَرْأَةَ تُقِيمُ وَلَا تُؤَذِّنُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِقَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَذَانِ وَفِي الْقُنْيَةِ ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فَقَدَّمَ رَجُلًا جَاءَ سَاعَتَئِذٍ لَا تُسَنُّ إعَادَةُ الْإِقَامَةِ وَيَدْخُلُ فِي الْمِثْلِيَّةِ تَحْوِيلُ وَجْهِهِ بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ فِيهَا كَالْأَذَانِ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا كَهُوَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ إلَّا أَنَّ الْإِقَامَةَ أَخْفَضُ مِنْهُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي عَدَدِ الْكَلِمَاتِ فِيهِ نَظَرٌ. (قَوْلُهُ وَيَزِيدُ بَعْدَ فَلَاحِهَا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَفِي رَوْضَةِ النَّاطِفِيِّ أَكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَمْشِيَ فِي إقَامَتِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا انْتَهَى الْمُؤَذِّنُ إلَى قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ إنْ شَاءَ أَتَمَّهَا فِي مَكَانِهِ وَإِنْ شَاءَ مَشَى إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ إمَامًا كَانَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ غَيْرَهُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ غَيْرَ الْإِمَامِ أَتَمَّهَا فِي مَوْضِعِ الْبِدَايَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَدَخَلَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ إلَى أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فِي مُصَلَّاهُ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَنْتَظِرُ الْمُؤَذِّنُ وَلَا الْإِمَامُ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شِرِّيرًا وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَيُعْذَرُ وَقِيلَ يُؤَخَّرُ. (قَوْلُهُ: وَيَتَرَسَّلُ فِيهِ وَيَحْدُرُ فِيهَا) أَيْ يَتَمَهَّلُ فِي الْأَذَانِ وَيُسْرِعُ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدُّهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ الْأَذَانِ بِسَكْتَةٍ بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ لِلتَّوَارُثِ وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ «إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ فِي أَذَانِك وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ» فَكَانَ سُنَّةً فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَالتَّرَسُّلُ بِحَالِهِ أَلْيَقُ وَمِنْ الْإِقَامَةِ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَدْرُ بِحَالِهِ أَلْيَقُ وَفُسِّرَ التَّرَسُّلُ فِي الْفَوَائِدِ بِإِطَالَةِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْحَدْرُ قِصَرُهَا وَإِيجَازُهَا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ جَعَلَ الْأَذَانَ إقَامَةً يُعِيدُ الْأَذَانَ وَلَوْ جَعَلَ الْإِقَامَةَ أَذَانًا لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ دُونَ الْإِقَامَةِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَسَّلَ فِيهِمَا أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا أَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْأَذَانِ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَتَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ لَا يَضُرُّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَالْإِعَادَةِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان أَذَّنَ وَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ فَظَنَّهَا أَذَانًا فَصَنَعَ كَالْأَذَانِ فَعَرَفَ يَسْتَقْبِلُ الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِقَامَةِ الْحَدْرُ فَإِذَا تَرَسَّلَ تَرَكَ سُنَّةَ الْإِقَامَةِ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَذَّنَ مَرَّتَيْنِ. اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ جَعَلَ الْأَذَانَ إقَامَةً لَا يَسْتَقْبِلُ وَلَوْ جَعَلَ الْإِقَامَةَ أَذَانًا يَسْتَقْبِلُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِقَامَةِ التَّغَيُّرَ وَقَعَ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِسُنَّتِهَا وَهُوَ الْحَدْرُ وَفِي الْأَذَانِ التَّغَيُّرُ مِنْ آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِسُنَّتِهِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ التَّرَسُّلُ فَلِهَذَا لَا يُعِيدُ. اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِجَعْلِ الْأَذَانِ إقَامَةً أَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِقَوْلِهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُرَادُ مِمَّا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَتَصِيرُ مَسْأَلَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْكَافِي وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُسَكِّنُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَكِنْ فِي الْأَذَانِ يَنْوِي الْحَقِيقَةَ وَفِي الْإِقَامَةِ يَنْوِي الْوَقْفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي عَدَدِ الْكَلِمَاتِ فِيهِ نَظَرٌ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَى ذَلِكَ بَلْ هِيَ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا مِثْلُهُ فِي خَمْسَةٍ السُّنِّيَّةُ لِلْفَرَائِضِ وَالْعَدَدُ وَالتَّرْتِيبُ وَتَحْوِيلُ الْوَجْهِ وَرَفْعُ الصَّوْتِ لَكِنْ فِي النَّهْرِ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ فِي السُّنِّيَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيعِ وَاللَّحْنِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا قَالَ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ كَمَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ وَيَسْتَدِيرُ فِي صَوْمَعَتِهِ شُرُوعٌ فِيمَا اُخْتُصَّ بِهِ الْأَذَانُ فَكَذَا مَا عَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَذَلِكَ يَنْفِي الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فَلَا يُرَدُّ مَا ذُكِرَ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: مَرَّتَيْنِ) أَيْ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالتَّرَسُّلِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُرَادُ مِمَّا فِي الظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ هُوَ الْمُرَادُ مِمَّا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ يُعَادُ عَلَى مَا فِيهَا لَا عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ وَالْحَقُّ أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى جَعَلَ الْأَذَانَ إقَامَةً عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ تَرَكَ التَّرَسُّلَ فِيهِ فَيُعِيدُ لِفَوَاتِ تَمَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَعَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ لَفْظَ الْإِقَامَةِ فَلَا يُعِيدُ لِوُجُودِ التَّرَسُّلِ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ نَعَمْ لَوْ جَعَلَ الْإِقَامَةَ أَذَانًا لَا يُعِيدُهُ عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيُعِيدُهُ عَلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا جَاءَتْ عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلرَّاجِحِ السَّابِقِ وَبِهَذَا تَتَّفِقُ النُّقُولُ ثُمَّ الْإِعَادَةُ إنَّمَا هِيَ أَفْضَلُ فَقَطْ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْأَذَانِ يَنْوِي الْحَقِيقَةَ) لَا دَخْلَ لِذِكْرٍ يَنْوِي هُنَا وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَنَصُّهَا وَيُسَكِّنُ كَلِمَاتِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ شَيْئَانِ يُجْزَمَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ يَعْنِي عَلَى الْوَقْفِ لَكِنْ فِي الْأَذَانِ حَقِيقَةً وَفِي الْإِقَامَةِ يَنْوِي الْوَقْفَ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ فِي الْمُبْتَغَى: وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِ الْمُبْتَغَى يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ تَكْبِيرُ الصَّلَاةِ وَلَفْظُهُ وَلَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ بِالرَّفْعِ يَجُوزُ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْجَزْمُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «التَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَالتَّسْمِيعُ جَزْمٌ» اهـ. بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ ثُمَّ فِي اللَّفْظِ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَكُونُ مُسَكَّنًا بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ

[استقبال القبلة بالآذان والإقامة]

ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَفِي الْمُبْتَغَى وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي التَّكْبِيرَاتِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالرَّفْعِ وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالْجَزْمِ وَإِنْ كَرَّرَ التَّكْبِيرَ مِرَارًا فَالِاسْمُ الْكَرِيمُ مَرْفُوعٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَذِكْرُ أَكْبَرَ فِيمَا عَدَا الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ بِالرَّفْعِ وَفِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالرَّفْعِ وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بِالْجَزْمِ. (قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) أَيْ بِالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِفِعْلِ الْمَلَكِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ وَلِلتَّوَارُثِ عَنْ بِلَالٍ وَلَوْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَيُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِذَا انْتَهَى إلَى الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَلَا يُحَوِّلُ قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلًا، فَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالْفَلَاحُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِ الدَّاعِي أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى الْمَدْعُوِّينَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ سُنِّيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ مَا إذَا أَذَّنَ رَاكِبًا فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاسْتِقْبَالُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَاشِيًا ذَكَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ كَالْخُطْبَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ كُلَّ كَلَامٍ فَلَا يَحْمَدُ لَوْ عَطَسَ هُوَ وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ لَا بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ فِي نَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي أَوْ الْقَارِئِ أَوْ الْخَطِيبِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُتَغَوِّطَ لَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ حَرَامٌ بِخِلَافِ مَنْ فِي الْحَمَّامِ إذَا كَانَ بِمِئْزَرٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ. اهـ. وَمِثْلُهُ ذُكِرَ فِي سَلَامِ الْمُكَدِّي وَلَوْ تَكَلَّمَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ اسْتَأْنَفَهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّنَحْنُحُ فِي الْأَذَانِ مَكْرُوهٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لِتَحْصِيلِ الصَّوْتِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَكَذَا فِي الْإِقَامَةِ وَإِنْ قَدَّمَ فِي أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ شَيْئًا بِأَنْ قَالَ أَوَّلًا أَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْأَوَّلَ. (قَوْلُهُ: وَيَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِفِعْلِ بِلَالٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ لِكَوْنِهِ سُنَّةَ الْأَذَانِ فَلَا يَتْرُكُهُ خِلَافًا لِلْحَلْوَانِيِّ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْأَذَانِ فَلَا يُخِلُّ الْمُنْفَرِدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى قَالُوا فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ لِلْمَوْلُودِ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ. اهـ. وَقَيَّدَ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَوِّلُ وَرَاءَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَلَا أَمَامَهُ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِهَا مِنْ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَقَوْلُهُ بِالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ يَعْنِي أَنَّهُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا بِالصَّلَاةِ وَشِمَالًا بِالْفَلَاحِ وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْفَلَاحَ كَذَلِكَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ الْأَوْجَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَقَيَّدَ بِالِالْتِفَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَوِّلُ قَدَمَيْهِ لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ بِلَالٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَذَّنَّا أَوْ أَقَمْنَا أَنْ لَا نُزِيلَ أَقْدَامَنَا عَنْ مَوَاضِعِهَا» وَأَطْلَقَ فِي الِالْتِفَاتِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْأَذَانِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْغُنْيَةِ أَنَّهُ يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يُحَوِّلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لِإِعْلَامِ الْحَاضِرِينَ بِخِلَافِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ إعْلَامٌ لِلْغَائِبِينَ، وَقِيلَ يُحَوِّلُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مُتَّسِعًا. (قَوْلُهُ: وَيَسْتَدِيرُ فِي صَوْمَعَتِهِ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَتِمَّ الْإِعْلَامُ بِتَحْوِيلِ وَجْهِهِ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيرُ فِي الْمِئْذَنَةِ لِيَحْصُلَ التَّمَامُ وَالصَّوْمَعَةُ الْمَنَارَةُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مُتَعَبَّدُ الرَّاهِبِ ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِئْذَنَةٌ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ بِحَوْلِ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ يَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ أَذَّنَ وَفِي الْقُنْيَةِ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَتَعْوِي الْكِلَابُ فَلَهُ ضَرْبُهَا إنْ ظَنَّ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ بِضَرْبِهِ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْخُلَاصَةِ. وَمِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا؛ لِأَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَة بِالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ كَوْنَهُ خَطَا بِالْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ لَا يَخُصُّ أَهْلَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ بَلْ يَعُمُّ الْجَمِيعَ وَحِينَئِذٍ فَاخْتِصَاصُ الْيَمِينِ بِالصَّلَاةِ وَالشِّمَالِ بِالْفَلَاحِ تَحَكُّمٌ، قَالَ الرَّمْلِيُّ لَكِنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ، كَذَا فِي الْغَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يُحَوِّلُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الثَّانِي أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِئْذَنَةٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَفِي أَوَائِلِ السُّيُوطِيّ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ رَقِيَ مَنَارَةَ مِصْرَ لِلْأَذَانِ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَامِرٍ الْمُرَادِيُّ وَفِي عِرَافَتِهِ بَنِي سَلِمَةَ الْمَنَائِرَ لِلْأَذَانِ بِأَمْرِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ بِالسَّنَدِ إلَى أُمِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَانَ بَيْتِي أَطْوَلَ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ فَوْقَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا أَذَّنَ إلَى أَنْ بَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رُفِعَ لَهُ شَيْءٌ فَوْقَ ظَهْرِهِ

[إجابة المؤذن]

إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ لَيْسَتْ بِأَذَانٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ فَضِيلَةٌ وَإِنْ تَرَكَهَا لَا يَأْثَمُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ لَمْ يُجِبْ الْأَذَانَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» فَمَعْنَاهُ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ لَا بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَفِي الْمُحِيطِ يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ لِلْأَذَانِ الْإِجَابَةُ وَيَقُولُ مَكَانَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَمَكَانَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ إعَادَةَ ذَلِكَ يُشْبِهُ الِاسْتِهْزَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَسْبِيحٍ وَلَا تَهْلِيلٍ وَكَذَا إذَا قَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ صَدَقْت وَبَرَرْت وَلَا يَقْرَأُ السَّامِعُ وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِجَابَةِ وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ يَقْرَأُ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُجِيبُ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ لَا بِاللِّسَانِ حَتَّى لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَمْشِ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُجِيبًا وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ سَمِعَ الْأَذَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَسَمِعَ الْأَذَانَ لَا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهُ بِالْحُضُورِ وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَيُجِيبُ لَعَلَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْلِ الْحَلْوَانِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِجَابَةَ بِاللِّسَانِ وَاجِبَةٌ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» إذْ لَا تَظْهَرُ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عَنْهُ بَلْ رُبَّمَا يَظْهَرُ اسْتِنْكَارُ تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ وَالتَّشَاغُلَ عَنْهُ وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ لَا يُجِيبُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِالدُّعَاءِ عِنْدَهُمَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ إجَابَةَ الْإِقَامَةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ يَقُولُ إذَا سَمِعَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا وَفِي التَّفَارِيقِ إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَالْحُرْمَةُ لِلْأَوَّلِ وَسُئِلَ ظَهِيرُ الدِّينِ عَمَّنْ سَمِعَ فِي وَقْتٍ مِنْ جِهَاتٍ مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ إجَابَةُ أَذَانِ مَسْجِدِهِ بِالْفِعْلِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذْ مَقْصُودُ السَّائِلِ أَيُّ مُؤَذِّنٍ يُجِيبُ بِاللِّسَانِ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا وَاَلَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ [إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ] (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ بِاللِّسَانِ اتِّفَاقًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ وَأَنْ تَجِبَ بِالْقَدَمِ اتِّفَاقًا فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ وَبِاللِّسَانِ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ السَّعْيُ لَا إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَقْرَأُ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَوَّلِ لِلْإِجَابَةِ لَا عَلَى الثَّانِي، وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ وَالتُّحْفَةِ بِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَا سِوَى الْإِجَابَةِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَرَاهَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْأَذَانِ فَمَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إجْمَاعًا اسْتِدْلَالًا بِاخْتِلَافِهِمْ فِي كَرَاهَتِهِ عِنْدَ أَذَانِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا كَرِهَهُ لِإِلْحَاقِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِحَالَةِ الْخُطْبَةِ فَكَانَ هَذَا اتِّفَاقًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مَمْنُوعٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْحَلْوَانِيِّ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ بِالْقَدَمِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِي الْمَسْجِدِ إذْ لَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الذَّهَابِ دُونَ الصَّلَاةِ وَمَا فِي شَهَادَاتِ الْمُجْتَبَى سَمِعَ الْأَذَانَ وَانْتَظَرَ الْإِقَامَةَ فِي بَيْتِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مُخَرَّجٌ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ سَأَلْت شَيْخَنَا الْأَخَ عَنْ هَذَا فَلَمْ يُبْدِ جَوَابًا. اهـ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ السَّلَفِ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا كَمَا هُوَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَإِذَا فَرَغَ فَمَنْ تَخَلَّفَ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ فَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عِنْدَ وَقْتِهَا وَذَلِكَ بِالْأَذَانِ كَمَا فِي السَّعْيِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَجِبُ بِالْأَذَانِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ لَا لِذَاتِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ تَكْرَارَ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ وَفِي الْكَافِي وَلَا تُكَرَّرُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لَنَا أَنَّا أُمِرْنَا بِتَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ وَفِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ تَقْلِيلُهَا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَرَفُوا أَنَّهُمْ تَفُوتُهُمْ الْجَمَاعَةُ يَتَعَجَّلُونَ لِلْحُضُورِ فَتَكْثُرُ الْجَمَاعَةُ، وَفِي الْمِفْتَاحِ إذَا دَخَلَ الْقَوْمُ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ كُرِهَ جَمَاعَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وِحْدَانًا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَرَجَعَ بَعْدَمَا صَلَّى فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَهُ وَجَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ. اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ السَّعْيِ بِالْقَدَمِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّخَلُّفَ يَلْزَمُهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ تَفْوِيتُ الْجَمَاعَةِ أَوْ إعَادَتُهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنْ قُلْتُ: مُقْتَضَى مَا قُلْتُهُ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ قَوْلَ الْحَلْوَانِيِّ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا وَغَيْرُهُ قُلْتُ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بِأَهْلِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ هُنَاكَ وَسَنَذْكُرُ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، فَإِنْ قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ أَحَدَ الْمَحْذُورَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتهمَا قُلْت: لَا بَلْ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْحَلْوَانِيِّ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ أَحْيَانًا هَلْ يَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ قَالَ لَا وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا بِلَا عُذْرٍ وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ بِالْقَدَمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَقَدْ اتَّضَحَ الْحَالُ وَطَاحَ الْإِشْكَالُ. (قَوْلُهُ: فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُمَاثَلَةِ هَهُنَا الْمُشَابَهَةُ فِي مُجَرَّدِ الْقَوْلِ لَا فِي صِفَتِهِ كَرَفْعِ الصَّوْتِ. اهـ. سَيِّدُ زَادَهْ

يَنْبَغِي إجَابَةُ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ مُؤَذِّنَ مَسْجِدِهِ أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ سَمِعَ الْأَذَانَ نُدِبَ لَهُ الْإِجَابَةُ أَوْ وَجَبَتْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَفِي الْقُنْيَةِ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَمْشِي فَالْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ سَاعَةً وَيُجِيبَ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَمَا عَمِلَ بَعْدَهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَكَانَتْ تَضَعُ مِغْزَلَهَا وَإِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ يُلْقِي الْمِطْرَقَةَ مِنْ وَرَائِهِ وَرَدَّ خَلَفٌ شَاهِدًا لِاشْتِغَالِهِ بِالنَّسِيجِ حَالَةَ الْأَذَانِ وَعَنْ السَّلْمَانِيِّ كَانَ الْأُمَرَاءُ يُوقِفُونَ أَفْرَاسَهُمْ لَهُ وَيَقُولُونَ كُفُّوا. اهـ. وَأَمَّا الْحَوْقَلَةُ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ فَهُوَ وَإِنْ خَالَفَ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» لَكِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ لِذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَوْقَلَةِ وَالْحَيْعَلَةِ عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ طَلَبُهَا صَرِيحًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِهْزَاءَ لَا يَتِمُّ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ اعْتِبَارِ الْمُجِيبِ بِهِمَا دَاعِيًا لِنَفْسِهِ مُحَرِّكًا مِنْهَا السَّوَاكِنَ مُخَاطَبًا لَهَا، وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْكَلَامَ فِيهِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ سَامِعَ الْحَيْعَلَةِ لَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِهْزَاءَ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فَذَاكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ. اهـ. لِأَنَّهُ كَيْفَ يُنْسَبُ فَاعِلُهُ إلَى الْجَهْلِ مَعَ وُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ لَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا الْمُخَصَّصَ الْأَوَّلَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا لَا يُخَصَّصُ بَلْ يُعَارَضُ أَوْ يُقَدَّمُ الْعَامُّ وَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ مَنْ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَدْعُو نَفْسَهُ، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ لِيَعْمَلَ بِالْحَدِيثَيْنِ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي أُمَامَةَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنْ لَا يَسْبِقَ الْمُؤَذِّنَ بَلْ يَعْقُبُ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنْهُ بِجُمْلَةٍ مِنْهُ. اهـ. وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ وَلَمْ يُتَابِعْهُ السَّامِعُ هَلْ يُجِيبُ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ لَا يُجِيبُ وَإِلَّا يُجِيبُ وَفِي الْمُجْتَبَى فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لَا يُجِيبُ فِي الصَّلَاةِ وَاسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَثَلَاثِ خُطَبٍ الْمَوْسِمِ وَالْجِنَازَةِ وَفِي تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ وَالْجِمَاعِ وَالْمُسْتَرَاحِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالتَّغَوُّطِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُثْنِي بِلِسَانِهِ وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لَا يَجُوزُ أَذَانُهُمَا وَكَذَا ثَنَاؤُهُمَا. اهـ. وَالْمُرَادُ بِالثَّنَاءِ الْإِجَابَةُ وَكَذَا لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي الْمُجْتَبَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَانْتَظَرَ الْإِقَامَةَ فِي بَيْتِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اجْعَلْ أُصْبُعَيْك فِي أُذُنَيْك فَإِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ فَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ حَسَنًا وَكَذَا لَوْ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ السُّنَّةِ كَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَذَانَ مَعَهُ أَحْسَنُ فَإِذَا تَرَكَهُ بَقِيَ الْأَذَانُ حَسَنًا، كَذَا فِي الْكَافِي فَالْحَسَنُ رَاجِعٌ إلَى الْأَذَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ يَبْدَأُ مِنْ مَخَارِجِ النَّفَسِ فَإِذَا سَدَّ أُذُنَيْهِ اجْتَمَعَ النَّفَسُ فِي الْفَمِ فَخَرَجَ الصَّوْتُ عَالِيًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ رُبَّمَا لَمْ يَسْمَعْ إنْسَانٌ صَوْتَهُ لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيَسْتَدِلُّ بِأُصْبُعَيْهِ عَلَى أَذَانِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ فِي الْإِقَامَةِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِقَامَةَ أَخْفَضُ مِنْ الْأَذَانِ. (قَوْلُهُ: وَيُثَوِّبُ) أَيْ الْمُؤَذِّنُ وَالتَّثْوِيبُ الْعَوْدُ إلَى الْإِعْلَامِ بَعْدَ الْإِعْلَامِ وَمِنْهُ الثَّيِّبُ؛ لِأَنَّ مُصِيبَهَا عَائِدٌ إلَيْهَا وَالثَّوَابُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ عَمَلِهِ تَعُودُ إلَيْهِ وَالْمَثَابَةُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ إلَيْهِ وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْأَذَانِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خان وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِأَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ الْأَذَانِ قَدْرَ عِشْرِينَ آيَةً، ثُمَّ يَثُوبُ، ثُمَّ يَمْكُثُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُقِيمُ وَهُوَ نَوْعَانِ قَدِيمٌ وَحَادِثٌ فَالْأَوَّلُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَكَانَ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَ الْكُوفَةِ أَلْحَقُوهُ بِالْأَذَانِ وَالثَّانِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ إلَخْ) أَقُولُ: مَنْ كَانَ يَقُولُ بِالْجَمْعِ مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ سُلْطَانُ الْعَارِفِينَ سَيِّدِي مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ إلَخْ) سَبَقَهُ إلَيْهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ حَيْثُ قَالَ فَلَوْ سَكَتَ حَتَّى فَرَغَ كُلُّ الْأَذَانِ ثُمَّ أَجَابَ قَبْلَ فَاصِلٍ طَوِيلٍ كَفَى فِي أَصْلِ سُنَّةِ الْإِجَابَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. اهـ.

[جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة]

أَحْدَثُهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ وَأَطْلَقَ فِي التَّثْوِيبِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ لَفْظٌ يَخُصُّهُ بَلْ تَثْوِيبُ كُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ إمَّا بِالتَّنَحْنُحِ أَوْ بِقَوْلِهِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ أَوْ قَامَتْ قَامَتْ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا تَعَارَفُوهُ فَعَلَى هَذَا إذَا أَحْدَثَ النَّاسُ إعْلَامًا مُخَالِفًا لِمَا ذُكِرَ جَازَ، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَخُصُّ صَلَاةً بَلْ هُوَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِزِيَادَةِ غَفْلَةِ النَّاسِ وَقَلَّمَا يَقُومُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَعِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ هُوَ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَأَى مُؤَذِّنًا يُثَوِّبُ فِي الْعِشَاءِ فَقَالَ أَخْرِجُوا هَذَا الْمُبْتَدِعَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وَلِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَخُصُّ شَخْصًا دُونَ آخَرَ فَالْأَمِيرُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ سَوَاسِيَةٌ فِي أَمْرِ الْجَمَاعَةِ وَخَصَّ أَبُو يُوسُفَ الْأَمِيرَ وَكُلَّ مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ بِنَوْعِ إعْلَامٍ بِأَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الصَّلَاةَ يَرْحَمُك اللَّهُ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خان وَغَيْرُهُ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْمَلَكِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَعَابَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أُفٍّ لِأَبِي يُوسُفَ حَيْثُ يَخُصُّ الْأُمَرَاءَ بِالذِّكْرِ وَالتَّثْوِيبِ وَمَالَ إلَيْهِمْ وَلَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا خَصَّ أُمَرَاءَ زَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ، أَمَّا إذَا كَانَ مَشْغُولًا بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ الْمُرُورُ عَلَى بَابِهِ وَلَا التَّثْوِيبُ لَهُمْ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّصِيحَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَغَيْرِهِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُثَوِّبِ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ مَعْزِيًّا لِلْمُلْتَقِطِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْجَاهِ حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ سِوَى الْمُؤَذِّنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْضَالٌ لِنَفْسِهِ (فَرْعٌ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَذَانِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالزِّيَادَةُ فِي الْأَذَانِ مَكْرُوهَةٌ. اهـ. وَقَدْ سَمِعْنَاهُ الْآنَ عَنْ الزَّيْدِيَّةِ بِبَعْضِ الْبِلَادِ. (قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ وَيَجْلِسُ الْمُؤَذِّنُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُسَنُّ الْجُلُوسُ بَلْ السُّكُوتُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ مِقْدَارِ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَفْصِلُ أَيْضًا فِي الْمَغْرِبِ بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ قَدْرَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَهِيَ مِقْدَارُ أَنْ تَتَمَكَّنَ مَقْعَدَتُهُ مِنْ الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْوَصْلَ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مَكْرُوهٌ إجْمَاعًا لِحَدِيثِ بِلَالٍ «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» غَيْرَ أَنَّ الْفَصْلَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِالسُّنَّةِ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا لِعَدَمِ كَرَاهِيَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَهَا وَفِي الْمَغْرِبِ كُرِهَ التَّطَوُّعُ قَبْلَهُ فَلَا يَفْصِلُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ الْجِلْسَةُ تُحَقِّقُ الْفَصْلَ كَمَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَا يَقَعُ الْفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجَدُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَلَمْ تُعَدَّ فَاصِلَةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الْفَصْلَ بِالسَّكْتَةِ أَقْرَبُ إلَى التَّعْجِيلِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَكَانُ هُنَا مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ فِي الْمَنَارَةِ وَالْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا النَّغْمَةُ وَالْهَيْئَةُ بِخِلَافِ خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ لِاتِّحَادِ الْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ فَلَا يَقَعُ الْفَصْلُ إلَّا بِالْجِلْسَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ فَعَلَ الْمُؤَذِّنُ كَمَا قَالَا لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ وَلَوْ فَعَلَ كَمَا قَالَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُمَا يَعْنِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّحَوُّلُ لِلْإِقَامَةِ إلَى غَيْرِهِ مَوْضِعَ الْأَذَانِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعُلِمَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ قَدْرَ أَدَاءِ رَكْعَتَيْنِ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ التَّأْخِيرَ الْقَلِيلَ لَا يُكْرَهُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِهِمَا إذَا تَوَسَّطَ فِيهِمَا لِيُتَّفَقَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِقْدَارَ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ عِشْرِينَ آيَةً، ثُمَّ يُثَوِّبُ وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالتَّثْوِيبِ فَحَسَنٌ وَفِي الظُّهْرِ يُصَلِّي بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: سَوَاسِيَةٌ) أَيْ سَوَاءٌ تَقُولُ هُمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ سَوَاءٌ وَإِنْ شِئْت سَوَآنِ وَهُمْ سَوَاءٌ لِلْجَمْعِ وَهُمْ أَسَوَاءٌ وَهُمْ سَوَاسِيَةٌ أَيْ أَشْبَاهٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مِثْلُ ثَمَانِيَةٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ عَنْ الصِّحَاحِ. (قَوْلُهُ: فَقَالَ أُفٍّ لِأَبِي يُوسُفَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشُّغْلِ وَالْبَشَرُ لَا يَخْلُو عَنْ التَّغَيُّرِ وَالظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ تَابَ وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَابَ، كَذَا فِي الدِّرَايَةِ [جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ) قَالَ فِي الدُّرَرِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيُثَوِّبُ وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ التَّثْوِيبَ لِإِعْلَامِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ فِي الْمَغْرِبِ حَاضِرُونَ لِضِيقِ وَقْتِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ فَيُكْتَفَى بِأَدْنَى الْفَصْلِ احْتِرَازًا عَنْهُ. اهـ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُنَافٍ لِقَوْلِ الْكُلِّ أَنَّهُ يُثَوِّبُ فِي الْكُلِّ. اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ الْمَغْرِبَ فِي التَّثْوِيبِ وَبِهِ جَزَمَ فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ وَالنِّهَايَةِ وَالْبُرْجُنْدِيِّ وَابْنِ مَلَكٍ وَغَيْرِهَا

رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوَ عَشْرِ آيَاتٍ وَالْعِشَاءُ كَالظُّهْرِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلْيَجْلِسْ قَدْرَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا أَنَّهُ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ مُرَاعَاةُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ رَآهُمْ اجْتَمَعُوا أَقَامَ وَإِلَّا انْتَظَرَهُمْ وَلَعَلَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَهُ لِهَذَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ. (قَوْلُهُ: وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْوَقْتِ فَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ تُقْضَى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حِينَ نَامُوا عَنْ الصُّبْحِ وَصَلُّوهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ» وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَلِهَذَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ إنْ كَانَتْ صَلَاةً يُجْهَرُ فِيهَا وَإِلَّا خَافَتَ بِهَا، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الضَّابِطَ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَدَاءً كَانَ أَوْ قَضَاءً يُؤَذَّنُ لَهُ وَيُقَامُ سَوَاءٌ أَدَّى مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ إلَّا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّ أَدَاءَهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مَكْرُوهٌ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. اهـ. وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا كَمَا فِي الْفَتْحِ مَا تُؤَدِّيه النِّسَاءُ أَوْ تَقْضِيه لِجَمَاعَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَمَّتْهُنَّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ حِينَ كَانَتْ جَمَاعَتُهُنَّ مَشْرُوعَةً وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَةَ أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَرَكَهُمَا لَمَّا كَانَ هُوَ السُّنَّةُ حَالَ شَرْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ كَانَ حَالَ الِانْفِرَادِ أَوْلَى أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَضَاهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْبُيُوتِ دُونَ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّ فِيهِ تَشْوِيشًا وَتَغْلِيظًا. اهـ. وَإِذَا كَانُوا قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَائِتَةَ لَا تُقْضَى فِي الْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّكَاسُلِ فِي إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا فَالْوَاجِبُ الْإِخْفَاءُ فَالْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَحُكْمُ الْأَذَانِ لِلْوَقْتِيَّةِ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلُ الْبَابِ سُنَّ لِلْفَرَائِضِ وَسَيَأْتِي آخِرُ الْبَابِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ فِي الْأَدَاءِ إنَّمَا هُوَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ لَا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْمُتَقَدِّمُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْوَقْتِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَضَاءَ مُخَالِفٌ لِلْأَدَاءِ فِي الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا فِي الْقَضَاءِ وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَدَاءِ وَكِلَاهُمَا فِي بَيْتِهِ لَا فِي الْمَسْجِدِ وَسَيَأْتِي فِيهِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ آخِرَ الْبَابِ وَهَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِأَذَانِ الْفَائِتَةِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْجَمَاعَةِ يَرْفَعُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ يَرْفَعُ لِلتَّرْغِيبِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ فِي رَفْعِ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا مَدَرٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ لَا يَرْفَعُ وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لِأُولَى الْفَوَائِتِ وَخُيِّرَ فِيهِ لِلْبَاقِي) أَيْ فِي الْأَذَانِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ لِمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ بِسَنَدِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ شَغْلَهُمْ الْكُفَّارُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ عَنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَضَاهُنَّ عَلَى الْوَلَاءِ وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ» وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ وَلَهُ التَّرْكُ لِمَا عَدَا الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلِاسْتِحْضَارِ وَهُمْ حُضُورٌ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الْبَاقِيَ بِالْإِقَامَةِ لَا غَيْرُ قَالَ الرَّازِيّ إنَّهُ قَوْلُ الْكُلِّ وَالْمَذْكُورُ فِي الظَّاهِرِ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا الْحَمْلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَوَائِتِ صَرِيحًا فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذَا الْحَمْلِ أَنْ يُقَالَ يُؤَذِّنُ لِأُولَى الْفَوَائِتِ وَيُخَيَّرُ فِيهِ لِلْبَاقِي قَيَّدَ بِالْفَائِتَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْفَاسِدَةِ إذَا أُعِيدَتْ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يُعَادُ الْأَذَانُ وَلَا الْإِقَامَةُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى قَوْمٌ ذَكَرُوا فَسَادَ صَلَاةٍ صَلَّوْهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْوَقْتِ قَضَوْهَا بِجَمَاعَةٍ فِيهِ وَلَا يُعِيدُونَ الْأَذَانَ وَلَا الْإِقَامَةَ وَإِنْ قَضَوْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَوْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَفِي الْمُسْتَصْفَى التَّخْيِيرُ فِي الْأَذَانِ لِلْبَاقِي إنَّمَا هُوَ إذَا قَضَاهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا قَضَاهَا فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا. اهـ. . (قَوْلُهُ: ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهَذَا يَقْتَضِي إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَدَاءِ) أَيْ لِأَنَّ أَذَانَ الْحَيِّ يَكْفِيهِ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْقَضَاءِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ) الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ كَذَلِكَ زَائِدَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا فَالْوَاجِبُ إسْقَاطُهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ لَا يَرْفَعُ) يُنْظَرُ مَا عِلَّةُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زِيَادَةَ سَمَاعٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا لِلْمُسَافِرِ مِنْ قَوْلِهِ وَبِهَذَا وَنَحْوِهِ إلَخْ مَا قَدْ يُفِيدُ شُمُولَ الْبَيْتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إنَّ الْبَاقِيَ بِالْإِقَامَةِ لَا غَيْرُ) أَيْ وَلَا يَكُونُ مُخَيَّرًا لِلْأَذَانِ فِي الْبَاقِي. (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ يَقْضُونَهَا فِي مَسْجِدٍ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَائِتَةَ لَا تُقْضَى فِي الْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّكَاسُلِ فَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ فَتَأَمَّلْ

[الأذان قبل الوقت]

وَلَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ وَقْتٍ وَيُعَادُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَقْت إذَا أَذَّنَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ بِلَا خِلَافٍ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَعَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، وَأَمَّا فِيهِ فَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَوَقْتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَ ذَهَابِ نِصْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالسُّنَّةُ عِنْدَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْأُخْرَى عَقِبَ طُلُوعِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يُؤَذِّنُ فِي الْفَجْرِ قَبْلَهُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ يَا بِلَالُ لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» قَالَ فِي الْإِمَامِ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَلِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَيُخَفِّفُهُمَا» وَيُحْمَلُ مَا رَوَوْهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَعْتَمِدُوا عَلَى أَذَانِهِ فَإِنَّهُ يُخْطِئُ فَيُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى الِاحْتِرَاسِ عَنْ مِثْلِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ التَّسْحِيرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا كَانَ فِي رَمَضَانَ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِمَامِ فَلِذَا قَالَ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَالتَّذْكِيرُ الْمُسَمَّى فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالتَّسْبِيحِ لِيُوقِظَ النَّائِمَ وَيَرْجِعَ الْقَائِمُ كَمَا قِيلَ إنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا حِزْبَيْنِ حِزْبًا مُجْتَهِدِينَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَحِزْبًا فِي الْأَخِيرِ وَكَانَ الْفَاصِلُ عِنْدَهُمْ أَذَانُ بِلَالٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَيَرْقُدَ قَائِمُكُمْ فَلَوْ أَوْقَع بَعْضَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْضَهَا فِي الْوَقْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْأَذَانِ كُلُّهُ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ بِالْأَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَقَامَ فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى فَوْرِهِ هَلْ تَبْطُلُ إقَامَتُهُ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ تَبْطُلُ وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقُنْيَةِ حَضَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ إقَامَةِ الْمُؤَذِّنِ بِسَاعَةٍ أَوْ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى الْمُجَرَّدِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤَذَّنُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِهِ وَفِي الظُّهْرِ فِي الشِّتَاءِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَفِي الصَّيْفِ يُبْرِدُ وَفِي الْعَصْرِ يُؤَخِّرُهُ مَا لَمْ يَخَفْ تَغْيِيرَ الشَّمْسِ وَالْعِشَاءُ يُؤَخَّرُ قَلِيلًا بَعْدَ ذَهَابِ الْبَيَاضِ. اهـ. . (قَوْلُهُ: وَكُرِهَ أَذَانُ الْجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ الْمُحْدِثِ وَأَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ وَالسَّكْرَانِ) ، أَمَّا أَذَانُ الْجُنُبِ فَمَكْرُوهٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إلَى مَا لَا يُجِيبُ إلَيْهِ وَإِقَامَتُهُ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ قَيَّدَ بِالْجُنُبِ؛ لِأَنَّ أَذَانَ الْمُحْدِثِ لَا يُكْرَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلْأَذَانِ شَبَهًا بِالصَّلَاةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ لَهُ دُخُولُ الْوَقْتِ وَتَرْتِيبُ كَلِمَاتِهِ كَمَا تَرَتَّبَتْ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ هُوَ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً فَاشْتُرِطَ لَهُ الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ وَقِيلَ يُكْرَهُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» ، وَأَمَّا إقَامَةُ الْمُحْدِثِ فَلِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا مُتَّصِلَةً بِصَلَاةِ مَنْ يُقِيمُ وَيُرْوَى عَدَمُ كَرَاهَتُهَا كَالْأَذَانِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا أَذَانُ الْمَرْأَةِ فَلِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَوْثُقُ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا فَلَمْ يُوجَدْ الْإِعْلَامُ، وَأَمَّا الْقَاعِدُ فَلِتَرْكِ سُنَّةِ الْأَذَانِ مِنْ الْقِيَامِ أَطْلَقَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْإِعْلَامِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ كَرَاهَتُهُ مُضْطَجِعًا بِالْأَوْلَى وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِعَدَمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِيهِ إلَخْ) أَيْ فِي الْفَجْرِ. (قَوْلُهُ: وَيُحْمَلُ مَا رَوَوْهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَيَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَانَهُ وَنَهَاهُمْ عَنْ الِاغْتِرَارِ بِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ يَعْنِي نَفْسَهُ أَيْ أَنَّهُ أَذَّنَ فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ وَكَانَ يَبْكِي وَيَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَقُولُ لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُعَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ طَالَ الْفَصْلُ تَبْطُلُ وَإِلَّا فَلَا) تَابِعْهُ فِي النَّهْرِ فَقَالَ ظَاهِرُ مَا فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهَا لَا تُعَادُ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ أَوْ وُجِدَ بَيْنَهُمَا مَا يُعَدُّ قَاطِعًا كَأَكْلٍ وَنَحْوِهِ. اهـ. أَقُولُ: وَكَذَا ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُجْتَبَى فِي الْقَوْلَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهَا لَا تُعَادُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَهَذَا أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ وَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ أَرَهُ أَيْ صَرِيحًا تَأَمَّلْ. [أَذَانُ الْجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ وَأَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ وَالْقَاعِدِ وَالسَّكْرَانِ] (قَوْلُهُ: فَلِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَوْ خَفَضَتْهُ أَخَلَّتْ بِسُنَّةِ الْأَذَانِ. (قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُوثَقُ بِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا جَاهِلٌ بِالْأَوْقَاتِ تَقِيٌّ وَعَالِمٌ بِهَا فَاسِقٌ أَيُّهُمَا، وَقَدْ قَالُوا فِي الْإِمَامَةِ: إنَّ الْفَاسِقَ أَوْلَى مِنْ الْجَاهِلِ وَعَكَسُوا ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ كَالْإِمَامَةِ

الْوُثُوقِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْفَاسِقِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ سُكْرُهُ مِنْ مُبَاحٍ فَلَا يَكُونُ فَاسِقًا فَلِذَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى كَرَاهَةِ أَذَانِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ بِالْأَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِإِعَادَةِ أَذَانِ مَنْ كُرِهَ أَذَانُهُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ قَالُوا يُعَادُ أَذَانُ الْجُنُبِ لَا إقَامَتُهُ عَلَى الْأَشْبَهِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى؛ لِأَنَّ تَكْرَارَهُ مَشْرُوعٌ كَمَا فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ فَتَكْرِيرُهُ مُفِيدٌ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ سَمَاعِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ تَكْرَارِ الْإِقَامَةِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَيُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ إعَادَةِ إقَامَةِ الْمُحْدِثِ بِالْأَوْلَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْإِعَادَةَ لِأَذَانِ الْجُنُبِ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ الْأَذَانُ وَالصَّلَاةُ وَصَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِاسْتِحْبَابِ إعَادَتِهِ وَصَرَّحَ قَاضِي خان بِأَنَّهُ تَجِبُ الطَّهَارَةُ فِيهِ عَنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا فَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّ كَرَاهَةَ أَذَانِ الْجُنُبِ تَحْرِيمِيَّةٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَتْ إعَادَتُهُ مُسْتَحَبَّةٌ وَيُعَادُ أَذَانُ الْمَرْأَةِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى أَذَانِ هَؤُلَاءِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ فَرُبَّمَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ الْأَذَانَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فَيُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ أَوْ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ الْمُؤَدَّى أَوْ إيقَاعُهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَهَذَا لَا يَنْتَهِضُ فِي الْجُنُبِ وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْهَضَ فِسْقُهُ وَصَرَّحَ بِكَرَاهَةِ أَذَانِ الْفَاسِقِ وَلَا يُعَادُ فَالْإِعَادَةُ فِيهِ لِيَقَعَ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ خَمْسُ خِصَالٍ إذَا وُجِدَتْ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَجَبَ الِاسْتِقْبَالُ إذَا غَشِيَ عَلَى الْمُؤَذِّنِ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ مَاتَ أَوْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ أَوْ حُصِرَ فِيهِ وَلَا مُلَقِّنَ أَوْ خَرِسَ يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان مَعْنَاهُ فَإِنْ حُمِلَ الْوُجُوبُ عَلَى ظَاهِرِهِ اُحْتِيجَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ نَفْسِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ وَاسْتِقْبَالُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ إتْمَامِهِ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ إذَا شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَطَعَ تَبَادَرَ إلَى ظَنِّ السَّامِعِينَ أَنَّ قَطْعَهُ لِلْخَطَأِ فَيَنْتَظِرُونَ الْأَذَانَ الْحَقَّ، وَقَدْ تَفُوتُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ فَوَجَبَ إزَالَةُ مَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَذَانٌ أَصْلًا حَيْثُ لَا يَنْتَظِرُونَ بَلْ يُرَاقِبُ كُلٌّ مِنْهُمْ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِنَفْسِهِ أَوْ يُنَصِّبُونَ لَهُمْ مُرَاقِبًا إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِعَادَةِ فِيمَنْ ذَكَرْنَاهُمْ آنِفًا إلَّا الْجُنُبَ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ لِمَا فِي الْمُجْتَبَى وَإِذَا غُشِيَ عَلَيْهِ فِي أَذَانِهِ أَوْ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ أَوْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ فَالْأَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْأَذَانِ وَكَذَا صَرَّحَ بِالِاسْتِحْبَابِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَقَفَ فِي الْأَذَانِ لِتَنَحْنُحٍ أَوْ سُعَالٍ لَا يُعِيدُ وَإِنْ كَانَتْ الْوَقْفَةُ كَثِيرَةً يُعِيدُ. اهـ. وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ إعَادَةَ أَذَانِ الْمَرْأَةِ وَالسَّكْرَانِ مُسْتَحَبَّةٌ فَصَارَ الْحَاصِلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْعَدَالَةَ وَالذُّكُورَةَ وَالطَّهَارَةَ صِفَاتُ كَمَالٍ لِلْمُؤَذِّنِ لَا شَرَائِطُ صِحَّةٍ فَأَذَانُ الْفَاسِقِ وَالْمَرْأَةِ وَالْجُنُبِ صَحِيحٌ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْمُؤَذِّنُ مَعْلُومَ وَظِيفَةِ الْأَذَانِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْوَقْفِ وَيَصِحُّ تَقْرِيرُ الْفَاسِقُ فِيهَا وَفِي صِحَّةِ تَقْرِيرِ الْمَرْأَةِ فِي الْوَظِيفَةِ تَرَدُّدٌ لَكِنْ ذُكِرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا لَمْ يُعِيدُوا أَذَانَ الْمَرْأَةِ فَكَأَنَّهُمْ صَلُّوا بِغَيْرِ أَذَانٍ فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ أَذَانُ الْفَاسِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَبُولِ خَبَرِهِ وَالِاعْتِمَادِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ إعَادَتُهُ مُسْتَحَبَّةً) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مَقَامٌ آخَرُ. (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان مَعْنَاهُ) أَيْ فِيهَا مَعْنَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ حَمْلَ الْوُجُوبِ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ. (قَوْلُهُ: إلَّا الْجُنُبُ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ هَذَا وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِيهِمْ إنْ عَلِمَ النَّاسُ حَالَهُمْ وَجَبَتْ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ لِيَقَعَ فِعْلُ الْأَذَانِ مُعْتَبَرًا وَعَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ لَمْ يَبْعُدْ وَعَكْسُهُ فِي الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّتِهِ) أَقُولُ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ يُكْرَهُ أَذَانُ الْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَلَوْ أَذَّنَتْ لِلْقَوْمِ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى لَا يُعَادَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ وَكَذَا يُكْرَهُ أَذَانُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا حَتَّى لَا يُعَادَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَلَا يُجْزِئُ وَيُعَادُ؛ لِأَنَّ مَا يَصْدُرُ لَا عَنْ عَقْلٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَصَوْتِ الطُّيُورِ وَيُكْرَهُ أَذَانُ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَهَلْ يُعَادُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعَادَ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ أَذَانُ الْفَاسِقِ إلَخْ) كَذَا فِي النَّهْرِ أَيْضًا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعَادُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يُعَادُ وَكَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ عَنْ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ اعْلَمْ أَنَّ إعَادَةَ أَذَانِ الْجُنُبِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالصَّبِيِّ وَالْفَاجِرِ وَالرَّاكِبِ وَالْقَاعِدِ وَالْمَاشِي وَالْمُنْحَرِفِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَقِيلَ مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ إلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ. اهـ. فَقَدْ صَرَّحَ بِإِعَادَةِ أَذَانِ الْفَاجِرِ أَيْ الْفَاسِقِ لَكِنْ فِي كَوْنِ أَذَانِهِ مُعْتَدًّا بِهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِدُخُولِ الْأَوْقَاتِ وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ وَالصَّبِيُّ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِأَذَانِهِمْ أَصْلًا وَلَا يَصِحُّ تَقْرِيرُهُمْ فِي وَظِيفَةِ الْأَذَانِ لِعَدَمِ حُصُولِ فَائِدَتِهِ، وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُهُ بِالِاعْتِدَادِ بِهِ مِنْ جِهَةِ قِيَامِ الشَّعَائِرِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْمُقَاتَلَةِ بِتَرْكِهِ وَعَدَمِ الْإِثْمِ بِهِ

[أذان العبد وولد الزنا والأعمى والأعرابي]

عَلَيْهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَرْطَ صِحَّةٍ فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ أَصْلًا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي يَعْقِلُ فَأَذَانُهُ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّ أَذَانَ الْبَالِغِ أَفْضَلُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْمَجْمَعِ وَيُكْرَهُ أَذَانُ الصَّبِيِّ وَيُجْزِئُ وَأَطْلَقَهُ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ تَقْرِيرُهُ فِي وَظِيفَةِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَرْطَ صِحَّةٍ فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ كَافِرٍ عَلَى أَيِّ مِلَّةٍ كَانَ لَكِنْ هَلْ يَكُونُ بِالْأَذَانِ مُسْلِمًا قَالَ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ بَابِ السِّيَرِ وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الذِّمِّيِّ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ كَانَ مُسْلِمًا سَوَاءٌ كَانَ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ، وَإِنْ قَالُوا سَمِعْنَاهُ يُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ حَتَّى يَقُولُوا هُوَ مُؤَذِّنٌ، فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ فَهُوَ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قَالُوا هُوَ مُؤَذِّنٌ كَانَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ فَيَكُونُ مُسْلِمًا. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْأَذَانِ مُسْلِمًا إلَّا إذَا صَارَ عَادَةً لَهُ مَعَ إتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْعِيسَوِيَّةِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ يُنْسَبُونَ إلَى أَبِي عِيسَى الْيَهُودِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ يَعْتَقِدُونَ اخْتِصَاصَ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْعَرَبِ فَهَذَا لَا يَصِيرُ بِالْأَذَانِ مُسْلِمًا، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بِنَفْسِ الْأَذَانِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا ارْتَدَّ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا يُعَادُ أَذَانُهُ وَلَوْ أُعِيدَ فَهُوَ أَفْضَلُ. (قَوْلُهُ: لَا أَذَانُ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ) أَيْ لَا يَكْرَهُ أَذَانُ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ مَقْبُولٌ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَيَكُونُ مُلْزِمًا فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرُهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ، وَأَمَّا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَهُ وَفِي النِّهَايَةِ وَمَتَى كَانَ مَعَ الْأَعْمَى مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ يَكُونُ حِينَئِذٍ تَأْذِينُهُ وَتَأْذِينُ الْبَصِيرِ سَوَاءً، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ إمَامَتُهُمْ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْفِرُونَ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ أَوْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِلْمِ كَالْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْأَذَانِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَى الْعِلْمِ وَيَنْبَغِي أَنَّ الْعَبْدَ إنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا لِلْجَمَاعَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِخِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ. (قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا لِلْمُسَافِرِ) أَيْ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَلَمَّا أَرَدْنَا الِانْتِقَالَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَنَا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَإِذَا كَانَ هَذَا الْخِطَابُ لَهُمَا وَلَا حَاجَةَ لَهُمَا مُتَرَافِقِينَ إلَى اسْتِحْضَارِ أَحَدٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ أَيْضًا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوصِ الْمُنْفَرِدِ أَحَادِيثُ فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «يَعْجَبُ رَبُّك مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ وَيُقِيمُ لِلصَّلَاةِ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضِ فَيْءٍ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَبِهَذَا وَنَحْوِهِ عُرِفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْإِعْلَامِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُ وَمِنْ الْإِعْلَانِ بِهَذَا الذِّكْرِ نَشْرُ الذِّكْرِ لِلَّهِ وَدِينِهِ فِي أَرْضِهِ وَتَذْكِيرِ الْعِبَادِ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الَّذِينَ لَا يُرَى شَخْصُهُمْ فِي الْفَلَوَاتِ مِنْ الْعِبَادِ قَيَّدَ بِتَرْكِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ وَأَتَى بِالْإِقَامَةِ لَا يُكْرَهُ لِأَثَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَوْ عَكَسَ يُكْرَهُ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ. (قَوْلُهُ: لَا لِمُصَلٍّ فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ) أَيْ لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا صَلَّى بِدُونِهِمَا حَقِيقَةً فَقَدْ صَلَّى بِهِمَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ نَائِبٌ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِيهِمَا فَيَكُونُ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِمْ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَقَدْ صَلَّى بِدُونِهِمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِيهِ أَصْلًا لِتِلْكَ الصَّلَاةِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَذِّنُوا فِي الْحَيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [أَذَانُ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ] (قَوْلُهُ: وَفِي النِّهَايَةِ وَمَتَى كَانَ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابٍ آخَرَ عَنْ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسَ يَقُولُونَ أَصْبَحْت أَصْبَحْت، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَكَانَ مَعَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ وَمَتَى كَانَ ذَلِكَ يَكُونُ تَأْذِينُهُ وَتَأْذِينُ الْبَصِيرِ سَوَاءً، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ الْخَاصُّ كَذَلِكَ لَا يَحِلُّ أَذَانُهُ إلَّا بِإِذْنِ مُسْتَأْجِرِهِ

[ترك الأذان والإقامة]

فَإِنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لِلْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَطْلَقَ فِي الْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْمٍ صَلَّوْا فِي الْمِصْرِ فِي مَنْزِلٍ وَاكْتَفَوْا بِأَذَانِ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ، وَقَدْ أَسَاءُوا فَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَيْتِ لَيْسَ احْتِرَازًا بَلْ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا صَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لَا يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا بَلْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَإِنْ دَخَلَ مَسْجِدًا لِيُصَلِّيَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ وَلَا يُقِيمُ وَإِنْ أَذَّنَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَصَلَّوْا يُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُؤَذِّنُوا وَيُعِيدُوا الْجَمَاعَةَ وَلَكِنْ يُصَلُّوا وِحْدَانًا وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنُوا فِيهِ وَيُقِيمُوا اهـ وَفِي الْخُلَاصَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَذَّنُوا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى وَجْهِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَوْمٌ وَعَلِمُوا فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِالْجَمَاعَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا عِبْرَةَ لِلْجَمَاعَةِ الْأُولَى وَالتَّقْيِيدُ بِالْمِصْرِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا أَيْضًا بَلْ الْقَرْيَةُ كَالْمِصْرِ إنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ مَسْجِدٌ فِيهِ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَسْجِدٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ كُلٌّ مِنْهُمَا سُنَّةٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَذَانًا أَوْ إقَامَةً، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَكُونَانِ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً. (قَوْلُهُ: وَنَدْبًا لَهُمَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَوْ أَذَّنَ الْمُسَافِرُ رَاكِبًا فَلَا بَأْسَ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَيَنْزِلُ لِلْإِقَامَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ بَيْتٌ لَهُ مَسْجِدٌ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَيَتْرُكَ الْإِقَامَةَ. (قَوْلُهُ: لَا لِلنِّسَاءِ) أَيْ لَا يُنْدَبُ لِلنِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ قَيَّدَ بِالنِّسَاءِ أَيْ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُنْفَرِدَةَ تُقِيمُ وَلَا تُؤَذِّنُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَظَاهِرُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهَا لَا تُقِيمُ أَيْضًا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَبِيدَ لَا أَذَانَ وَلَا إقَامَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ وَجَمَاعَتُهُمْ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَلِهَذَا لَمْ يُشْرَعْ التَّكْبِيرُ عَقِبَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) وَهِيَ جَمْعُ شَرْطٍ عَلَى وَزْنِ فَعْلٍ وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ، وَأَمَّا الشَّرَائِطُ فَوَاحِدُهَا شَرِيطَةٌ، كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ فِي اللُّغَةِ فَمَنْ عَبَّرَ هُنَا بِالشَّرَائِطِ فَمُخَالِفٌ لِلُّغَةِ كَمَا عَرَفْت وَلِلْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ فَإِنَّ فَعَائِلَ لَمْ يُحْفَظْ جَمْعًا لِفَعْلٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ بِالْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ مُفْرَدَهُ فَرِيضَةٌ كَصَحَائِفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا فِي الصِّحَاحِ الشَّرْطُ مَعْرُوفٌ وَالشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ الْعَلَامَةُ وقَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] أَيْ عَلَامَاتُهَا وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، وَقَدْ قَسَّمَ الْأُصُولِيُّونَ الْخَارِجَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْحُكْمِ إلَى مُؤَثِّرٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ لَيْسَ عِبَارَةَ الْمُجْتَبَى بَلْ أَصْلُهُ وَأَنَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَذِّنُوا فَتَكُونُ الْوَاوُ سَقَطَتْ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ إلَخْ) لَوْ أَخَّرَهُ إلَى الْقَوْلَةِ الْآتِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُنْفَرِدَةَ تُقِيمُ وَلَا تُؤَذِّنُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ أَنَّ تَرْكَهُمَا هُوَ السُّنَّةُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ بَلْ جَعَلَهُ أَوْلَوِيًّا فَرَاجِعْهُ [بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ) أَيْ مَصْدَرُ شَرَطَ يَشْرُطُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ. اهـ. حِلْيَةٌ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الصِّحَاحِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ الْمُفَسَّرَ بِالْعَلَامَةِ هُوَ الشَّرْطُ مُحَرَّكًا فَقَيَّدُوهُ بِذَلِكَ وَفِي الْقَامُوسِ الشَّرْطُ إلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْتِزَامُهُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوُهُ جَمْعُهُ شُرُوطٌ وَبِالتَّحْرِيكِ الْعَلَامَةُ جَمْعُهُ أَشْرَاطٌ. اهـ. وَلَعَلَّ الْفُقَهَاءَ وَقَفُوا عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْعَلَامَةِ أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّرُوطَ جَمْعُ شَرْطٍ سَاكِنًا وَالْأَشْرَاطُ جَمْعُهُ مُحَرَّكًا وَالشَّرَائِطُ جَمْعُ شَرِيطَةٍ وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ مِنْ الْإِبِلِ وَالشَّاةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَقَوْلُ النَّهْرِ وَهِيَ أَيْ الشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ مُحَرَّكًا بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ لُغَةٌ فَسَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ قَسَّمَ الْأُصُولِيُّونَ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَشْرُوعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَاهِيَّتِهِ فَيُسَمَّى رُكْنًا كَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ وَهَذَا إمَّا أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ لِلْحِلِّ فَيُسَمَّى عِلَّةً أَوْ لَا يُؤَثِّرَ وَهَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَصِّلًا إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَالْوَقْتِ وَيُسَمَّى سَبَبًا أَوْ لَا يُوَصِّلُ وَهَذَا إمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الشَّيْءُ عَلَيْهِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فَيُسَمَّى شَرْطًا أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ كَالْأَذَانِ فَيُسَمَّى عَلَامَةً كَمَا بَسَطَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ وَبِهِ يَتَّضِحُ مَا فِي قَوْلِهِ تَبَعًا لِلْعِنَايَةِ الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ وَإِلَّا كَانَ عِلَّةً وَغَيْرَ مُوَصِّلٍ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا كَانَ سَبَبًا، وَمَا فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ مَا يُوجَدُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَ وُجُودِهِ لَا بِوُجُودِهِ وَلَا بِدُونِهِ أَجْمَعَ

فِيهِ وَمُفْضٍ إلَيْهِ بِلَا تَأْثِيرٍ فَالْأَوَّلُ الْعِلَّةُ وَالثَّانِي السَّبَبُ وَإِلَّا، فَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْوُجُودُ فَالشَّرْطُ وَإِلَّا فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ فَالْعَلَامَةُ وَالشَّرْطُ حَقِيقِيٌّ وَجَعْلِيٌّ فَالْأَوَّلُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الْوَاقِعِ وَالثَّانِي شَرْعِيٌّ أَيْ بِجَعْلِ الشَّرْعِ فَيَتَوَقَّفُ شَرْعًا كَالشُّهُودِ لِلنِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِ شَرْعِيٍّ أَيْ بِجَعْلِ الْمُكَلَّفِ بِتَعْلِيقِ تَصَرُّفِهِ عَلَيْهِ مَعَ إجَازَةِ الشَّرْعِ كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَكَذَا وَذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّرُوطِ هُنَا مَا لَا يَكُونُ الْمُكَلَّفُ بِحُصُولِهَا شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ احْتِرَازًا عَنْ التَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ عِنْدَنَا وَلَا تُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ. اهـ. وَأَطْلَقَ الشُّرُوطَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالتَّقَدُّمِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لَا مُخَصَّصَةٌ إذْ الشَّرْطُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَقَدِّمًا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: هِيَ طَهَارَةُ بَدَنِهِ مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ) ، أَمَّا طَهَارَةُ بَدَنِهِ مِنْ الْحَدَثِ فَبِآيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمِنْ الْخَبَثِ فَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَلِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «اغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَالْحَدَثُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ وَالْخَبَثُ عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا وَقَدَّمَ الْحَدَثَ لِقُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ مَانِعٌ بِخِلَافِ قَلِيلِ الْخَبَثِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ الْخَمْرِ أَوْ الدَّمِ أَوْ الْبَوْلِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ تُنَجِّسُ وَالْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَا يَنْجُسُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ. اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَنْجَاسِ شَيْءٌ مِنْهُ، وَأَمَّا طَهَارَةُ ثَوْبِهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] فَإِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ ثِيَابُك الْمَلْبُوسَةُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ طَهِّرْهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا لَكِنَّ الْأَرْجَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلِعُمُومِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي الْمَكَانِ وَالْبَدَنِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمُ لِلْمُصَلِّي مِنْهُ لِتَصَوُّرِ انْفِصَالِهِ بِخِلَافِهِمَا وَأَرَادَ بِالْخَبَثِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ وَأَشَارَ بِاشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الثَّوْبِ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ نَجَاسَةً مَانِعَةً فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ فَكَذَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفِ عِمَامَتِهِ أَوْ مِنْدِيلِهِ الْمَقْصُودُ ثَوْبٌ هُوَ لَابِسُهُ فَأَلْقَى ذَلِكَ الطَّرَفَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ إنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ يُنْسَبُ لِحَمْلِ النَّجَاسَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الصَّبِيُّ إذَا كَانَ ثَوْبُهُ نَجِسًا أَوْ هُوَ نَجِسٌ فَجَلَسَ عَلَى حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ أَوْ الْحَمَامُ النَّجِسُ إذَا وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يُصَلِّي كَذَلِكَ جَازَتْ الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إذَا حَمَلَهُ الْمُصَلِّي لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُصَلِّي مُسْتَعْمِلٌ لَهُ فَلَمْ يَصِرْ الْمُصَلِّي حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ. اهـ. وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَرَأْسُهُ يَصِلُ إلَى السَّقْفِ النَّجِسِ أَوْ فِي كِلَّةٍ مُتَنَجِّسَةٍ أَوْ فِي خَيْمَةٍ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ لِكَوْنِهِ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إذَا صَلَّى فِي الْخَيْمَةِ وَرَفَعَ سَقْفَهَا لِتَمَامِ قِيَامِهِ جَازَ إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً وَإِلَّا فَلَا. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ عَلَى عُنُقِ الْكَلْبِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَبْلَ لَمَّا سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الِاتِّصَالِ بِهِ فَصَارَ كَالْعِمَامَةِ الطَّوِيلَةِ. اهـ. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْحَبْلُ مَشْدُودًا فِي وَسَطِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَرْبُوطًا فِي سَفِينَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا الْبَيَانُ الْوَاقِعُ وَقِيلَ لِإِخْرَاجِ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ كَالْحَيَاةِ لِلْأَلَمِ وَالْجَعْلِيِّ كَدُخُولِ الدَّارِ لِلطَّلَاقِ وَقِيلَ لِإِخْرَاجِ مَا لَا يَتَقَدَّمُهَا كَالْقَعْدَةِ شَرْطُ الْخُرُوجِ وَتَرْتِيبُ مَا لَمْ يُشْرَعْ مُكَرَّرًا شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الشَّرْطَ عَقْلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ مُتَقَدِّمٌ فَلَا يُخْرِجُ قَيْدَ التَّقَدُّمِ الْعَقْلِيِّ وَالْجَعْلِيِّ لِلْقَطْعِ بِتَقَدُّمِ الْحَيَاةِ وَدُخُولِ الدَّارِ عَلَى الْأَلَمِ مَثَلًا وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ لَا يُقَالُ بَلْ الْجَعْلِيُّ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْمُعَلَّقِ إذْ الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي الْعَكْسِ فَالشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ لَهُ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ شَرْطٌ لُغَةً؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بَلْ السَّبَبُ هُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ تَأَخَّرَ عَمَلُهُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ الْجَعْلِيِّ فَصَدَقَ أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ لَا مُؤَثِّرَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا تَقْيِيدٌ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَا مُطْلَقُ الشَّرْطِ وَلَيْسَ لِلصَّلَاةِ شَرْطٌ جَعْلِيٌّ وَيَبْعُدُ الِاحْتِرَازُ عَنْ شَرْطِهَا الْعَقْلِيِّ مِنْ الْحَيَاةِ وَنَحْوِهَا إذْ الْكِتَابُ مَوْضُوعٌ لِبَيَانِ الْعَمَلِيَّاتِ فَلَا يَخْطُرُ غَيْرُهَا وَشَرْطُ الْخُرُوجِ وَالْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَيْسَا شَرْطَيْنِ لِلصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَالْبَقَاءُ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ شَرْطُ الصَّلَاةِ بِنَوْعٍ مِنْ التَّجَوُّزِ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَعَلَى الْوَصْفِ الْمُجَاوِرِ. (قَوْلُهُ: وَقُدِّمَ الْحَدَثُ لِقُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ مَانِعٌ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا قَلِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِقَلِيلِهِ اللُّمْعَةُ تَسَاهُلًا وَمَا أَوْرَدَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ طَهَارَةِ الْمُسْتَعْمِلِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَغْلَظِيَّةِ الْأَغْلَظِيَّةُ مِنْ حَيْثُ مَنْعُ الصَّلَاةِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. (قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ ثَوْبٌ هُوَ لَابِسُهُ) أَقْحَمَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ لِبَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ خُصُوصُ الْمِنْدِيلِ بَلْ أَعَمُّ.

حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَلَوْ صَلَّى وَمَعَهُ جَرْوُ كَلْبٍ أَوْ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِ قِيلَ لَمْ يَجُزْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَمُهُ مَفْتُوحًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ يَسِيلُ فِي كُمِّهِ فَيَصِيرُ مُبْتَلًّا بِلُعَابِهِ فَيَتَنَجَّسُ كُمُّهُ فَيَمْنَعُ الْجَوَازَ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَإِنْ كَانَ فَمُهُ مَشْدُودًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ لُعَابُهُ إلَى ثَوْبِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ وَلَا يَنْجُسُ إلَّا بِالْمَوْتِ وَنَجَاسَةُ بَاطِنِهِ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا كَنَجَاسَةِ بَاطِنِ الْمُصَلِّي وَلَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ قَارُورَةٌ مَضْمُومَةٌ فِيهَا بَوْلٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهِ وَمَكَانِهِ وَلَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ بَيْضَةٌ مَذِرَةٌ قَدْ صَارَ مُحُّهَا دَمًا جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْدِنِهِ وَالشَّيْءُ مَا دَامَ فِي مَعْدِنِهِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ الْكُلُّ فِي الْمُحِيطِ وَأَرَادَ بِالْمَكَانِ مَوْضِعَ الْقَدَمِ وَالسُّجُودِ فَقَطْ أَمَّا طَهَارَةُ مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَبِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ بِشَرْطِ أَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى النَّجَاسَةِ، أَمَّا إنْ رَفَعَ الْقَدَمَ الَّتِي مَوْضِعُهَا نَجَسٌ وَصَلَّى جَازَ، وَأَمَّا طَهَارَةُ مَوْضِعِ السُّجُودِ فَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَحِذَاءَ إبْطَيْهِ وَصَدْرِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ عَلَى النَّجَاسَةِ كَلَا وَضْعَ وَالسُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا سَجَدَ تَقَعُ ثِيَابُهُ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ وَلَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ وَعَلَى طَرَفٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ فَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَهُوَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ لَا تَمْنَعُ فِي مَوْضِعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ فَهَهُنَا أَوْلَى، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ بَسَطَ بِسَاطًا رَقِيقًا عَلَى الْمَوْضِعِ النَّجِسِ وَصَلَّى عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْبِسَاطُ بِحَالٍ يَصْلُحُ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا وَصَلَّى إنْ كَانَ ثَوْبًا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ عَرْضِهِ ثَوْبًا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ أَلْقَى عَلَيْهَا لِبَدًا فَصَلَّى عَلَيْهِ يَجُوزُ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُلْقِيَ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ الطَّرَفَ الْآخَرَ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً جَازَتْ يَعْنِي إذَا كَانَ يَصْلُحُ سَاتِرًا. اهـ. وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَا لَهُ بِطَانَةٌ مُتَنَجِّسَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى مَا يَلِي مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ جَوَابُ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ الْمِضْرَبِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ ثَوْبَيْنِ وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمِضْرَبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا، قَالَ فِي التَّجْنِيس وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمِضْرَبَ عَلَى الْخِلَافِ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَلَوْ قَامَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ أَوْ جَوْرَبَانِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ وَلَوْ افْتَرَشَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ عَلَيْهِمَا جَازَتْ الصَّلَاةُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَسَطَ الثَّوْبَ الطَّاهِرَ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ جَازَ، وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كِتَابِ التَّحَرِّي يَجُوزُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِنَابُ وَذَكَرَ فِي الْبُغْيَةِ تَلْخِيصِ الْقُنْيَةِ خِلَافًا فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ إلَى أَنْ حَدَّثَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَخَالَفَ فِيهِ كَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَهُوَ لَا يَجُوزُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أَيْ مَحِلِّهَا وَالْمُرَادُ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إطْلَاقًا، لِاسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحِلِّ فِي الْأَوَّلِ وَعَكْسُهُ فِي الثَّانِي وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ الْبَالِغَةِ سُمِّيَتْ حَائِضًا؛ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَائِضِ يُخْرِجُ الَّتِي دُونَ الْبُلُوغِ لِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ مُرَاهِقَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالْمَكَانِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَكَانِ بِمَا ذُكِرَ بَلْ الظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ فَقَدْ اخْتَارَ الْفَقِيهُ خِلَافَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِإِطْلَاقِ عَامَّةِ الْمُتُونِ وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ يَعْنِي تُجْمَعُ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ الْعُضْوَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَهَذَا كَمَا لَوْ صَلَّى رَافِعًا إحْدَى قَدَمَيْهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ وَضَعَ الْقَدَمَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ مَكَانِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ إذَا لَمْ يَضَعْهُمَا، أَمَّا إنْ وَضَعَهُمَا اُشْتُرِطَتْ فَلْيُحْفَظْ هَذَا، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقُولُ: لَوْ خَرَجَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى رَأْيِ الْفَقِيهِ لَكَانَ أَظْهَرَ فَتَدَبَّرْهُ. اهـ. هَذَا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَا نَصُّهُ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْكَفَّيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ فِي الْعُيُونِ هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ رُكْبَتَيْهِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ. اهـ. وَنَقَلَ شَارِحُهَا الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ السَّابِقَةَ ثُمَّ قَالَ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَبَيْنَ مَوْضِعِ السُّجُودِ وَالْقَدَمَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْعُضْوِ بِالنَّجَاسَةِ بِمَنْزِلَةِ حَمْلِهَا وَإِنْ كَانَ وَضْعُ ذَلِكَ الْعُضْوِ لَيْسَ بِفَرْضٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: سَاتِرُ الْعَوْرَةِ) أَيْ بِأَنْ لَا يَصِفَ مَا تَحْتَهُ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَيْ مَحِلُّهَا) الضَّمِيرُ لِلزِّينَةِ وَمَحِلُّهَا الثَّوْبُ السَّاتِرُ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى بَيَانِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] فَعَلَى الْأَوَّلِ أَطْلَقَ اسْمَ الْحَالِّ وَهُوَ الزِّينَةُ وَأُرِيدَ

صَلَّتْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ عُرْيَانَةً تُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ وَإِنْ صَلَّتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَصَلَاتُهَا تَامَّةٌ اسْتِحْسَانًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُصَلِّي حَائِضٌ بِغَيْرِ قِنَاعٍ» فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَائِضِ وَلِأَنَّ سَتْرَ عَوْرَةِ الرَّأْسِ لَمَّا سَقَطَ بِعُذْرِ الرِّقِّ فَبِعُذْرِ الصِّبَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا الْخِطَابُ بِالْفَرَائِضِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الشَّرَائِطِ لَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا. اهـ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ سُمِّيَتْ الْعَوْرَةُ عَوْرَةً لِقُبْحِ ظُهُورِهَا وَلِغَضِّ الْأَبْصَارِ عَنْهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَوَرِ وَهُوَ النَّقْصُ وَالْعَيْبُ وَالْقُبْحُ وَمِنْهُ عَوَرُ الْعَيْنِ وَالْكَلِمَةُ الْعَوْرَاءُ الْقَبِيحَةُ أُطْلِقَ فِيمَا يَسْتُرُ بِهِ فَشَمِلَ مَا يُبَاحُ لُبْسُهُ وَمَا لَا يُبَاحُ فَلَوْ سَتَرَهَا بِثَوْبِ حَرِيرٍ وَصَلَّى صَحَّتْ وَأَثِمَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يُصَلِّي فِيهِ لَا عُرْيَانًا وَحَدُّ السَّتْرِ أَنْ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى لَوْ سَتَرَهَا بِثَوْبٍ رَقِيقٍ يَصِفُ مَا تَحْتَهُ لَا يَجُوزُ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ عُرْيَانًا وَلَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ السِّتْرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعِبَادِ وَإِنْ كَانَ مُرَاعًى فِي الْجُمْلَةِ بِسَبَبِ اسْتِتَارِهِ عَنْهُمْ فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ السِّتْرُ لَا يُحْجَبُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَرَى الْمَسْتُورَ كَمَا يَرَى الْمَكْشُوفَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَرَى الْمَكْشُوفَ تَارِكًا لِلْأَدَبِ وَالْمَسْتُورَ مُتَأَدِّبًا وَهَذَا الْأَدَبُ وَاجِبٌ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَاءِ عُرْيَانًا إنْ كَانَ كَدِرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ صَافِيًا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ لَا تَصِحُّ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَصُورَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ التَّصْوِيرُ وَأَرَادَ بِسِتْرِهَا السِّتْرَ عَنْ غَيْرِهِ لَا عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى فَرْجَهُ مِنْ زِيَقَةٍ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهُ لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا صَلَّى فِي قَمِيصٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إزْرَارٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزُرَّهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُصَلِّي فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ فَقَالَ زُرَّهُ عَلَيْك وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَعِمَامَةٍ وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَاحِدٍ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ مِنْ أَسْفَلَ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَأَعْلَاهُ وَلِذَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمَنْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ فَلَوْ نَظَرَ إنْسَانٌ مِنْ تَحْتِهِ رَأَى عَوْرَتَهُ فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَاعْلَمْ أَنَّ سِتْرَ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا إلَّا فِي مَوَاضِعَ وَفِي الْخَلْوَةِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَكُنْ الِانْكِشَافُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ مِنْ تَحْتِ سُتْرَتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) أَيْ مَا بَيْنَهُمَا فَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ فَالْغَايَةُ هُنَا لَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَحَلُّ وَهُوَ السَّاتِرُ وَعَلَى الثَّانِي بِالْعَكْسِ أَيْ أَطْلَقَ اسْمَ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَسْجِدُ وَأُرِيدَ الْحَالُّ وَهُوَ الصَّلَاةُ فَإِنَّ السِّتْرَ لَا يَجِبُ لِعَيْنِ الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ سِتْرَةَ الصَّلَاةِ لَا لِأَجْلِ النَّاسِ كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَيْ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَوْ كَانَ لِلنَّاسِ لَقَالَ عِنْدَ كُلِّ سُوقٍ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ قَالَ: لِأَنَّ الثَّوْبَ سَبَبُ الزِّينَةِ وَمَحَلُّ الزِّينَةِ الشَّخْصُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ التَّصْوِيرُ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّافِي وَغَيْرِهِ يُؤَذِّنُ بِأَنَّ لَهُ ثَوْبًا إذْ الْعَادِمُ لَهُ يَسْتَوِي فِي حَقِّهِ الصَّافِي وَغَيْرُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيمَاءُ لِلْفَرْضِ. اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَلِي فِي الْكَلَامَيْنِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ تَصْوِيرِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ فِي الْمَاءِ الْكَدِرِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْ بَدَنِهِ شَيْءٌ إذَا سَدَّ مَنَافِذَهُ بَلْ مَا يَفْعَلُهُ الْغَطَّاسُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْغَرِيقِ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي السِّرَاجِ إلَخْ) وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ قَوْلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَزُرَّهُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَالَ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالدَّلِيلُ يُسَاعِدُهُ وَهُوَ أَنَّ السِّتْرَ وَجَبَ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ ذَاتِهَا لَا لِخَوْفِ رُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ نَظَرَ لَرَأَى بِلَا تَكَلُّفٍ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَهُوَ السِّتْرُ، وَلِذَا لَوْ صَلَّى عُرْيَانًا فِي الظُّلْمَةِ بِلَا عُذْرٍ لَا تَجُوزُ إجْمَاعًا وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ لِخَوْفِ الرُّؤْيَةِ لَجَازَتْ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا فَرْضُ السِّتْرِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي هُوَ الَّذِي بِحَيْثُ لَوْ نَظَرَ لَرَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِعَدَمِ الْفَسَادِ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ دُونَ الْفَسَادِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُمَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ فَكَانَ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ هُوَ مَا تَحْتَ الْخَطِّ الَّذِي يَمُرُّ بِالسُّرَّةِ وَيَدُورُ عَلَى مُحِيطِ بَدَنِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بُعْدُهُ عَنْ مَوْقِعِهِ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ. اهـ. وَأَمَّا الرُّكْبَةُ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا مُلْتَقَى عَظْمِ السَّاقِ وَالْفَخِذِ وَفِي حَوَاشِي الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الشَّافِعِيُّ لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا تَحْدِيدَ الرُّكْبَةِ وَعَرَّفَهَا فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهَا مَوَاصِلُ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْفَخِذِ وَأَعَالِي السَّاقِ قَالَ وَصَرِيحُ مَا يَأْتِي فِي الثَّامِنِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْمُنْحَدِرِ عَنْ آخِرِ الْفَخِذِ إلَى أَوَّلِ أَعْلَى السَّاقِ وَعَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ الْعُرْفَ لِبُعْدِ تَقْيِيدِ الْأَحْكَامِ بِحَدِّهَا اللُّغَوِيِّ لِقِلَّتِهِ جِدًّا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْمَوْصِلِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَهُوَ قَرِيبٌ ثُمَّ رَأَيْت فِي الصِّحَاحِ قَالَ وَالرُّكْبَةُ

تَدْخُلْ تَحْتَ الْمُغَيَّا لِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ تَعَقُّبٍ «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» وَلِرِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ «مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» وَلِرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» ، وَأَمَّا انْكِشَافُ فَخِذِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدًا، وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمَيْ السَّاقِ وَالْفَخِذِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ فَاجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ فَغَلَبَ الْمُحَرِّمُ احْتِيَاطًا كَذَا قَالُوا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ السُّرَّةُ عَوْرَةً كَمَا هُوَ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ تَعَارَضَ فِي السُّرَّةِ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَرِّمًا لِدَلِيلٍ اقْتَضَاهُ وَهُوَ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ «قَالَ كُنْت أَمْشِي مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَلَقِيَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ لِلْحَسَنِ اكْشِفْ لِي عَنْ بَطْنِك جُعِلْت فِدَاك حَتَّى أُقَبِّلَ حَيْثُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُهُ قَالَ فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ» كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ مِنْ السُّرَّةِ إلَى مَوْضِعِ نَبَاتِ شَعْرِ الْعَانَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لِتَعَامُلِ الْعُمَّالِ فِي إبْدَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الِاتِّزَارِ وَفِي سِتْرِهِ نَوْعُ حَرَجٍ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ بِخِلَافِ النَّصِّ لَا يُعْتَبَرُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَحُكْمُ الْعَوْرَةِ فِي الرُّكْبَةِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْفَخِذِ حَتَّى لَوْ رَأَى رَجُلٌ غَيْرَهُ مَكْشُوفَ الرُّكْبَةِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَلَا يُنَازِعُهُ إنْ لَجَّ وَإِنْ رَآهُ مَكْشُوفَ الْفَخِذِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ بِعُنْفٍ وَلَا يَضْرِبُهُ إنْ لَجَّ وَإِنْ رَآهُ مَكْشُوفَ السَّوْأَةِ أَمَرَهُ بِسِتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَدَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ إنْ لَجَّ. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ التَّعْزِيرَ بِالضَّرْبِ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَيِّدُهُ بِالْقَاضِي وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهِ. (قَوْلُهُ: وَبَدَنُ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَسَّرَهُ بِالثِّيَابِ كَمَا رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى الْمُحْرِمَةَ عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ» وَلَوْ كَانَا عَوْرَةً لَمَا حَرُمَ سِتْرُهُمَا وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى إبْرَازِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإِلَى إبْرَازِ الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ عَوْرَةً وَعَبَّرَ بِالْكَفِّ دُونَ الْيَدِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمُحِيطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَاطِنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي مُخْتَلِفَاتِ قَاضِي خان ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ إلَى الرُّسْغِ وَرَجَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَاضَتْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا وَجْهُهَا وَيَدَاهَا إلَى الْمِفْصَلِ» وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْكَفِّ عَنْ كَوْنِهِ عَوْرَةً مَعْلُولٌ بِالِابْتِلَاءِ بِالْإِبْدَاءِ إذْ كَوْنُهُ عَوْرَةً مَعَ هَذَا الِابْتِلَاءِ مُوجِبٌ لِلْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ وَهَذَا الِابْتِلَاءُ كَمَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي بَاطِنِ الْكَفِّ مُتَحَقِّقٌ فِي ظَاهِرِهِ. اهـ. وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَلِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ عَوْرَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَاخْتَارَهُ فِي الِاخْتِيَارِ لِلْحَاجَةِ إلَى كَشْفِهِ لِلْخِدْمَةِ وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ السِّوَارُ وَصُحِّحَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ عَوْرَةٌ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا وَالْمَذْهَبُ مَا فِي الْمُتُونِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَجَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَحِلُّ النَّظَرِ مَنُوطٌ بِعَدَمِ خَشْيَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعَوْرَةِ وَلِذَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَوَجْهِ الْأَمْرَدِ إذَا شَكَّ فِي الشَّهْوَةِ وَلَا عَوْرَةَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ مِنْ كَشْفِ وَجْهِهَا بَيْنَ الرِّجَالِ فِي زَمَانِنَا لِلْفِتْنَةِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الشَّعْرَ الْمُتَرَسِّلَ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَفِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَأَمَّا غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ فَمَوْضُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ الْقَدَمَ لِلِابْتِلَاءِ فِي إبْدَائِهِ خُصُوصًا الْفَقِيرَاتُ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشَايِخِ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعْرُوفَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَدَارَ فِيهَا عَلَى الْعُرْفِ وَالْكَلَامُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَامُوسَ إنْ لَمْ تُحْمَلْ عِبَارَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ اعْتَمَدَ فِي حَدِّهِ لَهَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْ اللُّغَةِ إلَى غَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ التَّعْزِيرِ. اهـ. وَاَلَّذِي فِي أَوَّلِ التَّعْزِيرِ وَالتَّعْزِيرُ ضَرْبٌ دُونَ الْحَدِّ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَطٌ لِأَنَّ هَذَا وَضْعٌ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يُنْسَبُ لِأَهْلِ اللُّغَةِ الْجَاهِلِينَ لِذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ غَلَطٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ (قَوْلُهُ: لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَاطِنِ) عَزَاهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْمُسْتَصْفَى ثُمَّ قَالَ وَاعْتُرِضَ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكَفِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ظَهْرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ لُغَةً يَتَنَاوَلُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ وَلِهَذَا يُقَالُ ظَهْرُ الْكَفِّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَفَّ عُرْفًا وَاسْتِعْمَالًا لَا يَتَنَاوَلُ ظَهْرَهُ. اهـ. وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ الْحَقُّ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ عَدَمُ دُخُولِ الظَّاهِرِ وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْكَفُّ يَتَنَاوَلُ ظَاهِرَهُ أَغْنَاهُ عَنْ تَوْجِيهِ الدَّفْعِ إذْ إضَافَةُ الظَّاهِرِ إلَى مُسَمَّى الْكَفِّ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ. اهـ. قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّبَادُرِ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَنْ تَأَمَّلَ إلَخْ فَقَدْ اعْتَرَضَهُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّ هَذَا مَغْلَطَةٌ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَيْهِ لَا تَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِهِ فِيهِ وَإِلَّا لَاقْتَضَتْ إضَافَةُ الرَّأْسِ إلَى زَيْدٍ عَدَمَ دُخُولِ الرَّأْسِ فِي مُسَمَّى

فَصُحِّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خان أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ وَصَحَّحَ الْأَقْطَعُ وَقَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَوْرَةٌ وَاخْتَارَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ والْمَرْغِينَانِيُّ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَعَوْرَةٌ خَارِجَهَا وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ كَوْنَهُ عَوْرَةً مُطْلَقًا بِأَحَادِيثَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ فَقَالَ إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» وَلِظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِهَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَصَرَّحَ فِي النَّوَازِل بِأَنَّ نَغْمَةَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ وَبَنَى عَلَيْهِ أَنَّ تَعَلُّمَهَا الْقُرْآنَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَعَلُّمِهَا مِنْ الْأَعْمَى وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهَا الرَّجُلُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي فَقَالَ وَلَا تُلَبِّي جَهْرًا؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قِيلَ إذَا جَهَرَتْ بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ كَانَ مُتَّجَهًا. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْأَشْبَهُ أَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ كَمَا عَلَّلَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّلْبِيَةِ وَلَعَلَّهُنَّ إنَّمَا مُنِعْنَ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ رَفْعِ صَوْتِهَا بِحَضْرَةِ الْأَجَانِبِ أَنْ يَكُونَ عَوْرَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الصَّغِيرَةُ جِدًّا لَا تَكُونُ عَوْرَةً وَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَمِنْهَا وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَأَمَّا عَوْرَةُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ فَمَا دَامَا لَمْ يُشْتَهَيَا فَالْقُبُلُ وَالدُّبُرُ، ثُمَّ يَتَغَلَّظُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ كَعَوْرَةِ الْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَمَانٌ يُمْكِنُ بُلُوغُ الْمَرْأَةِ فِيهِ وَكُلُّ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى رِيقِهَا وَدَمْعِهَا وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكَذَا الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ مِنْ الرَّجُلِ وَشَعْرُ عَانَتِهِ إذَا حَلَقَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: وَكَشْفُ رُبْعِ سَاقِهَا يَمْنَعُ وَكَذَا الشَّعْرُ وَالْبَطْنُ وَالْفَخِذُ وَالْعَوْرَةُ الْغَلِيظَةُ) ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الِانْكِشَافِ عَفْوٌ عِنْدَنَا لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ ثِيَابَ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ كَالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ مُفْسِدٌ لِعَدَمِهَا فَاعْتُبِرَ الرُّبْعُ وَأُقِيمَ مُقَامَ الْكُلِّ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ شَبَهًا بِالْكُلِّ كَمَا فِي حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِهِ الدَّمُ كَمَا لَوْ حَلَقَ كُلَّهُ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِمَسْحِ الرَّأْسِ فَفِيهِ إشْكَالٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ فِيهِ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْبَعْضَ، أَمَّا فِي الْإِحْرَامِ فَالنَّصُّ تَنَاوَلَهُ كُلَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} [البقرة: 196] فَأُقِيمَ رُبْعُهُ مُقَامَ كُلِّهِ أَطْلَقَ فِي الشَّعْرِ فَشَمِلَ مَا عَلَى الرَّأْسِ وَالْمُسْتَرْسِلَ وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَوْرَةٌ وَأَرَادَ بِالْغَلِيظَةِ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ وَمَا حَوْلَهُمَا وَالْخَفِيفَةَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَنَصَّ عَلَى الْغَلِيظَةِ لِلرَّدِّ عَلَى الْكَرْخِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْغَلِيظَةِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ قِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّغْلِيظَ فِي الْغَلِيظَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الدُّبُرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَالدُّبُرُ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَكْشُوفًا وَهُوَ تَنَاقُضٌ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ الْغَلِيظَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ مَعَ مَا حَوْلَهُمَا فَيَجُوزُ كَوْنُهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ. اهـ. وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِمَّا قِيلَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ عُضْوٌ وَاحِدٌ بَلْ بَيَانُ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ كَيْفَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الذَّكَرِ وَالْخُصْيَتَيْنِ عُضْوٌ مُسْتَقِلٌّ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْتَبَرُ عُضْوًا عَلَى حِدَتِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQزَيْدٍ وَكَمَا يُقَالُ ظَهْرُ الْكَفِّ كَذَلِكَ يُقَالُ بَاطِنُ الْكَفِّ. اهـ. وَهُوَ وَجِيهٌ. (قَوْلُهُ: وَبُنِيَ عَلَيْهِ أَنَّ تَعَلُّمَهَا الْقُرْآنَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَحَبُّ إلَيَّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ تَدَافُعٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى التَّعَلُّمِ أَنْ تَسْمَعَ مِنْهُ فَقَطْ لَكِنْ حِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ. اهـ. أَقُولُ: التَّدَافُعُ مَدْفُوعٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَحَبُّ إلَى كَوْنِهِ مُخْتَارًا لِي وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزَ غَيْرِهِ بَلْ اخْتِيَارُهُ إيَّاهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالنَّغْمَةِ مَا فِيهِ تَمْطِيطٌ وَتَلْيِينٌ لَا مُجَرَّدُ الصَّوْتِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ كَلَامُهَا مَعَ الرِّجَالِ أَصْلًا لَا فِي بَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَمَّا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ مَظِنَّةَ حُصُولِ النَّغْمَةِ مَعَهَا مُنِعَتْ مِنْ تَعَلُّمِهَا مِنْ الرَّجُلِ وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا مَا فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ عَنْ خَطِّ شَيْخِهِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي السَّمَاعِ وَلَا يَظُنُّ مَنْ لَا فِطْنَةَ عِنْدَهُ أَنَّا إذَا قُلْنَا صَوْتُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ أَنَّا نُرِيدُ بِذَلِكَ كَلَامَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّا نُجِيزُ الْكَلَامَ مَعَ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَمُحَاوَرَتِهِنَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَا نُجِيزُ لَهُنَّ رَفْعَ أَصْوَاتِهِنَّ وَلَا تَمْطِيطَهَا وَلَا تَلْيِينَهَا وَتَقْطِيعَهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اسْتِمَالَةِ الرِّجَالِ إلَيْهِنَّ وَتَحْرِيكِ الشَّهَوَاتِ مِنْهُمْ وَمِنْ هَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤَذِّنَ الْمَرْأَةُ. اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْعَوْرَةَ رَفْعُ الصَّوْتِ الَّذِي لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنْ النَّغْمَةِ لَا مُطْلَقِ الْكَلَامِ فَلَمَّا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ لَا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَغَلَّظُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى عَشْرِ سِنِينَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَانَ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ السَّبْعِ؛ لِأَنَّهُمَا يُؤْمَرَانِ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَا هَذَا السِّنَّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَجِيبٌ)

فِي الدِّيَةِ فَكَذَا هُنَا لِلِاحْتِيَاطِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْكُلَّ عُضْوٌ وَاحِدٌ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ عُضْوٌ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْقُبُلَ مَعَ مَا حَوْلَهُ عُضْوٌ وَالدُّبُرَ مَعَ مَا حَوْلَهُ عُضْوٌ، وَأَمَّا الرُّكْبَةُ مَعَ الْفَخِذِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا عُضْوٌ وَاحِدٌ، كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُلْتَقَى عَظْمِ السَّاقِ وَالْفَخِذِ فَلَيْسَتْ بِعُضْوٍ مُسْتَقِلٍّ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ عَوْرَةً تَبَعًا لِلْفَخِذِ احْتِيَاطًا فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى وَرُكْبَتَاهُ مَكْشُوفَتَانِ وَالْفَخِذُ مُغَطًّى فَإِنَّهُ يَجُوزُ، كَذَا فِي الْمُنْيَةِ وَفِي شَرْحِهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَعْبَ لَيْسَ بِعُضْوٍ مُسْتَقِلٍّ بَلْ هُوَ مَعَ السَّاقِ عُضْوٌ وَاحِدٌ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يُمْنَعُ رُبْعُ السَّاقِ مَعَ رُبْعِ الْكَعْبِ أَوْ مِقْدَارُ رُبْعِهِمَا وَالدُّبُرُ عُضْوٌ وَاحِدٌ وَكُلُّ أَلْيَةٍ عُضْوٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكُلُّ أُذُنٍ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ وَثَدْيُ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ نَاهِدَةً فَهِيَ تَبَعٌ لِصَدْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُنْكَسِرَةً فَهِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا وَالنَّاهِدَةُ بِمَعْنَى النَّافِرَةِ مِنْ الصَّدْرِ غَيْرُ مُسْتَرْخِيَةٍ وَالثَّدْيُ يَذَّكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالتَّذْكِيرُ أَشْهَرُ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْمُغْرِبِ سِوَى التَّذْكِيرِ وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ عُضْوٌ وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَوْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الزِّيَادَاتِ امْرَأَةٌ صَلَّتْ فَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ فَخِذِهَا وَشَيْءٌ مِنْ سَاقِهَا وَشَيْءٌ مِنْ صَدْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهَا الْغَلِيظَةِ وَلَوْ جُمِعَ بَلَغَ رُبْعَ عُضْوٍ صَغِيرٍ مِنْهَا لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ الِانْكِشَافِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فَيُجْمَعُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي مَوَاضِعَ وَالطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ فِي مَوَاضِعَ بِخِلَافِ الْخُرُوقِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ وَإِلَّا يُمْنَعُ الْقَلِيلُ فَلَوْ انْكَشَفَ نِصْفُ ثُمُنِ الْفَخِذِ وَنِصْفُ ثُمُنِ الْأُذُنِ وَذَلِكَ يَبْلُغُ رُبْعَ الْأُذُنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا رُبْعَ جَمِيعِ الْعَوْرَةِ الْمُنْكَشِفَةِ لَا تَبْطُلُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى مَجْمُوعِ الْأَعْضَاءِ الْمُنْكَشِفَةِ بَعْضُهَا وَإِلَى مَجْمُوعِ الْمُنْكَشِفِ، فَإِنْ بَلَغَ مَجْمُوعُ الْمُنْكَشِفِ رُبْعَ مَجْمُوعِ الْأَعْضَاءِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي الزِّيَادَاتِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ إذَا صَلَّتْ وَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ ظَهْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ فَرْجِهَا إنْ كَانَ بِحَالِ لَوْ جُمِعَ بَلَغَ الرُّبْعَ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ بَلَغَ رُبْعَ أَصْغَرِهَا أَمْ أَكْبَرِهَا وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ اعْلَمْ أَنَّ انْكِشَافَ مَا دُونَ الرُّبْعِ مَعْفُوٌّ إذَا كَانَ فِي عُضْوٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَيْ مَا أَجَابَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ مَا نَقَلَهُ مِنْ الْقِيلِ بَيَانٌ لِلْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَجْمُوعَ عُضْوٌ وَاحِدٌ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ عُضْوٌ وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الشَّارِحُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ عِبَارَةَ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ وَأَقَرَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي عِقْدِ الْفَرَائِدِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُفْسِدَ إنَّمَا هُوَ رُبْعُ الْمُنْكَشِفِ وَهَذَا خُلْفٌ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الِانْكِشَافُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَثَمَّةَ يُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ كَمَا إذَا انْكَشَفَ مِنْ فَخِذِهِ مَوَاضِعُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَمَّا فِي صُورَتِنَا فَالِانْكِشَافُ حَصَلَ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلٌّ مِنْهَا عَوْرَةٌ وَالِاحْتِيَاطُ فِي اعْتِبَارِ أَدْنَاهَا لِأَنَّ بِهِ يُوجَدُ الْمَانِعُ فَيُنْظَرُ إلَى مِقْدَارِ الْمُنْكَشِفِ مِنْ جَمِيعِهَا، فَإِنْ بَلَغَ رُبْعَ أَصْغَرِهَا أَفْسَدَ احْتِيَاطًا وَإِلَّا لَزِمَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَ انْكِشَافِ رُبْعِ عَوْرَةٍ مِنْ الْمُنْكَشِفِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَهَذَا لَازِمٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِالْأَجْزَاءِ وَلَا قَائِلَ بِهِ. اهـ. وَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الزِّيَادَاتِ وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ تَفْصِيلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ، وَقَدْ قَالَ بَدِيعُ الدِّينِ: إنَّ مَا فِي الزِّيَادَاتِ نَصَّ عَلَى أَمْرَيْنِ النَّاسُ عَنْهُمَا غَافِلُونَ: أَحَدُهُمَا - أَنْ لَا يُقَيَّدَ الْجَمْعُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْأَسْدَاسِ وَالْأَتْسَاعِ بَلْ بِالْقَدْرِ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْمَكْشُوفَ مِنْ الْكُلِّ وَلَوْ كَانَ قَدْرَ رُبْعِ أَصْغَرِ الْأَعْضَاءِ مَنَعَ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رُبْعُ أَدْنَى عُضْوٍ انْكَشَفَ بَعْضُهُ لَا أَدْنَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا وَلَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ دُرَرِ الْبِحَارِ فَلْيُتَدَبَّرْ وَأَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ مِنْ الْعَوْرَةِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ لَيْسَ الْمَذْهَبُ كَمَا تَرَى وَعَلَى الْمَذْهَبِ مَا فِي شَرْحِ ابْنِ مَالِكٍ مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ الزِّيَادَاتِ ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ ابْنِ الشِّحْنَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَفِيهِ أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ وَمَا نَقَلَهُ بَدِيعُ الدِّينِ نَفْيٌ لِمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْكَنْزِ إلَى أَنْ قَالَ وَالْعَجَبُ مِنْ شَيْخِنَا يَعْنِي ابْنَ الْهُمَامِ كَيْفَ تَبِعَهُ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَنْصُوصِ مُحَمَّدٍ وَقَوْلُهُمْ إنَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ فِي الِانْكِشَافِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ الْمُرَادُ بِهِ فِي اعْتِبَارِ الْجَمْعِ لَا فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ مَجْمُوعِهَا فَتَأَمَّلْهُ مُمْعِنًا فِيهِ النَّظَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْهَادِي إلَى الصَّوَابِ. اهـ. قُلْتُ: وَنَصُّ عِبَارَةِ الزِّيَادَاتِ عَلَى مَا فِي الْقُنْيَةِ انْكَشَفَ مِنْ شَعْرِهَا شَيْءٌ فِي صَلَاتِهَا وَمِنْ فَخِذِهَا شَيْءٌ وَمِنْ سَاقِهَا شَيْءٌ وَمِنْ ظَهْرِهَا وَمِنْ بَطْنِهَا فَلَوْ جُمِعَ يَكُونُ قَدْرُ رُبْعِ شَعْرِهَا أَوْ رُبْعِ سَاقِهَا أَوْ رُبْعِ فَخِذِهَا لَمْ تُجْزِهَا صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّهَا عَوْرَةٌ وَاحِدَةٌ. اهـ. قَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ النَّاسُ عَنْهُمَا غَافِلُونَ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْجَمْعُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْأَسْدَاسِ وَالْأَسْبَاعِ وَالْأَتْسَاعِ بَلْ بِالْقَدْرِ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْمَكْشُوفَ مِنْ الْكُلِّ لَوْ كَانَ قَدْرَ رُبْعِ أَصْغَرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَكْشُوفَةِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ مِنْ الْأُذُنِ تُسْعُهَا وَمِنْ السَّاقِ تُسْعُهَا تُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَكْشُوفَ قَدْرُ رُبْعِ الْأُذُنِ. اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ عِبَارَةً لِلْقُنْيَةِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ نَقْلًا مِنْ الزِّيَادَاتِ

وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ فِي عُضْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَجَمَعَ بَلَغَ رُبْعَ أَدْنَى عُضْوٍ مِنْهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ. اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ اقْتَضَى اعْتِبَارَ الرُّبْعِ سَوَاءٌ كَانَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ أَوْ عُضْوَيْنِ وَأَطْلَقَ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْكَثِيرِ لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَاصِلُ أَنَّ الِانْكِشَافَ الْكَثِيرَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ لَا يُفْسِدُ وَالِانْكِشَافُ الْقَلِيلُ فِي الزَّمَنِ الْكَثِيرِ أَيْضًا لَا يُفْسِدُ وَالْمُفْسِدُ الِانْكِشَافُ الْكَثِيرُ فِي الزَّمَنِ الْكَثِيرِ، وَقَدْرُ الْكَثِيرِ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ وَالْقَلِيلُ دُونَهُ فَلَوْ انْكَشَفَ فَغَطَّاهَا فِي الْحَالِ لَا تَفْسُدُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ فَسَدَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَهُمْ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَهُوَ تَقْيِيدٌ غَرِيبٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ اعْتَبَرَ أَدَاءَ الرُّكْنِ حَقِيقَةً، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَامَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ لِلِازْدِحَامِ أَوْ قَامَ عَلَى نَجَاسَةٍ مَانِعَةٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَنْعِ دُونَ الْفَسَادِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا أَحْرَمَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الِانْعِقَادِ وَمَا إذَا انْكَشَفَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّتَهَا، وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ كَالِانْكِشَافِ الْمَانِعِ وَتَفَرَّعَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا فِي الْمُحِيطِ أَمَةٌ صَلَّتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَرَعَفَتْ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَتَوَضَّأَتْ، ثُمَّ تَقَنَّعَتْ وَعَادَتْ إلَى الصَّلَاةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّهَا مَا أَدَّتْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَإِنْ عَادَتْ، ثُمَّ تَقَنَّعَتْ فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهَا أَدَّتْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْكَشْفِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ كَالرَّجُلِ وَظَهْرُهَا وَبَطْنُهَا عَوْرَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ دُونَهُ وَكُلٌّ مِنْ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ مَوْضِعٌ مُشْتَهًى وَمَا عَدَا هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ رَأْسًا أَوْ كَتِفًا أَوْ سَاقًا لِلْحَرَجِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ ضَرَبَ أَمَةً مُتَقَنَّعَةً وَقَالَ اكْشِفِي رَأْسَك لَا تَتَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ فِي تَوْضِيحِ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ مَنَعَ عُمَرُ الْإِمَاءَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْحَرَائِرِ فَجَوَابُهُ أَنَّ السُّفَهَاءَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالتَّعَرُّضِ لِلْإِمَاءِ فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ فَيَتَعَرَّضَ السُّفَهَاءُ لِلْحَرَائِرِ فَتَكُونُ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] أَيْ يَتَمَيَّزْنَ بِعَلَامَتِهِنَّ عَنْ غَيْرِهِنَّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْأَمَةِ سِتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهَا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا بَلْ هُوَ مَنْقُولُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَالْأَمَةُ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ الْحُرَّةِ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ فَلِهَذَا أَطْلَقَهَا لِيَشْمَلَ الْقِنَّةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَالْمُسْتَسْعَاةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَعِنْدَهُمَا الْمُسْتَسْعَاةُ حُرَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَسْعَاةِ مُعْتَقَةُ الْبَعْضِ، وَأَمَّا الْمُسْتَسْعَاةُ الْمَرْهُونَةُ إذَا أَعْتَقَهَا الرَّاهِنُ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَهِيَ حُرَّةٌ اتِّفَاقًا، وَقَدْ وَقَعَ تَرَدُّدٌ فِي بَعْضِ الدُّرُوسِ فِي الْجَنْبِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ أَوْ لَا فَذَكَرْت أَنَّهُ عَوْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الْقُنْيَةِ قَالَ الْجَنْبُ تَبَعُ الْبَطْنِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَا يَلِي الْبَطْنَ تَبَعٌ لَهُ. اهـ. وَلَوْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَنَحْوَهُ فَسَتَرَتْهُ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ قَبْلَ أَدَاءِ رُكْنٍ جَازَتْ لَا بِكَثِيرٍ أَوْ بَعْدَ رُكْنٍ، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِأَنْ تُؤَدِّيَ رُكْنًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَقَدْرُ الْكَثِيرِ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ) أَيْ بِسُنَّتِهِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْمُنْيَةِ قَالَ شَارِحُهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ أَيْ بِمَا لَهُ مِنْ السُّنَّةِ أَيْ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِيهِ مِنْ الْكَمَالِ السُّنِّيِّ كَالتَّسْبِيحَاتِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَثَلًا وَهُوَ تَقْيِيدٌ غَرِيبٌ وَوَجْهُهُ قَرِيبٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ قَصِيرًا أَوْ طَوِيلًا. اهـ. أَيْ تَقْيِيدُ الرُّكْنِ أَيْ هَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ قَدْرُ رُكْنٍ طَوِيلٍ بِسُنَّتِهِ كَالْقُعُودِ الْأَخِيرِ أَوْ الْقِيَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى قِرَاءَةِ الْمَسْنُونِ أَوْ قَدْرِ رُكْنٍ قَصِيرٍ كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ بِسُنَّتِهِ أَيْ قَدْرُ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْبُرْهَانُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ وَذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ أَقْصَرُ رُكْنٍ وَكَأَنَّهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ تَقْيِيدٌ غَرِيبٌ) فِيهِ أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْإِطْلَاقِ وَلَكِنَّ الْأَشْبَهَ تَخْصِيصُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ قَدْ تَدْعُو إلَى التَّعَمُّدِ ضَرُورَةً فِي الْجُمْلَةِ فَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ التَّعَمُّدُ بِسَبَبِهَا حَتَّى يَكُونَ كَلَا تَعَمُّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ زَحَمَهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَافَ أَنْ يُضَيِّعَ نَعْلَهُ فَرَفَعَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ فِيهَا قَذَرٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَقَامَ وَالنَّعْلُ فِي يَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ حَتَّى يَرْكَعَ رُكُوعًا تَامًّا أَوْ رُكْنًا آخَرَ وَالنَّعْلُ فِي يَدِهِ. اهـ. قَالَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا فَسَادَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ رُكْنًا بِنَاءً عَلَى ضَرُورَةِ تَرْكِ التَّعَمُّدِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ وَهِيَ خَوْفُ ضَيَاعِ النَّعْلِ فَعَدَمُ الْفَسَادِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ (قَوْلُهُ: ثُمَّ رَأَيْته فِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْجَنْبُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ شِقُّ الْإِنْسَانِ. اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْإِبْطِ وَالْوَرِكِ فَمَعْنَى كَلَامِ الْقُنْيَةِ أَنَّ مَا يَلِي الْبَطْنَ تَبَعٌ لِلْبَطْنِ وَمَا لَمْ يَلِ الْبَطْنَ بِأَنْ وَلِيَ الصَّدْرَ فَتَبَعٌ لِلظَّهْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّهْرَ أَعْلَى مِنْ الْبَطْنِ؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ مَا لَانَ وَالصَّدْرُ قَفَصُ الْعِظَامِ وَالظَّهْرُ يُحَاذِيهِمَا غَايَتُهُ أَنَّ الْكَتِفَيْنِ غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي الظَّهْرِ فَلَيْسَا بِعَوْرَةٍ. اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ الْأَوْجَهُ أَنَّ مَا يَلِي الْبَطْنَ تَبَعٌ لَهُ وَمَا يَلِي الظَّهْرَ تَبَعٌ لَهُ وَلَكِنْ نُقِلَ أَوَّلَ الْبَابِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنْبَ عُضْوٌ مُسْتَقِلٌّ فَإِنَّهُ قَالَ رَفَعَتْ يَدَيْهَا لِلشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَانْكَشَفَ مِنْ كُمَّيْهَا رُبْعُ بَطْنِهَا أَوْ جَنْبِهَا لَا يَصِحُّ شُرُوعُهَا تَأَمَّلْ

بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ فَشَرَطَ عِلْمَهَا تَبَعًا لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهَا لَوْ صَلَّتْ شَهْرًا بِغَيْرِ قِنَاعٍ، ثُمَّ عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ مُنْذُ شَهْرٍ تُعِيدُهَا، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان إذَا انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَأَدَّى رُكْنًا مَعَهُ فَسَدَتْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَذَكَرَ نَحْوَهُ مَسَائِلَ كَثِيرَةً وَهَذَا أَنَّ الْمَنْطُوقَانِ أَوْجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ وَفِي عُدَّةِ الْفَتَاوَى رَجُلٌ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَزِمَ امْرَأَةً أَنْ تُعِيدَ صَلَاةَ سَنَةٍ فَقُلْ هُوَ رَجُلٌ عَلَّقَ عِتْقَ جَارِيَتِهِ بِمَوْتِهِ فَمَاتَ بِمَكَّةَ وَهِيَ لَمْ تَعْلَمْ بِمَوْتِهِ وَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَإِنَّهَا تُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِ الْعَارِي إذَا وَجَدَ الْكِسْوَةَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ السِّتْرُ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الشُّرُوعِ وَهُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْخِطَابُ بِالسِّتْرِ فِي الصَّلَاةِ اسْتَنَدَ إلَى سَبَبِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَرَكَهُ بِخِلَافِهَا إذْ الْعِتْقُ سَبَبُ خِطَابِهَا بِالسِّتْرِ، وَقَدْ وُجِدَ حَالَةَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ سَتَرَتْ كَمَا قَدَرَتْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاجِزَةً عَنْ السِّتْرِ فَلَمْ تَسْتَتِرْ كَالْحُرَّةِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَى الْبَدَائِعِ وَفِي شَرْحِ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْخُنْثَى إذَا كَانَ رَقِيقًا فَعَوْرَتُهُ عَوْرَةُ الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا أَمَرْنَاهُ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، فَإِنْ سَتَرَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَصَلَّى قَالَ بَعْضُهُمْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا. فَرْعٌ حَسَنٌ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا لِأَئِمَّتِنَا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ صَلَّيْت صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْت حُرَّةٌ قَبْلَهَا فَصَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ إنْ كَانَ فِي حَالِ عَجْزِهَا عَنْ سِتْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَعَتَقَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى السِّتْرِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَلَا تُعْتَقُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ لَصَارَتْ حُرَّةً قَبْلَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ لَا تُعْتَقُ فَإِثْبَاتُ الْعِتْقِ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فَبَطَلَ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّوْرِ وَهِيَ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَهُ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ، وَإِذَا طَلَّقَهَا وَقَعَ الثَّلَاثُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَمُقْتَضَاهُ هُنَا أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ قَبْلَهَا وَيَقَعُ الْعِتْقُ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعَهُ طَاهِرٌ وَصَلَّى عَارِيًّا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ كُلَّهُ طَاهِرٌ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ وَلَا مَا يُقَلِّلُهَا، فَإِنْ وَجَدَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا عُرِفَ فِي بَابِهِ وَعُلِمَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ الرُّبْعِ طَاهِرًا بِالْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ) يَعْنِي بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسِتْرِ الْعَوْرَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ يَلِي الْأَوَّلَ فِي الْفَضْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سِتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُومِئًا بِهِمَا إمَّا قَاعِدًا وَإِمَّا قَائِمًا فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا، وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُخَيَّرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ سِتْرُ الْعَوْرَةِ فِيهِ أَكْثَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ إلَّا فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّطْهِيرِ سَقَطَ عَنْهُ لِعَجْزِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ خِطَابُ السِّتْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالطَّاهِرِ فِي حَقِّهِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السِّتْرُ بِالطَّاهِرِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ سَقَطَ فَيَمِيلُ إلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ) أَيْ مَفْهُومِ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ بَعْدَ الْعِلْمِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِ الْعَارِي إلَخْ) يَعْنِي حُكْمَ الْأَمَةِ فِيمَا إذَا أُعْتِقَتْ فِي الصَّلَاةِ فَتَقَنَّعَتْ مِنْ سَاعَتِهَا حَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ بِخِلَافِ الْعَارِي إذَا وَجَدَ السَّاتِرَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ وِجْدَانِهِ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا) وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ قَالَ وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الزَّاهِدِيِّ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْمَنْبَعِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْإِيمَاءِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَفِي الْمِفْتَاحِ أَوْمَأَ الْقَائِمُ أَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ الْقَاعِدُ جَازَ. اهـ. قُلْتُ: وَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَنْعُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ وَالْأَصْلِ وَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَحْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّهْرِ بَعْدُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ تَنَبَّهْ. وَالْحَاصِلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ صَلَاتِهِ بِهِ قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا مُومِئًا ثُمَّ عُرْيَانًا قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ثُمَّ عُرْيَانًا قَائِمًا مُومِئًا وَالْأَفْضَلِيَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ فِي الْفَضْلِ) مُرَادُهُ بِالرَّابِعِ الْإِيمَاءُ قَائِمًا وَبِالثَّالِثِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَسَمَّاهُ رَابِعًا؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ نَقْلِ عِبَارَةِ مُلْتَقَى الْبِحَارِ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلًا وَلِيُشِيرَ إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُلْتَقَى تُفِيدُ صُورَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَهِيَ صَلَاتُهُ

أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَخُيِّرَ إنْ طَهُرَ الْأَقَلُّ أَوْ كَانَ كُلُّهُ نَجِسًا لَكَانَ أَفْوَدَ إذْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مَذْهَبًا وَخِلَافًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي لِيُفْهَمَ مِنْهُ الْأَوَّلُ بِالْأَوْلَى لَكَانَ أَوْلَى وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ بِخِلَافٍ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ عَوْرَتَهُ وَلَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ أَوْ نَحْوِهِمَا فِي الثَّوْبِ كُلِّهِ تَزُولُ بِالْمَاءِ وَنَجَاسَةَ الْجِلْدِ لَا يُزِيلُهَا الْمَاءُ فَكَانَتْ أَغْلَظَ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ رُبْعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الَّذِي رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ لِمَا أَنَّ طَهَارَةَ الرُّبْعِ كَطَهَارَةِ الْكُلِّ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا لَوْ كَانَتْ قَدْرَ الرُّبْعِ وَالْآخَرُ أَقَلُّ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ وَلِمَا دُونَ الرُّبْعِ حُكْمَ الْعَدَمِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبْعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبْعِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا رُبْعَ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الثَّوْبِ وَالطَّاهِرُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ سِتْرُ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا إذَا تَحَرَّكَ الطَّرَفُ الْآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَحَرَّك. اهـ. وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَلَا تَفْصِيلَ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً لِمَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا وَرُبْعَ رَأْسِهَا فَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ لَا يَضُرُّ وَالسِّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ وَلَوْ كَانَ جَرِيحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومِئًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ، ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ لِمَا قُلْنَا وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى فِي الْفَصْلَيْنِ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَدِمَ ثَوْبًا صَلَّى قَاعِدًا مُومِئًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) لِمَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبُوا فِي السَّفِينَةِ فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْ الْبَحْرِ عُرَاةً فَصَلُّوا قُعُودًا بِإِيمَاءٍ أَرَادَ بِالثَّوْبِ مَا يَسْتُرُ عَامَّةَ عَوْرَتِهِ وَلَوْ حَرِيرًا أَوْ حَشِيشًا أَوْ نَبَاتًا أَوْ كَلَأً أَوْ طِينًا يُلَطِّخُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ لَا الزُّجَاجُ الَّذِي يَصِفُ مَا تَحْتَهُ وَالْعَدَمُ الْمَذْكُورُ يَثْبُتُ بِعَدَمِ الْوُجُودِ فِي مِلْكِهِ وَبِعَدَمِ الْإِبَاحَةِ لَهُ حَتَّى لَوْ أُبِيحَ لَهُ ثَوْبٌ تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ صَلَّى عَارِيًّا لَمْ يَجُزْ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أُبِيحَ لَهُ الْمَاءُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْعُرْيَانِ يَعِدُهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّوْبَ إذَا صَلَّى فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ وَأَطْلَقَ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ خَصَّهُ بِالنَّهَارِ أَمَّا فِي اللَّيْلِ فَيُصَلِّي قَائِمًا؛ لِأَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَالَةَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّوْبِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لَا يَجُوزُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعُرْيَانًا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَوْقَ الْقِيَامِ عُرْيَانًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ فِيهَا أَبْلَغُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْأَسْرَارِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ) نَظَرَ فِيهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَرَاجِعْهُ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جِلْدَ مَيْتَةٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ لَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ السِّتْرُ بِذَلِكَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي كَوْنِ نَجَاسَةِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ أَصْلِيَّةً نَظَرٌ بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ بِالْمَوْتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ فِي الْآخَرِ هُنَا إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ رُبْعًا تَحَتَّمَ لُبْسُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَوْ لَا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ خُيِّرَ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا عَلِمْت نَعَمْ الْمُنَاسِبُ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِهِ. (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ فِي آخِرِهِ) أَقُولُ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ وُعِدَ بِالْمَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِظَارُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي قِيَاسُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَقْرَبُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ الظَّاهِرُ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ فِيهِ قِيَاسَ الْمَوْعُودِ عَلَى الْمَوْعُودِ تَأَمَّلْ

فَصَارَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَحَالَةِ الِاضْطِرَارِ وَأَطَالَ إلَى أَنْ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ سُئِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ صَلَاةِ الْعُرْيَانِ قَالَ إنْ كَانَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ صَلَّى جَالِسًا وَإِنْ كَانَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ صَلَّى قَائِمًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ ضَعِيفًا فَلَا يَقْصُرُ عَنْ إفَادَةِ الِاسْتِئْنَاسِ، وَأَمَّا وَاقِعَةُ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالَاتٌ إمَّا لِأَنَّهُمْ اخْتَارُوا الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الِانْكِشَافِ أَوْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَرَائِينَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَيْلًا فَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ الْقُعُودِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا فَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَهُوَ يَفْتَرِشُ وَهِيَ تَتَوَرَّكُ وَفِي الذَّخِيرَةِ يَقْعُدُ وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى عَوْرَتِهِ الْغَلِيظَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي السِّتْرِ مَا لَا يَحْصُلُ بِالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ خُلُوِّ هَذِهِ الْهَيْئَةِ عَنْ فِعْلِ مَا لَيْسَ بِأَوْلَى وَهُوَ مَدُّ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُعُودَ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ بَلْ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقُعُودُ أَفْضَلَ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ أَهَمُّ مِنْ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُطْلَقًا وَالْأَرْكَانُ فَرَائِض الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ أَتَى بِبَدَلِهَا وَإِنَّمَا كَانَ الْقِيَامُ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَرَكَ فَرْضَ السَّتْرِ فَقَدْ كَمَّلَ الْأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى تَكْمِيلِهَا، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ الْإِيمَاءُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ تَجْوِيزَ تَرْكِ فَرْضِ السَّتْرِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُومِئُ بِهِمَا قَائِمًا لَمْ يُحْرِزْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مَعَ أَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قِطْعَةٌ يَسْتُرُ بِهَا أَصْغَرَ الْعَوْرَاتِ فَلَمْ يَسْتُرْ فَسَدَتْ وَإِلَّا فَلَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرْ بَعْضَ الْعَوْرَةِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَيَسْتُرُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ. اهـ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ إلَّا أَحَدَهُمَا قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقِيلَ يَسْتُرُ الْقُبُلَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتُرُ بِغَيْرِهِ وَالدُّبُرُ يُسْتَرُ بِالْأَلْيَتَيْنِ اهـ. كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الْعُرَاةَ لَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَفِي الذَّخِيرَةِ وَأَسْتَرُ مَا يَكُونُ أَنْ يَتَبَاعَدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِهِمْ إذَا أَمِنُوا الْعَدُوَّ وَالسَّبُعَ وَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَيَقِفُ الْإِمَامُ وَسْطَهُمْ وَإِنْ تَقَدَّمَ جَازَ وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ سِوَى الْإِمَامِ، ثُمَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلَى الْعَارِي الْإِعَادَةَ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا، وَقَدْ أَفَادَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى عَارِيًّا لِلْعَجْزِ عَنْ السُّتْرَةِ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إذَا كَانَ الْعَجْزُ لِمَنْعٍ مِنْ الْعِبَادِ كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبَهُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمَاءِ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَارِيًّا لَا ثَوْبَ لَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبٍ هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إذَا كَانَ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَهُ ثَمَنُهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ. (قَوْلُهُ: وَالنِّيَّةُ بِلَا فَاصِلٍ) يَعْنِي مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَخْ) وَاخْتَارَ تَقْيِيدَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمُتَشَهِّدِ تَبْدُو عَوْرَتُهُ الْغَلِيظَةُ حَالَةَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَكْثَرَ مِمَّا إذَا جَلَسَ وَمَقْعَدَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ مَادًّا رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ إلَّا انْكِشَافٌ يَسِيرٌ حَالَةَ الْإِيمَاءِ وَفِي مَدِّ رِجْلَيْهِ زِيَادَةُ سِتْرٍ عَلَى مَا إذَا جَلَسَ مُتَرَبِّعًا وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرَانِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَوْلَى لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا قُلْتُ: وَعَلَيْهِ مَشَى الزَّيْلَعِيُّ وَكَذَا فِي السِّرَاجِ وَالدُّرَرِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) يُوَافِقُهُ مَا مَرَّ عَنْ ظَاهِرِ الْهِدَايَةِ فِي الْمَقُولَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا أَقُولُ: وَهَذَا الْبَحْثُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ. (قَوْلُهُ: قِيلَ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ تَعَيَّنَ سِتْرُ الْقُبُلِ. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِعَادَةُ عِنْدَنَا إلَخْ) وَافَقَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ يُمْكِنُ تَأْيِيدُ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَسْقُطُ وَلَا بِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ جَرَى فِيهَا التَّفْصِيلُ لِأَهَمِّيَّتِهَا بِخِلَافِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ كَمَا تَرَى فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي السُّقُوطِ بِالْعُذْرِ فَاضْمَحَلَّ الْفَرْقُ. (قَوْلُهُ: هَلْ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَالْمَاءِ إلَخْ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِ هَلْ فَمُقْتَضَى النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْضًا وَلَكِنْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ نَقْلَ مَسْأَلَةٍ عَنْ السِّرَاجِ وَأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ. اهـ. وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ رَأَيْت فِي مَتْنِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ جَزَمَ بِأَنَّ الثَّوْبَ كَالْمَاءِ

شُرُوطِ الصَّلَاةِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى اشْتِرَاطِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] كَمَا فَعَلَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعِبَادَةَ بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ مُشْتَرَكُ الدَّلَالَةِ فَيُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ لَا الِافْتِرَاضَ، وَالنِّيَّةُ إرَادَةُ الصَّلَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْوُضُوءِ الْكَلَامَ عَلَيْهَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنَّ الْمُصَلِّيَ يَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ نِيَّاتٍ: نِيَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَنِيَّةُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَنِيَّةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقَوْلُنَا عَلَى الْخُلُوصِ يُغْنِي عَنْ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا نِيَّةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَلَيْسَتْ شَرْطًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمِحْرَابِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِلَا فَاصِلٍ أَيْ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ الْفَاصِلِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ فِي الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَتُبْطِلُ النِّيَّةَ وَشِرَاءُ الْحَطَبِ وَالْكَلَامُ، وَأَمَّا الْمَشْيُ وَالْوُضُوءُ فَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الشُّرُوطِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ يُفِيدُ أَنَّ النِّيَّةَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ صَحِيحَةٌ كَالطَّهَارَةِ قَبْلَهُ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ عَنْ ابْنِ هُبَيْرَةَ اشْتِرَاطَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِلنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَفِي ثُبُوتِهِ تَرَدُّدٌ لَا يَخْفَى لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ هُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الصَّوْمِ. اهـ. وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ وَمُخَالِطًا لَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ. وَبِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَكِنْ عِنْدَنَا هَذَا الِاحْتِيَاطُ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ وَذَلِكَ عِنْدَ الشُّرُوعِ لَا قَبْلَهُ قُلْنَا النَّصُّ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالرَّأْيِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» يُفِيدُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ مَا نَوَى إذَا تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَا نَوَى خِلَافُ النَّصِّ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقِرَانِ لَا يَخْلُو عَنْ الْحَرَجِ مَعَ مَا فِي الْتِزَامِهِ مِنْ فَتْحِ بَابِ الْوَسْوَاسِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَ، ثُمَّ فَسَّرَ النَّوَوِيُّ الْقِرَانَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالنِّيَّةِ مَعَ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ وَيَسْتَصْحِبَهَا إلَى آخِرِهِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّدْقِيقُ فِي تَحْقِيقِ الْمُقَارَنَةِ وَأَنَّهُ يَكْفِي الْمُقَارَنَةُ الْعُرْفِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِصَلَاتِهِ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهَا اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ فِي مُسَامَحَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقِرَانِ لِمَكَانِ الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ يَنْدَفِعُ بِتَقْدِيمِ النِّيَّةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّأْخِيرِ وَجُوِّزَ التَّأْخِيرُ فِي الصَّوْمِ لِلْحَرَجِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَالْعَتَّابِيِّ نَسِيَ النِّيَّةَ فَنَوَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا إلَهَ غَيْرُك يَصِيرُ شَارِعًا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ عَلَى تَخْرِيجِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى انْتِهَاءِ الثَّنَاءِ، وَقِيلَ إلَى أَنْ يَرْكَعَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَقِيلَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ كِتَابِ الرَّحْمَةِ التَّعْبِيرُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ لِلصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ وَهَذَا التَّعْبِيرُ هُوَ الصَّوَابُ لِتَصْرِيحِ الشَّافِعِيَّةِ بِرُكْنِيَّتِهَا فِيهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ: إنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ رَوَيْت كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَسَبَقَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْخِلَافُ فِي الْمَشْهُورِ قِيلَ هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَقِيلَ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ. (قَوْلُهُ: وَشِرَاءُ الْحَطَبِ وَالْكَلَامُ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَهُ كَمَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ قَدْ وُجِدَتْ الْمَسْأَلَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّكْبِيرِ أَوْ تَكُونُ مُقَارَنَةً لَهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ مَا لَمْ يَقْطَعْ بِعَمَلٍ. اهـ. وَفِي الْجَوَاهِرِ وَابْنِ صُبْرٍ بِضَمِّ الصَّادِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْرٍ الْقَاضِي الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ. اهـ. فَمَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّهُ أَبُو صَبِرَةَ لَيْسَ بِصَوَابٍ. اهـ. وَمَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ فَاسِدٌ إلَخْ) بِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الدُّرَرِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَقْوَالَ الْآتِيَةَ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا غَفَلَ عَنْ النِّيَّةِ أَمْكَنَ لَهُ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ. اهـ.

إلَى أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ نَوَى بَعْدَ قَوْلِهِ اللَّهُ قَبْلَ أَكْبَرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ اللَّهُ فَكَأَنَّهُ نَوَى بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَجَعَلَهُ فِي الْمُحِيطِ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي) أَيْ الشَّرْطُ فِي اعْتِبَارِهَا عِلْمُهُ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي أَيْ التَّمْيِيزُ، فَالنِّيَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ وَشَرْطُهَا التَّعْيِينُ لِلْفَرَائِضِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُمْ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ لَكَانَ تَكْرَارًا إذْ قَالُوا بَعْدَهُ وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ صَلَاةً فَعَلِمَ أَنَّهَا ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ أَوْ نَفْلٌ أَوْ قَضَاءٌ يَكُونُ ذَلِكَ نِيَّةً لَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لِلتَّعْيِينِ إذَا أَوْصَلَهَا بالتحريمية. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ لِإِفَادَةِ أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِاللِّسَانِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ وَاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُجِيبَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَعَزَاهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَى الْأَجْنَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الشُّرُوعِ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ تَفَكُّرٍ أَوْ لَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَلَوْ نَوَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا خَالَفَ أَبَا يُوسُفَ فِي ذَلِكَ. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْفِي تَقَدُّمُ أَصْلِ النِّيَّةِ وَنِيَّةِ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُقَارَنَةُ وَلَا الِاسْتِحْضَارُ لِمَا نَوَاهُ فِي أَثْنَائِهَا، بَلْ كَلَامُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِحْضَارِ لَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَفَكُّرٍ بَعْدَ السُّؤَالِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْعِلْمَ إلَخْ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ إفَادَةُ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ لَقَالُوا وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ شَيْءٍ يَفْعَلُ أَيْ لِيُمَيِّزَ الْعِبَادَةَ عَنْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ يُفِيدُ مَا قَالَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُ كُلِّ صَلَاةٍ شَرَعَ فِيهَا عَنْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَمَا مَرَّ هِيَ الْإِرَادَةُ أَيْ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ هُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْقَاطِعَةُ وَالْإِرَادَةُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَفْعُولِ بِوَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ غَيْرِهِمَا فَالنِّيَّةُ هِيَ أَنْ يَجْزِمَ بِتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَوْ كَانَتْ نَفْلًا يُشْتَرَطُ تَمْيِيزُهَا عَنْ فِعْلِ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا يُشْتَرَطُ أَيْضًا تَمْيِيزُهَا عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي أَخَصِّ أَوْصَافِهَا فَاشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ هُنَا مُجْمَلٌ بَيْنَ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ إلَخْ فَالتَّكْرَارُ مُنْتَفٍ وَلَوْ سَلَّمَ يُرَدُّ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ أَجَابَ بِحَاصِلِ مَا أَجَبْت بِهِ حَيْثُ قَالَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ هُنَا مُجْمَلٌ وَفِيمَا يَأْتِي مُفَصَّلٌ وَذِكْرُ الْمُفَصَّلِ بَعْدَ الْمُجْمَلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. اهـ. فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ النِّيَّةُ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ. وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي الشرنبلالية عَلَى الدُّرَرِ ثُمَّ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإِرَادَةِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الْإِرَادَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ فَلَا يَتَأَتَّى نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ وَكَلَامُهَا ظَاهِرٌ. اهـ. وَهُوَ جَانِحٌ إلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ وَأَدْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ) أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِذَلِكَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الْعِلْمِ الْمَشْرُوطِ فِي النِّيَّةِ الْحَاصِلِ عِنْدَهَا، يَعْنِي أَنَّ الْعِلْمَ الْمَشْرُوطَ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْجَوَابُ فَوْرَ السُّؤَالِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعِلْمُ إذْ لَوْ احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ ذَلِكَ وَلِلَّهِ تَعَالَى دَرُّ الْحَصْكَفِيِّ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَيْ عَمَلُ الْقَلْبِ أَنْ يَعْلَمَ عِنْدَ الْإِرَادَةِ بَدَاهَةً بِلَا تَأَمُّلٍ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي حَيْثُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْإِرَادَةِ دَفْعًا لِمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا بُدَّ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بَلْ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَسَيَأْتِي عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ سَبَقَ عَنْ الْعُيُونِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَالْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ.

بِاللِّسَانِ مَرْدُودٌ، وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ الْمَشَايِخِ فِي التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ فَذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَالتَّبْيِينِ أَنَّهُ يَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ وَفِي الِاخْتِيَارِ مَعْزِيًّا إلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إقَامَتُهَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِإِجْرَائِهَا عَلَى اللِّسَانِ فَحِينَئِذٍ يُبَاحُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ السُّنَّةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِيَّةِ الْقَلْبِ، فَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ جَازَ وَنُقِلَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ الْكَرَاهَةُ وَظَاهِرُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ اخْتِيَارُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أُصَلِّي كَذَا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ» وَهَذِهِ بِدْعَةٌ. اهـ. وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ لِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ خَاطِرِهِ فَإِذَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ كَانَ عَوْنًا عَلَى جَمْعِهِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي التَّجْنِيسِ قَالَ وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ وَالتَّكَلُّمُ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَمَنْ اخْتَارَهُ اخْتَارَهُ لِتَجْتَمِعَ عَزِيمَتُهُ. اهـ. وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ عِنْدَ قَصْدِ جَمْعِ الْعَزِيمَةِ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ ظُهُورُ الْعَمَلِ بِذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ فَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالسُّنِّيَّةِ أَرَادَ بِهَا الطَّرِيقَةَ الْحَسَنَةَ لَا طَرِيقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَقِيَ الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّلَفُّظِ بِهَا فَفِي الْمُحِيطِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ صَلَاةَ كَذَا فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَهَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْحَاوِي وَفِي الْقُنْيَةِ إذَا أَرَادَ النَّفَلَ أَوْ السُّنَّةَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الصَّلَاةَ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي وَفِي الْفَرْضِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ فَرْضَ كَذَا فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ لَك وَأَدْعُوَ لِهَذَا الْمَيِّتِ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي وَالْمُقْتَدِي يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَرْضَ الْوَقْتِ مُتَابِعًا لِهَذَا الْإِمَامِ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ يُفِيدُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا بِنَحْوِ نَوَيْت أَوْ أَنْوِي كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَلَفِّظِينَ بِالنِّيَّةِ مِنْ عَامِّيٍّ وَغَيْرِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ سُؤَالَ التَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ التَّلَفُّظِ بِهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي وَجْهِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَمْتَدُّ وَيَقَعُ فِيهِ الْعَوَارِضُ وَالْمَوَانِعُ وَهُوَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تَحْصُلُ بِأَفْعَالٍ شَاقَّةٍ اُسْتُحِبَّ طَلَبُ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُشْرَعْ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ قِيَاسِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَجِّ وَفِي الْمُجْتَبَى مَنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ فِي النِّيَّةِ يَكْفِيهِ اللِّسَانُ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ فِعْلَ اللِّسَانِ يَكُونُ بَدَلًا عَنْ فِعْلِ الْقَلْبِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ وَفِي الْغُنْيَةِ عَزَمَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ نَوَيْت صَلَاةَ الْعَصْرِ يُجْزِئُهُ. (قَوْلُهُ: وَيَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ لِلنَّفْلِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّرَاوِيحِ) ، أَمَّا فِي النَّفْلِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الصَّلَاةِ يَنْصَرِفُ إلَى النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَدْنَى فَهُوَ مُتَيَقِّنٌ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ أَوْ الصَّلَاةَ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يُصَلِّي لِغَيْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ وَالتَّرَاوِيحِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَا فِي الْكِتَابِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّجْنِيسِ وَجَعَلَهُ فِي الْهِدَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَخِزَانَةِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَسَبَهُ إلَى الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ مَعْنَى السُّنَّةِ كَوْنُ النَّافِلَةِ مُوَاظَبًا عَلَيْهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْفَرِيضَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ قَبْلَهَا فَإِذَا أَوْقَع الْمُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ الْمُسَمَّى سُنَّةً فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَصْفَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ عَلَى مَا سَمِعْت فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي السُّنَّةَ بَلْ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى فَعُلِمَ أَنَّ وَصْفَ السُّنَّةِ ثَبَتَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ) أَخَذَهُ مِنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَعِبَارَتُهُ وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ لَهُ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ فِعْلِ اللِّسَانِ فِي هَذَا مَقَامَ عَمَلِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بَدَلًا مِنْهُ لَا يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْإِبْدَالَ لَا تُنْصِبُ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ يَسْقُطُ الشَّرْطُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا إلَى بَدَلٍ، وَقَدْ يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ، وَقَدْ يَسْقُطُ الْمَشْرُوطُ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى شَرْطِهِ فَإِثْبَاتُ أَحَدِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ الْبَاقِي يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَأَيْنَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى إقَامَةِ فِعْلِ اللِّسَانِ مُقَامَ فِعْلِ الْقَلْبِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ الشَّارِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ.

بَعْدَ فِعْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ تَسْمِيَةٌ مِنَّا بِفِعْلِهِ الْمَخْصُوصِ لَا أَنَّهُ وَصْفٌ يَتَوَقَّفُ حُصُولُهُ عَلَى نِيَّتِهِ وَذَكَرَ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ فِي فَصْلِ التَّرَاوِيحِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي السُّنَنِ وَالتَّرَاوِيحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَبِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ فَتَجِبُ مُرَاعَاةُ الصِّفَةِ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ أَوْ مُتَابَعَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَلْ يَحْتَاجُ لِكُلِّ شَفْعٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَنْ يَنْوِيَ وَيُعَيِّنَ قَالَ بَعْضُهُمْ يَحْتَاجُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. اهـ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فَلِذَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّرَاوِيحِ أَنْ يَنْوِيَ التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةَ الْوَقْتِ أَوْ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي السُّنَّةِ يَنْوِي السُّنَّةَ. اهـ. أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي السُّنَّةِ فَشَمِلَ سُنَّةَ الْفَجْرِ حَتَّى لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَهَجُّدًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَتَا عَنْ السُّنَّةِ وَفِي آخِرِ الْعُمْدَةِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْفَجْرِ فَوَقَعَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الطُّلُوعِ يُحْتَسَبُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ يُفْتَى وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَلَمْ تَحْصُلْ، وَقَدْ قَالُوا فِي سُجُودِ السَّهْوِ: إنَّهُ لَوْ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ بَعْدَ الْقُعُودِ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ سَاهِيًا فَإِنَّهُ يَضُمُّ سَادِسَةً وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ التَّنَفُّلُ مَكْرُوهًا فِي الْفَجْرِ جَعَلْنَاهُمَا سُنَّةً بِخِلَافِهِ فِي الظُّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَرْبَعَ الَّتِي تُصَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَنَّهَا آخِرُ ظُهْرٍ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ فِي الْجُمُعَةِ إذَا تَبَيَّنَ صِحَّةَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا تَنُوبُ عَنْ سُنَّتِهَا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ يَلْغُو الْوَصْفُ وَيَبْقَى الْأَصْلُ وَبِهِ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ وَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ لَا تَنُوبُ لِاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْيِينِهِ كَالْعَصْرِ مَثَلًا) لِاخْتِلَافِ الْفُرُوضِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا قَرَنَ بِالْيَوْمِ كَعَصْرِ الْيَوْمِ سَوَاءٌ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ لَا لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الصَّحِيحِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةُ الْأَسِيرِ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَ فَوَقَعَ صَوْمُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ وَهَذَا قَضَاءٌ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَشَمِلَ مَا إذَا قَرَنَ بِالْوَقْتِ كَعَصْرِ الْوَقْتِ أَوْ فَرَضَ الْوَقْتَ وَقَيَّدَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِعَدَمِ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنْ خَرَجَ وَنَسِيَهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الصَّحِيحِ وَجَعَلَ هَذَا الْقَيْدَ الشَّارِحُ قَيْدًا فِي فَرْضِ الْوَقْتِ فَقَطْ مُعَلِّلًا بِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: إذَا تَبَيَّنَ صِحَّةَ الْجُمُعَةِ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ سَابِقٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ. (قَوْلُهُ: وَجَعَلَ هَذَا الْقَيْدَ الشَّارِحُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا وَهْمٌ فَإِنَّ لَفْظَ الشَّارِحِ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا أَوْ فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِوُجُودِ التَّعْيِينِ فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ الظُّهْرِ. اهـ. أَيْ وَكَذَلِكَ ظُهْرُ الْوَقْتِ فَقَدْ جَعَلَهُ قَيْدًا فِيهِمَا كَمَا تَرَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَظُهْرِ الْيَوْمِ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ. اهـ. كَلَامُ النَّهْرِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَمَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَفِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَاةٌ تُسَمَّى فَرْضُ الْوَقْتِ فَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ لِلِاشْتِبَاهِ وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ تُسَمَّى ظُهْرَ الْوَقْتِ فَلَا يَشْتَبِهُ الْحَالُ فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ وَعِبَارَةُ الزَّيْلَعِيِّ قَابِلَةٌ لِمَا فَهِمَهُ فِي الْبَحْرِ بَلْ قَرِيبَةٌ لِمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ. اهـ. لَكِنْ اعْتَرَضَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ كَلَامَ النَّهْرِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْقَيْدَ لَهُمَا كَمَا فَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ، وَأَمَّا أَخْذُهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ التَّبْيِينِ فِي التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ التَّبْيِينِ بَعْدَهُ وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا يُعْطِي خِلَافَهُ. اهـ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا نَحْوَ عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تَخْلُو عَنْ إشَارَةٍ إلَى أَنَّ ظُهْرَ الْوَقْتِ كَفَرْضِ الْوَقْتِ لَا كَظُهْرِ يَوْمِهِ طِبَاقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ وَأَفْهَمَهُ التَّبْيِينُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ مَلَكٍ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ صَاحِبِ الْفَتْحِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَوْلَى فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت ظُهْرَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ظُهْرَ الْوَقْتِ أَوْ فَرْضَهُ فَكَانَ الْوَقْتُ خَارِجًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ لَا يُجْزِئُهُ، أَمَّا لَوْ قَالَ ظُهْرَ الْيَوْمِ فَيُجْزِئُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ خَارِجًا أَوْ بَاقِيًا. اهـ. لَكِنْ فِي عُمْدَةِ الْمُفْتِي وَلَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظُهْرًا، وَقَدْ يَكُونُ عَصْرًا وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ أَوْ عَصْرَهُ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ يَجُوزُ عَلَى الْمُخْتَارِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. اهـ. لَكِنَّ هَذَا يَرِدُ عَلَى حَصْرِ التَّبْيِينِ الْمُخَلِّصَ عَنْ الشَّكِّ فِي ظُهْرِ الْيَوْمِ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى مَا سَلَكَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ قَطْعِ ظُهْرِ الْوَقْتِ عَنْ التَّعْلِيلِ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ بَيْنَ صُورَةِ الشَّكِّ وَبَيْنَ صُورَةِ مَسْأَلَتِنَا فَرْقًا مِنْ حَيْثُ وُجُودُ الشَّكِّ فِيهَا الْغَيْرِ الْمُمَحَّضِ النِّيَّةَ بِخِلَافِ صُورَتَيْ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ فَتَحَصَّلَ لَنَا أَنَّ نِيَّةَ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَفَرْضَ الْوَقْتِ لَا تُجْزِيَانِ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا فِي شَرْحِ ابْنِ مَالِكٍ وَالْفَتْحِ وَأَفْهَمَهَا عِبَارَاتُ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ النِّسْيَانَ مَكَانَ عَدَمِ الْعِلْمِ وَتُجْزِئُ الْأُولَى فِي صُورَةِ الشَّكِّ فِي خُرُوجِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَأَمَّا ظُهْرُ الْيَوْمِ فَيُجْزِئُ

فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ عَصْرِ الْوَقْتِ صَحِيحَةً وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَيَكُونُ الْوَقْتُ كَالْيَوْمِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيُسْتَثْنَى مِنْ فَرْضِ الْوَقْتِ الْجُمُعَةُ فَإِنَّهَا بَدَلُ فَرْضِ الْوَقْتِ لَا نَفْسِهِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، وَشَمِلَ مَا إذَا نَوَى الْعَصْرَ بِلَا قَيْدٍ وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَمَا يَقْبَلُ ظُهْرَ هَذَا الْيَوْمِ يَقْبَلُ ظُهْرًا آخَرُ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُ هَذَا إذَا كَانَ مُؤَدِّيًا، فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا، فَإِنْ صَلَّى بَعْدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَنَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْوِي صَلَاةً عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ وَقْتِيَّةً فَهِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَضَاءً فَهِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا. اهـ. وَهَكَذَا صَحَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ لَكِنْ جَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَصَحَّحَهُ السِّرَاجُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي فَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى وَيَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ غَيْرَهَا وَإِلَّا فَلَا تَعْيِينَ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى شَيْئَيْنِ فَإِنَّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي صُورَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَيْضًا وَفِي صُورَةِ الشَّكِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَتَّابِيُّ وَالتَّبْيِينُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ صُورَتَيْ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ قَوْلُ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَفِي الْعَتَّابِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ يَوْمِهِ وَكَذَا كُلُّ وَقْتٍ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوَقْتِيَّةَ هَلْ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي قَلْبِهِ فَرْضُ الْوَقْتِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَنَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ جَازَ. اهـ. إذْ لَوْلَا الْمُغَايَرَةُ لَكَانَ تَكْرَارًا وَقَوْلُ الْمُجْتَبَى وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ بَعْدَمَا خَرَجَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ. اهـ. ثُمَّ وَجَدْت صَاحِبَ النَّهْرِ قَالَ إلَخْ. اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. أَقُولُ: وَذُكِرَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة كُلُّ وَقْتٍ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ فَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ مَثَلًا فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ الْمُخْتَارُ الْجَوَازُ. اهـ. وَكَذَا فِي مَتْنِ الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ لَكِنْ بِزِيَادَةِ الْبِنَاءِ الْمَارِّ عَنْ عُمْدَةَ الْمُفْتِي وَكَانَ الْحَلَبِيُّ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّكِّ وَعَدَمَ الْعِلْمِ فَاعْتَرَضَ الْمُنْيَةُ بِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُلَاصَةِ ثُمَّ قَالَ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا اخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ غَيْرُ الْمُخْتَارِ. اهـ. وَأَغْرَبَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ مَا فِي الْمُنْيَةِ غَلَطٌ لَا يُسَاعِدُهُ الْوَجْهُ وَلَا الْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ عَنْهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ نَقْلِهِ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعُمْدَةِ الْمُفْتِي وَالْمُحِيطِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمُنْيَةِ ثِقَةٌ لَا يَعْزُو بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ وَوُجُودُهُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ يُنَافِي ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ دَفَعَ الْإِيرَادَ عَلَى حَصْرِ الزَّيْلَعِيِّ وَدَفَعَ الْمُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِهِ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي النَّهْرِ وَكَلَامِ الْعُمْدَةِ وَفِي كُلٍّ نَظَرٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ لَا يَكُونُ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ ظُهْرِ الْوَقْتِ كَنِيَّةِ ظُهْرِ الْيَوْمِ بَلْ تَخْصِيصُ الْمُخَلِّصِ بِالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْإِيرَادُ بَاقٍ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّغَايُرِ بَيْنَ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ لَا يُجْدِي فِي دَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَارِحِي الْمُنْيَةِ وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ آخِرًا وَلَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُخَلِّصٌ لِمَنْ يَشُكُّ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ. اهـ. مَعَ أَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّكِّ وَلَا يَظْهَرُ دَفْعُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْفَتْحِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَبَيْنَ كَلَامِ الْعُمْدَةِ وَالْأَشْبَاهِ وَالْمُنْيَةِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَلْ هُوَ يُؤَكِّدُ الْمُنَافَاةَ وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُتَبَايِنَانِ كَمَا قُلْنَا، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ فَاَلَّذِي فِي ظَنِّهِ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ فَيَكُونُ مُرَادُهُ بِالْوَقْتِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَمَعَ هَذَا لَا تَجُوزُ نِيَّتُهُ فَإِذَا كَانَ شَاكًّا فِي خُرُوجِهِ يَكُونُ أَوْلَى فِي عَدَمِ الْجَوَازِ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي هَذَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِعَدَمِهِ فِي الْأَوَّلِ فَأَيْنَ التَّوْفِيقُ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْخِزَانَةِ وَالْمُجْتَبَى لَا يَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَصْلِ التَّغَايُرِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ وَعِبَارَةُ الْخِزَانَةِ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ حَاصِلَهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نِيَّةِ ظُهْرِ الْوَقْتِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الشَّكِّ وَعَدَمِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَثَبَتَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُ مَا فِي الْمُنْيَةِ وَالْعُمْدَةِ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ تَعْلِيلَ الزَّيْلَعِيِّ يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ أَلْ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ الْحَلَبِيُّ لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَنَوَى ظُهْرَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَتَعَيَّنُ الظُّهْرُ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ فَرْضُ الْوَقْتِ الْحَاضِرِ الْمَعْهُودِ بَلْ فَرْضُ الْوَقْتِ غَيْرُهُ فَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا فَرَضَ الْوَقْتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ حَالَةِ خُرُوجِ الْوَقْتِ غَيْرِ الظُّهْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ جَوَازِ نِيَّةِ ظُهْرِ الْوَقْتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ بِلَا تَقْدِيرٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَيْضًا دَفْعُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَهَكَذَا صَحَّحَهُ إلَخْ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ بِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: الشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ الْعُمْدَةَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ. اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَتَلَفَّظَ بِالْعَصْرِ يَكُونُ شَارِعًا فِي الْعَصْرِ. (قَوْلُهُ: وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى شَيْئَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَخْ)

لَا يَصِحُّ فَلَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً كَمَا إذَا فَاتَتْهُ الظُّهْرُ فَنَوَى فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَتَيْنِ فَهِيَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْوَقْتِيَّةَ وَاجِبَةٌ لِلْحَالِ وَغَيْرُهَا لَا. اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ تَرْتِيبٍ وَإِلَّا فَالْفَائِتَةُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُنْيَةِ أَيْضًا لَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً فَهِيَ لِلْفَائِتَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْوَقْتِيَّةِ. اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ وَأَفَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ فَائِتَتَيْنِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْأُولَى مِنْهُمَا وَأَقَرَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَقُولُ: ذَكَرَ الْخَلَّاطِيُّ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مَا يُخَالِفُ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا فَلْنَذْكُرْ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ مُوَضِّحًا مِنْ شَرْحِهِ لِلْفَارِسِيِّ اعْلَمْ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضَيْنِ مَعًا إنْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ لَغْوًا عِنْدَ هُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَصُورَتُهُ مَا لَوْ كَبَّرَ يَنْوِي ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَالِمًا بِأَوَّلِهِمَا أَوْ لَا فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّنَافِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ رَفَعَهُ وَأَبْطَلَهُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ ثُمَّ كَبَّرَ يَنْوِي عَصْرًا عَلَيْهِ بَطَلَتْ الظُّهْرُ وَصَحَّحَ شُرُوعَهُ فِي الْعَصْرِ لِامْتِنَاعِ كَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا فَإِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةُ رَفْعِ الْأُخْرَى بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَكُونُ لَهَا قُوَّةُ دَفْعِهَا عَنْ الْمَحَلِّ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ عِنْدَهُ إمَّا بِالْحَاجَةِ إلَى التَّعْيِينِ وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ إطْلَاقُ الْفَرْضَيْنِ يَتَنَاوَلُ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَكْتُوبَةِ أَوْ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ كَالْمَنْذُورِ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَفَاسِدِ النَّفْلِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالظُّهْرَيْنِ وَالْجِنَازَتَيْنِ وَالْمَنْذُورَتَيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ مَعَ النَّذْرِ أَوْ مَعَ الْجِنَازَةِ وَقِيلَ: إنَّ نَاوِيَ الْفَرْضَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مُتَنَفِّلٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْفَرْضَيْنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً وَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا إلَّا إذَا كَانَ الْفَرْضَانِ كَفَّارَتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ مُفْتَرِضًا فَإِذَا نَوَى بِكُلِّ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ لِلْفَقِيرِ زَكَاةً وَكَفَّارَةً ظِهَارًا وَنَوَى الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ أَوْ لَبَّى مَنْ كَانَ حَجَّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ يَنْوِي حَجَّتَيْنِ مَنْذُورَتَيْنِ صَارَ شَارِعًا فِي نَفْلٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ هُنَا تَدَافَعَا وَصْفًا وَهُوَ جِهَةُ الصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ لَا أَصْلًا لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الطَّارِئِ دُونَ الْقَائِمِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ التَّدَافُعُ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِلنَّفْلِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ التَّدَافُعُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ عِنْدَ الْمُقَارَنَةِ فَبَطَلَا جَمِيعًا، وَأَمَّا فِي كَفَّارَتَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ بِأَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ مِنْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ عَنْ إفْطَارَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ رَمَضَانَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْجِهَتَانِ لَا أَصْلًا وَلَا وَصْفًا فَلَا يَلْغُو الْعِتْقُ كَمَا لَغَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ نَفْلًا كَمَا فِي الصَّوْمِ وَأَخَوَاتِهِ بَلْ يَقَعُ فَرْضًا عَنْ أَحَدِهِمَا اسْتِحْسَانًا لِإِلْغَاءِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَإِذَا لَغَا يَبْقَى نِيَّةُ أَصْلِ التَّكْفِيرِ فَيَكْفِي عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ أَطْلَقَ وَإِذَا نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا فَهُوَ مُفْتَرِضٌ كَمَا إذَا نَوَى الظُّهْرَ وَالتَّطَوُّعَ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ الصَّوْمَ عَنْ الْقَضَاءِ وَالتَّطَوُّعِ أَوْ أَهَلَّ مِنْ حَجٍّ لِلْإِسْلَامِ يَنْوِي حَجَّةَ نَذْرٍ وَتَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْفَرْضِ وَتَبْطُلُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ تَرْجِيحًا لِلْفَرْضِ بِقُوَّتِهِ أَوْ حَاجَتِهِ إلَى التَّعْيِينِ فَيَلْغُو مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ وَيُعْتَبَرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ سِوَارًا وَعَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ السِّوَارِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حِصَّةِ السِّوَارِ لِئَلَّا يَفْسُدَ الْبَيْعُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الصَّلَاةِ تَلْغُو فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ ظُهْرًا أَوْ نَفْلًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ بِأَنْ نَوَى حَجَّةً مَنْذُورَةً وَحَجَّةً تَطَوُّعًا يَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْفَرْضِ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ لَمَّا لَغَتْ نِيُّهُ الْجِهَتَيْنِ بَقِيَ أَصْلُ النِّيَّةِ وَذَلِكَ يَكْفِي لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلْفَارِسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَوْ نَوَى صَلَاتَيْنِ مَكْتُوبَتَيْنِ لَا تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَتَا فَائِتَتَيْنِ أَوْ فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ ضَاقَ وَقْتُ الْوَقْتِيَّةِ أَوْ لَا وَلَعَلَّهُ فِي الْأَخِيرَيْنِ اعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ تَرْجِيحَ الْقُوَّةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَتَأَمَّلْ أَوْ هُمَا رِوَايَتَانِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ إلَخْ) هَذِهِ الْإِفَادَةُ إنَّمَا تَتِمُّ لَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُنْيَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْوَقْتِيَّةَ مَعَ الْفَائِتَةِ أَوْ مَعَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، أَمَّا لَوْ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلُ أَنَّهُ فِي الْمُنْيَةِ ذَكَرَ حُكْمَ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ الْفَائِتَةِ فِيمَا يُعِيدُهُ مُغَايِرًا لِذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ فَتَعَيَّنَ مَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِقَوْلِهِ وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَتَيْنِ إلَخْ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْوَقْتِيَّةُ مَعَ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا فَلَا مُخَالَفَةَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَدَّمَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ فَلَوْ نَوَى فَائِتَةً وَوَقْتِيَّةً إلَخْ

لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الْأُولَى وَهُوَ إنَّمَا يُتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا وَلَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى مِنْ النَّفْلِ فَلَا يُعَارِضُهُ فَتَلْغُو نِيَّةُ النَّفْلِ وَتَبْقَى نِيَّةُ الْفَرْضِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا لِتَعَارُضِ الْوَصْفَيْنِ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَالْجُمُعَةَ جَمِيعًا بَعْضُهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ وَرَجَّحُوا نِيَّةَ الْجُمُعَةِ بِحُكْمِ الِاقْتِدَاءِ وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ عَنْ الْمَكْتُوبَةِ وَلَوْ نَوَى نَافِلَةً وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ نَافِلَةٌ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَطْلَقَ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فَشَمِلَ الْفَوَائِتَ أَيْضًا فَلِذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ كَثِيرَةً فَاشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَيَنْوِي أَيْضًا ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا، فَإِنْ أَرَادَ تَسْهِيلَ الْأَمْرِ يَنْوِي أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ فَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَفِي الصَّوْمِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ فَقَضَى يَوْمًا وَلَمْ يُعَيِّنْ جَازَ؛ لِأَنَّ فِي الصَّوْمِ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الشَّهْرُ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إكْمَالَ الْعَدَدِ، أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَالسَّبَبُ مُخْتَلِفٌ وَهُوَ الْوَقْتُ وَبِاخْتِلَافِ السَّبَبِ يَخْتَلِفُ الْوَاجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ. اهـ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لِلْفَرَائِضِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ يَوْمٍ وَاشْتَبَهَتْ أَنَّهَا أَيَّةُ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ كُلِّ الْيَوْمِ حَتَّى يَخْرُجَ عَمَّا عَلَيْهِ وَيَتَفَرَّعَ أَيْضًا مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الصَّلَاةَ الْخَمْسَ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي مَوَاقِيتِهَا لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ وَكَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مِنْهَا فَرِيضَةً وَمِنْهَا سُنَّةً لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَرِيضَةَ مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنْ نَوَى الْفَرِيضَةَ فِي الْكُلِّ جَازَ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهَا فَرِيضَةٌ وَبَعْضَهَا سُنَّةٌ فَصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَنَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ جَازَتْ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ الْفَرَائِضَ مِنْ السُّنَنِ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَازَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا، فَإِنْ أَمَّ هَذَا الرَّجُلُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْفَرَائِضَ مِنْ النَّوَافِلِ فَصَلَّى وَنَوَى الْفَرْضَ فِي الْكُلِّ جَازَتْ صَلَاتُهُ، أَمَّا صَلَاةُ الْقَوْمِ فَكُلُّ صَلَاةٍ لَيْسَتْ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلَهَا كَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يَجُوزُ أَيْضًا وَكُلُّ صَلَاةٍ قَبْلَهَا سُنَّةٌ مِثْلُهَا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْقَوْمِ. اهـ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْضِ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَضَاءُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَالنَّذْرُ وَالْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَنْوِي فِيهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ لَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي السَّجَدَاتِ. اهـ. وَأَمَّا نِيَّةُ التَّعْيِينِ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِدَفْعِ الْمُزَاحِمِ مِنْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ وَالسَّهْوِ وَأَرَادَ بِاشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ وُجُودَهُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ نَوَى فَرْضًا وَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ نَسِيَ فَظَنَّهُ تَطَوُّعًا فَأَتَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فَهُوَ فَرْضٌ مُسْقِطٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ قِرَانُهَا بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَمِثْلُهُ إذَا شَرَعَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَأَتَمَّهَا عَلَى ظَنِّ الْمَكْتُوبَةِ فَهِيَ تَطَوُّعٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَبَّرَ حِينَ شَكَّ يَنْوِي التَّطَوُّعَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَهُوَ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا) الْعِبَارَةُ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ وَقَالَ بَعْدَهَا بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَاجِبًا وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا أَوْلَى. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي الصَّوْمِ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ الشَّهْرُ) أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ خِلَافًا لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلِذَا وَجَبَ لِكُلِّ يَوْمٍ نِيَّةٌ ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَقِّقَ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ وَقَالَ فَصَارَ الْيَوْمَانِ كَالظُّهْرَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّا سَنُبَيِّنُ مَا يَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ. (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ) سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ وَفِي الْفَتْحِ هُنَاكَ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِمْدَادِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَمَّ هَذَا الرَّجُلُ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ فَإِنَّ أَمَّ غَيْرَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إلَخْ وَيُسْقِطَ (هَذَا الرَّجُلُ) . (قَوْلُهُ: كَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ أَنَّ الْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَهُمَا سُنَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ فَمَتَى نَوَى الْفَرْضَ فِيهَا صَارَتْ فَرْضًا وَكَانَ مَا بَعْدَهَا نَفْلًا فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِينَ بِهِ فِيهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَصَلَاةٍ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا مِثْلَهَا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا يَظْهَرُ لَك بِالتَّأَمُّلِ. (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَرْضِ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْعَمَلِيَّ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ صِدْقِهِ عَلَى الْعِيدَيْنِ وَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ النَّفْلِ وَالتِّلَاوَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِهِ اللَّازِمَ. (قَوْلُهُ: وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَنْوِي إلَخْ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْوُجُوبِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ وُجُوبَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَنَفِيًّا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَهُ لِيُطَابِقَ اعْتِقَادَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَا تَضُرُّهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، كَذَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْوِتْرِ. (قَوْلُهُ: وُجُودُهُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فَقَطْ) أَيْ لِاسْتِمْرَارِهِ لَكِنْ فِي تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ الشُّرُوعِ نَظَرٌ بَلْ الشَّرْطُ التَّعْيِينُ عِنْدَ النِّيَّةِ كَمَا فِي النَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ الشُّرُوعِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى مَا مَرَّ

الْأَوَّلِ أَوْ الْمَكْتُوبَةَ فِي الثَّانِي حَيْثُ يَصِيرُ خَارِجًا إلَى مَا نَوَى ثَانِيًا لِقِرَانِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي فِي الْمُفْسِدَاتِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْمَنْوِيِّ فَلَوْ رَدَّدَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَيَّدَ بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّعْيِينِ مُغْنٍ عَنْهُ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلَاثًا وَالْفَجْرَ أَرْبَعًا جَازَ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ وَتَلَفَّظَ بِالْعَصْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا فِي الظُّهْرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمُقْتَدِي يَنْوِي الْمُتَابَعَةَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْإِمَامِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْمُقْتَدِي بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ إمَّا مُقَارَنٌ بِالنِّيَّةِ أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُكَبِّرَ الْقَوْمُ مَعَ الْإِمَامِ ذَكَرَهُ مُلَّا خُسْرو فِي شَرْحِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِمَا وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِغَيْرِ الْمُصَلِّي، فَإِنْ نَوَى حِينَ وَقَفَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ جَازَ وَإِنْ نَوَاهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ وَلَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ ثَلَاثِ نِيَّاتٍ: أَصْلُ الصَّلَاةِ وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ وَنِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ وَأَنَّ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ لَا تَكْفِيهِ عَنْ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ أَوْ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَيَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْتَدِي عِلْمٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ أَيْضًا لَكَانَ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ حَيْثُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْيِينٌ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ بِاقْتِدَاءٍ بِهِ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ انْتَظَرَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ، ثُمَّ كَبَّرَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ عَنْ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ قَدْ يَكُونُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِقَصْدِ الِاقْتِدَاءِ فَلَا يَصِيرُ مُقْتَدِيًا بِالشَّكِّ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّهُ يَكْفِيهِ عَنْ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَرَدَّهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ وَأَطْلَقَ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ فَشَمِلَ الْجُمُعَةَ لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خان لَوْ نَوَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ وَذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَى الْبَعْضِ وَأَفَادَ أَنَّ تَعْيِينَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو يَصِحُّ إلَّا إذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا نَوَى وَلَوْ كَانَ يَرَى شَخْصَهُ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ خِلَافُهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ بِالْإِشَارَةِ فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ وَمِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْخَطَأِ فِي تَعْيِينِ الْمَيِّتِ فَعِنْدَ الْكَثْرَةِ يَنْوِي الْمَيِّتَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَفِي عُدَّةِ الْفَتَاوَى وَلَوْ قَالَ اقْتَدَيْت بِهَذَا الشَّيْخِ وَهُوَ شَابٌّ صَحَّ؛ لِأَنَّ الشَّابَّ يُدْعَى شَيْخًا لِلتَّعْظِيمِ وَلَوْ قَالَ اقْتَدَيْت بِهَذَا الشَّابِّ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ لَمْ يَصِحَّ. اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: فَلَوْ رَدَّدَ لَا يُصْبِحُ) أَقُولُ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ جَازَ عَنْ الْفَرْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ ثَمَّةَ؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِالصَّلَاتَيْنِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ هَذَا أَيْ الْخِلَافُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَطْعِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْمَنْوِيِّ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ لِقَطْعِهَا عَلَى الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا. اهـ. وَنُقِلَ فِي النَّهْرِ عِبَارَةُ الْفَتْحِ بِدُونِ التَّعْلِيلِ وَأَسْقَطَ لَفْظَةَ " لَا " فَأَوْرَثَتْ خَلَلًا فَتَنَبَّهْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى حِينَ وَقَفَ إلَخْ) أَيْ حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْ نَوَى حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي صُورَةِ الظَّنِّ فَقَطْ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ نَوَى الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ فَيَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لِلْحَالِ إنَّمَا قَصَدَ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ وَلَوْ نَوَى الشُّرُوعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ شَرَعَ وَلَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ. اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ قَصَدَ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لِلْحَالِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ شَرَعَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَخْ) قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعِيدُ. اهـ. شُرُنْبُلَالِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ يَرَى شَخْصَهُ) هَذَا غَيْرُ قَيْدٍ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْبُرْهَانِ إبْرَاهِيمَ سَوَاءٌ كَانَ يَرَى شَخْصَهُ أَوْ لَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ اقْتَدَيْت بِهَذَا الشَّابِّ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ لَمْ يَصِحَّ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ وَالْإِشَارَةُ هُنَا لَا تَكْفِي؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إشَارَةً إلَى الْإِمَامِ إنَّمَا هِيَ إلَى شَابٍّ أَوْ شَيْخٍ فَتَأَمَّلْ. اهـ. وَمُرَادُهُ الْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَ أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَلْغُوَ التَّسْمِيَةُ كَمَا لَغَتْ فِي هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ بَكْرٌ وَفِي هَذَا الشَّيْخُ فَإِذَا هُوَ شَابٌّ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى عَدَمِ الْكِفَايَةِ وَلَئِنْ سُلِّمَ اقْتَضَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ فِي الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَلَعَلَّهُ إلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَتَأَمَّلْ وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِمَّا يَقْبَلُ التَّسْمِيَةَ بِالِاسْمِ الْمُقَارِنِ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَمَّا فِي الْحَالِ كَمَا فِي هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ بَكْرٌ فَإِنَّ الَّذِي عَلِمَهُ بَكْرٌ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عِلْمُهُ زَيْدٌ فِي الْحَالِ وَكَمَا فِي هَذَا

لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَيِّنَ الْإِمَامَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْقَوْمِ وَلَا يُعَيِّنُ الْمَيِّتَ وَقَيَّدَ بِالْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الرِّجَالِ بِهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَصَلَّى وَنَوَى أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَصَلَّى خَلْفَهُ جَمَاعَةٌ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِمَامَةَ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ فُلَانًا لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَصَلَّى وَنَوَى أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فَصَلَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى النَّاسَ دَخَلَ فِيهِ هَذَا الرَّجُلُ، وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُنَّ إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُنَّ؛ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ إلْزَامًا عَلَيْهِ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ إذَا حَاذَتْهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ مِنْهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَخَالَفَ فِي هَذَا الْعُمُومِ بَعْضُهُمْ فَقَالُوا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ النِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ إمَامَتَهُنَّ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي حَقِّهِنَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اقْتِدَائِهَا بِهِ فِيهَا نِيَّةُ إمَامَتِهَا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْجِنَازَةِ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ وَالدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ تَعْيِينُهُ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْوِي الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فَقَطْ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ مُطْلَقَ الدُّعَاءِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. (قَوْلُهُ: وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) يَعْنِي مِنْ شُرُوطِهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ قَبِلَتْ الْمَاشِيَةُ الْوَادِي بِمَعْنَى قَابَلَتْهُ وَلَيْسَ السِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُقَابَلَةِ لَيْسَ هُوَ الشَّرْطُ بَلْ الشَّرْطُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ الْمُقَابَلَةُ فَهُوَ بِمَعْنَى فَعَلَ كَاسْتَمَرَّ وَاسْتَقَرَّ وَالْقِبْلَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَالْآنَ، وَقَدْ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ فِي الصَّلَاةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ وَتَقَابُلُهُمْ وَهُوَ شَرْطٌ بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَسْجِدِ هُنَا فَقِيلَ الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ الَّذِي فِيهِ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْكَعْبَةِ يَصْعُبُ اسْتِقْبَالُهَا لِصِغَرِهَا وَقِيلَ الْحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] وَالصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَعْبَةُ فَهِيَ الْقِبْلَةُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَحَادِيثِ وَمِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْبَرَاءِ «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ» وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِرَادَةِ الْكَعْبَةِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَحَوَاشِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ هُوَ الْجِهَةُ، وَبِالسُّنَّةِ كَثِيرٌ مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَانْعَقَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّيْخُ فَإِذَا هُوَ شَابٌّ عَالِمٌ فَإِنَّ الشَّابَّ يَصِيرُ شَيْخًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا. (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْنَثْ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ يَحْنَثُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً إلَّا إذَا أَشْهَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَلَا حِنْثَ قَضَاءً (قَوْلُهُ: وَبِالسُّنَّةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْكِتَابِ. (قَوْلُهُ: إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ إلَخْ) وَتَمَامُ حَدِيثِهِ مَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ «رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْك السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي قَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَرْضِيَّةِ مَا ذُكِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا وَعَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا فَرْضِيَّةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ فَلِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا عَدَمُ فَرْضِيَّةِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَلِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ وَتَعْرِيفِ أَرْكَانِهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْفَرَائِضِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْوُضُوءِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا تَيَسَّرَ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسَّجْدَةِ الْأُولَى وَالرَّفْعِ مِنْهَا وَالثَّانِيَةِ وَالرَّفْعِ مِنْهَا فَيَدُلُّ الْأَمْرُ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَوْلُهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا وَحَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا وَحَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَحَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ فِيهَا هَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ فَمِنْهُ مَا اسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ وَمِنْهُ مَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ لِذَلِكَ وَمِنْهُ مَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّلَامِ لِذَلِكَ

الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَفِي عُدَّةِ الْفَتَاوَى الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا لِزِيَارَةِ أَصْحَابِ الْكَرَامَةِ فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُتَوَجِّهِينَ إلَى أَرْضِهَا. (قَوْلُهُ: فَلِلْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا) أَيْ عَيْنِ الْقِبْلَةِ بِمَعْنَى الْكَعْبَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ أَطْلَقَ فِي الْمَكِّيِّ فَشَمِلَ مَنْ كَانَ بِمُعَايَنَتِهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَكِّيٌّ فِي بَيْتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ الْجُدْرَانُ يَقَعُ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى شَطْرِ الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ فَإِنَّهُ لَوْ أُزِيلَتْ الْمَوَانِعُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ لَا مَحَالَةَ، كَذَا فِي الْكَافِي وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْغَائِبِ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ أَصْلِيًّا كَالْجَبَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْعَدَهُ لِيَصِلَ إلَى الْيَقِينِ، وَفِي التَّجْنِيسِ مَنْ كَانَ بِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ فَالشَّرْطُ إصَابَةُ عَيْنِهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِمُعَايَنَتِهَا فَالشَّرْطُ إصَابَةُ جِهَتِهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكَ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ وَمَا أَقْرَبَ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ وَالِاسْتِخْبَارِ فَوْقَ التَّحَرِّي فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى الظَّنِّيِّ لِإِمْكَانِ ظَنِّيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْيَقِينُ مَعَ إمْكَانِهِ لِلظَّنِّ. (قَوْلُهُ: وَلِغَيْرِهِ إصَابَةُ جِهَتِهَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ جِهَتِهَا وَهُوَ الْجَانِبُ الَّذِي إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الشَّخْصُ يَكُون مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا إمَّا تَحْقِيقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فَرَضَ خَطًّا مَنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا وَإِمَّا تَقْرِيبًا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْحَرِفًا عَنْ الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مَسَافَةٍ بَعْدَهُ لَا تَزُولُ بِمَا تَزُولُ بِهِ مِنْ الِانْحِرَافِ لَوْ كَانَتْ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَيَتَفَاوَتُ ذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْبُعْدِ وَتَبْقَى الْمُسَامَتَةُ مَعَ انْتِقَالٍ مُنَاسِبٍ لِذَلِكَ الْبُعْدِ فَلَوْ فَرَضَ مَثَلًا خَطًّا مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ الْمُسْتَقْبِلِ لِلْكَعْبَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَخَطٌّ آخَرَ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ وَشِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِّ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ وَلِهَذَا وَضَعَ الْعُلَمَاءُ قِبْلَةَ بَلَدٍ وَبَلَدَيْنِ وَبِلَادٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَجِهَةُ الْكَعْبَةِ تُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ وَالدَّلِيلُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى الْمَحَارِيبُ الَّتِي نَصَبَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالسُّؤَالُ مِنْ الْأَهْلِ، أَمَّا الْبِحَارُ وَالْمَفَاوِزُ فَدَلِيلُ الْقِبْلَةِ النُّجُومُ إلَى آخِرِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى فِي مَعْرِفَةِ الْجِهَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا - فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَطْلَعِهَا عَلَى رَأْسِ أُذُنِك الْيُسْرَى فَإِنَّك تُدْرِكُهَا. وَثَانِيهَا - فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِك الْيُسْرَى عِنْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّك تُصِيبُهَا. وَثَالِثُهَا - فَاجْعَلْ الشَّمْسَ عَلَى مُقَدِّمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَدْ كَثُرَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ طَرْدًا وَعَكْسًا وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ رَدًّا لِاسْتِدْلَالِهِمْ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُفِيدُ فَرْضِيَّةَ شَيْءٍ أَصْلًا أَقُولُ: الِاسْتِدْلَال مِنْهُمْ صَحِيحٌ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ إثْبَاتَ الْفَرْضِ بِخَبَرٍ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَعْنِي بِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِنَفْسِ مَفْهُومِ النَّصِّ الْغَيْرِ الْقَطْعِيِّ عَلَى إثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ إذَا كَانَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ قَطْعِيًّا شَائِعٌ كَثِيرٌ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا فِي إثْبَاتِهِ لِعَدَمِ قَطْعِيَّةِ ثُبُوتِهِ وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ الْقَطْعِيِّ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فِي كُتُبِهِمْ لِإِثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ أَنَّهُ فَرْضٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ وَمَقْصُودُهُمْ مِنْ إيرَادِ الْعَقْلِ تَقْوِيَةُ مَضْمُونِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مُسْتَقِلًّا لِإِثْبَاتِ الْفَرْضِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فَوْقَ الْقِيَاسِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ تَقْوِيَةً لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَانْظُرْ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَهْمَا تَجِدُهُ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ فَقُلْ بِفَرْضِيَّتِهِ وَمَا لَمْ تَجِدْهُ مُوَافِقًا لِذَلِكَ لَا تَقُلْ بِفَرْضِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَالْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَعَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَرْضًا وَالْأَمْرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِتَرْكِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ بَلْ وَقَعَ مُخَالِفًا لِإِطْلَاقِهِ فَلَا يَكُونُ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضًا بَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالرُّكُوعِ وَهُوَ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَبِالسُّجُودِ وَهُوَ الِانْخِفَاضُ لُغَةً فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ وَيَتَعَلَّقُ الْكَمَالُ بِالسُّنِّيَّةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذْ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. اهـ. كَلَامُ الْقَرْمَانِيِّ. (قَوْلُهُ: الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَيَرُدُّ بِهِ عَلَى مَنْ نَسَبَ إمَامَنَا إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهَا. (قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ إلَخْ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ وُجُوبًا بِحَيْثُ أَوْ التَّقْدِيرُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ

عَيْنِك الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِهَا فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَرَابِعُهَا فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عَلَى مُؤَخِّرِ عَيْنِك الْيُمْنَى عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنَّك تُدْرِكُهَا، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ الْمِهْرَجَانِ بِشَهْرٍ فَاسْتَقْبَلَ الْعَقْرَبَ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَإِذَا جَعَلَتْ بَنَاتَ نَعْشٍ الصُّغْرَى عَلَى أُذُنِك الْيُمْنَى وَانْحَرَفْت قَلِيلًا إلَى شِمَالِك فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْقُطْبُ وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ إنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَهَمْدَانَ وَقَزْوِينَ وَطَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ وَمَا وَالَاهَا إلَى نَهْرِ الشَّاشِ وَيَجْعَلُهُ مَنْ بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرَ وَمَنْ بِالْعِرَاقِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ وَبِالْيَمَنِ قُبَالَةَ الْمُسْتَقْبِلِ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ وَبِالشَّامِ وَرَاءَهُ وَفِي مَعْرِفَةِ الْجِهَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَطْلَقَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْجِهَةِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْكَعْبَةِ وَشَرَطَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلَا يُمْكِنُ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْبَعِيدِ إلَّا مِنْ حَيْثُ النِّيَّةُ فَانْتَقَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا وَذَهَبَ الْعَامَّةُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ إصَابَةِ الْعَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ إصَابَةَ الْجِهَةِ تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْعَيْنِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ نِيَّةَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْضُ إصَابَةَ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ أَوْ إصَابَةَ الْجِهَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالتَّجْنِيسِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْوِيَ الْكَعْبَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تُحَاذِيَ هَذِهِ الْجِهَةُ الْكَعْبَةَ فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَهَا شَرْطٌ مِنْ الشَّرَائِطِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ كَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ لَوْ نَوَى بِنَاءَ الْكَعْبَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَعْبَةِ الْعَرْصَةُ لَا الْبِنَاءُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْبِنَاءِ جِهَةَ الْكَعْبَةِ فَيَجُوزُ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُمْ وَلَوْ نَوَى أَنَّ قِبْلَتَهُ مِحْرَابُ مَسْجِدِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِقِبْلَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ: لَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَنْوِ الْكَعْبَةَ قِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجِهَةَ وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ أَتَى مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا لَا يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ الشَّارِطِ لِلنِّيَّةِ، أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ فَيَجُوزُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ثَمَرَة الْخِلَافِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَظْهَرُ أَيْضًا فِي الِانْحِرَافِ قَلِيلًا فَمَنْ قَالَ الْفَرْضُ التَّوَجُّهُ إلَى الْعَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَمَنْ قَالَ الْجِهَةُ صَحَّحَهَا وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ الْقِبْلَةُ هِيَ الْعَرْصَةُ لَا الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا الْبِنَاءُ وَفِي الْفَتَاوَى الِانْحِرَافُ الْمُفْسِدُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَإِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَتَفْسُدُ بِصَدْرِهِ قِيلَ هَذَا أَلْيَقُ بِقَوْلِهِمَا، أَمَّا عِنْدَهُ فَلَا تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْبَارَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ الرَّفْضِ لَا تَفْسُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حَتَّى لَوْ انْصَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ عَلَى ظَنِّ الْإِتْمَامِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ بَنَى مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِعُذْرِهِ هُنَاكَ وَتَمَرُّدِهِ هُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ إذَا حَوَّلَ صَدْرَهُ فَسَدَتْ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْكُتُبِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ مُتَعَمِّدًا لَا يَكْفُرُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لِعَدَمِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِحَالٍ وَاخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْفَرْضِ لُزُومُ الْكُفْرِ بِجَحْدِهِ لَا بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْكُفْرِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ عَمْدًا لِلُزُومِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَسَائِلِ إذْ لَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْوَالِ بَلْ الْمُوجِبُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ إلَخْ) هُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْفَتَاوَى الِانْحِرَافُ الْمُفْسِدُ أَنْ يُجَاوِزَ) الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبِ كَذَا نَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الِانْحِرَافَ إذَا لَمْ يُوَصِّلْهُ إلَى هَذَا الْقَدْرِ لَا يُفْسِدُ وَعِبَارَةُ التَّجْنِيسِ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُؤَلِّفُ بَعْدَهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُفْسِدَ انْحِرَافَ الصَّدْرِ فَيَصْدُقُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ أَيْ بِأَنْ يَنْحَرِفَ بِصَدْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى اسْتِقْبَالِ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ أَمَالِي الْفَتَاوَى وَنَصُّهُ وَذُكِرَ فِي أَمَالِي الْفَتَاوَى حَدُّ الْقِبْلَةِ فِي بِلَادِنَا يَعْنِي سَمَرْقَنْدَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبَ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ، فَإِنْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَغْرِبَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. اهـ. قَالَ شَارِحُهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْمُلْتَقَطِ مَعَ زِيَادَةٍ وَهِيَ وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ يَنْظُرُ إلَى أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي الشِّتَاءِ وَإِلَى أَطْوَلِ يَوْمٍ فِي الصَّيْفِ فَيَعْرِفُ مَغْرِبَيْهِمَا ثُمَّ يَتْرُكُ الثُّلُثَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَالثُّلُثَ عَنْ يَسَارِهِ وَيُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَهَذَا اسْتِحْبَابٌ وَالْأَوَّلُ لِلْجَوَازِ. اهـ. وَمَشَى عَلَى الْأَوَّلِ الرُّسْتُغْفَنِيُّ وَجَعَلَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مَنْصُورٍ هُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ قَالَ الْفَقِيرُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ

لِلْإِكْفَارِ هُوَ الِاسْتِهَانَةُ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْكُلِّ وَأَلْحَقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ بِأَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ وَلَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ جَحْدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ وَحُكِيَ فِي الذَّخِيرَةِ الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ اُبْتُلِيَ إنْسَانٌ بِذَلِكَ لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَانَ مَعَ قَوْمٍ فَأَحْدَثَ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَظْهَرَ فَكَتَمَ ذَلِكَ وَصَلَّى هَكَذَا أَوْ كَانَ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ فَقَامَ يُصَلِّي وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يَكُونُ كَافِرًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَهْزِئٍ وَمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَيَاءٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْقِيَامِ قِيَامَ الصَّلَاةِ وَلَا يَقْرَأَ شَيْئًا وَإِذَا حَنَى ظَهْرَهُ لَا يَقْصِدُ الرُّكُوعَ وَلَا يُسَبِّحُ حَتَّى لَا يَصِيرَ كَافِرًا بِالْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَالْخَائِفُ يُصَلِّي إلَى أَيْ جِهَةٍ قَدَرَ) لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ زَائِدٌ يَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجِهَةِ فَابْتَلَاهُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ لَهَا وَلِهَذَا لَوْ سَجَدَ لِلْكَعْبَةِ نَفْسِهَا كَفَرَ فَلَمَّا اعْتَرَاهُ الْخَوْفُ تَحَقَّقَ الْعُذْرُ فَأَشْبَهَ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ فِي تَحَقُّقِ الْعُذْرِ فَيَتَوَجَّهُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمْ تُعْتَبَرْ لِعَيْنِهَا بَلْ لِلِابْتِلَاءِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْخَوْفَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ وَسَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَرَادَ بِالْخَائِفِ مَنْ لَهُ عُذْرٌ فَيَشْمَلُ الْمَرِيضَ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوَجُّهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَيْهَا أَوْ كَانَ التَّحْوِيلُ يَضُرُّهُ وَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُحَوِّلُهُ جَرَى عَلَى قَوْلِهِمَا، أَمَّا عِنْدَهُ فَالْقَادِرُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَيْسَ بِقَادِرٍ كَمَا عُرِفَ فِي التَّيَمُّمِ وَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ عَلَى لَوْحٍ فِي السَّفِينَةِ يَخَافُ الْغَرَقَ إذَا انْحَرَفَ إلَيْهَا وَمَا إذَا كَانَ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ لَا يَجِدُ عَلَى الْأَرْضِ مَكَانًا يَابِسًا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْكَبَ إلَّا بِمُعِينٍ وَلَا يَجِدُهُ فَكَمَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْأَرْكَانُ كَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ تَحَرَّى) أَيْ إذَا عَجَزَ عَنْ تَعَرُّفِ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ التَّحَرِّي لَزِمَهُ التَّحَرِّي وَهُوَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنِيلِ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَحَرَّوْا وَصَلَّوْا وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] أَيْ قِبْلَتُهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ قَيَّدْنَا بِالْعَجْزِ عَنْ التَّعَرُّفِ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَرُّفِ الْقِبْلَةِ بِالسُّؤَالِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِمَّنْ هُوَ عَالَمٌ بِالْقِبْلَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْبَارَ فَوْقَهُ لِكَوْنِ الْخَبَرِ مُلْزِمًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالتَّحَرِّي مُلْزِمٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْأَدْنَى مَعَ إمْكَانِ الْأَعْلَى بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقَلِّدُهُ؛ لِأَنَّ كَحَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ الْمُسْتَخْبَرِينَ سَأَلَهُ فَصَلَّى بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ أَخْبَرَهُ لَا يُعِيدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَمَا إذَا كَانَ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ إلَخْ) الرَّدْغَةُ بِالتَّحْرِيكِ وَكَذَا بِالتَّسْكِينِ الْمَاءُ وَالطِّينُ وَالْوَحْلُ الشَّدِيدُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ لَوْ كَانَ فِي طِينٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ جَازَ لَهُ الْإِيمَاءُ عَلَى الدَّابَّةِ وَاقِفَةً إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَسَائِرَةً مُتَوَجِّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ نَزَلَ وَأَوْمَأَ قَائِمًا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ السُّجُودِ أَوْمَأَ قَاعِدًا وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ نَدِيَّةً مُبْتَلَّةً بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ وَجْهُهُ فِي الطِّينِ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي صُورَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الِاسْتِقْبَالِ هَهُنَا فَلَزِمَهُمْ الِاسْتِقْبَالُ، قَالَ فِي الْفَتَاوَى: إذَا كَانُوا فِي طِينٍ أَوْ رَدْغَةٍ صَلَّوْا إلَى الْقِبْلَةِ إذَا كَانَتْ دَوَابُّهُمْ وَاقِفَةً وَقَالَ غَيْرُهُ يُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَوْ كَانَتْ دَوَابُّهُمْ سَائِرَةً، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إذَا زَمُّوا وَالدَّوَابُّ تَسِيرُ لَمْ تُجْزِئْهُمْ إذَا قَدَرُوا أَنْ يُوقِفُوهَا، كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَكَذَا فِي التَّنْبِيهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ يَخَافُ النُّزُولَ لِلطِّينِ وَالرَّدْغَةِ يَسْتَقْبِلُ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَعِنْدِي هَذَا إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً، فَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَصِّلَ بَيْنَ كَوْنِهِ لَوْ أَوْقَفَهَا لِلصَّلَاةِ خَافَ الِانْقِطَاعَ عَنْ الرُّفْقَةِ أَوْ لَا يَخَافُ فَلَا يَجُوزُ فِي الثَّانِي إلَّا أَنْ يُوقِفَهَا كَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي التَّيَمُّمِ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ مَضَى إلَى الْمَاءِ تَذْهَبُ الْقَافِلَةُ وَيَنْقَطِعُ جَازَ وَإِلَّا ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ وَاسْتَحْسَنُوهَا. اهـ. أَقُولُ: وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا فِي التَّبْيِينِ بِقَوْلِهِ إنْ قَدَرُوا وَفِي السِّرَاجِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ. وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ آخِرًا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ (قَوْلُهُ: قَيَّدْنَا بِالْعَجْزِ مَعَ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَيَّدَ الْقُدُورِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ، فَإِنْ كَانَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ قُدِّمَ عَلَى التَّحَرِّي وَحَدُّ الْحَضْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُصْحِيَةً لَا يَجُوزُ وَلَوْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ اسْتَغْنَى عَنْ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ بِذِكْرِ الِاشْتِبَاهِ وَذَلِكَ أَنَّ تَحَقُّقَهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فَقْدِ الدَّلِيلِ وَأَهْمَلَ الثَّانِي لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ عِنْدَ آخَرِينَ وَعَلَيْهِ إطْلَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ

وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا وَبِنَاءً عَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي التَّجْنِيسِ تَحَرَّى فَأَخْطَأَ فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ، وَقَدْ عَلِمَ حَالَتَهُ الْأُولَى لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الدَّاخِلِ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ. اهـ. وَكَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَلَهُ عِلْمٌ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ عَلَى الْقِبْلَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَوْقَهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ صَلَّى بِالتَّحَرِّي إلَى الْجِهَةِ فِي الْمَفَازَةِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ النُّجُومَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ هَلْ يَجُوزُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ أُسْتَاذُنَا ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ يَجُوزُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ الْمُعْتَادَةِ نَحْوَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا دَقَائِقُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرِ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْلِ بِهَا. اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ التَّحَرِّي أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ بِانْطِمَاسِ الْأَعْلَامِ وَتَرَاكُمِ الظَّلَامِ وَتَضَامِّ الْغَمَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ وَهُوَ يُرَجِّحُ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّمَاءَ إذَا كَانَتْ مُصْحِيَةً لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَ الْمَحَارِيبِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُعَرِّفُهُ الْقِبْلَةَ قَالَ فِي الْأُصُولِ يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَمَّنْ يَسْأَلُهُ فَصَارَ كَالْمَفَازَةِ وَقَالَ أَئِمَّةُ بَلْخٍ مِنْهُمْ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ بِالتَّحَرِّي وَعَلَّلَ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ نَائِبَةُ الْعُقْبَى فَتُعْتَبَرُ بِنَائِبَةِ الدُّنْيَا وَلَوْ حَدَثَتْ بِهِ نَائِبَةُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَسْتَغِيثُ بِجِيرَانِ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ هَاهُنَا يَجِبُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدِ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَالْبَيْتِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَسْجِدُهُ وَمَسْجِدُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ سَلَّامٍ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّهُ قَالَ مَحَارِيبُ خُرَاسَانَ كُلُّهَا مَنْصُوبَةٌ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ إلَى مَيْسَرَةِ الْكَعْبَةِ وَمَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ وَمَالَ بِوَجْهِهِ إلَى مَيْسَرَةِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ وَجْهُهُ إلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَمَنْ مَالَ بِوَجْهِهِ إلَى يَمِينِهَا وَقَعَ وَجْهُهُ إلَى الْكَعْبَةِ وَلِهَذَا قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَمِيلَ إلَى يَمِينِهَا قَالَ وَمَحَارِيبُ الدُّنْيَا كُلُّهَا نُصِبَتْ بِالتَّحَرِّي حَتَّى مِنًى وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَهَذَا خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي مِحْرَابِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْبِقَاعِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ مِحْرَابَ مِنًى نُصِبَ بِالتَّحَرِّي وَالْعَلَامَاتِ وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ إلَى مَكَّةَ. اهـ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ إصَابَةُ جِهَتِهَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِي غَيْرِ الْمَدَنِيِّ فَإِنَّ الْمَدَنِيَّ كَالْمَكِّيِّ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ إصَابَةُ عَيْنِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَيْضًا وَأُطْلِقَ فِي الِاشْتِبَاهِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ بِأَنْ كَانَ مَحْبُوسًا وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَصَلَّى بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَكَانَ الرَّازِيّ يَقُولُ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِالْخَطَأِ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان رَجُلٌ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِالتَّحَرِّي فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِعَ أَبْوَابَ النَّاسِ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا يَعْرِفُ الْقِبْلَةَ بِمَسِّ الْجُدْرَانِ وَالْحِيطَانِ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً لَا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِهِ وَعَسَى يَكُونُ ثَمَّ هَامَةٌ مُؤْذِيَةٌ فَجَازَ لَهُ التَّحَرِّي اهـ. وَقُيِّدَ بِالِاشْتِبَاهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ إلَى جِهَةٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَحَرٍّ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ أَوْ كَانَ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ حَتَّى ذَهَبَ عَنْ الْمَوْضِعِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ أَوْ كَانَ أَكْبَرَ رَأْيِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَقُيِّدَ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى مِمَّنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِلَا تَحَرٍّ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ إلَّا إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ؛ لِأَنَّ مَا افْتَرَضَ لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ لَا تَحْصِيلُهُ وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَصَابَ يَسْتَقْبِلُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِمَا ذَكَرْنَا قُلْنَا حَالَتُهُ قَوِيَتْ بِالْعِلْمِ وَبِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ لَا يَجُوزُ، أَمَّا لَوْ تَحَرَّى وَصَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ التَّحَرِّي فَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ اخْتَلَفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَدَنِيَّ كَالْمَكِّيِّ فِي لُزُومِ إصَابَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا لَزِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مِحْرَابَ الْمَدِينَةِ لَا يَجُوزُ مَعَهُ التَّحَرِّي وَيَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، أَمَّا لِكَوْنِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ أَوْ عَلَى نَفْسِ الْعَيْنِ وَمَا بَعُدَ عِنْدَهُ مِنْ أَمَاكِنِ الْمَدِينَةِ مِمَّا هُوَ عَلَى سَمْتِ الِاسْتِقَامَةِ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ قَطْعًا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُ جِهَتِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا كَيْفَ، وَقَدْ قَالُوا فِي نَفْسِ مَكَّةَ مَعَ الْحَائِلِ تَكُونُ كَغَيْرِهَا. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَائِطَ لَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هَذَا الْقَوْلُ يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ، فَأَمَّا فِي أَكْثَرِ الْمَسَاجِدِ فَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ كَمَا شَاهَدْنَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي مَسْجِدٍ، كَذَا فِي الْمِفْتَاحِ. (قَوْلُهُ: لِمَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ أَنَّ مَا اُفْتُرِضَ لِغَيْرِهِ إلَخْ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

الْمَشَايِخُ فِي كُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَتْ قِبْلَةً فِي حَقِّهِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَظَنَّ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا التَّحَرِّي قِبْلَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَنَا وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَفِيهِ قَوْلٌ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُصِيبُ الْحَقَّ لَا مَحَالَةَ وَلَا نَقُولُ بِهِ لَكِنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ مَرَّةً وَيُصِيبُ أُخْرَى. اهـ. وَأَمَّا صَلَاتُهُ فَلَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ أَصَابَ مُطْلَقًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هِيَ مُشْكِلَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُمَا فِي هَذِهِ وَهُوَ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي حَقِّهِ جِهَةُ التَّحَرِّي، وَقَدْ تَرَكَهَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا فِي صُورَةِ تَرْكِ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّ تَرْكَ جِهَةِ التَّحَرِّي تَصْدُقُ مَعَ تَرْكِ التَّحَرِّي وَتَعْلِيلُهُمَا فِي تِلْكَ بِأَنَّ مَا فُرِضَ لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ مُجَرَّدُ حُصُولِهِ كَالسَّعْيِ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي هَذِهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ نَجِسٌ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ صَلَّى وَعِنْدَهُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ أَوْ صَلَّى الْفَرْضَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ تَحَرِّيهِ فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا إذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَجْرِي فِي مَسْأَلَةِ الْعُدُولِ عَنْ جِهَةِ التَّحَرِّي إذَا ظَهَرَ صَوَابُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الشَّرْعِ عَلَى الْفَسَادِ هُوَ التَّحَرِّي أَوْ اعْتِقَادُ الْفَسَادِ عَنْ التَّحَرِّي فَإِذَا حَكَمَ بِالْفَسَادِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَزِمَ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي صُورَةِ تَرْكِ التَّحَرِّي فَكَانَ ثُبُوتُ الْفَسَادِ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ الصَّوَابِ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِهِ الْفَسَادَ فَيُؤَاخَذُ بِاعْتِقَادِهِ الَّذِي لَيْسَ بِدَلِيلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَحَرٍّ وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ تَحَرَّى فَلَمْ يَقَعْ تَحَرِّيه عَلَى شَيْءٍ قِيلَ يُؤَخِّرُ وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَقِيلَ يُخَيَّرُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ تَحَرَّى رَجُلٌ وَاسْتَوَى الْحَالَانِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ جَازَ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ جَازَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَا إذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى بِالتَّحَرِّي فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَسْتَقْبِلُ. اهـ. وَفِي الْبُغْيَةِ لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ بِتَحَرٍّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَتَحَوَّلَ وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيَجُوزُ التَّحَرِّي لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ كَمَا يَجُوزُ لِلصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يُعِدْ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةِ تَحَرِّيه بِخِلَافِ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ حَيْثُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا صَلَاتُهُ) أَيْ صَلَاةُ الْمُصَلِّي إلَى غَيْرِ جِهَةِ تَحَرِّيهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَصَابَ مُطْلَقًا) لِيَنْظُرَ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِهِ الْفَسَادَ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا ثَبَتَ فِي صُورَةِ تَرْكِ التَّحَرِّي عَدَمُ الْجَزْمِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ الْفَسَادِ وَمُجَرَّدُ اعْتِقَادِ الْفَسَادِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْفَسَادَ لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ دَلِيلَ الْفَسَادِ هُوَ التَّحَرِّي أَوْ الِاعْتِقَادُ النَّاشِئُ عَنْهُ وَبِدُونِ الدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرِ أَيْنَ يَجِيءُ الْفَسَادُ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ فَالْمُنَاسِبُ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ قَالَ بِخِلَافِ صُورَةِ عَدَمِ التَّحَرِّي فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ الْفَسَادَ بَلْ هُوَ شَاكٌّ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَإِذَا ظَهَرَ إصَابَتُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْفِعْلِ زَالَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَقَرَّرَ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ إذَا عَلِمَ الْإِصَابَةَ قَبْلَ التَّمَامِ لِمَا قُلْنَا مِنْ لُزُومِ بِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ التَّمَامِ. اهـ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إلَّا إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ وَلَكِنَّ مَا سَيَأْتِي فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ مَا إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَحَرٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا غَابَ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَمْ يَظْهَرْ الْحَالُ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ قَدْ يُظَنُّ جَرَيَانُ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَا فَيَقْتَضِي الصِّحَّةَ أَيْضًا وَيُجَابُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّكِّ هُنَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَوَازِ هُوَ الْأَصْلُ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُخَيَّرُ) أَيْ إنْ شَاءَ أَخَّرَ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى الصَّلَاةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَهَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَذَكَرَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ جَازَ مَا بِهِ وَعَبَّرَ عَنْ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَهُ بِقِيلِ، قُلْتُ: وَذُكِرَ فِي آخِرِ الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَخِيرُ لَا الْوَسَطُ وَلَا يَظْهَرُ مَا اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ كَيْفَ وَفِيهِ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ بِيَقِينٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ لِأَجْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكُ النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُكَلَّفًا بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ الْمُرَجِّحُ لِأَحَدِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَالطَّاعَةُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ جِهَتَهُ جِهَةُ تَحَرِّيهِ وَلَمْ تُوجَدْ فَلَهُ وَجْهٌ وَإِنْ قِيلَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ أَمْكَنَ فَلَهُ وَجْهٌ، وَأَمَّا أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ) أَيْ بِأَنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا

وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَعَلَى طَهَارَةٍ وَهُوَ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ التَّحَرِّي وَفِي الْكَافِي مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ وَيَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَالثَّوْبَيْنِ وَالثِّيَابِ وَإِنْ كَانَ النَّجَسُ غَالِبًا وَفِي الْإِنَاءَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَكِنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بِهِمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَصَلَّى يَنْظُرُ إنْ تَوَضَّأَ بِالْأَوَّلِ وَصَلَّى جَازَ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهُ مِنْ الْأَوَّلِ تَحَرٍّ مِنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِلطَّلَاقِ فَلَوْ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي، ثُمَّ صَلَّى يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى تَوَضَّأَ بِالثَّانِي قَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ صَارَتْ نَجِسَةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لِمَا لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي عِنْدَنَا لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ لِاسْتِوَاءِ الطَّاهِرِ بِالنَّجَسِ يُهْرِيقُ الْمِيَاهَ كُلَّهَا وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي أَوْ يَخْلِطُ الْمِيَاهَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِيرَ الْمِيَاهُ كُلُّهَا نَجِسَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ احْتِرَازًا عَنْ إضَاعَةِ الْمَاءِ وَلَوْ لَمْ يُهْرِقْهَا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ قَالُوا هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ الْإِرَاقَةِ وَقَالَ ابْنُ زِيَادَةَ يَخْلِطُهَا، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثٌ أَوْ أَنَّ أَحَدَهَا نَجِسٌ وَوَقَعَ تَحَرِّي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى إنَاءٍ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ فُرَادَى وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا سُؤْرَ حِمَارٍ وَالْآخَرُ طَاهِرًا يَتَوَضَّأُ بِهِمَا وَلَا يَتَيَمَّمُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ بِهِ فِي صَلَاتِهِ اسْتَدَارَ) أَيْ إنْ عَلِمَ بِالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الِاجْتِهَادِ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ النَّسْخِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأُخْبِرُوا بِتَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ السُّنَّةَ إذْ لَا نَصَّ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْقُرْآنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْكِتَابِ وَعَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُكَلَّفَ وَعَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ، كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَفِي كَوْنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَبَتَ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ بِالسُّنَّةِ فَقَطْ بَحْثٌ بَلْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مَسَائِلُ حُسْنِ التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ عَلَى عِشْرِينَ وَجْهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ أَوْ شَكَّ وَتَحَرَّى أَوْ شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ أَوْ تَحَرَّى وَلَمْ يَشُكَّ وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى خَمْسَةٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ أَصَابَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْ أَخْطَأَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَصَابَ قَبْلَ الْفَرَاغِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَذَهَبَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَهُ كَانَ ضَعِيفًا، وَقَدْ قَوِيَ حَالُهُ بِظُهُورِ الصَّوَابِ وَلَا يَبْنِي الْقَوِيَّ عَلَى الضَّعِيفِ وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ جَائِزَةً مَا لَمْ يَظْهَرْ الْخَطَأُ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ لَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ بِيَقِينٍ أَوْ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ حَتَّى غَابَ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا شَكَّ وَتَحَرَّى فَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ الصِّحَّةُ فِي الْوُجُوهِ الْخَمْسِ وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا شَكَّ وَلَمْ يَتَحَرَّ فَهِيَ فَاسِدَةٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا إلَّا إذَا تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ بِيَقِينٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ أَصَابَهَا قَالَ قَاضِي خان اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ فَاسِدُ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الشَّكِّ فَإِذَا لَمْ يَشُكَّ لَمْ يَتَحَرَّ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ صَلَّى بِالتَّحَرِّي وَخَلْفَهُ نَائِمٌ وَمَسْبُوقٌ فَبَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ تَحَوَّلَ رَأْيُهُمَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَالْمَسْبُوقُ يَتَحَوَّلُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ تَحَرِّيه إلَيْهَا وَاللَّاحِقُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ قُيِّدَ بِتَحْوِيلِ الرَّأْيِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ فَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَحَوَّلَ تَحَرِّيهِ إلَى ثَوْبٍ آخَرَ فَكُلُّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي الثَّوْبِ الْأَوَّلِ جَازَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْمُعَلَّلِ وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بَلْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ بَيَّنَتْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قِبْلَتِهِمْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ بَلْ كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، نَعَمْ فِيهَا دَلَالَةٌ بَعْدَ الْبَيَانِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ قَبْلَهَا وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي مُجَرَّدِ مَشْرُوعِيَّتِهِ بَلْ فِي مُوجِبِهِ وَهِيَ لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ أَقُولُ: وَفِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْكِتَابِ لَا إلَى السُّنَّةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا وَهُوَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّلْوِيحِ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ (قَوْلُهُ: التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ عَلَى عِشْرِينَ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إمْكَانِ الْوُجُودِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الرَّابِعُ فَهُوَ إلَخْ) أَيْ فَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ.

[باب صفة الصلاة]

دُونَ الثَّانِي، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَحَرَّى قَوْمٌ جِهَاتٍ وَجَهِلُوا حَالَ إمَامِهِمْ يُجْزِئُهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ فِي حَقِّهِمْ جِهَةُ التَّحَرِّي وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ غَيْرُ مَانِعَةٍ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ كَمَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَ بَعْضُ الْقَوْمِ ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ الْإِمَامِ صَحَّ قَيَّدَ بِجَهْلِهِمْ إذْ لَوْ عَلِمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَالَ إمَامِهِ حَالَةَ الْأَدَاءِ وَخَالَفَ جِهَتَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ جَوْفِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا اعْتَقَدَ إمَامَهُ مُخْطِئًا إذْ الْكُلُّ قَبِلَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ أَحَدٍ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَمَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهِيَ فِي كِتَابِ الْأَصْلِ أَتَمُّ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ جَمَاعَةً صَلَّوْا فِي الْمَفَازَةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ بِالتَّحَرِّي وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا إلَى جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ مَنْ تَيَقَّنَ مُخَالَفَةَ إمَامِهِ فِي الْجِهَةِ حَالَةَ الْأَدَاءِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنَّهُ يُخَالِفُ إمَامَهُ فِي الْجِهَةِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فَشُرِطَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفَازَةِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمِصْرِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ وَأَفَادَ أَنَّ عِلْمَهُ بِالْمُخَالَفَةِ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَا يَضُرُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] شُرُوعٌ فِي الْمَقْصُودِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ. قِيلَ: الصِّفَةُ وَالْوَصْفُ فِي اللُّغَةِ وَاحِدٌ وَفِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِخِلَافِهِ، وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ الْوَصْفَ لُغَةً ذِكْرُ مَا فِي الْمَوْصُوفِ مِنْ الصِّفَةِ، وَالصِّفَةُ هِيَ مَا فِيهِ وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْوَصْفُ وَيُرَادُ الصِّفَةُ وَبِهَذَا لَا يَلْزَمُ الِاتِّحَادُ لُغَةً إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوَصْفَ مَصْدَرُ وَصَفَهُ إذَا ذَكَرَ مَا فِيهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لَهَا وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْعَقْلِيَّةُ الصَّادِقَةُ عَلَى الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهُوِيَّةِ مِنْ الْقِيَامِ الْجُزْئِيِّ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا حُكْمُ الْجَوَاهِرِ، وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالْفَسْخِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الشَّيْءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْعَيْنُ وَهِيَ مَاهِيَّةُ الشَّيْءِ وَالرُّكْنُ وَهُوَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَشَرْطُهُ وَسَبَبُهُ فَلَا يَكُونُ الشَّيْءُ ثَابِتًا إلَّا بِوُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، فَالْعَيْنُ هُنَا الصَّلَاةُ، وَالرُّكْنُ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَالْمَحَلُّ لِلشَّيْءِ هُوَ الْآدَمِيُّ الْمُكَلَّفُ، وَالشَّرْطُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْحُكْمُ جَوَازُ الشَّيْءِ وَفَسَادُهُ وَثَوَابُهُ، وَالسَّبَبُ الْأَوْقَاتُ، وَمَعْنَى صِفَةِ الصَّلَاةِ أَيْ مَاهِيَّةُ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ فَرْضُهَا التَّحْرِيمَةُ) أَيْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا فَإِنَّ الْفَرْضَ شَرْعًا مَا لَزِمَ فِعْلُهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا وَالتَّحْرِيمُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُحَرَّمًا وَخُصَّتْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] جَاءَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) . (قَوْلُهُ: قِيلَ الصِّفَةُ وَالْوَصْفُ فِي اللُّغَةِ وَاحِدٌ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ مَصْدَرَانِ كَالْوَعْظِ وَالْعِظَةِ وَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ وَالْوَزْنِ وَالزِّنَةِ، وَفِي الصِّحَاحِ وَصَفَ الشَّيْءَ وَصْفًا وَصِفَةً فَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنْ الْوَاوِ كَمَا فِي الْوَعْدِ وَالْعِدَةِ، وَفِي اصْطِلَاحِ وَهُوَ قَوْلُهُ زَيْدٌ عَالِمٌ، وَالصِّفَةُ مَا قَامَ بِالْمَوْصُوفِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ وَصَفَهُ يَصِفُهُ وَصْفًا وَصِفَةً نَعَتَهُ فَاتَّصَفَ وَالصِّفَةُ كَالْعِلْمِ وَالسَّوَادِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْعَيْنِيِّ وَالصِّفَةُ وَالْوَصْفُ مَصْدَرَانِ مِنْ وَصَفَ وَالصِّفَةُ الْأَمَارَةُ اللَّازِمَةُ لِلشَّيْءِ، ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ بِقَوْلِهِ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ التَّخْصِيصُ اهـ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصِّفَةَ تَكُونُ مَصْدَرًا كَالْوَصْفِ وَتَكُونُ اسْمًا لِمَا قَامَ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ مَثَلًا وَحِينَئِذٍ فَمُخَالَفَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ حَيْثُ تَخْصِيصُ الصِّفَةِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ إيَّاهَا اسْمًا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ اللَّازِمَةِ مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرًا وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْإِمَامُ الْعَيْنِيُّ أَنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ. (قَوْلُهُ وَالتَّحْرِيرُ إلَخْ) كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ مَيْلٌ إلَى مَا قَالَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ التَّفْرِقَةِ وَرَدٌّ عَلَى الشُّرَّاحِ النَّاقِلِينَ لِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ. أَقُولُ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ الصِّفَةَ خَاصَّةٌ بِالْأَمَارَةِ اللَّازِمَةِ أَمْ لَا فَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاللُّغَوِيُّونَ عَلَى الثَّانِي، فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ اسْمًا وَمَصْدَرًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْقَامُوسِ وَكَلَامِ الْعَيْنِيِّ، وَأَمَّا أَنَّ الْوَصْفَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ فَلَيْسَ مِمَّا النِّزَاعُ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَأَيْضًا بَعْدَ نَقْلِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ مَصْدَرَانِ لِوَصْفٍ كَيْفَ يَسُوغُ مَنْعُهُ بِدُونِ نَقْلٍ عَنْ الْعَرَبِ أَوْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ الرَّدُّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهُمَا وَاحِدٌ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اتِّحَادِهِمَا إطْلَاقُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى مَا قَامَ فِي الْمَوْصُوفِ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِ ثَابِتٌ، وَأَمَّا إطْلَاقُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا قَامَ فِي الْمَوْصُوفِ فَغَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ إطْلَاقُ الصِّفَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْوَصْفِ نَعَمْ لَا يُنْكَرُ أَنْ يُطْلَقَ الْوَصْفُ وَيُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالْمَوْصُوفِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُهُمَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً (قَوْلُهُ أَيْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) تَفْسِيرٌ لِلْفَرْضِ

التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ وَمَا وَرَاءَهَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَعْطِيلِ النَّصِّ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ؟ فَفِي الْحَاوِي هِيَ شَرْطٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَعَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ وَالطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا رُكْنٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ فِي الْقِيَامِ فَكَانَ رُكْنًا كَالْقِرَاءَةِ، وَلِهَذَا شَرَطَ لَهَا مَا شَرَطَ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَوَجْهُ الْأَصَحِّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَطْفُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وَمُقْتَضَى الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ وَالْمُغَايَرَةُ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَهُوَ نَظِيرُ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لَكِنَّ جَوَازَهُ لِنُكْتَةٍ بَلَاغِيَّةٍ، وَهِيَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ هُنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ التَّكْبِيرُ مِنْهَا فَهُوَ شَرْطٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَمُرَاعَاةُ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ لَهَا بَلْ لِلْقِيَامِ الْمُتَّصِلِ بِهَا وَهُوَ رُكْنٌ إنْ سَلَّمْنَا مُرَاعَاتَهَا وَإِلَّا فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَتَقْدِيمُ الْمَنْعِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوْلَى كَذَا فِي التَّلْوِيحِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ مُرَاعَاتَهَا فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ إلَى آخِرِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَهِيَ لَيْسَ لَهَا بَلْ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَأَلْقَاهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَوْ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَوْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ فَسَتَرَهَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّوَالِ، ثُمَّ ظَهَرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا جَازَ، وَفِي الْحَاوِي وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ أَنَّهَا شَرْطٌ انْعِقَادُ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ مُشَارَكَةِ الْقَوْمِ الْإِمَامَ فِيهَا. وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالشَّرْطِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالرُّكْنِيَّةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالرُّكْنِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُجَوِّزُونَهُ، وَأَمَّا بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى الْفَرْضِ أَوْ عَلَى النَّفْلِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا شَرْطٌ كَالطَّهَارَةِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالنِّيَّةِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ وَمَعَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ صَلَاةٍ بِنِيَّةِ صَلَاةٍ أُخْرَى إجْمَاعًا، وَأَمَّا أَدَاءُ النَّفْلِ بِتَحْرِيمَةِ النَّفْلِ فَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ اتِّفَاقًا لِمَا أَنَّ الْكُلَّ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُعُودَ لَا يُفْتَرَضُ إلَّا فِي آخِرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ، لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَحْكَامٍ دُونَ أُخْرَى، وَفِي الْمُحِيطِ الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ افْتَتَحَا بِالنِّيَّةِ أَجْزَأَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِأَقْصَى مَا فِي وُسْعِهِمَا، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا تَحْرِيكُ اللِّسَانِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَمَا وَرَاءَهَا) أَيْ وَرَاءَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ أَنَّهَا شَرْطٌ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رُكْنًا لَوَجَبَ مُشَارَكَةُ الْقَوْمِ فِيهَا فِي الْجُمُعَةِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مُشَارَكَةُ الْقَوْمِ لَهُ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَحْرَمُوا وَهُوَ رَاكِعٌ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُ فِي الْقِيَامِ حَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ، وَكَذَا لَوْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ إلَخْ) دَفَعَ النَّظَرَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مُرَادَهُ إجْمَاعُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا شَرْطٌ (قَوْلُهُ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ صَدْرِ الْإِسْلَامِ) ظَاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ الْجَائِزَ عِنْدَ صَدْرِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ: قَدْ ذُكِرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ: أَنَّ بِنَاءَ الْفَرْضِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْفَرْضِ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت: بَقِيَ حُكْمُ بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ رِوَايَةً، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ: أَمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى تَحْرِيمَةِ فَرْضٍ آخَرَ، وَهُوَ مِثْلُهُ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى مَا دُونَهُ أَوْلَى، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إنَّمَا جَوَّزَ بِنَاءَ الْمِثْلِ فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَجْوِيزِهِ بِنَاءَ الْأَقْوَى عَلَى الْأَدْنَى، ثُمَّ الْمَعْنَى أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَسْتَتْبِعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَفِي بِنَاءِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ جَعْلُ النَّفْلِ مُسْتَتْبِعًا لِلْفَرْضِ لِأَنَّ الْمَبْنِيَّ تَبَعٌ لِلْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. اهـ. وَقَدْ نَبَّهَ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ، ثُمَّ قَالَ: وَلِذَا اقْتَصَرَ فِي التَّبْيِينِ عَلَى صُورَةِ الْفَرْضِ عَلَى الْفَرْضِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ اهـ. وَبِهَذَا ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بِنَاءِ النَّفْلِ عَلَى النَّفْلِ وَالْفَرْضِ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهْ. (قَوْلُهُ: كَالنِّيَّةِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَخْ) بَيَانٌ لِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ كَوْنِ التَّحْرِيمَةِ شَرْطًا وَجَوَازِ الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ صَلَاةٍ بِالْبِنَاءِ عَلَى نِيَّةِ صَلَاةٍ أُخْرَى (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ: الْأَخْرَسُ وَالْأُمِّيُّ افْتَتَحَا بِالنِّيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الْقِيَامُ فِي نِيَّتِهِمَا لِقِيَامِهَا مَقَامَ التَّحْرِيمَةِ وَأَنَّ تَقْدِيمَهَا لَا يَصِحُّ وَلَمْ أَرَهُ لَهُمْ. (قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا تَحْرِيكُ اللِّسَانِ) أَيْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ فَفِي النَّهْرِ عَنْ إطْلَاقِ الْفَتْحِ أَنَّهُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِهَا، قَالَ: وَكَانَ الْفَرْقُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَهَا خَلَفٌ، وَهُوَ النِّيَّةُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا اهـ أَقُولُ: يَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ أَيْضًا تَحْرِيكُ اللِّسَانِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ تَأَمَّلْ.

[القيام في الصلاة]

عِنْدَنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَرْضُهَا التَّحْرِيمَةُ قَائِمًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِافْتِتَاحَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ حَتَّى لَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ حَالَ الِافْتِتَاحِ كَمَا بَعْدَهُ، وَلَوْ جَاءَ إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ رَاكِعٌ فَحَنَى ظَهَرَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ قَائِمًا وَهُوَ يُرِيدُ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَغَتْ فَبَقِيَ التَّكْبِيرُ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَلَوْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يُجَدِّدْ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْمُشَارَكَةَ وَهِيَ غَيْرُ صَلَاةِ الِانْفِرَادِ وَلَوْ افْتَتَحَ بِ " اللَّهُ " قَبْلَ إمَامِهِ لَمْ يَصِرْ شَارِعًا فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ، وَلَوْ مَدَّ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ وَحَذَفَ رَجُلٌ خَلْفَهُ فَفَرَغَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ كَبَّرَ الْمُؤْتَمُّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَا يُجْزِئُهُ وَإِلَّا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاحِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَطَأُ بِيَقِينٍ أَوْ بِغَالِبِ الظَّنِّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمَا: أَنَّ الشُّرُوعَ يَصِحُّ بِ " اللَّهُ " بِدُونِ " أَكْبَرُ "، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ هُنَا. بِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ فَفَرَغَ الْإِمَامُ قَبْلَهُ، سَبْقُ قَلَمٍ وَالصَّوَابُ فَفَرَغَ الْمُقْتَدِي قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْمُحِيطِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ كَبَّرَ قَبْلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ، سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ إذَا كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا يُقَالُ فِيهِ جَازَ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمَا لَا قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ، وَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ مَسْأَلَةُ مَا إذَا مَدَّ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَسْأَلَةَ مَا إذَا كَبَّرَ قَبْلَهُ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا بِالتَّكْبِيرِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أَيْ مُطِيعِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ فِي الْفَرْضِ وَمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى رُكْنِيَّتِهِ وَحَدُّ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ لَا تَنَالُ رُكْبَتَيْهِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّ قَوْلَهُمْ: أَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ يَخْرُجُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ، وَمَسَائِلُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا تَرْكُ الْقِيَامِ، أَمَّا الْأُولَى: فَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّ الْمَرِيضَ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَإِنْ كَانَ الْقُعُودُ أَفْضَلُ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَمِنْهَا مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ فِي رَجُلٍ إنْ صَامَ رَمَضَانَ يُضْعِفْهُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا، وَإِنْ أَفْطَرَ يُصَلِّي قَائِمًا فَإِنَّهُ يَصُومُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا، وَمِنْهَا مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ إذَا قَامَ سَلِسَ بَوْلُهُ أَوْ بِهِ جِرَاحَةٌ تَسِيلُ، وَإِنْ جَلَسَ لَا تَسِيلُ يُصَلِّي جَالِسًا، قَالَ شَارِحُهَا: حَتَّى لَوْ صَلَّى قَائِمًا لَا يَجُوزُ، وَمِنْهَا مَا فِيهَا أَيْضًا: لَوْ كَانَ الشَّيْخُ بِحَالِ لَوْ صَلَّى قَائِمًا ضَعُفَ عَنْ الْقِرَاءَةِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِقِرَاءَةٍ، وَمِنْهَا مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ كَانَ بِحَالِ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْدِرُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَيُصَلِّي قَاعِدًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ حَالَةَ الْأَدَاءِ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ وَصَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا. قَالَ وَبِهِ يُفْتَى وَاخْتَارَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْقَوْلَ الثَّالِثَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَشْرَعُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الرُّكُوعِ يَقُومُ وَيَرْكَعُ وَالْأَشْبَهُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ بَلْ يُعَدُّ هَذَا عُذْرًا فِي تَرْكِهَا وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِرَاءَةِ أَقْوَى مِنْ الرُّكْنِيَّةِ لِلْقِيَامِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَحَكَى الشَّارِحُ الْإِجْمَاعَ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَهَكَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَتَّى ادَّعَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَصَمَّ الْقَائِلَ بِالسُّنِّيَّةِ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا فَذَهَبَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَارَ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ) مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْ قَاضِي خَانْ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّهُ قَالَ وَيُكَبِّرُ الْمُقْتَدِي مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ قَالَ الْمُقْتَدِي اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَعَ قَبْلَ قَوْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. [الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ أَمَّا الْأُولَى) أَيْ مَا يَسْتَوِي فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ، أَقُولُ: وَلَهَا ثَانِيَةٌ وَهِيَ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا أَدَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) أَيْ مَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا تَرْكُ الْقِيَامِ.

[القراءة في الصلاة]

الْغَزْنَوِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا رُكْنٌ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا الرُّكْنَ إلَى أَصْلِيٍّ، وَهُوَ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَزَائِدٍ، وَهُوَ مَا يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ ضَرُورَةٍ، وَجَعَلُوا الْقِرَاءَةَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُقْتَدِي بِالِاقْتِدَاءِ عِنْدَنَا وَعَنْ الْمُدْرِكِ فِي الرُّكُوعِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ تَعَقَّبَ كَوْنَ الرُّكْنِ يَكُونُ زَائِدًا فَإِنَّ الرُّكْنَ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالزِّيَادَةِ وَأَجَابَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ بِأَنَّهُمَا بِاعْتِبَارَيْنِ فَتَسْمِيَتُهُ رُكْنًا بِاعْتِبَارِ قِيَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِهِ فِي حَالَةٍ بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ انْتِفَاءَهُ، وَتَسْمِيَتُهُ زَائِدًا فَلِقِيَامِهِ بِدُونِهِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى بِحَيْثُ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ انْتِفَاءَهُ وَالْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ وَهَذَا لِأَنَّهَا مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ تَارَةً بِأَرْكَانٍ وَأُخْرَى بِأَقَلَّ مِنْهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا تَسْمِيَةُ غَسْلِ الرِّجْلِ رُكْنًا زَائِدًا فِي الْوُضُوءِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الزَّائِدَ هُوَ مَا إذَا سَقَطَ لَا يَخْلُفُهُ بَدَلٌ وَالْمَسْحُ بَدَلُ الْغُسْلِ فَلَيْسَ بِزَائِدٍ اهـ. وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوَائِدَ لِوُجُودِ الْخَلَفِ لَهَا، وَذَكَرَ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّ مَعْنَى الرُّكْنِ الزَّائِدِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي إذَا انْتَفَى كَانَ حُكْمُ الْمُرَكَّبِ بَاقِيًا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْكَمِيَّةِ كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكَمْيَّةِ كَالْأَقَلِّ فِي الْمُرَكَّبِ مِنْهُ وَمِنْ الْأَكْثَرِ حَيْثُ يُقَالُ: لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ اهـ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ وَالْقِرَاءَةُ رُكْنٌ زَائِدٍ مَعَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَقْوَى مِنْهُ بِدَلِيلِ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ فِي بَحْثِ الْقِيَامِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقُعُودَ مَعَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ، وَهُوَ الْقُعُودُ، وَالْقِرَاءَةُ لَا بَدَلَ لَهَا، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ الْمَلِكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْجَمَّ الْغَفِيرَ وَجَعَلَ الْقِرَاءَةَ رُكْنًا أَصْلِيًّا، وَحَدُّ الْقِرَاءَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ بِلِسَانِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ وَقَدْرِ الْفَرْضِ فِي الْفَرْضِ، وَفِي النَّفْلِ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْضِيَّتِهِمَا وَرُكْنِيَّتِهِمَا وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرُّكُوعِ فَفِي الْبَدَائِعِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ: الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الرُّكُوعِ أَصْلُ الِانْحِنَاءِ وَالْمَيْلِ، وَفِي الْحَاوِي: فَرْضُ الرُّكُوعِ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: الرُّكُوعُ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ، وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْنِ ظَهْرَهُ أَصْلًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الرُّكُوعِ، وَهُوَ حَسَنٌ، كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَفِيهَا: الْأَحْدَبُ إذَا بَلَغَتْ حُدُوبَتُهُ إلَى الرُّكُوعِ يَخْفِضُ رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ الْقَدْرُ الْمُمْكِنُ فِي حَقِّهِ، وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ فَدَخَلَ الْأَنْفُ وَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ وَمَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ فَإِنَّ السُّجُودَ مَعَ رَفْعِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ) عِبَارَةُ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ ضَرُورَةٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِلَا ضَرُورَةٍ لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ زَائِدًا وَسُقُوطُهُ فِيمَا مَرَّ لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ، وَمِنْ هُنَا ادَّعَى ابْنُ الْمَلَكِ أَنَّهُ أَصْلِيٌّ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا تَلْزَمُ زِيَادَتُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ يَسْقُطُ بِالْمَسْحِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الزَّائِدُ هُوَ السَّاقِطُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِلَا خَلَفٍ بِخِلَافِ الْأَصْلِيِّ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ: إنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ خَلَفٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْمُؤْتَمِّ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلَفِ خَلَفٌ يَأْتِي بِهِ مَنْ فَاتَهُ الْأَصْلُ وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَيَرُدُّ عَلَى كِلَا التَّعْرِيفَيْنِ الْقُعُودُ الْأَخِيرُ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رُكْنٌ زَائِدٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِذَا سَقَطَ سَقَطَ إلَى خَلَفٍ كَالِاضْطِجَاعِ أَوْ الِاسْتِلْقَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِابْنِ مَالِكٍ شُبْهَةً قَوِيَّةً فِي مُخَالَفَتِهِ لِلْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ (قَوْلُهُ وَقَدْرِ الْفَرْضِ فِي الْفَرْضِ) بِجَرِّ قَدْرٍ عَطْفًا عَلَى الْخِلَافِ الْمُضَافِ إلَى بَيَانٍ. [الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ طَأْطَأَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْنِ ظَهْرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُرَادَهُ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَإِنْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلًا وَلَمْ يَعْتَدِلْ إنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ جَازَ وَإِنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ. اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ فِي شَرْحِهَا طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ أَيْ خَفْضُهُ مَعَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {ارْكَعُوا} [الحج: 77] ، وَأَمَّا كَمَا لَهُ فَبِانْحِنَاءِ الصُّلْبِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرَّأْسُ بِالْعَجُزِ مُحَاذَاةً، وَهُوَ حَدُّ الِاعْتِدَالِ فِيهِ اهـ. كَذَا فِي حَوَاشِي نُوحْ أَفَنْدِي (قَوْلُهُ وَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ) تَعَقَّبَهُ الْعَلَّامَةُ الْغُنَيْمِيُّ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّ الْخَدَّ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ، وَقَدْ قَالُوا مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ: وَأَقُولُ: الْإِخْرَاجُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ لَيْسَ وَجْهًا بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّهُ بِالْخَدِّ وَالذَّقَنِ وَالصُّدْغِ سُخْرِيَةً لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الصَّوَابُ زِيَادَةُ قَيْدِ مَعَ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ لِقَوْلِ السِّرَاجِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى خَدِّهِ أَوْ ذَقَنِهِ لَا يَجُوزُ لَا فِي حَالَةِ الْعُذْرِ وَلَا فِي غَيْرِهِ لَا أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ يُومِئُ إيمَاءً وَلَا يَسْجُدُ عَلَى الْخَدِّ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَيَّنَ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ

الْقَدَمَيْنِ بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَكْفِيه وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَعَلَى الْأَنْفِ وَحْدَهُ وَبَيَانُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَ بَعْضِهِمْ السُّجُودَ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا لَيْسَ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَالْمُرَادُ مِنْ السُّجُودِ: السَّجْدَتَانِ فَأَصْلُهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَوْنُهُ مَثْنًى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ لَمْ يُعْقَلْ لَهُ مَعْنًى عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا تَحْقِيقًا لِلِابْتِدَاءِ: وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَذْكُرُ لَهُ حِكْمَةً: فَقِيلَ: إنَّمَا كَانَ مَثْنًى تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ حَيْثُ لَمْ يَسْجُدْ فَإِنَّهُ أُمِرَ بِسَجْدَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فَنَحْنُ نَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ تَرْغِيمًا لَهُ، وَقِيلَ الْأُولَى لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالثَّانِيَةُ تَرْغِيمًا لَهُ حَيْثُ لَمْ يَسْجُدْ اسْتِكْبَارًا، وَقِيلَ: الْأُولَى لِشُكْرِ الْإِيمَانِ وَالثَّانِيَةُ لِبَقَائِهِ، وَقِيلَ: فِي الْأُولَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْأَرْضِ، وَفِي الثَّانِيَةِ إلَى أَنَّهُ يُعَادُ إلَيْهَا، وَقِيلَ: لَمَّا أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ تَصْدِيقًا لِمَا قَالُوا فَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ وَبَقِيَ الْكُفَّارُ فَلَمَّا رَفَعَ الْمُسْلِمُونَ رُءُوسَهُمْ رَأَوْا الْكُفَّارَ لَمْ يَسْجُدُوا فَسَجَدُوا ثَانِيًا شُكْرًا لِلتَّوْفِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) وَهِيَ فَرْضٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ قَالَ فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَك مِنْ آخِرِ سَجْدَةٍ وَقَعَدْتَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ قَدْ وَرَدَتْ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ عَلَى أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] وَكَذَا {وَقُومُوا لِلَّهِ} [البقرة: 238] {فَاقْرَءُوا} [المزمل: 20] {وَارْكَعُوا - وَاسْجُدُوا} [الحج: 43 - 77] أَوَامِرُ وَالْمُسْتَفَادُ مِنْهَا وُجُوبُ الْمَذْكُورَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ لَا تَنْفِي إجْمَالَ الصَّلَاةِ إذْ الْحَاصِلُ حِينَئِذٍ أَنَّ الصَّلَاةَ فِعْلٌ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ. بَقِيَ كَيْفِيَّةُ تَرْتِيبِهَا فِي الْأَدَاءِ وَهَلْ الصَّلَاةُ هَذِهِ فَقَطْ أَوْ مَعَ أُمُورٍ أُخَرْ؟ وَقَعَ الْبَيَانُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلِهِ، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهَا قَطُّ بِدُونِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْمُوَاظَبَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ مَرَّةٍ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَإِذَا وَقَعَتْ بَيَانًا لِلْفَرْضِ أَعْنِي الصَّلَاةَ الْمُجْمَلَ كَانَ مُتَعَلِّقُهَا فَرْضًا بِالضَّرُورَةِ، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى سُنِّيَّتِهِ لَكَانَ فَرْضًا، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْفَاتِحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَهُوَ نَسْخٌ لِلْقَاطِعِ بِالظَّنِّيِّ لَكَانَا فَرْضَيْنِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَعُدْ إلَى الْقَعْدَة الْأُولَى لَمَّا تَرَكَهَا سَاهِيًا ثُمَّ عَلِمَ لَكَانَتْ فَرْضًا فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ بَعْضَ الصَّلَاةِ عُرِفَ بِتِلْكَ النُّصُوصِ وَلَا إجْمَالَ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا يَنْفِي الْإِجْمَالَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَمَا تَعَلَّقَ بِالْأَفْعَالِ نَفْسِهَا لَا يَكُونُ بَيَانًا، فَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِلْإِطْلَاقِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ نَسَخَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا لَمْ يَصْلُحْ لِذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الظَّنِّيِّ عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْقَطْعِيِّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ وَعَمَّا ذَكَرْنَا كَانَ تَقْدِيمُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَهَا كَذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ (قَدْرَ التَّشَهُّدِ) بَيَانٌ لِقَدْرِ الْفَرْضِ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعِيَّتَهَا لِقِرَاءَتِهِ، وَأَقَلُّ مَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اسْمُ التَّشَهُّدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا يَنْشَأُ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا شُرِعَ لِغَيْرِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ غَيْرُهُ يَكُونُ آكَدَ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْر مِمَّا لَمْ يُعْهَدْ بَلْ وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ، فَإِذَا كَانَ شَرْعِيَّةُ الْقَعْدَةِ لِلذِّكْرِ أَوْ السَّلَامِ كَانَتْ دُونَهُمَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَيَّنَ سَبَبَ شَرْعِيَّتِهَا الْخُرُوجُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي آخِرِ فَتَاوَاهُ مِنْ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ رَجُلٌ صَلَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْوَضْعِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يَتَأَتَّى مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَوَضْعُ الْخَدِّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ لِلسُّجُودِ شَرْعًا وَلِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الذَّقَنِ لَمْ يُعْهَدْ تَعْظِيمًا، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ بِأَفْعَالٍ تُعْرَفُ تَعْظِيمًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] فَمَعْنَاهُ: يَقَعُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ سُجَّدًا أَوْ الْمُرَادُ بِالْأَذْقَانِ: الْوُجُوهُ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، وَفِي لُزُومِ زِيَادَةِ قَيْدِ الِاسْتِقْبَالِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ السُّجُودِ الْمُعَرَّفِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ حَيْثُ جَاءَ عَلَى الرَّاجِحِ فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى عَدَمِ صِحَّتِهِ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَأَجَابَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ شَيْخُنَا أَمْتَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ: بِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمُطَابِقَ لِقَوْلِ الْكَنْزِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ شَرْحِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ قَوْلِهِمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْكَنْزِ وَأَقُولُ: إنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بِالْبَعْضِ الْمُعَرَّفِ بِذَلِكَ أَحَدَ شُرَّاحِ الْكَنْزِ فَهَذَا الْجَوَابُ وَاضِحٌ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ حِينَئِذٍ الْمَشْرُوحَ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبَ الْمُغْرِبِ حَيْثُ عَرَّفَ بِذَلِكَ وَغَيْرَهُ مِنْ شُرَّاحِ كَلَامِ مَنْ مَشَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَلَيْسَ بِكَافٍ فِي الْجَوَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ) يَعْنِي دُرَرَ الْبِحَارِ لِلْقُونَوِيِّ (قَوْلُهُ فَالَأَوْلَى أَنْ يُعَيَّنَ سَبَبَ شَرْعِيَّتِهَا الْخُرُوجُ) أَيْ لِيَنْدَفِعَ

أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَجَلَسَ جِلْسَةً خَفِيفَةً فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ ثَالِثَةً فَقَامَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَجَلَسَ وَقَرَأَ بَعْضَ التَّشَهُّدِ وَتَكَلَّمَ إنْ كَانَ كِلَا الْجِلْسَتَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَسَدَتْ اهـ. وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْقُعُودَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ وَعَدَمُ الْفَاصِلِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا اخْتَلَفُوا فِي رُكْنِيَّتِهَا، فَقَالَ: بَعْضُهُمْ هِيَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ الْأَصْلِيَّةِ، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَإِلَيْهِ مَالَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ فَعُلِمَ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْخُرُوجِ وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْعَالٌ وُضِعَتْ لِلتَّعْظِيمِ وَهِيَ بِنَفْسِهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الِاسْتِرَاحَةِ فَتَمَكَّنَ الْخَلَلُ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا أَصْلِيًّا وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِثَمَرَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْخُرُوجُ بِصُنْعِهِ) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ قَصْدًا مِنْ الْمُصَلِّي بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يُنَافِي الصَّلَاةَ بَعْدَ تَمَامِهَا فَرْضٌ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَمَا تُعَيِّنُهُ لِذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ، أَوْ كَانَ فِعْلًا مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَكَلَامِ النَّاسِ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ مَشْيٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِكَوْنِهِ مُفَوِّتًا لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ السَّلَامُ، وَهَذَا الْفَرْضُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْفَسَادِ فِي الْمَسَائِلِ الاثنى عَشْرِيَّةِ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا بِفِعْلِهِ فَرْضٌ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ إتْمَامَهَا فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِتْمَامُهَا بِإِنْهَائِهَا، وَإِنْهَاؤُهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمُنَافِيهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا لَا يُنْهِيهَا وَتَحْصِيلُ الْمُنَافِي صُنْعُ الْمُصَلِّي فَيَكُونُ فَرْضًا وَفَهِمَ مِنْ قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ الْفَسَادِ فِيهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَتَعَيَّنَ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ كَسَائِرِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كَالْقَهْقَهَةِ وَالْحَدَثِ وَالْكَلَامِ الْعَمْدِ فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْفَرْضِ، وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ بِفِعْلِ الْمُصَلِّي لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ هُوَ حَمْلٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَاخْتَصَّ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَسَيَأْتِي وَجْهُ الْفَسَادِ عِنْدَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَصَحَّحَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ عَلَى رَأْيِ الْبَرْدَعِيِّ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ فَرْضًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ فَرْضًا فَيَتَوَضَّأُ وَيَخْرُجُ مِنْهَا بِفِعْلٍ مُنَافٍ لَهَا فَلَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَأْتِ بِالسَّلَامِ حَتَّى أَتَى بِمُنَافٍ فَسَدَتْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا وَاتَّفَقُوا عَلَى الْوُضُوءِ وَالسَّلَامِ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَشَرْحِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَرَائِضَ الْمَذْكُورَةَ إذَا أَتَى بِهَا نَائِمًا فَإِنَّهَا لَا تُحْتَسَبُ بَلْ يُعِيدُهَا كَمَا إذْ قَرَأَ نَائِمًا أَوْ رَكَعَ نَائِمًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا لَا سِيَّمَا فِي التَّرَاوِيح كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قِرَاءَةَ النَّائِمِ فِي صَلَاتِهِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهَا؟ فَقِيلَ نَعَمْ وَاخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النَّائِمَ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي الصَّلَاةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْمُصَلِّي وَاخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَنَصَّ فِي الْمُحِيطِ وَالْمُبْتَغَى عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ شَرْطٌ لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ حَالَةَ النَّوْمِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْجَهُ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ وَالِاخْتِيَارُ الْمَشْرُوطُ قَدْ وُجِدَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَافٍ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ ذَاهِلًا عَنْ فِعْلِهِ كُلَّ الذُّهُولِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ اهـ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ حَالَةَ النَّوْمِ يُجْزِئُهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ وَلَكِنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ الْآتِي (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ كَمَا فِي النَّهْرِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ الرُّكْنِيَّةِ أَصْلًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ عَدَمَ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ شَرْعًا لَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا رُكْنًا زَائِدًا لِأَنَّ الرُّكْنَ الزَّائِدَ قَدْ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَاهِيَّةُ كَالْقِرَاءَةِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ لَا يَحْنَثُ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْقَعْدَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ بِذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ تَصْحِيحُ أَنَّهَا شَرْطٌ، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ: الظَّاهِرُ شَرْطِيَّتُهُ لِقَوْلِهِمْ لَوْ كَانَ رُكْنًا لَتَوَقَّفَتْ الْمَاهِيَّةُ عَلَيْهِ لَكِنَّهَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ إلَخْ (وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِثَمَرَةِ هَذَا الْخِلَافِ) بَيَّنَ الثَّمَرَةَ الشَّيْخُ حَسَنٌ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ وَهِيَ الِاعْتِدَادُ بِهَا إذَا نَامَ فِيهَا كُلِّهَا وَعَدَمُهُ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ يُعْتَدُّ بِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي عَنْ التَّحْقِيقِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) هُوَ قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يَكَادُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِمُنَافٍ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا بِصُنْعِهِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا إنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَإِنَّمَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا لَا بِصُنْعِهِ كَالْمَسَائِلِ الِاثْنَى عَشْرِيَّةِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالِاخْتِيَارُ الْمَشْرُوطُ قَدْ وُجِدَ إلَخْ) قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّا نَمْنَعُ كَوْنَ الِاخْتِيَارِ فِي الِابْتِدَاءِ كَافِيًا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذَّاهِلَ غَيْرُ مُخْتَارٍ

وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. قَالَ فِي الْمُبْتَغَى رَكَعَ وَهُوَ نَائِمٌ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا اهـ. وَفَرْقُهُمْ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ لَا يُجْدِي نَفْعًا وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَيْضًا جَوَازُ الْقِيَامِ حَالَةَ النَّوْمِ أَيْضًا، وَإِنْ نَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَمَّا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ نَائِمًا فَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إذَا نَامَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ كُلِّهَا فَلَمَّا انْتَبَهَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْعُدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ نَائِمًا يُعْتَدُّ بِهَا، وَعَلَّلَ لَهُ فِي التَّحْقِيقِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَمَبْنَاهَا عَلَى الِاسْتِرَاحَةِ فَيُلَائِمُهَا النَّوْمُ فَيَجُوزُ أَنْ تُحْتَسَبَ مِنْ الْفَرْضِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَشَقَّةِ فَلَا تَتَأَدَّى فِي حَالَةِ النَّوْمِ، وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِمَا رَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِيمَا لَوْ قَرَأَ نَائِمًا فِي قَوْلِهِمْ لَوْ رَكَعَ نَائِمًا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ فَنَامَ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ فِي الْمُبْتَغَى جَازَ إجْمَاعًا، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ نَامَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَا يُعِيدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ وَالْوَضْعَ حَصَلَ بِالِاخْتِيَارِ، ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّهُ يَتَفَرَّغُ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاخْتِيَارِ فِي أَدَاءِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَنَّ النَّائِمَ فِي الصَّلَاةِ لَوْ أَتَى بِرَكْعَةٍ تَامَّةٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَوَاجِبُهَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إنَّهَا فَرْضٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا وَوَافَقَ نَصَّ الْكِتَابِ الْقَطْعِيِّ نَصُّ السُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ نَصِّ الْكِتَابِ الْقَطْعِيِّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ السُّنَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ أَوْ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفْيَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ تَقْيِيدَ إطْلَاقِ نَصِّ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ نَسْخٌ لَهُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْقَطْعِيِّ بَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ، وَأَيْضًا ثَبَتَ عَنْهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهَا، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهَا لِلْفَرْضِيَّةِ، وَالْمُوَاظَبَةُ وَحْدَهَا كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ ظَاهِرًا تُفِيدُ الْوُجُوبَ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِهَا سَهْوًا، وَالْإِعَادَةُ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ لِتَكُونَ مُؤَدَّاةً عَلَى وَجْهٍ لَا نَقْصَ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يُعِدْهَا كَانَتْ مُؤَدَّاةً أَدَاءً مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا، وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ اهـ. إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَوَاجِبٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَرَكَ السُّورَةَ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنَّهُ لَوْ تَرَكَ أَكْثَرَ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، وَلَوْ تَرَكَ أَقَلَّهَا لَا يَجِبُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ بِتَمَامِهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَكْثَرُهَا وَلَا يَعْرَى عَنْ تَأَمُّلْ، وَفِي الْقُنْيَةِ يَخَافُ الْمُصَلِّي فَوْتَ الْوَقْتِ إنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِآيَةٍ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ بِالزِّيَادَةِ اهـ. ثُمَّ الْفَاتِحَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ، وَفِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ، وَفِي الْوِتْرِ وَالْعِيدَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ فَسُنَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَضَمُّ سُورَةٍ) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ سُنَّةٌ، وَلَنَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا» أَطْلَقَ السُّورَةَ وَأَرَادَ بِهَا ثَلَاثَ آيَاتٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سُورَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ كَسُورَةِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] وَلَمْ يُرِدْ السُّورَةَ بِتَمَامِهَا بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَعُرِفَ مِنْ هَذَا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى الِاقْتِصَارِ الْمَفْهُومِ مِمَّا سَبَقَ أَيْ عُرِفَ مِنْ اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَوَازُ الْقِيَامِ حَالَةَ النَّوْمِ، وَفِيهِ خَفَاءٌ بَلْ مُقْتَضَى مَا يَأْتِي مِنْ الْفَرْعِ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَأَنَّهُ لِهَذَا لَمْ يُفَرِّقْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَكَذَا الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ تَبَعًا لِإِطْلَاقِ عِبَارَةِ مَتْنِ التَّنْوِيرِ، وَكَذَا الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً لَا يُعْتَدُّ بِهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي الْقِرَاءَةِ وَأَنَّ الْقِيَامَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ اهـ. أَيْ وَعَلَى أَنَّ الْقِيَامَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ لَكِنْ فِي الْمُجْتَبَى يَسْجُدُ بِتَرْكِ آيَةٍ مِنْهَا هُوَ أَوْلَى، قُلْت: وَعَلَيْهِ فَكُلُّ آيَةٍ وَاجِبٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ بِتَمَامِهَا إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنَحِ أَقُولُ: لَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّ إيجَابَ السُّجُودِ إنَّمَا هُوَ بِتَرْكِهَا، وَهُوَ إذَا تَرَكَ أَكْثَرَهَا فَقَدْ تَرَكَهَا حُكْمًا لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَأَمَّا إذَا تَرَكَ أَقَلَّهَا فَلَا يَكُونُ تَارِكًا لَهَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَرْكِ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ إذْ فِيهِ تَسْلِيمٌ أَنَّ تَرْكَ الْأَقَلِّ لَا يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ.

كَلَامِهِ وَهَذَا الضَّمُّ وَاجِبٌ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ، وَفِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ كَالْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْفَرْضِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ فَلَوْ ضَمَّ السُّورَةَ إلَى الْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا نَقَلَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَنْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَسَيَأْتِي بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ) أَيْ وَتَعْيِينُ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الثُّلَاثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ الْمَكْتُوبَتَيْنِ لِلْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ دُونَ الْأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ الْأُولَيَانِ عَيْنًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّعَيُّنِ لَا فَرْضًا وَلَا وَاجِبًا لَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ وَسَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَاجِبَيْنِ آخَرَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُصَنِّفُ صَرِيحًا: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْفَاتِحَةِ عَلَى السُّورَةِ لِثُبُوتِ الْمُوَاظَبَةِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ حَتَّى قَالُوا لَوْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ السُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ سَاهِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ السُّورَةَ وَيَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَضَمُّ سُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ تَقْدِيمَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُومَ إلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتَضِي تَأَخُّرَهُ عَنْهُ. ثَانِيهِمَا: الِاقْتِصَارُ فِي الْأُولَيَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى إذَا قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنْهُمَا مَرَّتَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ وَجَبَ السُّجُودُ، وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالسُّورَةِ لَا يَجِبُ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ لَمَّا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ لُزُومِ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ السُّورَةُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ وَاجِبًا بِأَثَرِ السُّورَةِ فَإِنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ سُوَرٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ فِي فِعْلٍ مُكَرَّرٍ) أَطْلَقَهُ هُنَا وَقَيَّدَهُ فِي الْكَافِي بِالْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَقَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَزَادَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَوْ يَكُونُ مُتَكَرِّرًا فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّ مَا يَقْضِيه الْمَسْبُوقُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا، وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لَكَانَ آخِرًا اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّ مَا يَقْضِيه الْمَسْبُوقُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً وَأَيْضًا لَيْسَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ مُطْلَقًا بَلْ أَوَّلُهَا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَآخِرُهَا فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ إذْ لَا شَيْءَ عَلَى الْمَسْبُوقِ وَلَا نَقْصَ فِي صَلَاتِهِ أَصْلًا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْكَافِي بِالْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ) أَقُولُ: وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا وَهْمٌ إذْ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ لَيْسَ إلَّا وَاجِبًا قَالَ فِي الْفَتْحِ: إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ وَمَا فِي الشَّرْحِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخَبَّازِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الدِّرَايَةِ وَالْفَتْحِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَإِلَّا فَاَلَّذِي هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْكَافِي كَمَا مَرَّ، ثُمَّ حَاصِلُ كَلَامِ النَّهْرِ أَنَّ مَا فَهِمَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الرَّكَعَاتِ وَاجِبٌ عَلَى الْمَسْبُوقِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِلَّا لَمَا سَقَطَ عَنْ الْمَسْبُوقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِنَّ مَا يَقْضِيه الْمَسْبُوقُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَحَكَمْنَا عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَقْضِيه آخِرُهَا إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إيقَاعُ مَا أَدْرَكَهُ أَوَّلًا فِي الْآخِرِ أَوْ لَحَكَمْنَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُصَلِّي أَوَّلًا رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا، ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَعْنَى مَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ فِيمَا شَرَعَ مُكَرَّرًا مِنْ الْأَفْعَالِ: أَرَادَ بِهِ مَا تَكَرَّرَ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَالرَّكَعَاتِ إلَّا لِضَرُورَةِ الِاقْتِدَاءِ حَيْثُ يَسْقُطُ بِهِ التَّرْتِيبُ فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ يُصَلِّي آخِرَ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ أَوَّلِهَا أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ اهـ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ لَك عَدَمُ صِحَّةِ مَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّهْرِ بِقَوْلِهِ: بَلْ هُوَ الْوَاهِمُ لِأَنَّ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ اهـ. بَقِيَ هُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُصَلِّيَّ إمَّا مُنْفَرِدٌ أَوْ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ فِي حَقِّ الْأَوَّلَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ يَأْتِيَانِ بِهَا أَوَّلًا فَهِيَ الْأُولَى وَثَانِيًا فَهِيَ الثَّانِيَةُ وَهَلُمَّ جَرَّا، أَمَّا الْمَأْمُومُ فَهُوَ إمَّا مُدْرِكٌ أَوْ مَسْبُوقٌ أَوْ لَاحِقٌ فَالْمُدْرِكُ حُكْمُهُ كَإِمَامِهِ وَالْمَسْبُوقُ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِعَكْسِ التَّرْتِيبِ وَاللَّاحِقُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ، فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الْوَاجِبِ وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَصَوُّرِ عَكْسِ التَّرْتِيبِ أَنْ لَا يُذْكَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِفَرْضِيَّةِ تَرْتِيبِ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَخِيرًا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ عَكْسُ التَّرْتِيبِ، نَعَمْ تَظْهَرُ الثَّمَرَةُ فِي نَفْيِ فَرْضِيَّتِهِ وَهِيَ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا كَلَامٌ تَرَكْنَاهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ. هَذَا وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِشْكَالَ سَاقِطٌ مِنْ

فَلِذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُتَكَرِّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاجِبًا لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيهِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَمَّا تَرْتِيبُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ وَتَرْتِيبُ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فَفَرْضٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُوجَدُ إلَّا بِذَلِكَ وَهَكَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَشُرَّاحُ الْهِدَايَةِ وَعَلَّلُوا لَهُ بِأَنَّ مَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ صُورَةً وَمَعْنًى فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ شُرِعَ فَإِذَا غَيَّرَهُ فَقَدْ قَلَبَ الْفِعْلَ وَعَكَسَهُ، وَقَلْبُ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ، وَلَا كَذَلِكَ مَا تَعَدَّدَتْ شَرْعِيَّتُهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي كَافِيهِ مِنْ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَجِبُ بِأَشْيَاءَ، مِنْهَا: تَقْدِيمُ رُكْنٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِذَا تَرَكَ التَّرْتِيبَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّنَاقُضِ عَلَى مَا قِيلَ وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الذَّخِيرَةِ حَتَّى اسْتَدَلَّ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَاجِبٌ بِدَلِيلِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ حَتَّى قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا تَكَرَّرَ قَيْدًا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي الْأَرْكَانِ الَّتِي لَا تُكَرَّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَقْدِيمِ رُكْنٍ وَأَوْرَدُوا لِنَظِيرِهِ الرُّكُوعَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَسَجْدَةُ السَّهْوِ لَا تَجِبُ إلَّا لِتَرْكِ الْوَاجِبِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَرَّرَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا، وَيَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا تَكَرَّرَ: مَا تَكَرَّرَ فِي الصَّلَاةِ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَتَكَرَّرُ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ، وَهُوَ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ فَرْضٌ اهـ. وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَلَيْسَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا بِأَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ شَرْطٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQأَصْلِهِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ مُرَادَ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ الْإِشَارَةَ، إلَى الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ فِي اللَّاحِقِ فَعِنْدَنَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ فَرْضٌ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا أَدْرَكَ بَعْضَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَنَامَ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّلًا مَا نَامَ فِيهِ، ثُمَّ يُتَابِعَ الْإِمَامَ، فَلَوْ تَابَعَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ صَلَّى مَا نَامَ فِيهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَازَ عِنْدَنَا وَأَثِمَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ قَالَ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْفَتَاوَى الْمَسْبُوقُ إذَا بَدَأَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاللَّاحِقُ إذَا تَابَعَ الْإِمَامَ قَبْلَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِزُفَرَ اهـ. (قَوْلُهُ فَلِذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كَانَ وَاجِبًا) أَيْ رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ. (قَوْلُهُ يُرَاعِي وُجُودَهُ صُورَةً وَمَعْنًى فِي مَحَلِّهِ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ هَذَا: تَحَرُّزًا عَنْ تَفْوِيتِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ جُزْءًا أَوْ كُلًّا إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ جُزْءًا أَوْ كُلًّا مِنْ جِنْسِهِ لِضَرُورَةِ اتِّحَادِهِ فِي الشَّرْعِيَّةِ اهـ. قَوْلُهُ جُزْءًا أَوْ كُلًّا: حَالَانِ مِنْ قَوْلِهِ مَا تَعَلَّقَ وَمَا تَعَلَّقَ بِالْمُتَّحِدِ كُلُّ صَلَاةٍ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةِ أَوْ جُزْؤُهَا، وَهُوَ الرَّكْعَةُ: الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّحِدَ لَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِهِ فِي مَحَلِّهِ فَإِذَا فَاتَ فَاتَ أَصْلًا فَيَفُوتُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ جُزْءِ الصَّلَاةِ أَوْ كُلِّهَا، بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّهُ لَوْ فَاتَ أَحَدُ فِعْلَيْهِ بَقِيَ الْآخَرُ مِنْ جِنْسِهِ فَلَمْ يَفُتْ أَصْلًا فَلَمْ يَفُتْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ، كَمَا لَوْ أَتَى بِإِحْدَى السَّجْدَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَتَرَكَ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا قَالَ يُرَاعَى وُجُودُهُ صُورَةً وَمَعْنًى لِأَنَّ أَحَدَ فِعْلَيْ الْمُتَكَرِّرِ لَوْ فَاتَ عَنْ مَحَلِّهِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ الْتَحَقَ بِمَحَلِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ مَوْجُودًا فِيهِ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صُورَةً، بِخِلَافِ الْمُتَّحِدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْتَحِقْ بِمَحَلِّهِ الْأَوَّلِ، حَيْثُ فَاتَ بِفَوَاتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ صُورَةً وَمَعْنًى. كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْعَلَّامَةِ السِّيرَامِيِّ (قَوْلُهُ حَتَّى قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا تَكَرَّرَ قَيْدٌ إلَخْ) أَيْ لَفْظُ مَا تَكَرَّرَ فِي قَوْلِ الْوِقَايَةِ وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ فِيمَا تَكَرَّرَ لَيْسَ قَيْدًا فَإِنَّ مَا لَا يَتَكَرَّرُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِيهِ وَاجِبَةٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ) احْتِرَازٌ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَعَنْ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَنَاقُضٌ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ إلَخْ) أَقُولُ: مُحَصِّلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ بِاعْتِبَارِ فَسَادِ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ وَوَاجِبٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ صُورَةً بَعْدَ الْإِعَادَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الِاعْتِبَارَيْنِ وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ، وَتَصَرُّفٌ غَرِيبٌ، فَإِنَّ مَعْنَى التَّرْتِيبِ وُجُودُ كُلِّ رُكْنٍ فِي مَحَلِّهِ فَحَيْثُ أُعِيدَ السُّجُودُ وُجِدَ كُلٌّ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي مَحَلِّهِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ تَرْكُ تَرْتِيبٍ أَصْلًا صُورَةً وَلَا مَعْنًى إذْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ تَرْكُ التَّرْتِيبِ صُورَةً لَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ فِي مَحَلِّهِ صُورَةً وَمَعْنًى، لِأَنَّهُ كَذَلِكَ شُرِعَ فَإِذَا غَيَّرَهُ فَقَدْ قَلَبَ الْفِعْلَ وَعَكَسَهُ وَقَلْبُ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ وَمَا تَعَدَّدَتْ شَرْعِيَّتُهُ يُرَاعَى وُجُودُهُ فِي مَحَلِّهِ مَعْنًى فَقَطْ، وَالْكَلَامُ فِيمَا اتَحَدَّتْ شَرْعِيَّتُهُ فَيُرَاعَى وُجُودُهُ فِي مَحَلِّهِ صُورَةً وَمَعْنًى وَعَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ لِكَوْنِ التَّرْتِيبِ فِيهَا وَاجِبًا بَلْ لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسَادِ كَانَ تَقْدِيمَ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ، فَإِذَا أُعِيدَ إلَى مَحَلِّهِ زَالَ السَّبَبُ فَانْتَفَى الْمُسَبَّبُ فَلَمْ تَنْتَفِ الْمُعَارَضَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ هُنَا الْفَرْضُ الْعَمَلِيُّ الصَّادِقُ عَلَى الْوَاجِبِ الِاصْطِلَاحِيِّ لِيَرْتَفِعَ التَّنَاقُضُ وَهَذَا

مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّكْنَ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَفْسُدُ بِتَرْكِهِ حَتَّى إذَا رَكَعَ بَعْدَ السُّجُودِ لَا يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ السُّجُودِ، وَقَوْلُهُمْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ إذَا أَعَادَ الرُّكْنَ الَّذِي أَتَى بِهِ فَإِذَا أَعَادَهُ فَقَدْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ صُورَةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَالْقَعْدَةِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّهَا كَالرَّكَعَاتِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسُّجُودِ فَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ بَيْنَ الْمُتَّحِدِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ وَجَمِيعِ مَا سِوَاهُ مِمَّا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّهَا كَالرَّكَعَاتِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْقَعْدَةِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمُفْسِدِ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ صُلْبِيَّةٍ أَوْ لِلتِّلَاوَةِ فَعَلَهَا وَأَعَادَ الْقَعْدَةَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ رُكُوعًا قَضَاهُ وَقَضَى مَا بَعْدَهُ مِنْ السُّجُودِ أَوْ قِيَامًا أَوْ قِرَاءَةً صَلَّى رَكْعَةً تَامَّةً، وَكَذَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَلِذَا قُلْنَا آنِفًا فِي تَرْكِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ إنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَةً تَامَّةً وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ: التَّرْتِيبُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَعْنِي الرَّكَعَاتِ أَوْ يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ بَيْنَ السُّجُودِ وَالْمُتَّحِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْصِيلٌ: إنْ كَانَ سُجُودُ ذَلِكَ الرُّكُوعِ بِأَنْ يَكُونَ رُكُوعًا وَسُجُودًا مِنْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ، وَإِنْ كَانَ رُكُوعًا مِنْ رَكْعَةٍ وَسُجُودًا مِنْ أُخْرَى بِأَنْ تَذَكَّرَ فِي سَجْدَةِ رُكُوعٍ رَكْعَةً قَبْلَ رُكُوعِ هَذِهِ السَّجْدَةِ قَضَى الرُّكُوعَ وَسَجْدَتَيْهِ وَإِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQلَيْسَ بِشَيْءٍ أَيْضًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ وَالْوَاجِبِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْآخَرِ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهَا بِالظَّنِّيِّ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَإِنَّ الْفَرْضَ الْعَمَلِيَّ يُوجِبُ الْفَسَادَ سَهْوًا كَانَ أَوْ عَمْدًا، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ فَإِنَّ تَرْكَهُ سَهْوًا يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَلَيْهِ جَرَى الْقُهُسْتَانِيُّ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: لَا بُدَّ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ التَّصْرِيحَ بِهَا، فَإِنْ قُلْت: إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِ التَّرْتِيبِ وَاجِبًا بِعَدَمِ لُزُومِ إعَادَةِ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَهَلْ يَصْلُحُ هَذَا أَنْ يَكُونَ ثَمَرَةً لِلِاخْتِلَافِ؟ قُلْتُ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا ثَمَرَةً لِلِاخْتِلَافِ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْفَرْضِيَّةِ وَالْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ مُتَّفِقُونَ عَلَى لُزُومِ إعَادَةِ الرُّكْنِ الَّذِي أَتَى بِهِ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ إنْ لَمْ يُعِدْهُ وَعَلَى عَدَمِ لُزُومِ إعَادَةِ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِعَدَمِ لُزُومِ إعَادَةِ الرُّكْنِ الَّذِي أَتَى بِهِ لَكَانَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ ثَمَرَةٌ. اهـ. وَسَيَأْتِي مِنْ الشَّارِحِ التَّنْبِيهُ عَلَى نَفْيِ مَا فِي السُّؤَالِ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ يَقُولُ: فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ. (قَوْلُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّكْنَ إلَخْ) أَيْ الرُّكْنَ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَالسُّجُودِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ يَفْسُدُ هُوَ أَيْ الرُّكْنُ الْمَذْكُورُ وَلَا يَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ أَيْ سَبَبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى مَحَلِّهِ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ. (قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَشْرُوعَ) هَذَا أَوَّلُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ الْآتِي الْعَزْوُ إلَيْهَا (قَوْلُهُ فَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ بَيْنَ الْمُتَّحِدِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ، الْأَنْوَاعَ الَّتِي ذَكَرَهَا أَرْبَعٌ هِيَ: مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّهَا وَمَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ أَفْرَادٌ فَالْأَوَّلُ أَفْرَادُهُ: التَّحْرِيمَةُ وَالْقَعْدَةُ، وَالثَّانِي: الرَّكَعَاتُ، وَالثَّالِثُ: السَّجْدَتَانِ، وَالرَّابِعُ: الْقِرَاءَةُ فِي الثُّنَائِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ، وَالصُّوَرُ الْعَقْلِيَّةُ فِي التَّرْتِيبِ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ آخَرَ سِتَّةٌ بِأَنْ تُعْتَبَرَ تَرْتِيبُ كُلِّ نَوْعٍ مَعَ مَا يَلِيه، وَالصُّوَرُ بَيْنَ تَرْتِيبِ فَرْدٍ مِنْ نَوْعٍ وَفَرْدٍ آخَرَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ خَمْسٌ بِأَنْ تَعْتَبِرَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالْقَعْدَةِ وَبَيْنَ أَوَّلِ الرَّكَعَاتِ وَآخِرِهَا وَبَيْنَ السَّجْدَةِ وَالسَّجْدَةِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَكَذَا بَيْنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مِنْهُ شَرْطٌ وَمِنْهُ وَاجِبٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ: فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِيمَا بَيْنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، فَيُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَوَّلِ أَعْنِي مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَالْقَعْدَةِ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّهَا كَالرَّكَعَاتِ وَمَثَّلَ لَهُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْقَعْدَةِ رَكْعَةً، وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ أَوْ سَجْدَةٍ صُلْبِيَّةٍ أَوْ لِلتِّلَاوَةِ، وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ تَذَكَّرَ رُكُوعًا قَضَاهُ إلَخْ، وَثَانِيهِمَا: التَّرْتِيبُ بَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إذَا كَانَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَكَذَا تَرْتِيبُ أَفْرَادِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَتَرْتِيبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ صُورَةً يُمْكِنُ فَكُّ التَّرْتِيبِ فِيهَا حَتَّى يُشْتَرَطَ، كَمَا أَنَّ أَفْرَادَ مَا يَتَّحِدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالْقَعْدَةِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الدُّرَرِ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ مَا يَتَعَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَهُوَ وَاجِبٌ لَا شَرْطٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا وَجْهُ تَقْيِيدِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمُتَكَرِّرِ فِي رَكْعَةٍ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ وَاجِبًا كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِي الرَّكَعَاتِ فَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ وَمِثْلُهُ التَّرْتِيبُ فِي السَّجْدَتَيْنِ نَفْسِهِمَا. (قَوْلُهُ يَعْنِي الرَّكَعَاتِ) تَفْسِيرٌ لِمَا يَتَعَدَّدُ. (قَوْلُهُ قَبْلَ رُكُوعِ هَذِهِ السَّجْدَةِ)

تَذَكَّر عَلَى الْقَلْبِ بِإِنْ تَذَكَّرَ فِي رُكُوعٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي الرَّكْعَةِ قَبْلَهَا سَجَدَهَا وَهَلْ يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ؟ فَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ بَلْ تُسْتَحَبُّ مُعَلِّلًا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِفَرْضٍ بَيْنَ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَاَلَّذِي فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ ارْتَفَضَ بِالْعَوْدِ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْهُ يُقْبَلُ الرَّفْضُ، وَلِهَذَا ذَكَرَ هُوَ فِيمَا لَوْ تَذَكَّرَ سَجْدَةً بَعْدَمَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَلَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا تَمَّ بِالرَّفْعِ لَا يُقْبَلُ الرَّفْضُ، فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ وَعَدَمِهِ بَلْ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ هَلْ يَرْتَفِضُ بِالْعَوْدِ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ لَا، وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ رَجُلٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَهَذَا قَدْ صَلَّى رَكْعَةً، وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ أَوَّلًا، ثُمَّ قَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ إنْ سَجَدَ أَوَّلًا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ وَسَجَدَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَرْكَعْ فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ فِي الْأُولَى وَلَمْ يَسْجُدْ وَرَكَعَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَسْجُدْ، ثُمَّ سَجَدَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَرْكَعْ فَإِنَّمَا صَلَّى وَاحِدَةً اهـ. كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، وَقُلْنَا: يَفْسُدُ بِتَرْكِهِ الرُّكْنُ الَّذِي هُوَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا، هَلْ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ رَكْعَةً تَامَّةً تَفْسُدُ لِمَا أَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تَقْبَلُ الرَّفْضَ حَتَّى يُرَاعَى التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوطُ بِرَفْضِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ فَلَا تَفْسُدُ. إلَيْهِ أَشَارَ فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) ، وَهُوَ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَأَدْنَاهُ مِقْدَارُ تَسْبِيحَةٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَسُنَّةٌ عَلَى تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ وَفَرْضٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الثَّلَاثَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُسْتَدِلِّينَ لَهُ وَلِمَنْ وَافَقَهُ بِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ حَيْثُ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَأَنَّك لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَأَمْرِهِ لَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ فَالْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ فَسَادِ الصَّلَاةِ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مَرْفُوعًا «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَاللَّفْظَانِ خَاصَّانِ مَعْلُومٌ مَعْنَاهُمَا فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَيَصْلُحُ مُكَمِّلًا فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالْإِعَادَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَنَفْيُهُ لِلصَّلَاةِ عَلَى نَفْيِ كَمَالِهَا كَنَفْيِ الْإِجْزَاءِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَلَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ «فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، وَإِنْ انْتَقَصْت مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْت مِنْ صَلَاتِك» فَقَدْ سَمَّاهَا صَلَاةً وَالْبَاطِلَةُ لَيْسَتْ صَلَاةً وَلِأَنَّهُ تَرَكَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ أَوَّلِ رَكْعَةٍ حَتَّى أَتَمَّ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُهَا مُفْسِدًا لَفَسَدَتْ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ وَبَعْدَ فَسَادٍ لَا يَحِلُّ الْمُضِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَتَقْرِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَبِهَذَا يَضْعُفُ قَوْلُ الْجُرْجَانِيِّ، وَلِهَذَا سُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ تَرْكِهَا فَقَالَ إنِّي أَخَافُ أَنْ لَا تَجُوزَ، وَعَنْ السَّرَخْسِيِّ مَنْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ تَلْزَمُهُ وَيَكُونُ الْفَرْضُ هُوَ الثَّانِي، وَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذْ هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَيَكُونُ جَابِرًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَجَعْلُهُ الثَّانِيَ يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ لَازِمُ تَرْكِ الرُّكْنِ لَا الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ امْتِنَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَحْتَسِبُ الْكَامِلَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْفَرْضِ لَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُوقِعُهُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِرَكْعَةٍ وَذَلِكَ بِأَنْ تَذَكَّرَ فِي سَجْدَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَقْضِي هَذَا الرُّكُوعَ وَسَجْدَتَيْهِ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ لِأَنَّ الرُّكُوعَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالسُّجُودَ فِي الْأُولَى (قَوْلُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ) إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْكَافِي لَيْسَ مِنْ عِبَارَةِ الْفَتْحِ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، تَأَمَّلْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا ذُكِرَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرَفِ الْهِدَايَةِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِرُكْنٍ لَكِنَّهُ مِنْ طَرَفِ الْخَانِيَّةِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ بَلْ عَلَى الارتفاض تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ بَلْ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْمُتَذَكَّرَ قَبْلُ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا الْمُتَذَكَّرَ فِيهِ بَدَلَ قَوْلِهِ الْمُتَذَكَّرَ قَبْلُ وَهِيَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ وَفَرْضٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الثَّلَاثَةِ) أَيْ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ، وَكَذَلِكَ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْعَيْنِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِحَاصِلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِمَّا سَيَجِيءُ أَنَّ مَا رَجَّحَهُ الْعَيْنِيُّ لِغَرَابَتِهِ لَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَيْهِ حَتَّى أَوَّلَهُ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ بِالْمُخْتَارِ مِنْ قَوْلَيْهِ (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْكَمَالِ وَنَفْيُ الْإِجْزَاءِ الْكَامِلِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ تَرَكَهُ) أَيْ تَرَكَ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ يُصَلِّي حَتَّى أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهَا، وَهُوَ فِيهَا (قَوْلُهُ وَجَعْلُهُ الثَّانِيَ) أَيْ جَعْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ

قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ بِالْفَرْضِيَّةِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَهُمَا فِي الْأُصُولِ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَاصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ فَكَيْفَ اسْتَقَامَ لَهُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُنَا وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بِالْفَرْضِيَّةِ عَلَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَمْ يُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا قَالُوا كَمَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِوَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَبَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الِافْتِرَاضِ عَلَى الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ لِيُوَافِقَ أُصُولَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَالْإِشْكَالُ أَشَدُّ. قَيَّدَ بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي الْأَرْكَانِ أَيْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِالِاتِّفَاقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَرْضٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا عِنْدَهُمَا كَوُجُوبِهَا فِي الْأَرْكَانِ فَإِنَّهُ قَالَ وَذَكَرَ صَدْرُ الْقُضَاةِ: وَإِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَإِكْمَالُ كُلِّ رُكْنٍ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ فَرْضٌ، وَكَذَا رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالِانْتِصَابُ وَالْقِيَامُ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُكْمِلَ الرُّكُوعَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ وَيَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى يَنْتَصِبَ قَائِمًا وَيَطْمَئِنَّ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ، وَكَذَا فِي السُّجُودِ، وَلَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَاسِيًا يَلْزَمُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ وَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. اهـ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِسُنِّيَّتِهِمَا وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ وَوُجُوبُ نَفْسِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِلْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ مَا يُوجِبُ السَّهْوَ قَالَ: الْمُصَلِّي إذَا رَكَعَ وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا سَاهِيًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ السَّهْوُ. اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ تَرَكَ تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ أَوْ الْقَوْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سَاهِيًا لَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ اهـ. فَيَكُونُ حُكْمُ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكُلِّ هُوَ مُخْتَارُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ حَتَّى قَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (قَوْلُهُ وَالْقُعُودُ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْعُمْرِ وَذَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إذَا قَامَ دَلِيلُ عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ فَسُبِّحَ لَهُ فَلَمْ يَرْجِعْ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَرَجَعَ وَمَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْوُجُوبِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعِنْد الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ هِيَ سُنَّةٌ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا اسْمَ السُّنَّةِ إمَّا لِأَنَّ وُجُوبَهَا عُرِفَ بِالسُّنَّةِ فِعْلًا أَوْ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الشَّفْعَيْنِ وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ غَيْرَ الْآخِرِ لَا الْفَرْضَ السَّابِقَ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ السَّابِقُ لَمْ يُفْهَمْ حُكْمُ الْقَعْدَةِ الثَّانِيَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَرْضَ هُوَ الثَّانِيَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ رُكْنٌ (قَوْلُهُ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ صِحَّةَ رَفْعِ الْخِلَافِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْوَاجِبِ عَلَى قَوْلِهِمَا أَقْوَى نَوْعَيْهِ، وَهُوَ مَا يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ لَكِنَّهُ لَا يَفُوتُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَيَفُوتُ عَلَى قَوْلِهِ، فَأَنَّى يَرْتَفِعُ؟ وَقَدْ صَرَّحَ فِي السَّهْوِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لَوْ تَرَكَ الْقَوْمَةَ وَالْجَلْسَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لَهُمَا اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مُطْلَقَيْنِ فَانْصَرَفَا إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ مَا كَانَ بِصِفَةِ التَّعْدِيلِ وَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ الزِّيَادَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اهـ. وَفِي حَوَاشِي الدُّرَرِ لِلْعَلَّامَةِ نُوحٍ أَفَنْدِي بَعْدَمَا قَرَّرَ نَحْوَ مَا فِي النَّهْرِ وَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ كَمَا قَالَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ مُسْتَدِلًّا بِالسُّنَّةِ، وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا يَقُولَانِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ مُسْتَدِلَّيْنِ بِالْكِتَابِ بَلْ هِيَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاجِبَةٌ، وَفِي الْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ سُنَّةٌ عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَسُنَّةٌ فِي الْكُلِّ عَلَى تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الْفَقِيرِ فِي دَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ الْعَسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ عِنْدَ هُمَا مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَلَوْ قُلْنَا بِافْتِرَاضِ التَّعْدِيلِ لَزِمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَعْنَاهُمَا الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَجُعِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْمُوَاظَبَةُ بَيَانًا لَهُ فَهُمَا خَاصَّانِ عِنْدَهُمَا مُجْمَلَانِ عِنْدَهُ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الْهُمَامِ أَشَارَ إلَى مَا سَنَحَ لِي حَيْثُ قَالَ: وَهَذِهِ أَيْ الْقَوْمَةُ وَالْجَلْسَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَرَائِضُ لِلْمُوَاظَبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيَانًا اهـ فَحَمِدْت اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إنِّي رَأَيْت صَاحِبَ الْبُرْهَانِ أَوْضَحَ هَذَا الْمَقَامَ طِبْقَ مَا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الذَّلِيلِ فَحَمِدْت اللَّهَ تَعَالَى ثَانِيًا اهـ مُلَخَّصًا، وَهُوَ كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، بِهِ يَنْقَطِعُ عِرْقُ الْإِشْكَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ غَيْرَ الْآخِرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتْحِ

[القنوت في الوتر]

الَّتِي لَيْسَتْ أَخِيرَةً؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ بِثَلَاثٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ يَقْعُدُ ثَلَاثَ قَعَدَاتٍ كُلٌّ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَاجِبٌ وَالثَّالِثَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ فَرْضٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْمَسْبُوقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ خِزَانَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْقُعُودَ فِي الصَّلَاةِ يَتَكَرَّرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ. (قَوْلُهُ وَالتَّشَهُّدُ) أَيْ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ النُّقَايَةِ: وَالتَّشَهُّدَانِ، بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِلْمُوَاظَبَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ قُلْ: التَّحِيَّاتُ» مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ سُنِّيَّةَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَعْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَخِيرَةَ لَمَّا كَانَتْ فَرْضًا كَانَ تَشَهُّدُهَا وَاجِبًا وَالْأُولَى لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً كَانَ تَشَهُّدُهَا سُنَّةً، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ فَإِنَّ التَّشَهُّدَ إنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَعْدَتَيْنِ فَلِذَا كَانَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ سَكَتَ عَنْهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فَقَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ جَعَلَهُ سُنَّةً غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَفْلَةٌ عَنْ تَصْرِيحِهِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ إنَّمَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّثْنِيَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ كُلَّ تَشَهُّدٍ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ وَاجِبٌ سَوَاءٌ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا عَلِمْته فِي الْقُعُودِ. (قَوْلُهُ وَلَفْظُ السَّلَامِ) لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَى افْتِرَاضِهِ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ لَوْ أَخَلَّ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " لَمْ تَصِحَّ كَمَا قَالَ: " السَّلَامُ عَلَيْك " أَوْ " سَلَامِي عَلَيْكُمْ " لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلَنَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ: «إذَا قُلْتُ: هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ قَضَيْت صَلَاتَك إنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ اسْمَ السُّنَّةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ يَحْصُلُ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِ لَفْظِ السَّلَامِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ، وَفِي قَوْلِهِ لَفْظُ السَّلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ بِهِ يَمِينًا وَيَسَارًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَإِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ السَّلَامُ فَقَطْ دُونَ عَلَيْكُمْ وَإِلَى أَنَّ لَفْظًا آخَرَ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَاهُ حَيْثُ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْعَرَبِيِّ بَلْ يَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْعَرَبِيِّ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ: وَلَفْظُ التَّشَهُّدِ، وَقَالَ: وَلَفْظُ السَّلَامِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ يُخَالِفُهَا صَرِيحُ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الشَّارِحَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ أَنَّ السَّلَامَ لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْعَرَبِيِّ. (قَوْلُهُ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ) أَيْ قِرَاءَةُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ وَاجِبَةٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَهُوَ سُنَّةٌ كَنَفْسِ صَلَاةِ الْوِتْرِ وَاسْتُدِلَّ لِوُجُوبِهِ بِأَنَّهُ يُضَافُ إلَى الصَّلَاةِ فَيُقَالُ قُنُوتُ الْوِتْرِ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَهُوَ إمَّا بِالْوُجُوبِ أَوْ بِالْفَرْضِ وَانْتَفَى الثَّانِي فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ لَمْ تُسْمَعْ مِنْ الشَّارِعِ حَتَّى تُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ فِي بَابِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ الدُّعَاءُ وَلَا يَخْتَصُّ بِلَفْظٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُؤَقِّتَ دُعَاءً وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ إلَّا الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى آخِرِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَعَا بِغَيْرِهِ جَازَ ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ سَبْقِ الْحَدَثِ لَوْ اسْتَخْلَفَ الْمُسَافِرُ مُقِيمًا حِينَ سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَانَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى فَرْضًا فِي حَقِّهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا عَارِضٌ (قَوْلُهُ فَقَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْكَافِي، وَأَمَّا وُجُوبُ التَّشَهُّدِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَفِي الْهِدَايَةِ عِنْدَ عَدِّ الْوَاجِبَاتِ وَقِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَهَذَا التَّقْيِيدُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ قِرَاءَتَهُ فِي الْأُولَى لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إذْ التَّخْصِيصُ فِي الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: جَازَ الْوُضُوءُ، مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ يُشِيرُ إلَى تَنَجُّسِ الْمَاءِ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ، وَقَالَ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ وَكَانَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَفِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اهـ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا غَفْلَةَ مِنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْكَافِي (قَوْلُهُ وَإِلَى أَنَّ لَفْظًا آخَرَ) إلَى قَوْلِهِ لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ سَاقِطَةٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَمَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِهَا [الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ] (قَوْلُهُ وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ الدُّعَاءُ) مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ.

[الجهر والإسرار في الصلاة]

وَلِهَذَا: قَالُوا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُنُوتَ الْمَعْرُوفَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. (قَوْلُهُ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ) أَيْ وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي صَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاسْتُدِلَّ لِلْوُجُوبِ بِالْإِضَافَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى وُجُوبِ الْأَذْكَارِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمُوَاظَبَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّرْكِ فِي التَّشَهُّدِ لِلنِّسْيَانِ فَلَا يُلْحَقُ بِالْمُبَيَّنِ أَعْنِي الصَّلَاةَ لِيَكُونَ فَرْضًا، أَمَّا فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ فَلِأَنَّ أَصْلَهُمَا بِظَنِّيٍّ فَلَا تَكُونُ الْمُوَاظَبَةُ فِيهِمَا مُحْتَاجَةً إلَى الِاقْتِرَانِ بِالتَّرْكِ لِيَثْبُتَ بِهِ الْوُجُوبُ، وَالْمُوَاظَبَةُ فِي السَّلَامِ مُعَارَضَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَيَانًا لِمَا تَقَرَّرَ جُزْءًا لِلصَّلَاةِ اهـ. وَظَاهِرَةُ ثُبُوتِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ حَتَّى أَثْبَتَ بِهَا الْوُجُوبَ، وَقَدْ نَازَعَ هُوَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْوِتْرِ بِأَنَّ الْوَارِدَ مُطْلَقُ الْمُوَاظَبَةِ أَعَمُّ مِنْ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَغَيْرِ الْمَقْرُونَةِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ وَإِلَّا لَوَجَبَ الْكَلِمَاتُ الْوَارِدَةُ عَيْنًا أَوْ كَانَتْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا وَذُكِرَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ رِعَايَةُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إذَا قَالَ: اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ يَعْنِي سَاهِيًا بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. اهـ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْخِلَافِ فِي مُرَاعَاةِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ لِلِافْتِتَاحِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ وُجُوبُهَا فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِيدِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْ الْوَاجِبَاتِ تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ. [الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِيمَا يُجْهَرُ وَيُسَرُّ) لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ أَطْلَقَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يُبَيِّنُهُ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِيمَا يَجْهَرُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِخْفَاءَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُصَلِّي إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا وَهِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَانِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ اتِّفَاقًا وَعَلَى مُنْفَرِدٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا الْجَهْرُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ فَقَطْ، وَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ وَهِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّرَاوِيح وَالْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ. (قَوْلُهُ وَسُنَنُهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ) لِلْمُوَاظَبَةِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ تُفِيدُ الْوُجُوبَ لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَامِلِ الْوُجُوبِ، وَقَدْ وُجِدَ، وَهُوَ تَعْلِيمُهُ الْأَعْرَابِيَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَأْوِيلٍ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، عَلَى أَنَّهُ حُكِيَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافًا فِي تَرْكِهِ: قِيلَ يَأْثَمُ، وَقِيلَ لَا، قَالَ وَالْمُخْتَارُ إنْ اعْتَادَهُ أَثِمَ لَا إنْ كَانَ أَحْيَانًا. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ شِقَّيْ هَذَا الْقَوْلِ مَحْمَلَ الْقَوْلَيْنِ فَلَا اخْتِلَافَ حِينَئِذٍ وَلَا إثْمَ لِنَفْسِ التَّرْكِ بَلْ لِأَنَّ اعْتِيَادَهُ لِلِاسْتِخْفَافِ وَإِلَّا فَمُشْكِلٌ أَوْ يَكُونُ وَاجِبًا. اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَثِمَ مَنُوطٌ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قِيلَ لَا يَأْثَمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَصْرِيحِهِمْ بِالْإِثْمِ لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ لِمَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَثِمَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ بَعْضُهُ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ أَخَفُّ مِنْ الْإِثْمِ لِتَارِكِ الْوَاجِبِ، وَلِهَذَا قِيلَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْإِثْمِ عَلَى هَذَا إثْمٌ يَسِيرٌ كَمَا هُوَ حُكْمُ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُوَاظَبِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْإِثْمِ فِي تَرْكِ الرَّفْعِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِهِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الزَّوَائِدِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَبِّ، وَقَدْ قَالَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ [تَكْبِير الْعِيدَيْنِ] (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ) مَحَلُّهُ فِي الْأَدَاءِ أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَنْ يُخَافِتَ فِيهِ إذَا قَضَاهُ فِي وَقْتِ الْمُخَافَتَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ عَنْ السِّرَاجِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ أَيْضًا [سُنَنُ الصَّلَاة] (قَوْلُهُ لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُفِيدُ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ تُفِيدُ الْوُجُوبَ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ تُفِيدُهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ يُفِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْمُوَاظَبَةَ لَيْسَتْ لِأَجْلِ حَامِلٍ عَلَيْهَا هُوَ الْوُجُوبُ وَهُنَا قَدْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ عَلَيْهَا غَيْرُ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ الشِّقَّ الْأَوَّلَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ مَحْمَلَ الْقَوْلِ بِالْإِثْمِ وَالشِّقَّ الثَّانِيَ مَحْمَلَ الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ (قَوْلُهُ وَتَصْرِيحُهُمْ بِالْإِثْمِ لِمَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ) أَقُولُ: سَنَنْقُلُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَ التَّرْكَ وَسَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّ الْحَلَبِيَّ وَفَّقَ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَالْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ بِالْمُوَاظَبَةِ وَالْإِتْيَانِ أَحْيَانًا فَالْأُولَى سُنَّةٌ وَالثَّانِيَةُ وَاجِبَةٌ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى أَنَّ الْإِثْمَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تَرْكِهَا دُونَ الْإِثْمِ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ فَالْإِثْمُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مَعْزِيًّا إلَى أُصُولِ أَبِي الْيُسْرِ حُكْمُ السُّنَّةِ أَنْ يُنْدَبَ إلَى تَحْصِيلِهَا وَيُلَامَ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ لُحُوقِ إثْمٍ يَسِيرٍ، وَكَوْنُ الِاعْتِيَادِ لِلِاسْتِخْفَافِ يُوجِبُ إثْمًا فَقَطْ فِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ لَمْ يَرَ السُّنَّةَ

الذَّخِيرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ تَرَكَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ جَازَ، وَإِنْ رَفَعَ فَهُوَ أَفْضَلُ اهـ. وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَنَشْرُ أَصَابِعِهِ) وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ لَا يَضُمَّ كُلَّ الضَّمِّ وَلَا يُفَرِّجُ كُلَّ التَّفْرِيجِ بَلْ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا مَنْشُورَةً كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّشْرِ عَدَمُ الطَّيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَهُمَا مَنْصُوبَتَيْنِ لَا مَضْمُومَتَيْنِ حَتَّى تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَعَ الْكَفِّ مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ وَمِنْ السُّنَنِ أَنْ لَا يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ (قَوْلُهُ وَجَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ) لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِعْلَامِ بِالدُّخُولِ وَالِانْتِقَالِ. قَيَّدَ بِالْإِمَامِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ وَالْمُنْفَرِدَ لَا يُسَنُّ لَهُمَا الْجَهْرُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الذِّكْرِ الْإِخْفَاءُ وَلَا حَاجَةَ لَهُمَا إلَى الْجَهْرِ (قَوْلُهُ وَالثَّنَاءُ وَالتَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ وَالتَّأْمِينُ سِرًّا) لِلنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَوْلُهُ سِرًّا رَاجِعٌ إلَى الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ وَوَضْعُ يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ وَضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» فَانْتَفَى بِهِ قَوْلُ مَالِكٍ بِالْإِرْسَالِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَحَلُّهُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ تَحْتَ الصَّدْرِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ النَّوَوِيُّ بِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ «قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى، وَاسْتَدَلَّ مَشَايِخُنَا عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مِنْ سُنَن الْمُرْسَلِينَ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا وَضْعَ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» لَكِنَّ الْمُخَرِّجِينَ لَمْ يَعْرِفُوا فِيهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا تَحْتَ السُّرَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَوْجِيهِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الثَّابِتَ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ يُوجِبُ تَعْيِينَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَضْعُ مِنْ الْبَدَنِ إلَّا حَدِيثَ وَائِلٍ الْمَذْكُورَ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ وَاقِعَةَ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَيُحَالُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ وَضْعِهَا حَالَ قَصْدِ التَّعْظِيمِ فِي الْقِيَامِ، وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّاهِدِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحْتَ السُّرَّةِ فَقُلْنَا بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَضَعُ عَلَى صَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا فَيَكُونُ فِي حَقِّهَا أَوْلَى (قَوْلُهُ وَتَكْبِيرُ الرُّكُوعِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ» (وَقَوْلُهُ وَالرَّفْعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى التَّكْبِيرَةِ وَلَا يَجُوزُ جَرُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْوُجُوبُ لَا السُّنِّيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ وَتَسْبِيحُهُ ثَلَاثًا) أَيْ تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِيجُ أَصَابِعِهِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «إذَا رَكَعْت فَضَعْ يَدَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِك» (قَوْلُهُ وَتَكْبِيرُ السُّجُودِ) لِمَا رَوَيْنَا قَالَ الشَّارِحُ، وَلَوْ قَالَ: وَتَكْبِيرُ السُّجُودِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ سُنَّةٌ، وَكَذَا الرَّفْعُ نَفْسُهُ سُنَّةٌ اهـ. لَكِنَّ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQحَقًّا كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ زَجْرُهُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ ذِكْرٌ هُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ اهـ. أَيْ لِيَشْمَلَ رِوَايَتَيْ التَّسْمِيعِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ ذِكْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُحِيطِ وَرَوْضَةِ النَّاطِفِيِّ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَاقْتَصَرَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى إعْرَابِهِ بِالْجَرِّ وَمَشَى عَلَى أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ السُّنَنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ» ، وَقَدْ نُقِلَ تَوَاتُرُ الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَهُ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ تُرِك فِي زَمَانِنَا. اهـ. وَسَيَأْتِي تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ الذِّكْرُ الَّذِي فِيهِ تَعْظِيمٌ كَمَا مَرَّ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقْصِدْ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فَلْيَكُنْ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ فِي كَلَامِهِ مَا ذُكِرَ يَشْمَلُ تَكْبِيرَ الرُّكُوعِ وَالتَّسْمِيعَ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ الَّذِي بَنَى كِتَابَهُ عَلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَنْسَبُ الْجَرُّ لِمَا قُلْنَا وَلِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ الْمُنَافِي لِلِاخْتِصَارِ فِي قَوْلِهِ وَالْقَوْمَةُ وَالْجَلْسَةُ، وَدَفْعُهُ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْمَةِ الْقَوْمَةُ مِنْ السُّجُودِ بَعِيدٌ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْجَرَّ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَتَسْبِيحِهِ ثَلَاثًا إذْ لَوْ كَانَ الرَّفْعُ مَرْفُوعًا لَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: وَتَسْبِيحِهِ عَلَى قَوْلِهِ: وَالرَّفْعُ مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ لَكِنَّ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمَيْنِ إلَخْ) قَدْ يَمْنَعُ إرَادَةَ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمَيْنِ مِمَّا ذُكِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِصَارُهُ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ اسْتِئْنَافُهُ ذِكْرَ الرَّفْعِ بِقَوْلِهِ: وَكَذَا الرَّفْعُ نَفْسُهُ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ وَإِلَّا لَقَالَ لِأَنَّ الرَّفْعَ نَفْسَهُ وَالتَّكْبِيرَ عِنْدَهُ سُنَّتَانِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ قِرَاءَتِهِ بِالْوَجْهَيْنِ فَفِي كُلِّ وَجْهٍ يُرَادُ مَعْنَاهُ فَيُسْتَفَادُ الْحُكْمَانِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي وَقْتَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194]

قُرِئَ بِالرَّفْعِ أَفَادَ سُنِّيَّةَ أَصْلِ الرَّفْعِ، وَإِنْ قُرِئَ بِالْجَرِّ أَفَادَ سُنِّيَّةَ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّفْعِ، وَأَمَّا اسْتَفَادَتُهُمَا مِنْهُ فَلَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْهُ فَرْضٌ، وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْتِقَالُ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ بِأَنْ يَسْجُدَ عَلَى وِسَادَةٍ، ثُمَّ تُنْزَعَ وَيَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ ثَانِيًا قَالَ الشَّارِحُ وَلَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الرَّفْعَ حَتَّى يَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْجُلُوسِ (قَوْلُهُ وَتَسْبِيحُهُ ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا» (قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ) يَعْنِي حَالَةَ السُّجُودِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَافْتِرَاشُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبُ الْيُمْنَى وَالْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ) تَقَدَّمَ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُهُمَا، وَفِي قَوْلِهِ الْقَوْمَةُ نَوْعُ إشْكَالٍ فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَرِيبٍ أَنَّ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ سُنَّةٌ، وَهُوَ الْقَوْمَةُ فَيَكُونُ تَكْرَارًا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِالْقَوْمَةِ الْقَوْمَةَ مِنْ السُّجُودِ فَلَا تَكْرَارَ وَالْقَوْمَةُ خِلَافُ الْجِلْسَةِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَوْ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهَا فَرْضٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَقَدْ نَسَبَ قَوْمٌ مِنْ الْأَعْيَانِ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ فِي هَذَا إلَى الشُّذُوذِ وَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ: أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي التَّشَهُّدِ وَلَا سَلَفَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا اهـ. فَإِنْ تَمَّ هَذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ لَكِنْ تَعَقَّبَ غَيْرُ وَاحِدٍ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بَعْدَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا مُوجِبُ الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى {صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 56] فَهُوَ افْتِرَاضُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَسَيَأْتِي كَيْفِيَّتُهَا وَأَحْكَامُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ وَالدُّعَاءُ) أَيْ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» وَلِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مَرْفُوعًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِدُبُرِهَا مَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَيْ الْوَقْتُ الَّذِي يَلِيه وَقْتُ الْخُرُوجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ دُبُرَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ وَمُتَّصِلٌ بِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ وَرَاءَهُ وَعَقِبَهُ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ أَيْضًا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْمُرَادُ بِدُبُرِهَا الْوَقْتَ الَّذِي يَلِي وَقْتَ الْخُرُوجِ مِنْهَا لَكِنْ عِنْدَنَا السُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ عَقِبُ الْفَرَاغِ. (قَوْلُهُ وَآدَابُهَا نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) أَيْ فِي حَالِ الْقِيَامِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ فَإِلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ، وَفِي سُجُودِهِ إلَى أَرْنَبَتِهِ، وَفِي قُعُودِهِ إلَى حِجْرِهِ وَعِنْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى إلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَعِنْدَ الثَّانِيَةِ إلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخُشُوعُ (قَوْلُهُ وَكَظْمُ فَمِهِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ) أَيْ إمْسَاكُ فَمِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَدُّهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلِيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ غَطَّاهُ بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ لِلْحَدِيثِ (قَوْلُهُ وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ وَأَمْكَنُ مِنْ نَشْرِ الْأَصَابِعِ إلَّا لِضَرُورَةِ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَدَفْعُ السُّعَالِ مَا اسْتَطَاعَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَيَجْتَنِبُهُ مَا أَمْكَنَ (قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ حِينَ قِيلَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَيْهِ، أَطْلَقَهُ، فَشَمِلَ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ وَإِلَّا فَيَقُومُ كُلُّ صَفٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ قُدَّامٍ وَقَفُوا حِينَ يَقَعُ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ غَيْرَ الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَالْقَوْمُ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ إقَامَتِهِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ وَشُرُوعُ الْإِمَامِ مُذْ قِيلَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQقُرِئَ بِتَشْدِيدِ إنَّ وَتَخْفِيفِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَانِ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى التَّشْدِيدِ الْإِثْبَاتُ وَعَلَى التَّخْفِيفِ النَّفْيُ وَمَوْرِدُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مُخْتَلِفٌ كَمَا قُرِّرَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَلَا يُقَالُ إنْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ أَفَادَ مَعْنًى، وَإِنْ قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أَفَادَ مَعْنًى لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ يُفِيدُ كُلًّا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ بِقِرَاءَتِهِ مَا يُنَاسِبُهُ فَقَدْ صَحَّ إرَادَةُ مَعْنَيَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ مِنْ لَفْظٍ صُورَتُهُ فِي الرَّسْمِ وَاحِدَةٌ وَمِثْلُهُ مَا إذَا اتَّحَدَ اللَّفْظُ وَاخْتَلَفَ التَّقْدِيرُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] يَصِحُّ التَّقْدِيرُ مِنْ: أَنْ

[فصل ما يفعله من أراد الدخول في الصلاة]

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَشْرَعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى فَضِيلَةِ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَإِعَانَةً لِلْمُؤَذِّنِ عَلَى الشُّرُوعِ مَعَهُ، وَلَهُمَا: أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمِينٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ فَيَشْرَعُ عِنْدَهُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْكَذِبِ، وَفِيهِ مُسَارَعَةٌ إلَى الْمُنَاجَاةِ، وَقَدْ تَابَعَ الْمُؤَذِّنَ فِي الْأَكْثَرِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُتَابَعَةُ فِي الْأَذَانِ دُونَ الْإِقَامَةِ. كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ أَنَّ إجَابَةَ الْإِقَامَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ مَا يَفْعَلهُ مِنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ] (فَصْلٌ) هُوَ فِي اللُّغَةِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ بِالْكِتَابِ وَالْبَابِ (قَوْلُهُ وَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) أَيْ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ قَائِمًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ لَا بِهِ، وَأَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ النُّطْقِ لَا يَلْزَمُهُ تَحْرِيكُ اللِّسَانِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْ سُنَنِ التَّكْبِيرِ حَذْفُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رَوَيْنَاهُ وَلِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ» وَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ حِينَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ الْأَكْسِيَةُ وَالْبَرَانِسُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَوْ الْمُرَادُ بِمَا رَوَيْنَاهُ: رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَبِالثَّانِي الْأَكُفُّ وَالْأَرْسَاغُ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاعْتَمَدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، قَالُوا: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ رَفْعِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَفَّيْهَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ وَرَوَى ابْنُ مُقَاتِلٍ أَنَّهَا تَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحَاذَاةِ أَنْ يَمَسَّ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتِي أُذُنَيْهِ لِيَتَيَقَّنَ بِمُحَاذَاةِ يَدَيْهِ بِأُذُنَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النُّقَايَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ وَقْتَ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَرْفَعُ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلًا وَالْمَحْكِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فِعْلًا وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ حَتَّى قَالَ الْبَقَّالِيُّ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَفَسَّرَ قَاضِي خَانْ الْمُقَارَنَةَ بِأَنْ تَكُونَ بُدَاءَتُهُ عِنْدَ بُدَاءَتِهِ وَخَتْمُهُ عِنْدَ خَتْمِهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: وَقْتُهُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ، وَنَسَبَهُ فِي الْمَجْمَعِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى عَامَّةِ عُلَمَائِنَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ إلَى أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ» . الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَقْتُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَيُكَبِّرُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ» وَرَجَّحَ فِي الْهِدَايَةِ مَا صَحَّحَهُ بِأَنَّ فِعْلَهُ نَفَى الْكِبْرِيَاءَ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِيجَابِ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ فَلَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ لُزُومَهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، فَفِي الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ رِوَايَةٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَيُؤْنَسُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ مِنْ بَيْنِ أَفْعَالِهِ هَذِهِ تَقْدِيمُ الرَّفْعِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَتُحْمَلُ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ (ثُمَّ رَفَعَ) عَلَى الْوَاوِ (وَمَعَ) عَلَى مَعْنَى قَبْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنْكِحُوهُنَّ لِحُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ أَوْ عَنْ: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِفَقْرِهِنَّ وَدَمَامَتِهِنَّ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَتَدَبَّرْ. [آدَابُ الصَّلَاة] (فَصْلٌ فِي بَيَانِ تَرْكِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ) (قَوْلُهُ وَمِنْ سُنَنِ التَّكْبِيرِ حَذْفُهُ) أَيْ عَدَمُ إطَالَةِ الْقَوْلِ بِهِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْقَامُوسِ وَفَسَّرَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْمَدِّ فِي هَمْزَةِ (اللَّهِ) وَلَا فِي بَاءِ (أَكْبَرَ) وَلَكِنَّهُ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ الْمَدَّ فِي ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَعَمْدُهُ كُفْرٌ بَلْ الْمُرَادُ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَبَّرَ بِلَا مَدٍّ وَرَكَعَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ حَذْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا وَرَدَ التَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَحَاصِلُهُ: الْإِمْسَاكُ عَنْ إشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ وَالْإِضْرَابُ عَنْ الْهَمْزَةِ الْمُفْرِطَةِ وَالْمَدِّ الْفَاحِشِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ لَا يَحْذِفَ الْهَاءَ أَوْ يَمُدَّ اللَّامَ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي دُرِّ الْكُنُوزِ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا حَذَفَ الْمُصَلِّي أَوْ الْحَالِفُ أَوْ الذَّابِحُ الْمَدَّ الَّذِي فِي اللَّامِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجَلَالَةِ أَوْ حَذَفَ الْهَاءَ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ تَحْرِيمَتِهِ، وَفِي انْعِقَادِ يَمِينِهِ وَحِلِّ ذَبِيحَتِهِ فَلَا يُتْرَكُ ذَلِكَ احْتِيَاطًا اهـ. (قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْمَذْكُورُ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْأَمَةَ كَالرَّجُلِ فِي الرَّفْعِ وَكَالْحُرَّةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ. أَقُولُ: عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْقُنْيَةِ بِقِيلَ فَقَالَ: تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي التَّكْبِيرِ إلَى مَنْكِبَيْهَا حِذَاءَ ثَدْيَيْهَا قِيلَ هُوَ السُّنَّةُ فِي الْحُرَّةِ فَأَمَّا الْأَمَةُ فَكَالرَّجُلِ لِأَنَّ كَفَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كَفَّ الْحُرَّةِ أَيْضًا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ اهـ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحِلْيَةِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ وَتُحْمَلُ ثُمَّ إلَخْ) الظَّاهِرُ التَّعْبِيرُ بِأَوْ لِيَكُونَ وَجْهًا آخَرَ

؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ تَقْدِيمَ النَّفْيِ فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكَلُّمُ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ: وَرِوَايَةُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ مَعَ التَّكْبِيرِ نَصٌّ مُحْكَمٌ فِي الْمُقَارَنَةِ، وَرِوَايَةُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَعَكْسُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْقُرْآنِ كَالتَّرْتِيبِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْقُرْآنِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ الْمُحْكَمَ رَاجِحٌ عَلَى الْمُحْتَمِلِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ، (ثُمَّ) مَوْضُوعَةٌ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي وَاسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ مَجَازٌ فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي مَعْنَاهَا كَمَا أَنَّ (مَعَ) ظَاهِرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى بَعْدُ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ فَلَيْسَتْ مُحْكَمَةً كَمَا تَوَهَّمَهُ فَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ثَابِتَةٌ فَالتَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لَا بِمَا ذَكَرَهُ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الْقِيَاسِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّفْعُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ بِالتَّهْلِيلِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ) شُرُوعٌ فِي الْمُرَادِ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا كُلُّ لَفْظٍ هُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ دَالٌ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إلَّا بِأَلْفَاظٍ مُشْتَقَّةٍ مِنْ التَّكْبِيرِ وَهِيَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ اللَّهُ الْكَبِيرُ اللَّهُ كَبِيرٌ اللَّهُ الْكِبَارُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ بِهِ لِلْحَدِيثِ «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ، وَلَهُمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ لُغَةً: التَّعْظِيمُ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةٌ لَهُ خُصُوصًا اللَّهُ أَعْظَمُ فَكَانَتْ تَكْبِيرًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَالرَّحْمَنُ أَكْبَرُ سَوَاءٌ قَوْله تَعَالَى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، وَلِهَذَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ بِاسْمِ الرَّحِيمِ فَكَذَا هَذَا، ثُمَّ غَايَةُ مَا هُنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُكْرَهَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهِ لِمَنْ يُحْسِنُهُ كَمَا قُلْنَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ التَّعْدِيلِ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَهَذَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِلْمُوَاظَبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِتَرْكٍ، فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالذَّخِيرَةِ وَالنِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِافْتِتَاحُ بِغَيْرِ اللَّهُ أَكْبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ التَّرْكِ فَعَلَى هَذَا يَضْعُفُ مَا صَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَنَبِيُّنَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالْمُرَادُ غَيْرُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلِيلِ نَقْلِ الْمُوَاظَبَةِ عَنْهُ عَلَى لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَيَضْعُفُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ أَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الِافْتِتَاحِ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْكُلِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصْحِيحِ السَّرَخْسِيِّ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي الْكَافِي وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى التَّعْظِيمِ لَا خُصُوصَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ حَتَّى يَصِيرَ شَارِعًا بِ " الرَّحِيمُ أَكْبَرُ " أَوْ " أَجَلُّ " كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَأَفْتَى بِهِ الْمَرْغِينَانِيِّ فَمَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالرَّحِيمِ ضَعِيفٌ وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِأَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ الْحَمْلِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ شُرُوعٌ فِي الْمُرَادِ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَبَّرَ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَإِلَّا لَأَتَى بِالْفَاءِ، وَقَالَ: فَلَوْ شَرَعَ، بَلْ مُرَادُهُ بِالتَّكْبِيرِ ظَاهِرُهُ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الشُّرُوعَ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَعَ بَيَانٌ لِصِحَّةِ الشُّرُوعِ بِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ لَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ ثُمَّ غَايَةُ مَا هُنَا إلَخْ) النَّصُّ هُوَ قَوْلُهُ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] وَالذِّكْرُ يَشْمَلُ التَّكْبِيرَ وَغَيْرَهُ وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَارِّ، وَهُوَ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ لَا الْفَرْضِيَّةَ لِئَلَّا يَلْزَمَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّهُمَا حَمَلَا التَّكْبِيرَ عَلَى التَّعْظِيمِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ لَفْظَ التَّكْبِيرِ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَوْ عَلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ بِالْمُوَاظَبَةِ.

أَمَّا إذَا قَرَنَ بِهِ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا اتِّفَاقًا كَقَوْلِهِ الْعَالِمُ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ أَوْ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِكُلِّ اسْمٍ مُشْتَرَكٍ مُقَيَّدٍ بِمَا إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَا يُزِيلُ اشْتِرَاكَهُ. أَمَّا إذَا قُرِنَ بِمَا يُزِيلُهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كَقَوْلِهِ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ وَعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ شَارِعًا بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ اهـ. وَأَشَارَ بِذِكْرِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إلَّا بِجُمْلَةٍ تَامَّةٍ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ كَاللَّهُ أَوْ أَكْبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّجْرِيدِ وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّ التَّعْظِيمَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى التَّكْبِيرِ حُكْمٌ عَلَى الْمُعَظَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخَبَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِيرُ شَارِعًا بِكُلِّ اسْمٍ مُفْرَدٍ أَوْ خَبَرٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَلَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ وَفَرَّقَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، فَقَالَ: لَوْ قَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّبُّ وَلَمْ يَزِدْ يَصِيرُ شَارِعًا، وَلَوْ قَالَ التَّكْبِيرُ أَوْ الْأَكْبَرُ أَوْ قَالَ أَكْبَرُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَانَ الْفَرْقُ الِاخْتِصَاصَ فِي الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِهِ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَائِضَ إذَا طَهُرَتْ عَلَى عَشْرٍ، وَفِي الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الِاسْمَ الشَّرِيفَ فَقَطْ لَا تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَتَجِبُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إلَّا أَنَّ قَوْلَ اللَّهُ كَانَ فِي قِيَامِهِ، وَقَوْلَهُ أَكْبَرُ كَانَ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ لَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا وَلَمْ يَحْكِيَا غَيْرَهُ فَكَأَنَّهُمَا بَنَيَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ وَمِنْهَا: مَا لَوْ وَقَعَ اللَّهُ مَعَ الْإِمَامِ وَأَكْبَرُ قَبْلَهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا إذَا شَرَعَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لِسَانٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَهُوَ كَالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ لَوْ آمَن بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ إجْمَاعًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَكَذَا التَّلْبِيَةُ فِي الْحَجِّ وَالسَّلَامُ وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ بِهَا يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى يَصِيرَ شَارِعًا بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِهَا حَيْثُ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخُطْبَةُ وَالْقُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ، وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ. (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا عَاجِزًا) أَيْ لَوْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ حَالَةَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ قَيَّدَ بِالْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَادِرًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ بِالصِّحَّةِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ أَخْذِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَفْهُومِ الْقُرْآنِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا} [فصلت: 44] فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَتَهُ قُرْآنًا أَيْضًا لَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَوَافَقَهُمَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْقُرْآنِ بِاللَّازِمِ إنَّمَا هُوَ الْعَرَبِيُّ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَأَمَّا قُرْآنُ الْمُنْكِرِ فَلَمْ يُعْهَدْ فِيهِ نَقْلٌ عَنْ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَقْرُوءٍ وَمَا قِيلَ: النَّظْمُ مَقْصُودٌ لِلْإِعْجَازِ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهَا الْمُنَاجَاةُ لَا الْإِعْجَازُ فَلَا يَكُونُ النَّظْمُ لَازِمًا فِيهَا فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ النَّصَّ طَلَبٌ بِالْعَرَبِيِّ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُجِيزُهُ بِغَيْرِهَا وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرٌ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهَا فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْفَارِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ فَحِينَئِذٍ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ الْفَارِسِيَّةِ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بِالتَّفْسِيرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ النَّاسِ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ إذَا اكْتَفَى بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لَا تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي عَقْدِ الْفَوَائِدِ الْفَتْوَى عَلَى الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ فَرَاغِهِ بِأَنْ مَدَّ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ (قَوْلُهُ وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفَ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّهُ فِي أَذَانِ السِّرَاجِ قَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ أَذَانٌ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا لَوْ قَرَأَ بِهَا عَاجِزًا) قَالَ فِي النَّهْرِ: شَرْطُ الْعَجْزِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا تَجُوزُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ كَمَا رَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَالرَّازِيِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ اهـ. قُلْت: وَتَقْيِيدُهُ بِالْعَجْزِ هُنَا دُونَ الشَّرْعِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الشُّرُوعِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْفَارِسِيَّةِ بِدُونِ الْعَجْزِ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ جَعْلَهُ كَالتَّلْبِيَةِ يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا قَوْلُ الْعَيْنِيِّ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَبِهِ قَالَتْ الثَّلَاثَةُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَصَحَّ رُجُوعُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَوْلِهِمَا اهـ. فَهُوَ اشْتِبَاهُ مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ بِمَسْأَلَةِ الشُّرُوعِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ لَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ وَلَا سَنَدَ يُقَوِّيه بَلْ ظَاهِرُ التَّتَارْخَانِيَّة رُجُوعُهُمَا إلَيْهِ لَا هُوَ إلَيْهِمَا فَاحْفَظْهُ فَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْقَاصِرِينَ حَتَّى الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي كُلِّ كُتُبِهِ فَتَنَبَّهْ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشُّرُوعِ فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِيهَا بَلْ مُقْتَضَى كَلَامِ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهَا اتِّفَاقِيَّةٌ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الرُّجُوعُ مِنْهُمَا إلَيْهِ لَا مِنْهُ إلَيْهِمَا

الْفَسَادِ حَتَّى إذَا قَرَأَ مَعَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا وَيُحْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَقْرُوءُ مِنْ مَكَانِ الْقَصَصِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا وَلَا تَفْسُدُ وَفِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ ذِكْرًا وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرَ ذِكْرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى بِلُبِّ الْأُصُولِ (قَوْلُهُ أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا) يَعْنِي يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ الذِّكْرُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ. (قَوْلُهُ لَا بِاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَا مُسَمِّيًا عَلَى الذَّبِيحَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَنَاءٍ خَالِصٍ بَلْ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ، اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْنَاهُ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ مَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ، وَضَمَّةُ الْهَاءِ فِيهِ هِيَ الضَّمَّةُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْمُنَادَى وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ فِي آخِرِهِ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ الْمَحْذُوفِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرْفِ النِّدَاءِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَيَصِحُّ الشُّرُوعُ بِيَا أَلَّلَهُ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَكَذَا مَا كَانَ بِمَعْنَاهُ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مَعْنَاهُ: يَا أَلَّلَهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ أَيْ اقْصِدْنَا بِهِ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ وَالْجُمْلَةُ اخْتِصَارًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَأُبْقِيَتْ ضَمَّةُ الْهَاءِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَعُوِّضَتْ بِالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَالْمِيمِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ عَنْهُ، وَقَدْ رُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ} [الأنفال: 32] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ أَنْ يُقَالَ: يَا أَلَّلَهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدَك فَأَمْطِرْ. الْآيَةَ. . . فَلَا جَرَمَ إنْ صَحَّحَ الْمَشَايِخُ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا ثَالِثًا: وَهُوَ أَنَّ الْمِيمَ الْمُشَدَّدَةَ كِنَايَةٌ عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ بِهِ أَيْضًا اهـ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ: اُرْزُقْنِي أَوْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَوْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَفِي الْمُبْتَغَى وَالْمُجْتَبَى يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يَجُوزُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلتَّبَرُّكِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بَارِكْ لِي فِي هَذَا الْأَمْرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ تَرْجِيحُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ خَالِصٌ بِدَلِيلِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ مَعَ اشْتِرَاطِ الذِّكْرِ الْخَالِصِ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36] أَيْ خَالِصًا. (قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَأْخُذُ رُسْغَهَا بِالْخِنْصَرِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: اخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمَقْرُوءَ إنْ كَانَ قَصَصًا أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا فَسَدَتْ، وَإِنْ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا لَا أَقُولُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شِقَّيْ هَذَا الْقَوْلِ مَحْمُولًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الِاخْتِيَارِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ زَلَّةِ الْقَارِئِ لَوْ أَبْدَلَ كَلِمَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِأُخْرَى تُقَارِبُهَا فِي الْمَعْنَى إنْ مِنْ الْقَصَصِ وَنَحْوِهَا فَسَدَتْ، وَإِنْ حَمْدًا أَوْ تَنْزِيهًا أَوْ ذِكْرًا لَا اهـ كَلَامُ النَّهْرِ. أَقُولُ: قَدْ مَرَّ آنِفًا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ تَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ اتِّفَاقًا فَلَوْ كَانَ الْقَصَصُ مُفْسِدًا اتِّفَاقًا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ بِهِ مُتَكَلِّمًا كَمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ لَلَزِمَ الْعَاجِزَ السُّكُوتُ إنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَ الْقَصَصِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَ الِاتِّفَاقِ بِغَيْرِ الْقَصَصِ (قَوْلُهُ كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ عِنْدِي بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسِيَّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيِّ لَيْسَ قُرْآنًا أَصْلًا لِانْصِرَافِهِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَى الْعَرَبِيِّ فَإِذَا قَرَأَ قِصَّةً صَارَ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ النَّاسِ بِخِلَافِ الشَّاذِّ فَإِنَّهُ قُرْآنٌ إلَّا أَنَّ فِي قُرْآنِيَّتِهِ شَكًّا فَلَا تَفْسُدُ بِهِ وَلَوْ قِصَّةً، وَحَكَوْا الِاتِّفَاقَ فِيهِ عَلَى عَدَمِهِ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَلَامَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ بِمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ اهـ. أَيْ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشَّاذِّ تَفْسُدُ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ لَا أَنَّ الْفَسَادَ بِهِ (قَوْلُهُ أَيْ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَلَا مُسَمِّيًا عَلَى الذَّبِيحَةِ) أَفَادَ أَنَّ النَّفْيَ رَاجِعٌ إلَيْهِمَا، وَفِي النَّهْرِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِجُمْهُورِ الشَّارِحِينَ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ إنَّمَا هُوَ الشُّرُوعُ وَذِكْرُ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ إلَّا تَبَعًا، ثُمَّ قَالَ إنْ أُرِيدَ خُصُوصُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي اتَّجَهَ مَا فِي الْبَحْرِ أَوْ كُلُّ مَا كَانَ خَبَرًا اتَّجَهَ مَا فِي الشَّرْحِ وَلَا مَعْنَى لِإِرَادَةِ الْمُصَنِّفِ خُصُوصَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي بَلْ كُلَّ مَا كَانَ خَبَرًا عَلَى مَا عَلِمْت وَالرَّاجِحُ فِي الشُّرُوعِ بِالتَّسْمِيَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إجْزَائِهَا لِلذَّبْحِ فَرُجُوعُ النَّفْيِ إلَى الشُّرُوعِ أَظْهَرُ. (قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ هُوَ الْأَشْبَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي السِّرَاجِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي فَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، ثُمَّ قَالَ فَالرَّاجِحُ فِي التَّسْمِيَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَالْأَرْجَحُ أَيْ فِي الْبَحْرِ الْإِجْزَاءُ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: يَعْنِي الْكَفَّ عَلَى الْكَفِّ وَيُقَالُ عَلَى الْمِفْصَلِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَكَلَامُهُ يَحْتَمِلُهُمَا، وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَضْعِ فَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الظَّاهِرِ فِيهِ نَظَرٌ وَعَنْ الثَّانِي

وَالْإِبْهَامِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْأَخْذِ الْوَضْعُ وَلَا يَنْعَكِسُ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَخْبَارَ اخْتَلَفَتْ ذُكِرَ فِي بَعْضِهَا الْوَضْعُ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَخْذُ فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا وَقْتَ الْوَضْعِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقْتُهُ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَهُوَ سُنَّةُ قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَيَضَعُ حَالَةَ الثَّنَاءِ، وَفِي الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَقِيلَ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ فَلَا يَضَعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَضْعُ فِي الْقِيَامِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ قَرَارٌ لَهُ وَلَا قِرَاءَةَ فِيهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْإِرْسَالَ فِي الْقَوْمَةِ بِنَاءً عَلَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا قِيلَ بِأَنَّ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْمِيعَ لَيْسَ سُنَّةً فِيهَا بَلْ فِي نَفْسِ الِانْتِقَالِ إلَيْهَا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ قَلَّ مَا يَقَعُ التَّسْمِيعُ إلَّا فِي الْقِيَامِ حَالَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اهـ. لِمَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ، وَفِي الْقُنْيَةِ، وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيعَ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَأْتِي كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ حَالَةَ الِانْحِطَاطِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَرَكَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ هَذَا وَيُرَاعِيَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQيَقْبِضُ بِالْيُمْنَى رُسْغَ الْيُسْرَى وَاخْتَارَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَضَعُهُمَا كَذَلِكَ وَيَكُونُ الرُّسْغُ وَسَطَ الْكَفِّ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَخْذَ الرُّسْغِ بِالْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ وَوَضْعَ الْبَاقِيَ لِيَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْوَضْعِ الْمَرْوِيَّيْنِ فِي السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ عَزْوِهِ هَذَا الْقَوْلَ لِلْمُجْتَبَى وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَبْسُوطِ بِزِيَادَةٍ لِيَكُونَ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ وَالْمَذَاهِبِ احْتِيَاطًا قَالَ وَقِيلَ هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَذَاهِبِ وَالْأَحَادِيثِ فَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ احْتِيَاطًا اهـ. (قَوْلُهُ فَهُوَ سُنَّةُ قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى قَاعِدًا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَإِذَا لَمْ يُسَنَّ فِي حَقِّهِ كَيْفَ يَضَعُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَيَبْسُطُ أَصَابِعَهُ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْقُعُودِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الْمُسَمَّى بِتَوْفِيقِ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَيَضَعُ يَمِينَهُ إلَخْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: يَضَعُ الْمُصَلِّي كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقُ بِالْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ اهـ فَقَوْلُهُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَالَةَ الْجُلُوسِ تَأَمَّلْ وَرَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْجُلُوسِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الْقِيَامِ اهـ. قُلْتُ: ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ، وَقَالَ لَمْ أَرَهُ، ثُمَّ رَأَيْت فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ الْمُرَادُ مِنْ الْقِيَام مَا هُوَ الْأَعَمُّ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَأَجْمَعُوا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي السِّرَاجِ عَنْ النَّسَفِيِّ وَالْحَاكِمِ وَالْجُرْجَانِيِّ وَالْفَضْلِيِّ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِنَازَةِ وَزَوَائِدِ الْعِيدِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِكُلِّ قِيَامٍ وَحَكَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا يَمْسِكُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَخَصَّ قَوْلَهُمَا لِمَا أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلُهُمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي السِّرَاجِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِي حَقِّ الْمُؤْتَمِّ، وَالْإِمَامُ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّسْمِيعَ أَوْ التَّحْمِيدَ إنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ حَالَةَ الِانْتِقَالِ نَعَمْ هُوَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مُسَلَّمٌ لِمَا أَنَّهُ يَقُولُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا فِي الْجَوَابِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا قِيَامٌ لَا قَرَارَ لَهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ مُصَلِّي النَّافِلَةِ وَلَوْ سُنَّةً يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ نَحْوَ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَى آخِرِهِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَاَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدَّادِيَّ قَيَّدَ الْإِرْسَالَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ بِمَا إذَا لَمْ يُطِلْ الْقِيَامَ أَمَّا إذَا أَطَالَهُ فَيَعْتَمِدُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَكَذَا يُرْسِلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي كُلِّ قِيَامٍ لَا ذِكْرَ فِيهِ وَلَا يُطَوِّلُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُزَادَ فِي الضَّابِطِ السَّابِقِ أَوْ يُطَوِّلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ شَرْحِ مِسْكِينٍ التَّقْيِيدَ بِالطَّوِيلِ قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سُنَّةٌ فِي كُلِّ قِيَامٍ شُرِعَ فِيهِ ذِكْرٌ فَرْضًا كَانَ الذِّكْرُ أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً وَالْمُرَادُ بِالْمَسْنُونِ الْمَشْرُوعُ، وَفِي شَرْحِ ابْنِ مَالِكٍ فَيَضَعُ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي سُنَّةِ الْوَضْعِ عَامٌّ أَحْوَالَ الْقِيَامِ لَكِنْ خُصَّتْ الْقَوْمَةُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ لِعَدَمِ امْتِدَادِهَا فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْأَصْلِ وَمِثْلُهُ فِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ وَالْمَنْبَعِ وَفِي الْأَوَّلِينَ أَيْضًا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ شَرْعَ الْوَضْعِ لِلصِّيَانَةِ عَنْ اجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُون فِي الْحَالَةِ الَّتِي السُّنَّةُ فِيهَا التَّطْوِيلُ وَهِيَ حَالَةُ الْقِرَاءَةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِامْتِدَادَ وَالتَّطْوِيلَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْبَحْرِ لَهُ قَرَارٌ اهـ. كَلَامُهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى النَّهْرِ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْفَضْلِيِّ الِاعْتِمَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الَّذِي فِي السِّرَاجِ عَنْهُ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْمَذْكُورَاتِ فَالصَّوَابُ عَدَمُ ذِكْرِهِ مَعَ النَّسَفِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ اهـ. هَذَا وَاعْتِرَاضُهُ عَلَى التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا إلَخْ وَحَمْلُهُ لَهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ ذِكْرٌ بِأَوْ الَّتِي لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْمُنْفَرِدُ يَأْتِي بِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَلَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ فِي الْمُنْفَرِدِ أَيْضًا بَلْ الظَّاهِرُ مُوَافَقَتُهُ لِمَا بَحَثَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَيْ لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا وَقَوْلُهُ أَوْ التَّحْمِيدُ لَوْ كَانَ مُؤْتَمًّا أَوْ مُنْفَرِدًا كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ

فِي أَنَّ الْقَوْمَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ. اهـ. وَهُوَ مُسَاعِدٌ لِمَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ آنِفًا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ اتِّفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا حَتَّى يَضَعَ فِي الْكُلِّ وَحُكِيَ فِي الْبَدَائِعِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِي الْوَضْعِ فِيمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ. (قَوْلُهُ مُسْتَفْتِحًا) هُوَ حَالٌ مِنْ الْوَضْعِ أَيْ يَضَعُ قَائِلًا: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كُلُّ مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَكِنْ قَالُوا الْمَسْبُوقُ لَا يَأْتِي بِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِمَاعِ، وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، ثُمَّ " سُبْحَانَ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ كَغُفْرَانِ، وَهُوَ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ وُجُوبًا فَمَعْنَى سُبْحَانَك أُسَبِّحُك تَسْبِيحًا أَيْ أُنَزِّهُك تَنْزِيهًا، وَقِيلَ أَعْتَقِدُ نَزَاهَتَك عَنْ كُلِّ صِفَةٍ لَا تَلِيقُ بِك " وَبِحَمْدِك " أَيْ نَحْمَدُك بِحَمْدِك فَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَحُذِفَتْ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى وَأَبْقَى حَرْفَ الْعَطْفِ دَاخِلًا عَلَى مُتَعَلِّقِهَا مُرَادًا بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ الْفَاعِلِ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَبْقَى لِيُشْعِرَ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ هُنَا جُمْلَةٌ طُوِيَ ذِكْرُهَا إيجَازًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِحَمْدِك بِلَا حَرْفِ الْعَطْفِ كَانَ جَائِزًا صَوَابًا كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ نَفَى بِقَوْلِهِ " سُبْحَانَك " صِفَاتِ النَّقْصِ وَأَثْبَتَ بِقَوْلِهِ " بِحَمْدِك " صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ إظْهَارُ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ تَقْدِيمِ التَّسْبِيحِ عَلَى التَّحْمِيدِ " وَتَبَارَكَ " لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ وَلَعَلَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: تَكَاثَرَ خُيُورُ أَسْمَائِك الْحُسْنَى وَزَادَتْ عَلَى خُيُورِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ السُّبُّوحِيَّةِ الْقُدُّوسِيَّةِ الْعُظْمَى، وَالْأَفْعَالُ الْجَامِعَةُ لِكُلِّ مَعْنًى أَسْنَى " وَتَعَالَى جَدُّك " أَيْ ارْتَفَعَ عَظَمَتُك أَوْ سُلْطَانُك أَوْ غِنَاك عَمَّا سِوَاك " وَلَا إلَهَ غَيْرُك " فِي الْوُجُودِ فَأَنْتَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ فَبَدَأَ بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالتَّوْحِيدِ تَرَقِّيًا فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذِكْرِ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ إلَى غَايَةِ الْكَمَالِ فِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحَدِيَّةِ وَالصَّمَدِيَّةِ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ، وَأَشَارَ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ إلَخْ) أَيْ قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَضْعُ فِي الْقِيَامِ إلَخْ وَبِهَذَا أُسْقِطَ اعْتِرَاضُ النَّهْرِ السَّابِقِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، وَالِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَوْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ كَيْفَ يُسَوَّغُ لِلْمَشَايِخِ النِّزَاعُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ لَكِنْ قَالُوا الْمَسْبُوقُ لَا يَأْتِي لَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إلَّا إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ مُدْرِكًا، جَهَرَ أَوْ لَا لِمَا فِي الصُّغْرَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ يُثْنِي مَا لَمْ يَبْدَأْ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَقِيلَ فِي الْمُخَافَتَةِ يُثْنِي، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ اهـ. فَقَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ أَفَادَ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْ الثَّنَاءِ فِي صُورَةِ الْجَهْرِ فَقَطْ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْ الثَّنَاءِ مَتَى شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ سِرًّا، فَالْمَفْهُومُ مِنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ يُثْنِي وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي الصُّغْرَى بِقِيلَ فَأَفَادَ ضَعْفَهُ، وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ الْجَهْرِ فَأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الثَّنَاءِ بِلَا خِلَافٍ لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا أَيْضًا، وَكَذَا قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْخُلَاصَةِ وَيَسْكُتُ الْمُؤْتَمُّ عَنْ الثَّنَاءِ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الْمُدْرِكَ وَالْمَسْبُوقَ، وَقَدْ رَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ التَّصْرِيحَ بِالْخِلَافِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يُثْنِي بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ فِي الْمُخَافَتَةِ يُثْنِي لِأَنَّ الثَّنَاءَ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ وَالْإِنْصَاتُ إنَّمَا يَجِبُ حَالَةَ الِاسْتِمَاعِ فَيُسَنُّ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ فَكَانَ سُنَّةً تَبَعًا لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الثَّنَاءِ فَمُرَاعَاةُ السُّنَّةِ الْمَقْصُودَةِ أَهَمُّ، فَإِنْ قِيلَ الْإِنْصَاتُ فَرْضٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَمِعُ حَتَّى سَقَطَتْ التِّلَاوَةُ عَنْ الْمُقْتَدِي قُلْنَا إنَّمَا سَقَطَتْ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ لَا لِلْإِنْصَاتِ وَلَيْسَ ثَنَاءُ الْإِمَامِ ثَنَاءً لِلْمُقْتَدِي فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ يَفُوتُهُ اهـ. مُلَخَّصًا. وَظَاهِرُهُ اعْتِمَادُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ فِي الْمُخَافَتَةِ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الدُّرَرِ أَيْضًا، وَكَذَا فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ، وَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ لَا يَأْتِي بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُسِرُّ يَأْتِي بِهِ اهـ. وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْيَةِ أَيْضًا.

الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الِاسْتِفْتَاحِ فَلَا يَأْتِي بِدُعَاءِ التَّوَجُّهِ، وَهُوَ وَجَّهْت وَجْهِي لَا قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا بَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَنَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَنَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَيْنِ: فِي رِوَايَةٍ يُقَدِّمُ التَّسْبِيحَ عَلَى التَّوَجُّهِ وَصَحَّحَهُ الزَّاهِدِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: إنْ شَاءَ قَدَّمَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ وَيَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «كَانَ إذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» وَمِنْهُمْ مِنْ أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَهَرَ بِالتَّسْبِيحِ فَقَطْ لِتَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِ وَيَتَعَلَّمُوهُ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخِرَ الْأَمْرِ فِي الْفَرَائِضِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِذَا زَادَ " وَجَلَّ ثَنَاؤُك " لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ سَكَتَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَفِي الْكَافِي أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمَشَاهِيرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَشْهُودِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ نَظَرًا إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَإِنْ كَانَ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اعْلَمْ، أَنَّهُ يَقُولُ فِي دُعَاءِ التَّوَجُّهِ: " وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ "، وَلَوْ قَالَ " وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَسَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتَعْلِيلُ الْفَسَادِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا إذَا كَانَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ لَا تَالِيًا وَإِذَا كَانَ مُخْبِرًا فَالْفَسَادُ عِنْدَ الْكُلِّ. (قَوْلُهُ وَتَعَوَّذَ سِرًّا) أَيْ قَالَ الْمُصَلِّي: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ مِنْ اسْتِعَاذَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ يَعْنِي؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ {فَاسْتَعِذْ} [الأعراف: 200] بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَأَسْتَعِيذُ مُضَارِعُهَا فَيَتَوَافَقَانِ بِخِلَافِ أَعُوذُ فَإِنَّهُ مِنْ الْعَوْذِ لَا مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَجَوَابُهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ لَفْظَ اسْتَعِذْ طَلَبُ الْعَوْذِ، وَقَوْلُهُ أَعُوذُ مِثَالٌ مُطَابِقٌ لِمُقْتَضَاهُ أَمَّا قُرْبُهُ مِنْ لَفْظِهِ فَمُهْدَرٌ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يَعْنِي كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ بَابِ الثَّنَاءِ وَمَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا مَحَلُّ الثَّنَاءِ، وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَيْ إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَأَطْلَقَ الْمُسَبَّبَ عَلَى السَّبَبِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى سُنِّيَّتِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَلَمْ يُعَيِّنْ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَنَدٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَسْتَفِيدُونَ بِهِ الْحُكْمَ فَلَا إشْكَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ التَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ وَآمِينَ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فَقَوْلُهُ سِرًّا عَائِدٌ إلَى الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ (قَوْلُهُ لِلْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ لَا الْمُقْتَدِي وَيُؤَخِّرُ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ التَّعَوُّذَ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي بِهِ كُلُّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهَا صِيَانَةً عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فَكَانَ تَبَعًا لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ وَيَأْتِي بِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ، ثَانِيهَا: أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عِنْدَهُمَا وَيَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ وَالْمُقْتَدِي بَعْدَ الثَّنَاءِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَهُ، ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يَأْتِي بِهِ لِلْحَالِ وَيَأْتِي بِهِ إذَا قَامَ إلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ إجْمَاعَ الْقُرَّاءَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَنَ إنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ دَلَالَةً عَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَاذَةِ، فَالْقَائِلُ أَعُوذُ مُمْتَثِلٌ لَا أَسْتَعِيذُ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِلِاسْتِعَاذَةِ لَا مُتَعَوِّذٌ وَلِذَا كَانَ أَعُوذُ هُوَ الْمَنْقُولُ مِنْ اسْتِعَاذَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ عُذْت بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْت بِهِ الْتَجَأْت إلَيْهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ كَذَا فِي النَّشْرِ لِابْنِ الْجَزَرِيِّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى سُنِّيَّتِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نِزَاعٌ فَقَدْ رُوِيَ الْوُجُوبُ عَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ فَقَوْلُهُ سِرًّا عَائِدٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَوْنُهُ قَيْدًا فِي الِاسْتِفْتَاحِ أَيْضًا بَعِيدٌ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ التَّنَازُعِ بَلْ هُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تَعَوَّذَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِأَنَّ مَجِيءَ الْمَصْدَرِ الْمُنَكَّرِ حَالًا وَإِنْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ. اهـ. وَفِي قَوْلِهِ فَهُوَ مِنْ التَّنَازُعِ نَظَرٌ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ هَمْعِ الْهَوَامِعِ مِنْ أَنَّ التَّنَازُعَ يَقَعُ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ إلَّا الْمَفْعُولَ وَالتَّمْيِيزَ، وَكَذَا الْحَالُ خِلَافًا لِابْنِ مُعْطِي وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْحَصْكَفِيُّ فَهُوَ كَالتَّنَازُعِ أَيْ شَبِيهٌ بِالتَّنَازُعِ الَّذِي هُوَ تَعَلُّقُ عَامِلَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ شِبْهِهِ بِاسْمٍ فَأَكْثَرَ (قَوْلُهُ الرِّوَايَةُ) لَعَلَّهُ الدِّرَايَةُ تَأَمَّلْ اهـ مِنْهُ.

الْقَضَاءِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَأْتِي بِهِ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ الدُّخُولِ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَجَمَاعَةٌ الْخِلَافَ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَفِي عَامَّةِ النُّسَخِ كَالْمَبْسُوطِ وَالْمَنْظُومَةِ وَشُرُوحِهَا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ رِوَايَةً عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ صَحَّحَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّعَوُّذِ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَ الثَّنَاءِ أَعَادَهُ بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ لَا يَتَعَوَّذُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ وَقَيَّدَنَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ التِّلْمِيذَ لَا يَتَعَوَّذُ إذَا قَرَأَ عَلَى أُسْتَاذِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ إلَّا إذَا كَانَ إمَامُهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَأْتِي بِهِ أَيْضًا إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يَتَحَرَّى إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرُّكُوعِ يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَإِلَّا يُتَابِعُ الْإِمَامَ وَلَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ فِي الرُّكُوعِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ التَّسْبِيحَاتِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِيهِ دُونَ تَسْبِيحَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ دُونَهَا، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ فَهُوَ كَالرُّكُوعِ وَإِذَا لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَأْتِي بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ عَنْ الْإِمَامِ بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ بِزِيَادَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لِمَا أَنَّ زِيَادَةَ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ غَيْرُ مُفْسِدٍ، وَإِنْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي الْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَلْ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، ثُمَّ لِلِانْحِطَاطِ، ثُمَّ يَقْعُدُ، وَقِيلَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ كَمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ وَسَمَّى سِرًّا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) أَيْ، ثُمَّ يُسَمِّي الْمُصَلِّي بِأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ هُنَا، وَأَمَّا فِي الْوُضُوءِ وَالذَّبِيحَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي هُنَا الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ أَمَّا الْمُقْتَدِي فَلَا دَخْلَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ، وَقَدْ عَدَّهَا الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ السُّنَنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ صَحَّحَ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ وُجُوبَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَصَرَّحَ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ قَالَ وَإِنَّ الْوُجُوبَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَالشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِمَا يُفِيدُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ إنْ لَمْ تُجْعَلْ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَطْعًا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَصَارَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ عَمَلًا فَمَتَى لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ احْتِيَاطًا اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ وَالْمُوَاظَبَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّعَوُّذِ بَعْدَ الثَّنَاءِ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى بُعْدُ هَذِهِ الْإِشَارَةِ إذْ الْوَاوُ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: التَّرْتِيبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ صَنِيعِهِ لَا مِنْ الْوَاوِ فَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ: وَسَمَّى وَقَرَأَ إلَخْ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ) وَجْهُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مَعْلُولٌ بِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ فَيَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي جَمِيعِ مَا يُخْشَى فِيهِ الْوَسْوَسَةُ. اهـ. وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ لَيْسَ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا بَلْ فِي الِاسْتِنَانِ وَعَدَمِهِ اهـ. أَيْ فَتُسَنُّ لِلْقِرَاءَةِ وَلَا تُسَنُّ لِغَيْرِهَا وَنَفْيُ السُّنِّيَّةِ لَا يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ وَنَصُّ عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ هَكَذَا: إذَا قَالَ الرَّجُلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ يَتَعَوَّذُ قَبْلَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] ، وَإِنْ أَرَادَ افْتِتَاحَ الْكَلَامِ كَمَا يَقْرَأُ التِّلْمِيذُ عَلَى الْأُسْتَاذِ لَا يَتَعَوَّذُ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَلَا يُرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ فَيَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَوُّذِ قَبْلَهُ فَعَلَى هَذَا الْجُنُبُ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَرَادَ افْتِتَاحَ الْكَلَامِ أَوْ التَّسْمِيَةَ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ قَبْلَهَا إلَّا إذَا أَرَادَ بِهَا الْقِرَاءَةَ، أَمَّا إذَا أَرَادَ بِهَا افْتِتَاحَ الْكَلَامِ كَمَا يَأْتِي بِهَا التِّلْمِيذُ فِي أَوَّلِ دَرْسِهِ لِلْعِلْمِ لَا يَتَعَوَّذُ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ تَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِقَصْدِ الذِّكْرِ حَتَّى يَجُوزَ لِلْجُنُبِ الْإِتْيَانُ بِهَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقُرْآنِيَّةَ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَهُ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ أَوْ بِالْحَمْدَلَةِ لِقَصْدِ الشُّكْرِ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَا يُسَنُّ التَّعَوُّذُ، وَكَذَا إذَا تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْأَوْلَى، نَعَمْ تُطْلَبُ الِاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِكَلَامٍ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فَغَيْرُ الْقُرْآنِ لَا تُسَنُّ لَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ إلَّا أَنَّ الْمُتُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجَّهَ الثَّانِيَ بِمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ، ثُمَّ قَالَ أَقُولُ: فِي إيجَابِ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا مُنَافَاةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِ أَقَلِّ الْفَاتِحَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ. أَقُولُ: تَنْدَفِعُ الْمُنَافَاةُ بِمَا مَرَّ لَنَا فِي الْوَاجِبَاتِ عَنْ الْحَصْكَفِيِّ عَنْ الْمُجْتَبَى مِنْ وُجُوبِ السُّجُودِ بِتَرْكِ آيَةٍ مِنْهَا

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْقِرَاءَةِ بَلْ السَّمَاعَ لِلْإِخْفَاءِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى الْإِخْفَاءِ بِهَا، وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ بِلُزُومِ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا لَقُلْتُ: إنَّ الْوُجُوبَ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ، أَطْلَقَ فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسَّرِيَّةَ فَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ لَا يَأْتِي بِهَا وَإِذَا خَافَتَ يَأْتِي بِهَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مُخَالِفٌ لِكُلِّ الرِّوَايَاتِ، وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ رَكْعَةٍ فَلَا تُسَنُّ التَّسْمِيَةُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ مُطْلَقًا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُسَنُّ إذَا خَافَتَ لَا إنْ جَهَرَ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلَهُمَا، وَالْخِلَافُ فِي الِاسْتِنَانِ أَمَّا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُجْتَبَى بِأَنَّهُ إنْ سَمَّى بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ كَانَ حَسَنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ السُّورَةِ مَقْرُوءَةً سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَتِلْمِيذُهُ الْحَلَبِيُّ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِي ذَلِكَ دُونَ الشُّبْهَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَمَا فِي الْقُنْيَةِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ فَبَعِيدٌ جِدًّا، كَمَا أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَا يُسَمِّي إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ قَالَ الزَّاهِدِيُّ إنَّهُ غَلَطٌ عَلَى أَصْحَابِنَا غَلَطًا فَاحِشًا، وَفِي ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ إشَارَةٌ إلَى مَحَلِّهَا فَلَوْ سَمَّى قَبْلَ التَّعَوُّذِ أَعَادَهَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي مَحَلِّهَا، لَوْ نَسِيَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِ فَوَاتِ مَحِلِّهَا. (قَوْلُهُ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ) بَيَانٌ لِلْأَصَحِّ مِنْ الْأَقْوَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَرَدٌّ لِلْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَخْبَارِ فِيهَا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، ثَانِيهِمَا: أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَوَجْهُ الْأَصَحِّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابَتِهَا مَعَ الْأَمْرِ بِتَجْرِيدِ الْمُصْحَفِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ فِيهِ، وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَبِهِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ لِلِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِ مُنْكِرِهَا؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْقَطْعِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكُ جَوَابٍ عَمَّا يَرِدُ أَنَّ مَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ السُّنِّيَّةِ أَيْضًا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. (قَوْلُهُ فَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَوَّلَهَا شَارِحُهَا الْحَلَبِيُّ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا يَأْتِي بِهَا جَهْرًا بَلْ يَأْتِي بِهَا سِرًّا اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ (قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُسَنُّ إنْ خَافَتَ) أَيْ تُسَنُّ فِي السِّرِّيَّةِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَجَعَلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ رِوَايَةَ الثَّانِي عَنْ الْإِمَامِ، وَفِي الْمُسْتَصْفَى وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْبَدَائِعِ الصَّحِيحُ قَوْلُهُمَا، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَالْمُحِيطِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُخْتَارُ وَنَقَلَ ابْنُ الضِّيَاءِ فِي شَرْحِ الْغَزْنَوِيَّةِ عَنْ شَرْحِ عُمْدَةِ الْمُصَلِّي أَنَّهُ إنَّمَا اُخْتِيرَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ هَذَا لِأَنَّ لَفْظَةَ الْفَتْوَى آكَدُ وَأَبْلَغُ مِنْ لَفْظَةِ الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِ فَوَاتِ مَحَلِّهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ لَا يُسَمِّي لِأَجْلِهَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ أَوْضَحُ مِمَّا هُنَا، وَنَصُّهَا: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْبَسْمَلَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَكِنْ لَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهَا مَعَ إنْكَارِ الْقَطْعِيِّ لِلشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بِهَا كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حَيِّزِ الْوُضُوحِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ فَهِيَ قُرْآنٌ لِتَوَاتُرِهَا فِي مَحَلِّهَا وَلَا كُفْرَ لِعَدَمِ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا فِي الْأَوَائِلِ قُرْآنًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِتَكْفِيرِ جَاحِدِهِ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ فِي مَحَلِّهِ وَمَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي إثْبَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْأَوَّلُ فَقَطْ، انْتَهَتْ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا بِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا صَوَابُهُ بِعَدَمِ تَوَاتُرِ إلَخْ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ رَأَيْته مُلْحَقًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ. هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِهِ فِي الْبَحْرِ اضْطِرَابًا وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا فِي وَجْهِ الْأَصَحِّ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي الْمُصْحَفِ دَلِيلُ تَوَاتُرِ قُرْآنِيَّتِهَا، وَأَنَّ بِذَلِكَ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ فِي قُرْآنِيَّتِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَدْ حَكَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ قُرْآنِيَّتِهَا، وَاللَّازِمُ مِنْ ذَلِكَ تَوَاتُرُ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةً فَنَاقَضَ صَدْرَ كَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَالْمُوجِبُ لِتَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ الْقُرْآنَ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ إثْبَاتِ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا إلَخْ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ: فَالْمُوجِبُ إلَخْ وَعَلَى نُسْخَةٍ وَبِعَدَمِ تَوَاتُرِ مُنَاقِضٍ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا كَمَا لَا يَخْفَى وَالصَّوَابُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَطْعِيَّ إنَّمَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ كَإِنْكَارِ رُكْنٍ وَهُنَا قَدْ وُجِدَتْ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا كَمَالِكٍ ادَّعَى عَدَمَ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ وَأَنَّ كِتَابَتَهَا فِيهَا لِشُهْرَةِ اسْتِنَانِ الِافْتِتَاحِ بِهَا فِي الشَّرْعِ وَالْآخَرُ يَقُولُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابَتِهَا مَعَ أَمْرِهِمْ بِتَجْرِيدِ الْمَصَاحِفِ يُوجِبُ كَوْنَهَا قُرْآنًا وَالِاسْتِنَانُ لَا يُسَوِّغُ الْإِجْمَاعَ لِتَحَقُّقِهِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، وَالْأَحَقُّ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ لِتَوَاتُرِهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَهُوَ دَلِيلُ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَلَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ ثُبُوتِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا بَلْ الشَّرْطُ فِيمَا هُوَ قُرْآنٌ تَوَاتُرُهُ فِي مَحَلِّهِ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَوْنُهُ فِي مَحَلِّهِ مِنْ الْقُرْآنِ اهـ. وَقَوْلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ رَدٌّ لِمَا

لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ إلَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَلَا، كَمَا فِي الْبَسْمَلَةِ فَالْمُوجِبُ لِتَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ الْقُرْآنَ إنْكَارُ مَا تَوَاتَرَ كَوْنُهُ قُرْآنًا، وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَبِمَا تَوَاتَرَتْ فِي الْمُصْحَفِ ثَبَتَتْ قُرْآنِيَّتُهَا وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي الْأَوَائِلِ لَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهَا، فَالتَّوَاتُرُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْقُرْآنِ تَوَاتُرُهُ فِي مَحَلِّهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ تَوَاتُرُ كَوْنِهِ قُرْآنًا، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً لَزِمَ تَكْفِيرُ مُنْكِرِهَا وَلَمْ يَتَكَافَرُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَاتِرَةً فَلَيْسَتْ قُرْآنًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (آيَةٌ) إلَى أَنَّهَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يُفْتَحُ بِهَا كُلُّ سُورَةٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ آيَاتٌ فِي السُّورَةِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْبَسْمَلَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ أَمَّا هِيَ فَبَعْضُ آيَةٍ اتِّفَاقًا وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَذْهَبِنَا حَدِيثُ «قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ» إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْبَسْمَلَةَ فَدَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَحَدِيثُ عَدَّ سُورَةَ الْمُلْكِ ثَلَاثِينَ آيَةً وَهِيَ ثَلَاثُونَ دُونَهَا وَالْكَلَامُ فِي الْبَسْمَلَةِ طَوِيلٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ، وَمُقْتَضَى كَوْنِهَا قُرْآنًا أَنْ تَحْرُمَ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ أَوْ التَّيَمُّنَ، وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحُّ أَنَّهَا آيَةٌ فِي حَقِّ حُرْمَتِهَا عَلَى الْجُنُبِ لَا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا فَإِنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ) أَيْ قَرَأَ الْمُصَلِّي إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ مَا ذُكِرَ وَهُمَا وَاجِبَتَانِ لِلْمُوَاظَبَةِ، لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوْجَبُ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالْإِعَادَةِ بِتَرْكِهَا دُونَ السُّورَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَدْ تَبِعَ فِيهِ الْفَقِيهَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَبِتَرْكِ الْوَاجِبِ تَثْبُتُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ قَالُوا كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ يَجِبُ إعَادَتُهَا فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ تَرْكِ السُّورَةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا كَتَرْكِ الْفَاتِحَةِ، نَعَمْ الْفَاتِحَةُ آكَدُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ السُّورَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي رُكْنِيَّتِهَا دُونَ السُّورَةِ وَالْآكَدِيَّةُ لَا تَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ حُكْمُ تَرْكِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا إلَّا الْوَاجِبَ الْمُتَأَكِّدَ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالثَّلَاثُ آيَاتٍ الْقِصَارُ تَقُومُ مَقَامَ السُّورَةِ فِي الْإِعْجَازِ فَكَذَا هُنَا، وَكَذَا الْآيَةُ الطَّوِيلَةُ تَقُومُ مَقَامَهَا فَإِذَا نَقَصَ عَنْ ثَلَاثٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فَقَدْ ارْتَكَبَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَإِذَا أَتَى بِهَا خَرَجَ عَنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، فَإِنْ قَرَأَ الْقَدْرَ الْمَسْنُونَ كَمَا سَيَأْتِي فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا وَإِلَّا فَقَدْ ارْتَكَبَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَمَنْ قَالَ: خَرَجَ عَنْ الْكَرَاهَةِ إذَا قَرَأَ الْوَاجِبَ، أَرَادَ التَّحْرِيمِيَّةَ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ عَنْهَا، أَرَادَ التَّنْزِيهِيَّةَ. (قَوْلُهُ وَأَمَّنَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ سِرًّا) لِلْحَدِيثِ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ يُفِيدُ تَأْمِينَهُمَا لَكِنْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْ النَّصَّ لَهُ، وَفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ بِالْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهُ سِيقَ لِأَجْلِهِ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ» لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّنَ " الْمُصَلِّي " أَوْ " الْجَمِيعُ " كَمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْمُنْفَرِدَ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ أَيْضًا لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ» الْحَدِيثَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ انْدَرَجَ الْمُنْفَرِدُ، وَأَطْلَقَ فِي إخْفَائِهَا فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسِّرِّيَّةَ وَكُلَّ مُصَلٍّ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي السِّرِّيَّةِ وَسَمِعَ الْمَأْمُومُ تَأْمِينَهُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَقُولُهُ هُوَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَهْرَ لَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُهَا إلَّا إذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQتَضَمَّنَهُ كَلَامُ الْمُنْكِرِ مِنْ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي مَحَلِّهَا لَا يَسْتَلْزِمُ قُرْآنِيَّتَهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَوَاتُرَهَا فِي مَحَلِّهَا أَثْبَتَ أَصْلَ قُرْآنِيَّتِهَا، وَأَمَّا كَوْنُهَا قُرْآنًا مُتَوَاتِرًا فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ مُنْكِرُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ بِقُرْآنِيَّتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ الشَّافِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ هُنَا فَلَا لِمَا عَلِمْت وَتَصْحِيحُهُ بِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ " تَوَاتُرِ " مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ دَلِيلُ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَبِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ وَبِهِ انْدَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَبِزِيَادَةِ لَفْظَةِ " عَدَمِ " فِي قَوْلِهِ وَبِتَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ تَأْمِينِهِ لِمَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ الْمَارِّ وَالْعِلْمُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ آمِينَ يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ عَنْ الْفَاتِحَةِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ بِالْقَوْلِ الْمَعْلُومِ وُجُودُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا اهـ. لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ إذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي التَّأْمِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُؤَمِّنُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى اهـ. قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهِمَا بَلْ الْحُكْمُ فِي الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ كَذَلِكَ اهـ. أَيْ: لِأَنَّ

سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَا مُطْلَقًا، فَلَيْسَ هُوَ كَالْإِمَامِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ، وَفِي آمِينَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: أَفْصَحُهُنَّ وَأَشْهُرُهُنَّ آمِينَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ، وَالثَّانِيَةُ: بِالْقَصْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَمَعْنَاهُ اسْتَجِبْ، وَالثَّالِثَةُ: بِالْإِمَالَةِ، وَالرَّابِعَةُ: بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ فَالْأُولَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْأَخِيرَتَانِ حَكَاهُمَا الْوَاحِدِيُّ فِي أَوَّلِ الْبَسِيطِ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ آمِينَ بِالتَّشْدِيدِ لَا تَفْسُدُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا لُغَةٌ وَلِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ مَعْنَاهُ: نَدْعُوك قَاصِدِينَ إجَابَتَك؛ لِأَنَّ مَعْنَى آمِينَ قَاصِدِينَ، وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا كَوْنَهَا لُغَةً وَحَكَمَ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ وَمِنْ الْخَطَأِ فِي اسْتِعْمَالِهَا أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا وَلَا يَبْعُدُ فَسَادُ الصَّلَاةِ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ وَكَبَّرَ بِلَا مَدٍّ وَرَكَعَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ» مَعْنَى قَوْلِهِ بِلَا مَدٍّ: حَذْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَهُوَ مَعْنَى مَا وَرَدَ التَّكْبِيرُ جَزَمَ بِهِ وَحَاصِلُهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ إشْبَاعِ الْحَرَكَةِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهَا وَالْإِضْرَابِ عَنْ الْهَمْزَةِ الْمُفْرِطَةِ وَالْمَدِّ الْفَاحِشِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ مَدَّ أَلِفَ " اللَّهِ " لَا يَصِيرُ شَارِعًا وَخِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ كَانَ قَاصِدًا، وَكَذَا لَوْ مَدَّ أَلِفَ " أَكْبَرَ " أَوْ بَاءَهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّ أَكْبَارَ جَمْعُ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ وَقِيلَ اسْمٌ لِلشَّيْطَانِ، وَلَوْ مَدَّ هَاءَ " اللَّهِ " فَهُوَ خَطَأٌ لُغَةً، وَكَذَا لَوْ مَدَّ رَاءَهُ وَمَدَّ لَامَ " اللَّهِ " صَوَابٌ وَجَزْمُ الْهَاءِ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَقَدْ بَحَثَ الْأَكْمَلُ فِي الْعِنَايَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ إذَا مَدَّ الْهَمْزَةَ مِنْ " اللَّهِ " تَفْسُدُ وَيَكْفُرْ إنْ تَعَمَّدَهُ لِلشَّكِّ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ لَا كُفْرٌ وَلَا فَسَادٌ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي قَالَ: وَالرَّابِعُ التَّقْرِيرُ وَمَعْنَاهُ حَمْلُك الْمُخَاطَبَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَمْرٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ ثُبُوتُهُ أَوْ نَفْيُهُ وَيَجِبُ أَنْ يَلِيَهَا الشَّيْءُ الَّذِي يُقَرَّرُ بِهِ تَقُولُ فِي التَّقْرِيرِ بِالْفِعْلِ أَضْرَبْت زَيْدًا أَوْ بِالْفَاعِلِ أَأَنْتَ ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ بِالْمَفْعُولِ أَزَيْدًا ضَرَبْت كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اهـ. وَلَيْسَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إذْ لَيْسَ هُنَا مُخَاطَبٌ كَمَا لَا يَخْفَى ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَقْصُودَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَلَكِنْ سَمِعَ تَأْمِينَ الْمُقْتَدِي مَعَهُ السَّامِعِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ تَأْمِينِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ مَدَّ أَلِفَ " اللَّهِ " إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَدَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي " اللَّهِ " أَوْ فِي " أَكْبَرَ "، وَإِنْ كَانَ فِي " اللَّهِ " فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْإِكْفَارَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ شَاكٌّ فِي مَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَحَيْثُ كَانَ جَازِمًا فَلَا إكْفَارَ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ فَهُوَ صَوَابٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَالِغُ فِيهِ، فَإِنْ بَالَغَ حَتَّى حَدَثَ مِنْ إشْبَاعِهِ أَلِفٌ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، قِيلَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ وَلَا تَفْسُدُ أَيْضًا وَعَلَى قِيَاسِ عَدَمِ الْفَسَادِ فِيهِمَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْمَدُّ فِي " أَكْبَرَ " فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَهُوَ خَطَأٌ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَهَلْ يَكْفُرُ إذَا تَعَمَّدَهُ؟ قِيلَ نَعَمْ لِلشَّكِّ وَقِيلَ لَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ حَتَّى صَارَ " أَكْبَارَ " لَا يَصِيرُ شَارِعًا، وَإِنْ قَالَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ تَفْسُدُ، وَفِي زَلَّةِ الْقَارِئِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ يَصِيرُ شَارِعًا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَيَّدًا بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمُخَالَفَةَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَقَدْ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشُّرُوعُ بِهِ أَيْضًا كَذَا فِي شَرْحِ الْأُسْتَاذِ عَلَى الْهِدَايَةِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ (قَوْلُهُ وَخِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ كَانَ قَاصِدًا) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَصْدِ مَدِّ الْهَمْزَةِ لَا يُوجِبُ كُفْرًا بَلْ إذَا قَصَدَ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ الْمُقْتَضِي سَبْقَ الشَّكِّ اهـ. تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي شَرْحِ الْمِعْرَاجِ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَلَوْ مَدَّ أَلِفَ " أَكْبَرُ " تَكَلَّمُوا فِي كُفْرِهِ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَا نَصُّهُ: لِأَنَّهُ إنْ لَزِمَ الْكُفْرُ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا كَانَ كَلَامًا فِيهِ احْتِمَالُ الْكُفْرِ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا شَرْعًا لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى كَلَامٍ مَنْفِيٍّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] تَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ لَا فِي كَلَامِ مُثْبَتٍ ظَاهِرٍ كَذَا قِيلَ وَأَيْضًا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَا يَحْتَمِلُ الْمَدَّ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُ هَذَا الْقِيلِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّقْرِيرِ دُخُولُهُ عَلَى مَنْفِيٍّ لِمَا أَنَّهُ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَمْرٍ قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ ثُبُوتُهُ أَوْ نَفْيُهُ بَلْ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ دُخُولُهُ عَلَى الْمُثْبَتِ وَلِذَا أَوَّلُو التَّقْرِيرَ فِي {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ وَالْهَمْزَةُ فِيهَا لَيْسَتْ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا لِلْإِنْكَارِ الْإِبْطَالِيِّ، وَإِنْكَارُ النَّفْيِ نَفْيٌ لَهُ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] (قَوْلُهُ أَوْ بَاءَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي الْقُنْيَةِ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ إشْبَاعٌ، وَهُوَ لُغَةُ قَوْمٍ، وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الشِّعْرِ وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ كَبِيرٍ، وَفِي الْمُبْتَغَى لَا تَفْسُدُ وَقِيلَ تَفْسُدُ قَالَ الْحَلَبِيُّ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْفَسَادِ وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ صِحَّةُ الشُّرُوعِ بِهِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى زَلَّةِ الْقَارِئِ لِلشَّهِيدِ لَوْ قَالَ " اللَّهُ أَكْبَارٌ " يَصِيرُ شَارِعًا قُلْتُ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُخَالَفَةَ اهـ. أَقُولُ: إذَا كَانَ جَمْعًا لِلْكَبِيرِ فَلَا أَثَرَ لِإِرَادَتِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي اللَّفْظِ فَقَطْ

لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُطَوَّلِ أَنَّ التَّقْرِيرَ يُقَالُ عَلَى التَّحَقُّقِ وَالثُّبُوتِ وَيُقَالُ عَلَى حَمْلِك الْمُخَاطَبَ. . . إلَى آخِرِهِ، وَلَعَلَّ الْأَكْمَلَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ الْقُدُورِيَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْوَاوِ، وَفِي قَوْلِهِ وَرَكَعَ الْمُحْتَمِلُ لِلْمُقَارَنَةِ وَضِدِّهَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَهْوِي وَعِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ. قَالُوا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِئَلَّا تَخْلُوَ حَالَةُ الِانْحِنَاءِ عَنْ الذِّكْرِ وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْخُرُورِ وَابْتِدَاؤُهُ عِنْدَ أَوَّلِ الْخُرُورِ وَفَرَاغُهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ هُوَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْجَامِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فَرَاغُهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ يَرْكَعُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مُنْتَصِبٌ يُصَلِّي هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ اهـ. وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا حَكَاهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ الْقِرَاءَةَ حَالَةَ الْخُرُورِ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَا بَقِيَ مِنْ الْقِرَاءَةِ حَرْفًا أَوْ كَلِمَةً لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ أَنَّ مِنْهَا أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ. (قَوْلُهُ وَرَكَعَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ) لِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ مِنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَشَارَ إلَى أَنَّ التَّطْبِيقَ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخٌ، وَهُوَ أَنْ يَضُمَّ إحْدَى الْكَفَّيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَإِحْنَاؤُهُمَا شَبَهَ الْقَوْسِ كَمَا يَفْعَلُ عَامَّةُ النَّاسِ مَكْرُوهٌ، ذَكَرَهُ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُفَرِّجُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ الْأَخْذِ بِالرُّكَبِ وَلَا يُنْدَبُ إلَى التَّفْرِيجِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَا إلَى الضَّمِّ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى الْعَادَةِ (قَوْلُهُ وَبَسَطَ ظَهْرَهُ وَسَوَّى رَأْسَهُ بِعَجُزِهِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِهَذَا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالسُّنَّةُ فِي الرُّكُوعِ إلْصَاقُ الْكَعْبَيْنِ وَاسْتِقْبَالُ الْأَصَابِعِ لِلْقِبْلَةِ (قَوْلُهُ وَسَبَّحَ فِيهِ ثَلَاثًا) أَيْ فِي رُكُوعِهِ بِأَنْ يَقُولَ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " ثَلَاثًا لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» . ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» وَظَاهِرُ هَذَا الْأَمْرِ الْوُجُوبُ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ رُكْنٌ لَوْ تَرَكَهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْبَدَائِعِ عَنْهُ: أَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْ الثَّلَاثِ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ قَالَ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ التَّسْبِيحِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ مَعَ كَوْنِ التَّسْبِيحِ سُنَّةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ اهـ. وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ فِي جَعْلِ التَّسْبِيحِ سُنَّةً بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي جَعْلِهِ وَاجِبًا وَالْمُوَاظَبَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَمْرُ بِهِ مُتَظَافِرَانِ عَلَى الْوُجُوبِ فَيَنْبَغِي إذَا تَرَكَهُ سَهْوًا أَنْ يَجِبَ السُّجُودُ وَإِذَا تَرَكَهُ عَمْدًا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ وَنَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَالتَّسْمِيعُ وَالتَّحْمِيدُ وَسُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَاجِبٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَحْمَدَ إلَّا أَنَّهُ إنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَسَهْوًا لَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عِنْدَنَا لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ، وَالْمُوَاظَبَةُ لَمْ تُنْقَلْ صَرِيحًا وَهَذَا الصَّارِفُ مَنَعَ مِنْ الْقَوْلِ بِهَا ظَاهِرًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي قَوْلِهِمْ لَوْ تَرَكَ التَّسْبِيحَاتِ أَصْلًا أَوْ نَقَصَ عَنْ الثَّلَاثِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمُسْتَحَبِّ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» فَقِيلَ: كَمَالُ السُّنَّةِ، وَقِيلَ أَدْنَى كَمَالِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّ الْأَكْمَلَ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا اهـ. يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَنْزِيلِ مُخَاطَبٍ يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَاصِلَ مَا مَرَّ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ حَقِيقِيٌّ وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ تَقْرِيرًا أَنْ يَصِحَّ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ هُوَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْجَامِعِ) أَيْ لَيْسَ مُوَافِقًا فِي اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُنَافَاةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ الْجَامِعِ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ) أَقُولُ: هُوَ مِنْ عُلَمَاءُ الْحَنَابِلَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْأَعْرَابِيِّ إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّمَهُ الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ كُلِّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

التَّسْبِيحِ، وَقِيلَ: أَدْنَى الْقَوْلِ الْمَسْنُونِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَعَلَى كُلٍّ فَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ أَفْضَلُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى وِتْرٍ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُطِيلَ عَلَى وَجْهٍ يَمَلُّ الْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّنْفِيرِ وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَوْ كَانَ إمَامًا يَقُولُهَا ثَلَاثًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُهَا أَرْبَعًا حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُقْتَدِي مِنْ الثَّلَاثِ، وَلَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي لَا تَقَرُّبًا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا: قَالَ أَبُو يُوسُفَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخْشَى عَلَيْهِ أَمْرًا عَظِيمًا يَعْنِي الشِّرْكَ وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُهُمْ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَاعْتَقَدَ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْمُنْتَظِرُ مُشْرِكًا يُبَاحُ دَمُهُ فَأَفْتَى بِإِبَاحَةِ دَمِهِ وَهَكَذَا ظَنَّ صَاحِبُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَلَا يَكْفُرُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَلِطَ وَلَمْ يُرِدْهُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرَادَ أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ الشِّرْكَ فِي عَمَلِهِ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْطَعْ بِالرِّيَاءِ فِي عَمَلِهِ لِمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا بَاسَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ الْإِشْرَاكِ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] الْآيَةَ وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَكْفُرُ، ثُمَّ نَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ أَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ حَسَنٌ وَعَنْهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَعْرِفَ الْجَائِيَّ فَلَا أَوْ لَا فَنَعَمْ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِغَيْرِ التَّسْبِيحَاتِ وَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّوَافِلِ تَهَجُّدًا أَوْ غَيْرَهُ، لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّسْبِيحَاتِ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمُقْتَدِي التَّشَهُّدَ فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ وَاجِبَةٌ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. (قَوْلُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا الرَّفْعِ فِي عَدِّ الْوَاجِبَاتِ (قَوْلُهُ وَاكْتَفَى الْإِمَامُ بِالتَّسْمِيعِ وَالْمُؤْتَمُّ وَالْمُنْفَرِدُ بِالتَّحْمِيدِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» فَقَسَمَ بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ وَحُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْمُقْتَدِي يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ أَيْضًا وَحَكَاهُ الْأَقْطَعُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ نَقَلَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَوَّلَ عَلَيْهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرُ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيعَ حَثٌّ لِمَنْ خَلْفَهُ عَلَى التَّحْمِيدِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ لِيَحُثَّهُ عَلَيْهِ فَلَا يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ. الثَّالِثُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا مَحْمَلَ لَهُ سِوَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَقَيَّدَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِانْفِرَادِهِ بِصَلَاةِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْفَرْضِ، وَحَيْثُ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا رَأَيْت فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ فَالْمُرَجِّحُ مِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ مَا فِي الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ وَالْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الْقُنْيَةِ أَمَّا الْمُنْفَرِدُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فِي الْجَوَابِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّسْمِيعِ حَالَةَ الرَّفْعِ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ، وَقَدْ قِيلَ: يَأْتِي بِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّسْمِيعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَمَعْنَاهُ قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ وَقِيلَ أَجَابَ، وَقِيلَ غَفَرَ لَهُ وَالْهَاءُ فِي حَمِدَهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ: قَدْ رَأَيْت ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ فَفِي السِّرَاجِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا الْأَصَحُّ عَلَى قَوْلِ الرَّازِيّ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَنْ يَقْتَصِرَ الْمُنْفَرِدُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَتَصْحِيحُ الْهِدَايَةِ أَوْلَى. اهـ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ الْمُرَجَّحُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَإِنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ قَالُوا مَا عَدَا ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا.

لِلْكِنَايَةِ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الْحَمِيدِيَّةِ أَنَّهَا لِلسَّكْتَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْمِيدِ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ: أَفْضَلُهَا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَيَلِيه: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَيَلِيه: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَيَلِيه الْمَعْرُوفُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، فَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ لَا عَلَى الْكُلِّ كَمَا لَا يَخْفَى لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ تُوجِبُ الْأَفْضَلِيَّةَ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا: فَقِيلَ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: عَاطِفَةٌ تَقْدِيرُهُ رَبَّنَا حَمِدْنَاك وَلَك الْحَمْدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَالَ الِارْتِفَاعِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذُكِرَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الرَّفْعِ تَكْبِيرٌ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ وَرَوْضَةٍ النَّاطِفِيِّ أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَةَ الِارْتِفَاعِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا كَانُوا يُكَبِّرُونَ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» كَمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ الذِّكْرُ الَّذِي فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْفِيقًا، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى. (قَوْلُهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ بِعَكْسِ النُّهُوضِ) كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ» وَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ يَضَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَنْفَهُ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَإِذَا أَرَادَ الرَّفْعَ يَرْفَعُ أَوَّلًا جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أَنْفَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَمَّا إذَا كَانَ مُتَخَفِّفًا فَإِنَّهُ يَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى (قَوْلُهُ وَسَجَدَ بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) أَيْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا لِتَحْصِيلِ الْأَكْمَلِ وَالْأَنْفُ اسْمٌ لِمَا صَلُبَ ، وَأَمَّا مَا لَانَ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعِهِمْ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْجَبْهَةُ اسْمٌ لِمَا يُصِيبُ الْأَرْضَ مِمَّا فَوْقَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ حَالَةَ السُّجُودِ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا مَا اكْتَنَفَهُ الْجَبِينَانِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ السُّجُودُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ لِطَأْطَأَةِ الرَّأْسِ وَالِانْحِنَاءِ وَلِلْخُضُوعِ وَلِلتَّوَاضُعِ وَلِلْمَيْلِ كَسَجَدَتْ النَّخْلَةُ: مَالَتْ، وَلِلتَّحِيَّةِ كَالسُّجُودِ لِآدَمَ تَكْرِمَةً لَهُ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: وَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ فَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ وَالصَّدْغُ وَمُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ عُذْرٍ بَلْ مَعَهُ يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ تَعَالَى {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] مَعَ أَنَّ الذَّقَنَ لَيْسَ مَحَلَّ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ السَّاجِدَ أَوَّلَ مَا يَلْقَى بِهِ الْأَرْضَ مِنْ وَجْهِهِ الذَّقَنُ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَوَضْعُ بَعْضِ الْوَجْهِ يَتَحَقَّقُ بِالْأَنْفِ كَمَا فِي الْجَبْهَةِ فَيَجُوزُ بِالْجَبْهَةِ وَحْدَهَا اتِّفَاقًا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ: مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ عِنْدَهُمَا إلَّا بِوَضْعِهِمَا فَخِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ بِالْجَبْهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ لِلْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السُّجُودُ، وَهُوَ مَا قُلْنَا وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلَا يَكُفُّ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ» فَلَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعًا وَظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَ " أُمِرْت " مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبُ هُوَ الْأَعَمُّ بِمَعْنَى طُلِبَ مِنِّي ذَلِكَ أَوْ فِي النَّدْبِ أَوْ فِي الْوُجُوبِ فَقَوْلُهُمَا بِالِافْتِرَاضِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُمَا يَمْنَعَانِهِ فِي الْأُصُولِ كَأَبِي حَنِيفَةَ فَلِذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْفَتْوَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِهِمَا، لَمْ يُوَافِقْهُ دِرَايَةٌ وَلَا الْقَوِيُّ مِنْ الرِّوَايَةِ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمَا " لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ " عَلَى وُجُوبِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَخَرَجَ الْخَدُّ وَالذَّقَنُ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا، وَالْأَصَحُّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ بِلَا عُذْرٍ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، ثُمَّ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ قَوْلَهُمَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْمَجْمَعِ: وَرُوِيَ عَنْهُ قَوْلُهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي الْحَقَائِقِ وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِهِمَا، قَالَ فِي الْعُيُونِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي دُرَرِ الْبِحَارِ: وَالْفَتْوَى رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْحَصْكَفِيِّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَشُرُوحِهِ وَالْوِقَايَةِ وَشُرُوحِهَا وَالْجَوْهَرَةِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْعُيُونِ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ رِوَايَةُ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ " غَيْرُ ضَائِرَةٍ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ وَالْإِشَارَةُ إلَى الْجَبْهَةِ تَقَعُ بِتَقْرِيبِ الْيَدِ إلَى جِهَةِ الْأَنْفِ لِلتَّقَارُبِ (وَقَوْلُهُ لَمْ يُوَافِقْهُ دِرَايَةٌ إلَخْ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا لِمَا عَلِمْت مِمَّا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ بِأَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ السُّجُودُ الشَّرْعِيُّ فَيَكُونُ مُجْمَلًا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَمُجْمَلُ الْكِتَابِ إذَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ يَكُونُ الْمُبَيَّنُ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السُّجُودَ اللُّغَوِيَّ أَيْضًا مُجْمَلٌ لِتَعَدُّدِ مَعَانِيهِ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ هَذَا لَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمَا لَا يَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُتُبَ الْمَذْهَبِ مَشْحُونَةٌ

الْجَمْعِ كَانَ أَحْسَنَ إذْ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِنَاءً عَلَى مَا حَمَلْنَا الْكَرَاهَةَ مِنْهُ عَلَيْهِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَخْرُجَا عَنْ الْأُصُولِ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فَقَوْلُ الْإِمَامِ بِكَرَاهَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ الْمُرَادُ بِهَا كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ فِي مُقَابَلَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَقَوْلُهُمَا لِعَدَمِ الْجَوَازِ الْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْحِلِّ، وَهُوَ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَالْمُوَاظَبَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ بِالْأَرْضِ» ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ كَالْجَبْهَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمَنْقُولَةَ تَعُمُّهُمَا مَعَ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَالِاخْتِيَارِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ بِتَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَكُرِهَ أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْجَبْهَةَ أَوْ الْأَنْفَ وَهِيَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُنْصَرِفَةٌ إلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَهَكَذَا فِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِنَا: " مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ " مَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ مَعَ رَفْعِهِمَا بِالتَّلَاعُبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَيَكْفِيه وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَلَوْ لَمْ يَضَعْ الْأَصَابِعَ أَصْلًا وَوَضَعَ ظَهْرَ الْقَدَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْقَدَمِ بِوَضْعِ الْأُصْبُعِ وَإِذَا وَضَعَ قَدَمًا وَرَفَعَ آخَرَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا أَفَادَهُ قَاضِي خَانْ وَذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ وَضْعَهُمَا سُنَّةٌ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةً وَالْأَوْجَهُ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ هُوَ الْوُجُوبُ فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً لِمَا سَبَقَ مِنْ الْحَدِيثِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ وَضْعَهُمَا فَرْضٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ افْتِرَاضِ وَضْعِهِمَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ فَتْوَى مَشَايِخِنَا، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الِافْتِرَاضَ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ إنَّمَا أَفَادَ وَضْعَ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالظَّنِّيُّ الْمُتَقَدِّمُ لَا يُفِيدُهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَاهُ وَمُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ الْوُجُوبُ، وَقَدْ اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِمُوَافَقَتِهِ الْأُصُولَ، وَإِنْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا بِالسُّنِّيَّةِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى: سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ يَجُوزُ اهـ. وَظَاهِرُ مَا فِي التَّجْنِيسِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِنَصْبِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، وَهُوَ يُبْعِدُ الْحَمْلَ عَلَى الِاتِّفَاقِ بِمَا ذُكِرَ بِمَرَاحِلَ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَتَبِّعِ، كَيْفَ وَلَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيُكْرَهُ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ) أَيْ عَدَمُ كَرَاهَةِ تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ، قَالَ فِي النَّهْرِ: لَوْ حُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ فِي رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَهَا عَلَى التَّنْزِيهِ وَمَنْ نَفَاهَا عَلَى التَّحْرِيمِيَّةِ لَارْتَفَعَ التَّنَافِي، وَعِبَارَتُهُ فِي السِّرَاجِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهُمَا اهـ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: وَفِي غُرَرِ الْأَذْكَارِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْجَبْهَةِ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَنْفِ عُذْرٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ فِي مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ وَأَنَّهُ بِهِ يُفْتَى، وَفِي الِاخْتِيَارِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى جَبْهَتِهِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا إسَاءَةَ بَعْدَ أَنْ قَالَ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَنْفِ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ اهـ كَلَامُهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ. وَيُبْعِدُ مَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ قَوْلُ الْمَتْنِ وَكُرِهَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ نَظَرًا إلَى تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ لَكِنْ سَيَأْتِي حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى طَلَبِ الْكَفِّ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِنَا " مِمَّا لَا سُخْرِيَةَ فِيهِ " مَا إذَا رَفَعَ قَدَمَيْهِ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ وَضْعَ الْقَدَمَيْنِ مِنْ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُهُ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِهِ بِالْجَبْهَةِ أَوْ الْأَنْفِ وَإِذَا كَانَ مِنْ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَسَيَأْتِي تَضْعِيفُهُ وَعَلَى أَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ يَجْرِي فِي الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَمَا وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ؟ وَفِي الْعِنَايَةِ ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ ذِكْرِ صَاحِبِ الدُّرَرِ ذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُصَفَّى وَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السُّجُودُ عَلَى الْوَجْهِ، وَهُوَ بِكُلِّهِ مُتَعَذِّرٌ فَكَانَ الْمُرَادُ بَعْضَهُ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى مُقَابِلِهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ، ثُمَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُوَفَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ آنِفًا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ بِأَنَّ عَدَمَ الْفَرْضِيَّةِ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَوَازِ الْحِلُّ اهـ. لَكِنَّ الْعَلَّامَةَ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيَّ قَدْ رَدَّ مَا قَالَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَحَقَّقَ فَرْضِيَّةَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا تَبَعًا لِلْمُنْيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ الْقَدَمِ وَضْعُ أَصَابِعِهِ مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ فَرَاجِعِهِ مُتَأَمِّلًا، وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ: أَنْ يُحَرِّفَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي السُّجُودِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ الْإِجْمَالِ فِي الْآيَةِ مَعَ بَيَانِ السُّنَّةِ لَهَا (قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَى قَوْلِهِ كَمَا لَا يَخْفَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا الْحَمْلُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الطَّرَفَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ مُنْتَهَى كُلِّ شَيْءٍ كَذَا ذَكَرَهُ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ التُّمُرْتَاشِيُّ قَالَ فَيُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَقُولُ: الَّذِي فِي الْقَامُوسِ وَالطَّرَفُ مُحَرَّكًا النَّاحِيَةُ وَالطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ

يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا وَضَعَ مِنْ الْجَبْهَةِ مِقْدَارَ الْأَنْفِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ عُضْوٌ كَامِلٌ وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْجَبْهَةِ لَيْسَ بِعُضْوٍ كَامِلٍ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا اهـ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الطَّرَفُ عَلَى الْأَكْثَرِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا أَوْ بِكَوْرِ عِمَامَتِهِ) أَيْ كُرِهَ السُّجُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ دَوْرُهَا يُقَالُ كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا دَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَهَذِهِ الْعِمَامَةُ عَشَرَةُ أَكْوَارٍ وَعِشْرُونَ كَوْرًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ» وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَسَنُ كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، وَمَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ رَاجِعٌ إلَيْهِ وَإِلَّا فَتَرْكُ التَّعْظِيمِ أَصْلًا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ هُنَا تَنْبِيهًا حَسَنًا، وَهُوَ أَنَّ صِحَّةَ السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ إذَا كَانَ الْكَوْرُ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُصِبْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْيِينِهَا وَلَا أَنْفُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْيِينِهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ لِعَدَمِ السُّجُودِ عَلَى مَحَلِّهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يَتَسَاهَلُ فِي ذَلِكَ وَيَظُنُّ الْجَوَازَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ لِنَقْلِ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ فَلَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَوَانَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسْجُدُ، وَقَدْ اعْتَمَّ عَلَى جَبْهَتِهِ فَحَسَرَ عَنْ جَبْهَتِهِ» إرْشَادًا لِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَمَّا مَعَهُ فَلَا، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اشْتِبَاهٌ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْكَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَفِي السُّجُودِ عَلَى الْكَوْرِ وَاحِدَةً، وَقَدْ حَقَّقْنَا أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الْأَوَّلِ تَنْزِيهِيَّةٌ فِي الثَّانِي فَيُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ فِعْلِهَا طَلَبًا غَيْرُ جَازِمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْفِعْلِ إثْمٌ أَوْ لَا، وَأَشَارَ بِالْكَوْرِ إلَى أَنَّ كُلَّ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ مُتَّصِلٌ بِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ يَعْنِي الصِّحَّةَ كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى فَاضِلِ ثَوْبِهِ أَوْ كُمِّهِ عَلَى مَكَان ظَاهِرٍ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ إذَا بَسَطَ كُمَّهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ إنْ بَسَطَ لِيَقِيَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ تَكَبُّرٌ وَإِنْ بَسَطَ لِيَقِيَ التُّرَابَ عَنْ عِمَامَتِهِ أَوْ ثِيَابِهِ لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِهِ وَنَصَّ قَاضِي خَانْ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةً، وَفِي الزَّادِ: وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كُمِّهِ إنْ كَانَ ثَمَّةَ تُرَابٌ أَوْ حَصَاةٌ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَقَصَدَ التَّرَفُّعَ فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا وَيُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَرَفُّعًا وَلَمْ يَخَفْ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى خِلَافِ الْأُولَى وَكَلِمَةُ لَا بَأْسَ فِيمَا تَرَكَهُ أَوْلَى وَيُحْمَلُ مَا فِي الزَّادِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَرَفُّعًا وَخَافَ الْأَذَى فَيَكُونُ مُبَاحًا، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ مَا تَحْتَهُ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَسَطَ كُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْأَوْلَى كَالسَّجَّادَةِ وَالْحَصِيرِ، وَذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي تَقْرِيرِهِ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ كَالْمُفْتِي تَرْكُ السَّجَّادَةِ حَتَّى لَا يَحْمِلَ الْعَوَامَّ عَلَى مَا فِيهِ حَرَجٌ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَحَمَلَهُ الْبَزَّازِيُّ عَلَى زَمَانِهِمْ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْأَوْلَى الصَّلَاةُ عَلَيْهَا لِمَا أَنَّ النَّاسَ تَهَاوَنُوا فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالْأَصْلُ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ عَلَى مَا هُوَ بِمَعْنَى الْأَرْضِ مِمَّا تَجِدُ جَبْهَتُهُ حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ وَتَفْسِيرُ وِجْدَانِ الْحَجْمِ أَنَّ السَّاجِدَ لَوْ بَالَغَ لَا يَتَسَفَّلُ رَأْسُهُ أَبْلَغَ مِنْ ذَلِكَ فَيَصِحُّ السُّجُودُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَالْحَصِيرَةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسَّرِيرِ وَالْعَجَلَةِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ حَجْمَ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ قَرَارَهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْحَيَوَانِ كَالْبِسَاطِ الْمَشْدُودِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ إنْ كَانَ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَمِثْلُهُ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ الطَّرَفُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَالْحَمْلُ حُجَّةٌ وَالتَّوْفِيقُ مُمْكِنٌ لَا بُعْدَ فِيهِ إذْ مِثْلُهُ وَقَعَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ

مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ عَلَيْهِ وَالْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الصَّلَاةِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ وَجَدَ فُرْجَةً لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَقَيَّدَ فِي الْوَاقِعَاتِ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمَا مُتَّحِدَةً حَتَّى لَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى لَا يَجُوزُ لِعَدَمِهَا وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْخُلَاصَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَشَرَطَ فِي الْمُجْتَبَى شَرْطًا آخَرَ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجُودُ عَلَى ظَهْرِهِ سَاجِدًا عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ سَاجِدٍ عَلَى ظَهْرِ مُصَلٍّ لَا يَجُوزُ فَالشُّرُوطُ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ لِبَدٌ إنْ وَجَدَ حَجْمَ الْمَيِّتِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَجِدُ حَجْمَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى اللِّبَدِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْأَرُزِّ أَوْ الْجَاوْرَسِ أَوْ الذُّرَةِ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَرُزُّ فِي الْجَوَالِقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجِدُ الْحَجْمَ بِوَاسِطَةِ انْكِبَاسِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الثَّلْجِ إنْ لَمْ يُلَبِّدْهُ وَكَانَ يُغَيِّبُ وَجْهَهُ وَلَا يَجِدُ حَجْمَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَبَّدَ جَازَ، وَكَذَا إذَا أَلْقَى الْحَشِيشَ فَسَجَدَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ عَلَيْهِ حَجْمَهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا فِي التِّبْنِ وَالْقُطْنِ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ جَوَازُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الطَّرَّاحَةِ الْقُطْنِ، فَإِنْ وَجَدَ الْحَجْمَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ وَطَرَفِ الْقَلَنْسُوَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ أَرْفَعُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ مِقْدَارَ لَبِنَتَيْنِ مَنْصُوبَتَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ أَرَادَ لَبِنَةَ بُخَارَى، وَهُوَ رُبْعُ ذِرَاعٍ. اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ إنْ كَانَ أَكْثَرَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ مَعْزِيًّا إلَى نُصَيْرٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَصْدُقُ بِوَضْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَكْثَرِهَا كَمَا قَالُوا: يَكْفِي فِي الْقَدَمَيْنِ وَضْعُ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى سَجَدَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ جَبْهَتِهِ جَازَ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ نُصَيْرٍ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ، نَعَمْ، وَضْعُ أَكْثَرِهَا وَاجِبٌ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَكْثَرَ شَرْطٌ فَيَجِبُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا أَصَابَ الْحَجَرَ وَالْأَرْضَ يَبْلُغُ أَكْثَرَهَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا أَصَابَ الْحَجَرَ أَصْلًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَائِلِ تَبَعًا؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ لَوْ كَانَ بَعْضَهُ فَإِنْ كَانَ كَفَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ فَخِذَهُ يَجُوزُ بِعُذْرٍ لَا بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ رُكْبَتَهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْلَمُ لَكِنْ إنْ كَانَ بِعُذْرٍ كَفَاهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْإِيمَاءِ وَكَانَ عَدَمُ الْخِلَافِ فِيهِ لِكَوْنِ السُّجُودِ يَقَعُ عَلَى حَرْفِ الرُّكْبَةِ، وَهُوَ لَا يَأْخُذُ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَبْهَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ الْفَسَادِ عَلَى الْكَفِّ وَالْفَخِذِ (قَوْلُهُ وَأَبْدَى ضَبْعَيْهِ) أَيْ أَظْهَرَ عَضُدَيْهِ وَالضَّبُعُ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ: الْعَضُدُ وَقِيلَ وَسَطُهُ بَاطِنُهُ كَذَا فِي الْمُغَرِّبِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الثَّانِي لِلدَّلِيلِ الْآتِي وَلِأَنَّهُ الْمَسْنُونُ وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ: سُكُونُ الْبَاءِ وَضَمُّهَا وَذَكَرَ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مُخْتَصَرِ شَمْسِ الْعُلُومِ أَنَّ الضَّبُعَ بِالسُّكُونِ الْعَضُدُ وَالضَّبُعُ بِالضَّمِّ الْأُنْثَى مِنْ الضِّبَاعِ وَيُقَالُ لِلسَّنَةِ الْمُجْدِبَةِ ، وَإِنَّمَا يُظْهِرُهُمَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك وَارْفَعْ مَرْفِقَيْك» ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يُبْدِيهِمَا حَذَرًا مِنْ إيذَاءِ جَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْإِيذَاءِ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّفِّ زِحَامٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَتَابَعَهُ فِي الْكَافِي وَتَبِعَهُمَا الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ لَا يَحْصُلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْمُجَافَاةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ إظْهَارِ الْعَضُدَيْنِ (قَوْلُهُ وَجَافَى. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَالْجَاوَرْسُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَوَاوٌ مَفْتُوحَةٌ وَرَاءٌ سَاكِنَةٌ قِيلَ هُوَ الدُّخْنُ وَقِيلَ هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ صِغَارُ الْحَبِّ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ يَنْبُتُ بِالْغَرْبِ وَبِلَادِ الْهِنْدِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلشَّافِعِيَّةِ. (قَوْلُهُ فَدَلَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمِعْرَاجِ وَضْعُ جَمِيعِ أَطْرَافِ الْجَبْهَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْجَبْهَةِ جَازَ وَإِنْ قَلَّ، كَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَائِلِ تَبَعًا) أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ كَوْرَ الْعِمَامَةِ مِمَّا هُوَ لَيْسَ بَعْضًا مِنْ السَّاجِدِ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْلَمُ) يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ذَكَرَ الْبَزْدَوِيُّ لَوْ سَجَدَ عَلَى إحْدَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ كُمَّيْهِ جَازَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ الْحَسَنُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ عَلَى فَخْذَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ بِعُذْرٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ وَكَأَنَّ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنْ عَنَى بِالْوَاجِبِ الْفَرْضَ نَافَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ يُوجَدُ بِوَضْعٍ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ اقْتَضَى أَنَّهُ يَصِحُّ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُؤَيَّدَةٌ بِمَا مَرَّ عَنْ نُصَيْرٍ اهـ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ فَلَوْ عَزَاهُ إلَيْهِ لَتَخَلَّصَ مِنْ رِبْقَةِ الْإِشْكَالِ. (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ظَاهِرُ مَا فِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ فِي الْعَضُدِ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ وَفِي الْحَيَوَانِ بِهِ وَبِالضَّمِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجَافَى

بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ) أَيْ بَاعَدَهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بُهَيْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّتْ» وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخْذَيْهِ» وَبُهَيْمَةٌ تَصْغِيرُ بَهْمَةٍ وَلَدُ الشَّاةِ بَعْدَ السَّخْلَةِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا تَضَعُهُ أُمُّهُ يَكُونُ سَخْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ بَهْمَةً وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمُكَبَّرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّصْغِيرُ، قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِبْدَاءِ وَالْمُجَافَاةِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ فَلَا تَعْتَمِدُ الْأَعْضَاءُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا ضِدُّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنْ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ الِاتِّحَادُ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ وَلِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَبْعَدُ مِنْ هَيْئَاتِ الْكَسَالَى فَإِنَّ الْمُنْبَسِطَ يُشْبِهُ الْكَلْبَ وَيُشْعِرُ بِالتَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا (قَوْلُهُ وَوَجَّهَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضَهُمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» وَنَصَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَجِّهْ الْأَصَابِعَ نَحْوَهَا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا قَابِضَهُمَا» أَنَّهُ نَاشِرٌ أَصَابِعَهُ عَنْ بَاطِنِ كَفَّيْهِ بِدَلِيلِ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ فَنَشَرَ أَصَابِعَهُ مِنْ الطَّيِّ ضَامًّا بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ» وَمِنْ هُنَا نَصَّ مَشَايِخُنَا عَلَى أَنَّهُ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ كُلَّ الضَّمِّ فِي السُّجُودِ. قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي السُّجُودِ فَبِالضَّمِّ يَنَالُ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ وَسَبَّحَ فِيهِ ثَلَاثًا) أَيْ فِي السُّجُودِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ وَتَلْزَقُ بَطْنَهَا بِفَخْذَيْهَا) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي عَشْرِ خِصَالٍ تَرْفَعُ يَدَيْهَا إلَى مَنْكِبَيْهَا وَتَضَعُ يَمِينَهَا عَلَى شِمَالِهَا تَحْتَ ثَدْيَيْهَا وَلَا تُجَافِي بَطْنَهَا عَنْ فَخْذَيْهَا وَتَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى فَخْذَيْهَا تَبْلُغُ رُءُوسُ أَصَابِعِهَا رُكْبَتَيْهَا وَلَا تَفْتَحُ إبْطَيْهَا فِي السُّجُودِ وَتَجْلِسُ مُتَوَرِّكَةً وَلَا تُفَرِّجُ أَصَابِعَهَا فِي الرُّكُوعِ وَلَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَتُكْرَهُ جَمَاعَتُهُنَّ وَتَقُومُ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ اهـ. وَيُزَادُ عَلَى الْعَشْرِ أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ أَصَابِعَ الْقَدَمَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهَا الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهَا الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّة بَلْ قَدَّمْنَاهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالْفَسَادِ إذَا جَهَرَتْ لَأَمْكَنَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَالتَّتَبُّعُ يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ الْحَصْرِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا وَجَلَسَ مُطْمَئِنًّا) يَعْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْجُلُوسَ مَسْنُونٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَطْنَهُ إلَخْ) قَالَ الْفَاضِلُ الْبُرْجَنْدِيُّ فَلَعَلَّهُ أَيْ صَاحِبَ الْكَافِي أَرَادَ بِعَدَمِ الْمُجَافَاةِ عَدَمَ إبْدَاءِ الضَّبُعَيْنِ اهـ. قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي أَقُولُ: هَذِهِ الْإِرَادَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فَلَا تَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَقَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ بَيْنَهُمَا تَلَازُمًا عَادِيًّا قَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي أَقُولُ: دَعْوَى الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ كَانَ «إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ» الَّذِي فِي الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ بِدُونِ زِيَادَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوَجَّهَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فِي سُجُودِهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ كَمَا عَدَّهُ فِي زَادِ الْفَقِيرِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي عَنْ التَّجْنِيسِ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ تَوْجِيهُ الْأَصَابِعِ كَذَلِكَ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التَّجْنِيسِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَجِّهْ يُكْرَهُ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي فِي سُنَنِ السُّجُودِ: وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَنَامِلِ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ اهـ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ انْحِرَافُ أَصَابِعِهِمَا عَنْ الْقِبْلَةِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ فَتَوْجِيهُهَا نَحْوَهَا سُنَّةٌ كَمَا فِي الْجَلَّابِيِّ اهـ. أَقُولُ: وَصَرَّحَ بِالسُّنِّيَّةِ فِي الضِّيَاءِ أَيْضًا وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ وَضْعَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي السُّجُودِ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا فِي تَوْجِيهِ الْأَصَابِعِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَنَا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْهُمَامِ قَالَ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَمِنْهَا أَيْ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ: السُّجُودُ وَيَكْفِي فِيهِ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا الْأَنْفُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا: تَوْجِيهُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَوَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْقَدَمَيْنِ اهـ. فَانْظُرْ حَيْثُ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْقَدَمَيْنِ أَيْ فِي وَضْعِهِمَا دُونَ تَوْجِيهِ الْأَصَابِعِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا، وَكَذَا اخْتَارَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ كَوْنَ وَضْعِ الْقَدَمَيْنِ وَاجِبًا، ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا مِنْ سُنَنِ السُّجُودِ تَوْجِيهَ الْأَصَابِعِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَ هُنَا فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ أَيْضًا فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ الْجَلِيلَةَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (قَوْلُهُ وَتَضَعُ يَدَيْهَا عَلَى فَخْذَيْهَا إلَخْ) أَيْ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الرَّجُلِ كَمَا سَيَأْتِي وَحَمَلَهُ فِي إمْدَادِ الْفَتَّاحِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَالَ

وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا وُجُوبُهَا لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا إنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الدِّرَايَةِ فَمُسَلَّمٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْمُوَاظَبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَلَا، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُونَ بِالسُّنِّيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ذِكْرًا مَسْنُونًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، وَكَذَا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَمَا وَرَدَ فِيهِمَا مِنْ الدُّعَاءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجُّدِ، قَالَ يَعْقُوبُ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الْفَرِيضَةِ أَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي قَالَ يَقُولُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَسَكَتَ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَقَدْ أَحْسَنَ حَيْثُ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ صَرِيحًا مِنْ قُوَّةِ احْتِرَازِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِقْدَارَ الرَّفْعِ الَّذِي يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَإِنَّ فِيهِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، صَحَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُشْكِلُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ رَفْعٌ يَجُوزُ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّفْعِ، وَالرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِقْدَارَ مَا يَمُرُّ الرِّيحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَازَ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي أَنَّهَا تَعُودُ إلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ الْمُصَحَّحَةِ فِي الْمُحِيطِ وَاخْتَارَهَا فِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا الْقِيَاسُ لِتَعَلُّقِ الرُّكْنِيَّةِ بِالْأَدْنَى فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ (قَوْلُهُ وَكَبَّرَ وَسَجَدَ مُطْمَئِنًّا) وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الطُّمَأْنِينَةِ (قَوْلُهُ وَكَبَّرَ لِلنُّهُوضِ بِلَا اعْتِمَادٍ وَقُعُودٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخْذَيْهِ» وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُفَصِّلْ فَكَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ فَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَنَا اهـ. وَكَذَا تَرْكُ الِاعْتِمَادِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْوَبَرِيُّ لَا بَأْسَ يَعْتَمِدُ بِرَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ النُّهُوضِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْمُحِيطِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ شَيْخًا كَانَ أَوْ شَابًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ يَضَعَانِ عَلَى الْفَخْذِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وُجُوبُهَا) قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ الْأَرْكَانِ نَقْلُهُ عَنْ شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ وَالْمُحِيطِ وَالْفَتْحِ وَابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَأَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ فَقَدْ أَحْسَنَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ إلَخْ) أَقُولُ: وَفِي عَدَمِ نَهْيِهِ عَنْهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ لَمْ يُكْرَهْ إذْ لَوْ كُرِهَ لَكَانَ الْأَوْلَى النَّهْيُ كَمَا نَهَى عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَهَذَا نَظِيرُ التَّسْمِيَةِ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ فَإِنَّهَا لَا تُسَنُّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَتَى لَا يُكْرَهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَيَنْبَغِي بِغَيْرِ حَالَةِ الْجَمَاعَةِ إذَا لَزِمَ مِنْهُ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنْ يُنْدَبَ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِإِبْطَالِهِ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ عَامِدًا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، لَكِنْ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَهَذَا مِنْهُ كَمَا لَا يَخْفَى، نَعَمْ، لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ مَنْهِيًّا عَنْهُ عِنْدَنَا لَا تُسْتَحَبُّ الْمُرَاعَاةُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْمَذْهَبِ لَكِنَّ ثُبُوتَ الْكَرَاهَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. (قَوْلُهُ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ تَعُودُ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى إذْ بِكَوْنِهِ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبُ، يَزُولُ الْإِشْكَالُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ رَفَعَ فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَقَطْ، وَقَدْ اقْتَصَرَ مَثَلًا مِسْكِينٌ عَلَى نَقْلِ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ فَقَطْ فَفِيهِ إيمَاءٌ لِمَا قُلْنَا تَأَمَّلْ اهـ. وَفِي النَّهْرِ: وَلَا يَخْفَى قُرْبُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ فَالَأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ) قَدْ يُقَالُ: يُنَافِي ذَلِكَ الْحَمْلَ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ صَلُّوا» إلَخْ، وَفِي النَّهْرِ: أَقُولُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ بِوَجْهٍ إذْ الْمُدَّعَى طَلَبُ النُّهُوضِ وَتَرْكُهُ يُوجِبُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَرْجِعٌ لَا بَأْسَ بِهِ فِي أَغْلَبِ اسْتِعْمَالِهِ وَلَا يُنَافِيه مَا فِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا إذْ الْمُرَادُ بِهَا التَّنْزِيهُ، وَكَذَا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ إلَخْ فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ الْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ مَمْنُوعٌ اهـ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: أَوْ بِكَوْرِ عِمَامَتِهِ، مِنْ أَنَّ مَرْجِعَ خِلَافِ الَأَوْلَى كَلَا بَأْسَ إلَى التَّنْزِيهِ.

اهـ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَتَرْكُهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ النُّهُوضِ وَيُسْتَحَبُّ الْهُبُوطُ بِالْيُمْنَى وَالنُّهُوضُ بِالشِّمَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا وَذَكَرَهَا فِي الْمُجْتَبَى مَرْوِيَّةً عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. (قَوْلُهُ وَالثَّانِيَةُ كَالْأُولَى) أَيْ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْآدَابِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُثْنِي) أَيْ لَا يَأْتِي بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ دُونَ أَثْنَائِهَا وَلِذَا سُمِّيَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ (قَوْلُهُ وَلَا يَتَعَوَّذُ) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ فَلَا يَتَكَرَّرُ إلَّا بِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ كَمَا لَوْ تَعَوَّذَ وَقَرَأَ، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا وَقَرَأَ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يَتَعَوَّذَ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي فقعس صمعج) أَيْ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ النَّفْيَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْأَيْدِي وَقْتَ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَلَا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ وَلَا تَكْبِيرَاتِ الْجَنَائِزِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لَمْ يَرْفَعْهُمَا حَتَّى انْصَرَفَ» وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» وَشُمْسٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعُ شَمُوسٍ بِفَتْحِهَا وَضَمِّ الْمِيمِ أَيْ صَعْبٍ وَاعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ بِأَنَّ هَذَا الرَّفْعَ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا، رُدَّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَالَ التَّسْلِيمِ لَا يُقَالُ لَهُ اُسْكُنْ فِي الصَّلَاةِ وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْإِيمَاءُ حَالَ التَّسْلِيمِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ، أَنَّ الْآثَارَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالطُّرُقَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرَةٌ جِدًّا وَالْكَلَامُ فِيهَا وَاسِعٌ مِنْ جِهَةِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْقَدْرُ الْمُتَحَقِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُبُوتُ رِوَايَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الرَّفْعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَدَمُهُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ لِقِيَامِ التَّعَارُضِ، وَيَتَرَجَّحُ مَا صِرْنَا إلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ أَقْوَالٌ مُبَاحَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَأَفْعَالٌ مِنْ جِنْسِ هَذَا الرَّفْعِ، وَقَدْ عُلِمَ نَسْخُهَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا مَشْمُولًا بِالنَّسْخِ خُصُوصًا، وَقَدْ ثَبَتَ مَا يُعَارِضُهُ ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ بِخِلَافِ عَدَمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ عَدَمِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا عُهِدَ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ مِنْ جِنْسِ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ مَا أُجْمِعَ عَلَى طَلَبِهِ فِي الصَّلَاةِ أَعْنِي الْخُشُوعَ، وَكَذَا بِأَفْضَلِيَّةِ الرُّوَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِلْأَوْزَاعِيِّ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمَا وَأَفَادَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ سُنِّيَّةَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: ثَلَاثَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَالْفَاءُ لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالْقَافُ لِلْقُنُوتِ وَالْعَيْنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَخَمْسَةٌ فِي الْحَجِّ: فَالسِّينُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَالصَّادُ عِنْدَ الصُّعُودِ عَلَى الصَّفَا وَالْمِيمُ لِلْمَرْوَةِ وَالْعَيْنُ لِعَرَفَاتٍ وَالْجِيمُ لِلْجَمَرَاتِ وَالرَّفْعُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بِحِذَاءِ الْأُذُنَيْنِ، وَفِي الْخَمْسَةِ تَفْصِيلٌ فَفِي اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالْوُسْطَى يَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَيَجْعَلُ بَاطِنَهُمَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَ) بِعَرَفَاتٍ يَرْفَعُهُمَا كَالدُّعَاءِ بَاسِطًا يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْمَنَاسِكِ. (قَوْلُهُ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُمَا) ، وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ بِمَكَّةَ فِي دَارِ الْحَنَّاطِينَ كَمَا حَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا بَالُكُمْ لَا تَرْفَعُونَ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ؟ فَقَالَ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَيْفَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ» فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَرْفَعُ إلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ» فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أُحَدِّثُك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَتَقُولُ حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَتْ لِابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ وَلَهُ فَضْلٌ فَالْأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ فَرَجَّحَ بِفِقْهِ الرُّوَاةِ لَمَّا رَجَّحَ الْأَوْزَاعِيُّ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَنَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.

عَلَيْهَا وَنَصَبَ يُمْنَاهُ وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَكَانَ يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» وَهَذَا بَيَانُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ تَوَرَّكَ جَازَ، أَطْلَقَ الصَّلَاةَ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ فَيَقْعُدُ فِيهِمَا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، فَمَا فِي الْمُجْتَبَى نَاقِلًا عَنْ صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ أَنَّ هَذَا فِي الْفَرْضِ، وَفِي النَّفْلِ يَقْعُدُ كَيْفَ شَاءَ كَالْمَرِيضِ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُورَةِ، نَعَمْ النَّفَلُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَا يَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَكِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي السُّنِّيَّةِ. (قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ) يَعْنِي وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ أَشَارَ إلَى رَدِّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَحَالَةِ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَرَجَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ الْكَيْفِيَّةَ الْأُولَى، فَقَالَ: وَلَا يَأْخُذُ الرُّكْبَةَ، هُوَ الْأَصَحُّ فَتُحْمَلُ الْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأُولَى عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِيَّةِ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى تَكُونُ الْأَصَابِعُ مُتَوَجِّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ إلَى الْأَرْضِ لَكِنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ عُطِفَتْ عَلَى الرُّكْبَةِ أَمَّا إذَا كَانَتْ رُءُوسُهَا عِنْدَ رَأْسِ الرُّكْبَةِ فَلَا يَتِمَّ التَّرْجِيحُ، وَعَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الثَّالِثَةِ مَا فِي جَمْعِ التَّفَارِيقِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ عِنْدَ الرُّكْبَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَأَشَارَ بِبَسْطِ الْأَصَابِعِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السُّكُونِ، وَكَرِهَهَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَوْلَ بِالْإِشَارَةِ وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِهَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ وَرَوَاهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْمُجْتَبَى لَمَّا اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا فِي كَوْنِهَا سُنَّةً، وَكَذَا عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَكَثْرَةُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ كَانَ الْعَمَلُ بِهَا أَوْلَى. (قَوْلُهُ وَقَرَأَ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِأَنْ يَضَعَ الْإِبْهَامَ تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي تَبَعًا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَاعْتُرِضَ فِي الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُمْ كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنَّ شَرْطَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ أَنْ يَضَعَ الْخِنْصَرَ عَلَى الْبِنْصِرَ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ هُوَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى الرَّاحَةِ كَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ وَلَمْ يَنْطِقُوا بِهَا تَبَعًا لِلْخَبَرِ وَأَجَابَ فِي الْإِقْلِيدِ بِأَنَّ عِبْرَةَ وَضْعِ الْخِنْصَرَ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ هِيَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرُهُمْ فِيهَا ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ إنَّ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْحُسَّابِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ هَيْئَةً أُخْرَى أَوْ تَكُونُ الْهَيْئَةُ الْوَاحِدَةُ تَشْتَرِكُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ اهـ. قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصِفَتُهَا أَنْ يُحَلِّقَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى عِنْدَ الشَّهَادَةِ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَيَقْبِضَ الْبِنْصِرَ وَالْخِنْصَرَ وَيَضَعَ رَأْسَ إبْهَامِهِ عَلَى حَرْفِ الْمِفْصَلِ الْأَوْسَطِ وَيَرْفَعَ الْأُصْبُعَ عِنْدَ النَّفْيِ وَيَضَعَهَا عِنْدَ الْإِثْبَاتِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُشِيرَ بِكِلْتَا مُسَبِّحَتَيْهِ. (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَا يُتِمُّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُهُ (وَقَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَوْلَ بِالْإِشَارَةِ) أَيْ مَعَ قَبْضِ الْأَصَابِعِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ أَشَارَ يَعْقِدُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَيُحَلِّقُ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ وَيُقِيمُ السَّبَّابَةَ اهـ. فَالْإِشَارَةُ إنَّمَا هِيَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ عِنْدَنَا وَهِيَ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ كَالْبَدَائِعِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَشُرُوحِ الْمُنْيَةِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ وَالنَّهْرِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْبُرْهَانِ مِنْ أَنَّهُ يُشِيرُ وَلَا يَعْقِدُ فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ أَرَ مَنْ عَوَّلَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ نَقَلَهُ سِوَاهُ فَالْعَمَلُ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا،: وَهُوَ الْمَشْهُورُ بَسْطُ الْأَصَابِعِ بِلَا إشَارَةٍ وَالثَّانِي الَّذِي رَجَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَقْدُ الْأَصَابِعِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ دُرَرِ الْبِحَارِ وَشَرْحِهِ مُوَافِقًا لِمَا نَقَلَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ عَنْ الْبُرْهَانِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنِّي رَاجَعْت دُرَرَ الْبِحَارِ وَشَرْحَهُ الْمُسَمَّى غُرَرَ الْأَفْكَارِ فَرَأَيْت فِيهِمَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الْإِشَارَةِ مَعَ الْعَقْدِ، وَقَدْ أَوْضَحْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنُقُولِهَا الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا رَفْعُ التَّرَدُّدِ فِي عَقْدِ الْأَصَابِعِ عِنْدَ التَّشَهُّدِ فَرَاجِعْهَا فَإِنَّهَا فَرِيدَةٌ فِي بَابِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَرَسُولُهُ فَسُمِّيَ تَشَهُّدًا تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ أَشْرَفُ أَذْكَارِهِ، ثُمَّ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظِهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، أَحْسَنُهَا: أَنَّ التَّحِيَّاتِ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ وَالطَّيِّبَاتِ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ فَجَمِيعُ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ وَلَا يَتَقَرَّبُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَى مَا سِوَاهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى مِثَالِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ فَيُقَدِّمُ الثَّنَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ الْخِدْمَةَ ثَانِيًا، ثُمَّ بَذْلَ الْمَالِ ثَالِثًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَهِيَ ثَلَاثَةٌ بِمُقَابَلَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَثْنَى بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَبِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالسَّلَامُ مِنْ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَوْ مِنْ تَسْلِيمِهِ مِنْ الْآفَاتِ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا نَفْسُ الْإِحْسَانِ مِنْهُ تَعَالَى لَا إرَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ بِهَا وَالدُّعَاءُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ وَالْإِرَادَةُ قَدِيمَةٌ بِخِلَافِ نَفْسِ الْإِحْسَانِ، وَالْبَرَكَةُ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْخَيْرِ وَيُقَالُ: الْبَرَكَةُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى سَهْمًا مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ لِإِخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّهُمْ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ حَيْثُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ، وَمُرَادُهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِلَّا فَهِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْ النَّقْصِ لِدَلَاتِهَا عَلَى الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَعَرَّفَهَا النَّسَفِيُّ بِأَنَّهَا الرِّضَا بِمَا يَفْعَلُهُ الرَّبُّ، وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَقْوَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ فِي الْعُقْبَى بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَلِذَا وَصَفَ الْأَنْبِيَاءُ نَبِيَّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَلِذَا قَالُوا لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الشَّارِعِ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ صَالِحٌ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِي ظَنِّي خَوْفًا مِنْ الشَّهَادَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَأَشْهَدُ مَعْنَاهُ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعُبُودِيَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُدِّمَتْ الْعُبُودِيَّةُ عَلَى الرِّسَالَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا أَشْرَفُ صِفَاتِهِ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] وَفِي قَوْله تَعَالَى {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَاخْتِيرَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ دُونَهُمَا؛ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي مَعْنَاهَا وَأَظْهَرُ مِنْهُمَا لِكَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا، بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ غَالِبًا فِي الْبَوَاطِنِ فَقَطْ، وَلِذَا لَوْ أَتَى الشَّاهِدُ بِلَفْظِ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ مَكَانَ أَشْهَدُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا بَعْضَ مَعَانِي التَّشَهُّدِ لِمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْصِدُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَعَانِيَهَا مُرَادَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ: وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ بِأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ مَعْنَاهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا مِنْ عِنْدِهِ كَأَنَّهُ يُحَيِّ اللَّهَ وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى نَفْسِهِ وَأَوْلِيَائِهِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا عَائِدٌ إلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمَلَائِكَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ قَوْلَهُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ حِكَايَةُ سَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ مِنْ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ وَاحْتَرَزَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ غَيْرِهِ لِيُخْرِجَ تَشَهُّدَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَعَمِلَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) الثَّابِتُ فِي تَشَهُّدِ عَائِشَةَ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ أَيْضًا وَبِهِ عُلِمَ تَشَهُّدُهَا وَخَرَجَ تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الْمَرْوِيِّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّن.

إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ سَلَامٌ عَلَيْك بِالتَّنْكِيرِ وَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ أَكْمَلُ التَّشَهُّدِ وَرَجَّحَ مَشَايِخُنَا تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ بِوُجُوهٍ عَشْرَةٍ ذَكَرَهَا الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَحْسَنُهَا: أَنَّ حَدِيثَهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَاتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّ أَحَادِيثِ التَّشَهُّدِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَتَّى قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمِمَّنْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَالْقُرْآنِ، ثُمَّ وَقَعَ لِبَعْضِ الشَّارِحِينَ أَنَّهُ قَالَ وَالْأَخْذُ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى فَيُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى لَوْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ كَانَ آتِيًا بِالْوَاجِبِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّشَهُّدَ وَاجِبًا وَعَيَّنُوهُ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ وَاجِبًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّشَهُّدِ حَرْفًا أَوْ يَبْتَدِئَ بِحَرْفٍ قَبْلَ حَرْفٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَوْ نَقَصَ مِنْ تَشَهُّدِهِ أَوْ زَادَ فِيهِ كَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ أَذْكَارَ الصَّلَاةِ مَحْصُورَةٌ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا اهـ. وَإِذَا قُلْنَا بِتَعَيُّنِهِ لِلْوُجُوبِ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةً وَهِيَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْقَعْدَةِ الْأَوْلَى فَلَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا، لِلْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ إنْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تَشَهُّدِهِ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، فَإِنْ زَادَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَخْفَى وُجُوبُ إعَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ وَالْمَشَايِخُ وَالْمُخْتَارُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ إذَا قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا لِأَجْلِ خُصُوصِ الصَّلَاةِ بَلْ لِتَأْخِيرِ الْقِيَامِ الْمَفْرُوضِ وَاخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ إذَا زَادَ حَرْفًا وَاحِدًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ أَوْ الْكَلِمَةَ يَسِيرٌ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حَتَّى يُؤَخِّرَ مُقَدَّرَ مَا يُؤَدِّي رُكْنًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ وَفِيمَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ اكْتَفَى بِالْفَاتِحَةِ) يَعْنِي فِي الْفَرَائِضِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الثَّالِثَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ إذْ لَا تَشْمَلُ الْمَغْرِبَ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَةَ الْقِرَاءَةِ فِيمَا بَعْدَهُمَا لِلِاخْتِلَافِ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَهَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَالسُّكُوتِ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ كَمَا فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ أَيْ التَّشَهُّدُ الْمَرْوِيُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ وَمَنْ صَبَغَ يَدَهُ فِي الْفِقْهِ وَعَلِمَ حَقِيقَةَ اصْطِلَاحِهِمْ رَضِيَهُ، تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّهْرِ قَرِيبًا مِمَّا قُلْتُ: فَإِنَّهُ قَالَ وَأَقُولُ: عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ سَبْرِ وُجُوهِ تَرْجِيحَاتِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ لَهُ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَعَلَيْهِ فَالْكَرَاهَةُ السَّابِقَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. وَأَقُولُ: لَوْ قُلْنَا تَحْرِيمِيَّةٌ فَالْمُرَادُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَلَى الْمَرْوِيِّ بِمُطْلَقِهِ تَأَمَّلْ. اهـ. (وَقَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ) أَيْ وَظَهَرَ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالْأَوَّلُ وَهُوَ زِيَادَةُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. وَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ تَأَمَّلْ اهـ. وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَكَلَامُهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ مَا رَجَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ كَمَا نَذْكُرُهُ (قَوْلُهُ وَمَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَخْ) أَقُولُ: مَا فِي الذَّخِيرَةِ لَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمِقْدَارِ أَدَاءِ الرُّكْنِ مِقْدَارُ أَدَاءِ أَقْصَرِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ قَدْرُ تَسْبِيحَةٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَدْرَ زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنَحْوِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي جِنْسِ مَا يَجِبُ بِهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مِقْدَارُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ فِي الْجَهْرِ فِيمَا يُخَافِتُ وَعَكْسُهُ وَكَمَا فِي التَّفَكُّرِ حَالَ الشَّكِّ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ يَشْغَلُ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ لِأَنَّهُ زَمَنٌ قَلِيلٌ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّسْبِيحِ أَوْ السُّكُوتِ اهـ. كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ) عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَوْ سَبَّحَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ مَكَانَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ سَكَتَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا إنْ كَانَ عَامِدًا وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ سَاهِيًا، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ

النِّهَايَةِ أَوْ ثَلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَصَحَّحَ التَّخْيِيرَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَفِي الْمُحِيطِ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَلَوْ سَبَّحَ فِيهِمَا وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا شُرِعَتْ عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ حَتَّى قَالُوا: يَنْوِي بِهَا الذِّكْرَ وَالثَّنَاءَ دُونَ الْقِرَاءَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَتْ الْمُخَافَتَةُ فِيهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْأَذْكَارِ وَلِذَا تَعَيَّنَتْ الْفَاتِحَةُ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا ذِكْرٌ وَثَنَاءٌ، وَإِنْ سَكَتَ فِيهِمَا عَمْدًا يَكُونُ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ سُجُودُ السَّهْوِ، وَفِي الْبَدَائِعِ إنَّ التَّخْيِيرَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَهُوَ كَالْمَرْفُوعِ، وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْمُوَاظَبَةِ عَنْ الْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا لَكِنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِالسُّكُوتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَلَى خِلَافِهِ، وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ وَلَيْسَ بِمُنَافٍ لِلتَّخْيِيرِ كَالْحَلْقِ مَعَ التَّقْصِيرِ وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ يَنْوِي الذِّكْرَ وَالثَّنَاءَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَتْ: لِيَكُنْ عَلَى وَجْهِ الثَّنَاءِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَيْضِ أَنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ بِالْقَصْدِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرَى بِهِ فِي الْفَاتِحَةِ فَيَنْبَغِي كَذَلِكَ هُنَا وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ غَرِيبِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الْقُرْآنِ يَضُمُّ إلَيْهَا السُّورَةَ اهـ. وَكَانَ وَجْهُهُ الْقِيَاسَ عَلَى الْأُولَيَيْنِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ لِمَا عُهِدَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ التَّخْفِيفِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ اكْتَفَى بِالْفَاتِحَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا مُبَاحَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً أَوْ قَالَ نِصْفُ ذَلِكَ» ، وَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَتَبِعَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ حَتَّى لَوْ قَرَأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الِاكْتِفَاءَ بِهَا لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى تَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى الِاخْتِيَارِ مِنْ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ وَهَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ وَعِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ: وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَرَأَ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ وَلَا سَجْدَتَا سَهْوٍ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ اهـ. عِبَارَةُ قَاضِي خَانْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَلَمْ يُسَبِّحْ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي السَّهْوِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ اهـ. إنَّمَا نَقَلْنَا عِبَارَاتِهِمْ بِنُصُوصِهَا لِيَتَّضِحَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ اشْتِبَاهٍ. (قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ السُّنَّةَ مُطْلَقُ الذِّكْرِ لَكِنَّ كَوْنَهُ بِالْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ فَلَوْ سَبَّحَ لَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَكَتَ فَصَارَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ لَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ السُّكُوتِ بَلْ السُّكُوتُ مَكْرُوهٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِيَارَ بَيْنَ الْأُولَيْنِ فَقَطْ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا فِي غَيْرِهِ فَيُكْرَهُ السُّكُوتُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ هُوَ السُّنَّةُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ السُّكُوتُ مَكْرُوهًا عَلَى الْأَوَّلِ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً بِالنَّظَرِ إلَى السُّكُوتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ وَسَكَتَ يُكْرَهُ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَلَمَّا كَانَ غَيْرَ مَكْرُوهٍ عَلَى الثَّانِي لَمْ تَكُنْ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً بَلْ هِيَ أَفْضَلُ عَلَى الْأَوَّلِ بِالنَّظَرِ إلَى التَّسْبِيحِ فَلِذَا اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ شُرِعَتْ الْمُخَافَتَةُ فِيهَا) أَيْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ لَكِنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَضْعِيفِ كَلَامِ الْمُحِيطِ بِأَنَّ مُقْتَضَى أَثَرِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحِيطِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا بِالسُّكُوتِ لِعِلْمِ عَدَمِ الْإِسَاءَةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ بِالْأَوْلَى وَلِيُشِيرَ إلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَطْ لِكَلَامِ الْمُحِيطِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ اخْتَارَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَيُحْمَلُ مَا فِي السِّرَاجِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ دَعْوَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى مِنْ التَّنَافِي إذْ الْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ وَالْمَنْدُوبُ مَا تَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ أَقُولُ:: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْبَحْرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْحِلُّ لِاسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّورَةَ مَشْرُوعَةٌ نَفْلًا تَأَمَّلْ

الْفَاتِحَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى وَقَيَّدْنَا بِالْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ الْوَاجِبَ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي مِنْ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبُ كَالْفَرْضِ فِي هَذَا، بِخِلَافِ النَّوَافِلِ سُنَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ فِيهِ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَلِذَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُعُودِ الْأَوَّلِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ كَالْفَرْضِ لَكِنْ هُوَ مُسَلَّمٌ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ بِالِانْتِقَالِ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي مِنْهَا، وَلَوْ أَفْسَدَهَا قَضَى أَرْبَعًا وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ بِمَنْزِلَتِهَا، وَأَمَّا الْأَرْبَعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لَهَا تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَالْقُعُودُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ) يَعْنِي فَيَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَرَّكُ فِيهَا، وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ لِأَبِي اللَّيْثِ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ عَشْرُ مَرَّاتٍ، وَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ وَعَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ فَيَسْجُدَ مَعَهُ وَيَتَشَهَّدَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ فَيَسْجُدَ وَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ يَسْجُدَ الْإِمَامُ لِهَذَا السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ مَعَهُ الْخَامِسَةَ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ الْمَأْمُومُ وَصَلَّى رَكْعَةً وَتَشَهَّدَ السَّادِسَةَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى وَتَشَهَّدَ السَّابِعَةَ، وَقَدْ كَانَ سَهَا فِيمَا يَقْضِي فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَتَشَهَّدَ الثَّامِنَةَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِيمَا يَقْضِي فَسَجَدَ وَتَشَهَّدَ التَّاسِعَةَ، ثُمَّ سَجَدَ لِهَذَا السَّهْوِ وَتَشَهَّدَ الْعَاشِرَةَ اهـ. مُرَادُهُ مِنْ التَّشَهُّدِ بَعْدَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَشَهُّدُ الصَّلَاةِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ كَمَا لَا يَخْفَى وَحِينَئِذٍ يُعِيدُهُ وَيُعِيدُ سُجُودَ السَّهْوِ لِبُطْلَانِهِ بِالْعَوْدِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ (قَوْلُهُ وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ سُنَّةٌ وَقَدَّمْنَا دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ وَأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ الِافْتِرَاضُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ فِي وُجُوبِهَا كُلَّمَا سَمِعَ ذِكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُوجِبِ لِلتَّفْسِيقِ بِالتَّرْكِ لَا فِي الِافْتِرَاضِ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَاخْتَلَفَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ هَلْ يَتَدَاخَلُ الْوُجُوبُ فَيَكْفِيه صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرِ تَدَاخُلٍ؟ صَحَّحَ فِي الْكَافِي مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْأَوَّلَ وَأَنَّ الزَّائِدَ نَدْبٌ، وَكَذَا التَّشْمِيتُ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الثَّانِيَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرَارِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَجْلِسٍ حَيْثُ يَكْفِي ثَنَاءٌ وَاحِدٌ. قَالَ وَلَوْ تَرَكَهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَيْنًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا بِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ أَدَاءٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَجَدُّدِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ الْمُوجِبَةِ لِلثَّنَاءِ فَلَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْقَضَاءِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ لَكِنْ لَيْسَ مُطَالَبًا بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا فِي الْوُجُوبِ كَالصَّلَاةِ وَاخْتَارَ الْكَرْخِيُّ اسْتِحْبَابَ التَّكْرَارِ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَدَحَ فِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنْ تَمَّ نَقْلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَهُّدُ إلَخْ) أَوْصَلَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَسْجُدُ الْإِمَامُ لِهَذَا السَّهْوِ) وَلَا يَكْفِيه الْأَوَّلُ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ خَاتَمًا لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ بَاطِلًا بِعَوْدِهِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ الْقَرْمَانِيِّ وَعِبَارَتُهُ اعْلَمْ أَنَّ تَكَرُّرَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الذِّكْرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الطَّحَاوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الْكِفَايَةِ لَا وُجُوبِ الْعَيْنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُقَدِّمَةِ أَبِي اللَّيْثِ لَمَّا عَدَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَقَالَ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ يُخْرَجُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ يَعْنِي إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْتَرَضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَعْظِيمُهُ وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَ أَبِي اللَّيْثِ بِالِافْتِرَاضِ الْوُجُوبُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الطَّحَاوِيَّ لَمْ يَقُلْ بِالِافْتِرَاضِ وَإِنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْفَتْحِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَقْتٍ مَحَلًّا إلَّا أَنَّ مَحَلِّيَّتَهُ فِي تَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ بِالْقَضَاءِ أَوْلَى مِنْهُ بِغَيْرِهِ (وَقَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَجَعَلَهُ فِي الْمَجْمَعِ قَوْلَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ مِنْ قَوْلِ

الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَرَجَّحَ وَإِلَّا فَالْأَوْلَى قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ، بِالرَّغْمِ وَالْإِبْعَادِ وَالشَّقَاءِ وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ وَالْجَفَاءِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى التَّرْكِ مِنْ عَلَامَاتِ الْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ السَّرَخْسِيَّ ظَنَّ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ قَائِلٌ بِالِافْتِرَاضِ فَرَدَّهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لِمَا أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَسُنَّةً وَمُسْتَحَبَّةً وَمَكْرُوهَةً، فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةٌ، وَالثَّانِي كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالثَّالِثُ فِي الصَّلَاةِ، وَالرَّابِعُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَالْخَامِسُ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ، وَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ كُلَّ مَرَّةٍ وَهَذَا أَصَحُّ اهـ. مَحْمُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا قَدَّمْنَا وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا فَتَحَ التَّاجِرُ مَتَاعَهُ وَصَلَّى، وَكَذَا فِي الْفُقَّاعَيْ، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا اخْتِلَافٌ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَنُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ تَكْرَارِ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا ضَعِيفٌ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ الرَّحْمَةُ وَإِنَّمَا كَرَّرَ حَرْفَ الْجَرِّ فِي الْآلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ آلِهِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ قَرَابَتُهُ الَّذِينَ حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، وَالتَّشْبِيهُ. ـــــــــــــــــــــــــــــQالطَّحَاوِيَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا سَمِعَ اسْمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَحْرِيمًا عَلَى مَا مَرَّ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ الثَّانِي وَاجِبَةٌ وَلَا يُنَافِيه مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ إلَى " عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ " لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّشَهُّدُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ اللُّزُومِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الذَّاكِرِ لِحَدِيثِ «مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ» كَمَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ مُشِيرًا إلَى الْجَوَابِ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلَى الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَخْلُو عَنْ ذِكْرِهِ فَلَوْ وَجَبَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ، لَمْ يُوجَدْ فَرَاغٌ مِنْهَا مُدَّةً مِنْ الْعُمُرِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ مَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ غَرِيبٌ مُصَادِمٌ لِسَائِرِ عِبَارَاتِهِمْ، وَيُجَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مُسَاوٍ لِلْمَنْطُوقِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّعْظِيمَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالذِّكْرِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي دَلَالَةً نَحْوُ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] اهـ. وَالْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ ذَلِكَ مُخَصَّصٌ عَقْلًا لِأَنَّ التَّسَلْسُلَ مُحَالٌ لِذَاتِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا إجْمَاعًا، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، وَقَدْ وَافَقَ الطَّحَاوِيَّ فِي الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَجْرِ الْمُنِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ حَدِيثَ «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ كُلَّمَا ذُكِرَ، وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ أَمِيلُ. (قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ صَلَاةً أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي تَشَهُّدِهِ عَنْ الْفَرْضِ وَوَقَعَتْ فَرْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ اهـ. أَقُولُ: نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً إنْ شَاءَ جَعَلَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ مَعَ زِيَادَةِ فِي الْعَالَمِينَ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الْإِفْصَاحِ أَيْ إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ زِيَادَةُ " فِي الْعَالَمِينَ " بَعْدَ " كَمَا صَلَّيْت " أَيْضًا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ لَكِنْ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَنْ رَوَاهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ خَرَّجَهَا مِنْ الْحُفَّاظِ وَلَا ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ. (قَوْلُهُ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إلَى قَوْلِهِ وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ) قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ قَدْ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ سُؤَالٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُشْبِهُ الصَّلَاةَ عَلَى إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَذُكِرَ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ: سَأَلَ صَلَاةً يَتَّخِذُهُ بِهَا خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا فِي قَدْرِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} [البقرة: 183]

فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إمَّا رَاجِعٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ الْمُشَبَّهِ أَوْ مُسَاوِيًا بَلْ قَدْ يَكُونُ أَدْنَى مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} [النور: 35] وَسَبَبُ وُقُوعِهِ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُورًا فَهُوَ مِنْ بَابِ إلْحَاقِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِالْمَشْهُورِ لَا النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْقَدْرَ الْحَاصِلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ أَزْيَدُ مِمَّا حَصَلَ لِغَيْرِهِ وَالنُّكْتَةُ فِي تَخْصِيصِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إمَّا لِسَلَامِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِدُعَائِهِ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُ سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ وَسَمَّاهُ اللَّهُ أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ وَحَسُنَ الْخَتْمُ بِ " إنَّكَ " حَمِيدٌ مَجِيدٌ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَخْتِمَ دُعَاءَهُ بِاسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مُنَاسِبٍ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَالصَّلَاةُ وَالتَّبْرِيكُ عَلَيْهِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَمْدِ وَالْمَجْدِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ثَنَاءِ اللَّهِ وَتَكْرِيمِهِ وَرَفْعِ الذِّكْرِ لَهُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَهُ فِي حَمْدِهِ وَمَجْدِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتِمَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يُصَلِّيَ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ: قُصُورُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَقِّ كَمَا يَنْبَغِي، فَالْمُرَادُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْآيَةِ سُؤَالُهَا فَالْمُصَلِّي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَنِسْبَتُهَا إلَى الْعَبْدِ مَجَازٌ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَقُولُ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ لِلتَّوَارُثِ اهـ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَلَّ قَدْرُهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَمَا أَفَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ابْتِدَاءً رَحْمَةُ اللَّهِ، وَمِنْ الْعَجِيبِ مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ بَابِ الْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ قَالُوا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سَاهِيًا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ اهـ. وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَتَكَرَّرُ فَإِذَا أَتَى بِهَا مَرَّةً، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا تُعَادُ لَكِنَّ هَذَا فِي الثَّانِي مُمْكِنٌ، وَأَمَّا فِي الْقُنُوتِ فَالصَّلَاةُ آخِرَهُ مَشْرُوعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَالْحَقُّ خِلَافُهُ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْمُجْتَبَى: مِنْ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُتِمَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْآيَةَ وَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ فَالْمَسْئُولُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْآلِ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ فَيَدْخُلُ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيٌّ فَطَلَبَ إلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ عَلَى الْآلِ لَا عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَكَانَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَقْطُوعًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ اهـ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ لِتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ وَقِيلَ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ وَقِيلَ بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَجْعَلَ لَهُ بِهِ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْهَبَ فِي الْأَجْوِبَةِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ زَيَّفَ أَكْثَرَ الْأَجْوِبَةِ إلَّا تَشْبِيهَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ: وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] قَالَ: مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ فَكَأَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ عُمُومًا، فَيَحْصُلُ لِآلِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ وَذَلِكَ الْقَدْرُ أَزْيَدُ مِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ وَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَائِدَةُ التَّشْبِيهِ وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ اهـ وَإِذَا أَرَدْت الْمَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ فَرَاجِعِ الْمَوَاهِبَ الْمَذْكُورَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ كَالصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعِبَادِ إلَى مَزِيدٍ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ لِوُرُودِهِ فِي الْأَثَرِ وَلَا عَتَبَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَنَا أَقُولُ: ارْحَمْ مُحَمَّدًا لِلتَّوَارُثِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَفْسِيرِهِمْ الصَّلَاةَ بِالرَّحْمَةِ وَاللَّفْظَانِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الدَّلَالَةِ صَحَّ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلِذَا أَقَرَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْأَعْرَابِيَّ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا.

؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةَ وَعِنْدِي فِي صِحَّتِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ شَرَعَ فِيهِ وَلَمْ يُتِمَّهُ كَالْفَاتِحَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ فَشَمِلَ الْمَسْبُوقَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ اخْتَارَ ابْنُ شُجَاعٍ تَكْرَارَ التَّشَهُّدِ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ السُّكُوتَ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَتَرَسَّلُ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ عِنْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَشْتَغِلُ بِالدُّعَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَرْكَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْفَتَاوَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ الْإِمَامُ إذَا تَكَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي بَعْدُ لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ قَرَأَ، وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِمَنْزِلَةِ السَّلَامِ وَالْإِمَامُ إذَا سَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْمُقْتَدِي فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ عَمْدًا. (قَوْلُهُ وَدَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لَا كَلَامَ النَّاسِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ الْمَوْجُودِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْمُشَابَهَةِ إذْ الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ لَا يُشَابِهُهُ شَيْءٌ وَلَكِنْ أَطْلَقَهَا لِإِرَادَتِهِ نَفْسَ الدُّعَاءِ لَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مِثْلَ {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: 286] {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح: 28] {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] إلَى آخِرِ كُلٍّ مِنْ الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ، يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظٍ أَيْ دَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ السُّنَّةِ وَهِيَ الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ أَوْ مَا أَيْ دَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ السُّنَّةِ أَوْ دَعَا بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدُّعَاءَ آخِرَهَا سُنَّةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» وَلَهُ حَدِيثٌ أَيْضًا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهَا «دَعَا يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ «قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالدُّبُرُ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَيْ الْوَقْتِ الَّذِي يَلِيه وَقْتُ الْخُرُوجِ مِنْهَا وَيُرَادُ بِهِ وَرَاءَهُ وَعَقِبَهُ أَيْ الْوَقْتَ الَّذِي يَلِيه وَقْتُ الْخُرُوجِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْوَقْتَيْنِ أَوْفَقُ لِاسْتِمَاعِ الدُّعَاءِ فِيهِ أَوْلَى بِاسْتِحْبَابِهِ وَأَطْلَقَ فِي الْمَدْعُوِّ لَهُ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَخُصَّ الْمُصَلِّي نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وَلِلْحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَدْعُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ، ثُمَّ ظَاهِرُ النُّصُوصِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ نَفْسِهِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَعَا بِدُعَاءٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» ، وَهُوَ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ وَلِذَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِإِيمَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِ وَلَقَدْ بَالَغَ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنْ قَالَ إنَّ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ كُفْرٌ لِطَلَبِهِ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ وَالِدَيْ سَيِّدِنَا نُوحٍ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ، ثُمَّ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْذِيبِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّارِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا يُوجِبُ الْكُفْرَ كَالدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِ بِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَكْذِيبِ الْآحَادِ وَالْقَطْعِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ: الْمَغْفِرَةَ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَأَمَّا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَلَمْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِتَحْرِيمَتِهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَنَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخِ الْقَرَافِيِّ وَأَقَرَّهُمَا عَلَيْهِ، وَرَدَّهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ اهـ. وَقَوْلُهُ، وَرَدَّهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا سَيَأْتِي

يُشْرِكْهُمْ فِيمَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ فَهُوَ الْمُحَرَّمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَأَطَالَ الْكَلَامَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ غَيْرَ عَاصٍ بِالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْمُشْرِكِ عَقْلًا، قِيلَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ فَيَجُوزُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ زَيْنُ الْعَرَبِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ بَحْثِ الْإِيمَانِ: لَيْسَ بِحَتْمٍ عِنْدَنَا أَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بَلْ الْعَفْوُ عَنْ الْجَمِيعِ مَرْجُوٌّ لِمُوجَبِ قَوْله تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وقَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] اهـ. فَيَجُوز أَنْ يَطْلُبَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِفَرْطِ شَفَقَتِهِ عَلَى إخْوَانِهِ الْأَمْرَ الْجَائِزَ الْوُقُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا، ثُمَّ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الدُّعَاءِ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ، ثُمَّ بِالدُّعَاءِ» وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ النَّاسِ هُنَا وَبَيَّنَهُ فِي الْكَافِي فَقَالَ: وَفَسَّرُوهُ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ نَحْوَ أَعْطِنِي كَذَا وَزَوِّجْنِي امْرَأَةً وَمَا لَا يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ مَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْهُمْ نَحْوَ اغْفِرْ لِي؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 135] اهـ. وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ كَمَا ذَكَرُوهُ تَخْتَصُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ فَصَّلُوا فَقَالُوا: لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَمِّي أَوْ لِخَالِي تَفْسُدُ، ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لَا تَفْسُدُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَحَكَى الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَخِي قَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَا تَفْسُدُ، وَقَالَ ابْنُ الْفَضْلِ تَفْسُدُ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ الْأَوَّلَ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي} [الأعراف: 151] ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ أَوْ لِعَمْرٍو تَفْسُدُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي) أَيْ لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَالَ الْمَدَارِيُّ فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ يَتَلَخَّصُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَدَارَ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ جَوَازُ التَّخْصِيصِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ مِنْ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: فَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْوَعْدِ، قُلْنَا: لَا ضَيْرَ فِي الْتِزَامِهِ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ فَإِنَّهُ كَمَا دَخَلَ التَّخْصِيصُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] بِمَنْ عُفِيَ عَنْهُ تَفَضُّلًا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ شَرًّا مَعَ عَمَلِهِ لَهُ فَكَذَا دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] بِمَنْ حَبِطَ عَمَلُهُ بِرَدِّهِ فَلَمْ يَرَ خَيْرًا مَعَ عَمَلِهِ لَهُ، وَحَاشَا اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرَادَ بِجَوَازِ الْخُلْفِ فِي الْوَعِيدِ أَنْ لَا يَقَعَ عَذَابُ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِخْبَارَ بِعَذَابِهِ فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا كَمَا أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ نَعِيمِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِالنَّعِيمِ مُحَالٌ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا} [النساء: 122] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا} [الأنعام: 115] {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] وَحِينَئِذٍ فَلْيُحْمَلْ قَوْلُ ابْنِ نَبَاتَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إذَا وَعَدَ وَفَّى وَإِذَا أَوْعَدَ تَجَاوَزَ وَعَفَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ صُورَةُ الْعُمُومِ وَبِالْوَعْدِ مَنْ أُرِيدَ بِالْخِطَابِ، ثُمَّ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا فَالْأَوْجَهُ تَرْكُ إطْلَاقِ جَوَازِ الْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ دَفْعًا لِإِيهَامِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا الْمُحَالُ وَإِنَّمَا وَافَقْنَاهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِشُهْرَةِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهُمْ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَاهُ هَذَا كَلَامُهُ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَمَا فِي الشَّرْحِ أَيْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ تَبَعًا لِلْبَحْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ اهـ. قُلْتُ: وَمَا نَقَلَهُ هُنَا عَنْ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ قَدْ رَأَيْته مُلَخَّصًا فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ لِشَيْخِهِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ لَيْسَ بِحَتْمٍ عِنْدَنَا إلَخْ) أَقُولُ: ظَاهِرُ صَدْرِ الْكَلَامِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِيَ فَكَيْفَ يَجُوزُ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ؟ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا إذْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ، وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، وَلَكِنْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ هَلْ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا بُدَّ مِنْ عِقَابِ طَائِفَةٍ مِنْ مُرْتَكِبِيهِ أَوْ يَكْفِي فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ نَوْعَ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُ طَائِفَةٌ مِنْ مُرْتَكِبِيهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عُمُومِ أَنْوَاعِهَا وَلَا خُصُوصٍ بَعْضِهَا، فِيهِ تَرَدُّدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ وَعِبَارَتُهُ عَلَى مَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْبُرْهَانِ إبْرَاهِيمَ اللَّقَانِيِّ عَلَى جَوْهَرَتِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْعُصَاةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَعَّدَهُمْ وَكَلَامُهُ تَعَالَى صَدَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، ثُمَّ يَبْقَى النَّظَرُ هَلْ الْمُرَادُ طَائِفَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْعُصَاةِ أَوْ طَائِفَةٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَعَّدَ كُلَّ صِنْفٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي هُنَا انْتَهَتْ، ثُمَّ نَقَلَ اللَّقَانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَيْضًا.

صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمُفَصَّلَةَ فِي الْمَغْفِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي يُفَسِّرُ مَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بِمَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَالْمُقْتَصِرِينَ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا تَفْصِيلَ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ أَصْلًا فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ سَأَلَ مَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْخَلْقِ لَا تَفْسُدُ إذَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ مَأْثُورًا، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ فِي الْقُرْآنِ أَوْ كَوْنُهُ مَأْثُورًا بَلْ قَالَ إنْ كَانَ يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْخَلْقِ لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِيلُ تَفْسُدُ اهـ. بِلَفْظِهِ، فَظَهَرَ أَنَّ التَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ كُلُّ تَأْلِيفٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مَوْصُوفٌ بِالصَّغِيرِ فَهُوَ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَضْ عَلَى أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَمِّي تَفْسُدُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي أَقْرِبَائِي أَوْ أَعْمَامِي اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. اهـ. لِأَنَّهُ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ أَوْ لِعَمْرٍو، فَإِنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ قَدْ صَرَّحَ بِالْفَسَادِ بِهِ مَعَ أَنَّ سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْفَسَادِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مِنْ سُنَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الدُّعَاءُ بِمَا شَاءَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَأُسْتَاذِهِ وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِأُسْتَاذِي لَا تَفْسُدُ مَعَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَيَقْتَضِي عَدَمَ الْفَسَادِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي بَقْلًا وَقِثَّاءً وَعَدَسًا وَبَصَلًا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْهِدَايَةِ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِنْ كَلَامِ النَّاسِ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ يُقَالُ رَزَقَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ إسْنَادَ الرِّزْقِ إلَى الْأَمِيرِ مَجَازٌ فَإِنَّ الرَّازِقَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ سُؤَالَ الرِّزْقِ كَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَفَصَّلَ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَالَ لَوْ قَالَ اُرْزُقْنِي فُلَانَةَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِخِلَافِ اُرْزُقْنِي الْحَجَّ الْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ، وَكَذَا اُرْزُقْنِي رُؤْيَتَك، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنِي تَفْسُدُ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنَ وَالِدِي لَا تَفْسُدُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لِنَفْسِهِ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ «اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ» فَإِنَّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَحِيلًا أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمَأْثُورِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ لَا مُطْلَقًا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَفِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ الظَّالِمِينَ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا يَعْنِي ظَالِمَهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ. اهـ. وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الَّذِي يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ إنَّمَا يُفْسِدُهَا إذَا كَانَ قَبْلَ تَمَامِ فَرَائِضِهَا أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا يُفْسِدُهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِ النَّاسِ لَا يُبْطِلُهَا فَهَذَا أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْعُ بِكَلَامِ النَّاسِ فِي آخِرِهَا لِلْحَدِيثِ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُبِيحِ، وَهُوَ عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ» ، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ الْمُصَلِّي يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ مَحْفُوظٍ لَا بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا يَحْضُرُهُ وَلَا يَسْتَظْهِرُ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الدُّعَاءِ يَمْنَعُهُ عَنْ الرِّقَّةِ. (قَوْلُهُ وَسَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ كَالتَّحْرِيمَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ نَاوِيًا الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ وَالْإِمَامَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ أَوْ فِيهِمَا لَوْ مُحَاذِيًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا عِنْدَنَا وَمِنْ أَرْكَانِهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الثَّلَاثَةِ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ مَشَايِخِنَا عَلَيْهِ اسْمَ السُّنَّةِ فَضَعِيفٌ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَوْ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ لِلْمُوَاظَبَةِ، وَهُوَ صِيغَةُ السَّلَامِ عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي خَاصًّا بِالْإِمَامِ، فَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَجْزَأَهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْأَخِيرِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ: وَبَرَكَاتُهُ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثَابِتٌ لَكِنْ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ وَتَعَقَّبَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ النَّوَوِيَّ بِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَوْلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ وَرَدٌّ عَلَى مَالِكٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْيَسَارِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا يُعِيدُهُ عَلَى يَسَارِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَنَسِيَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى قَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَقْعُدُ وَيُسَلِّمُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُحَوِّلُ بِهِ وَجْهَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» ، وَفِي النَّوَازِلِ لَوْ قَالَ: السَّلَامُ، وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فَثَبَتَ أَنَّ الْخُرُوجَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ مَعَ الْإِمَامِ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ يَعْنِي الْأَفْضَلَ لِلْمَأْمُومِ الْمُقَارَنَةُ فِي التَّحْرِيمَةِ وَالسَّلَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْأَفْضَلُ عَدَمُهَا لِلِاحْتِيَاطِ وَلَهُ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عَقْدُ مُوَافَقَةٍ وَأَنَّهَا فِي الْقِرَانِ لَا فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ السَّلَامَ بِالتَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ فِي التَّحْرِيمَةِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا فِي السَّلَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا فِي الْكِتَابِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَوْلُهُ: نَاوِيًا الْقَوْمَ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخْذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُرَادُ بِالْأَخِ الْجِنْسُ مِنْ إخْوَانِهِ الْحَاضِرِينَ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَيُزَادُ عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَمَامَهُ أَوْ وَرَاءَهُ بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ مَزِيدُ التَّوَدُّدِ، وَأَمَّا مَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ عَنْ الْخَلْقِ وَعِنْدَ التَّحَلُّلِ يَصِيرُ خَارِجًا فَيُسَلِّمُ كَمُسَافِرٍ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فَلَا يُفِيدُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بَلْ يَعُمُّ الْحَاضِرِينَ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْوِيَهَا كَسَائِرِ السُّنَنِ، وَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَنْوِي السُّنَّةَ وَخَالَفَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِلْإِمَامِ إلَى النِّيَّةِ فِي السَّلَامِ آخِرَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ وَيُشِيرُ إلَيْهِمْ فَهُوَ فَوْقَ النِّيَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْجَهْرَ لِلْإِعْلَامِ بِالْخُرُوجِ وَالنِّيَّةَ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ وَأَرَادَ بِالْقَوْمِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْوِي جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَنْوِي مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ ضَعِيفٌ، وَكَذَا مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ كَلَامُ التَّشَهُّدِ وَزَادَ السُّرُوجِيُّ وَأَنَّهُ يَنْوِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْقَوْمِ النِّسَاءُ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا لِعَدَمِ حُضُورِهِنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْ لِكَرَاهِيَّتِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَنْوِي الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اخْتِلَافَ فَمَا فِي الْأَصْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُضُورِهِنَّ الْجَمَاعَةَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِهِ فَصَارَ الْمَدَارُ فِي النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا حُضُورَهُنَّ وَعَدَمَهُ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْمُقْتَدِينَ خَنَاثَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى) قَالَ فِي الْمُنْيَةِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَخْفِضُ الثَّانِيَةَ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يُخْفِيهَا وَلَا يَجْهَرُ بِهَا أَصْلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْجَهْرِ أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْجَهْرِ الْإِعْلَامُ، وَقَدْ حَصَلَ بِالْأُولَى، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ بِالْأُولَى وَالْأَصَحُّ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأُولَى وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى تَعْقِيبِ الثَّانِيَةِ إيَّاهَا إلَّا أَنَّ الْمُقْتَدِينَ يَنْتَظِرُونَ الْإِمَامَ فِيهَا وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا أَوْ يَسْجُدُ قَبْلَهَا لِسَهْوٍ حَصَلَ لَهُ (قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ، وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ إلَخْ (قَوْلُهُ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لَا يَأْتِي بِهِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا) أَيْ لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ لَا يَصِيرُ دَاخِلًا فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءٌ بِغَيْرِ مُصَلٍّ (قَوْلُهُ فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَفْظُهُ: وَيَنْوِي مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا. اهـ. إذْ الْمَعْنَى مَنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ كَائِنًا فِي الْمَسْجِدِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْجَزْمِ بِضَعْفِهِ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْقَوْمِ النِّسَاءُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ لُغَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] الْآيَةَ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

أَوْ صِبْيَانٌ نَوَاهُمْ أَيْضًا، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئًا وَهَذَا حَقٌّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالشَّرِيعَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَقَوْلُهُ نَاوِيًا الْقَوْمَ وَالْحَفَظَةَ يَعُمُّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ، وَقَوْلُهُ وَالْإِمَامُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَوْمِ خَاصٌّ بِالْمَأْمُومِ يَعْنِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يَزِيدُ فِي نِيَّتِهِ نِيَّةَ السَّلَامِ عَلَى إمَامِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ لَوْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو حَظٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَنْوِي الْحَفَظَةَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمْ فَيَنْوِي بِالْأُولَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ مِنْهُمْ وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ يَنْوِي الْحَاضِرِينَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ يَنْوِي جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، ثُمَّ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْقَوْمَ عَلَى الْحَفَظَةِ تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي الْأَصْلِ عَلَى الْعَكْسِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ تَنْظِيمُ الْكُلِّ بِلَا تَرْتِيبٍ وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِمَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْبُدَاءَةِ أَثَرٌ فِي الِاهْتِمَامِ، وَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَصَايَا بِالنَّوَافِلِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هُنَا وَهُوَ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ أَنَّ مُؤْمِنِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ خَارِجٌ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَلَّ مَا يَسْلَمُ مُؤْمِنٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَعِنْدَنَا هُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ، ثُمَّ هُوَ مُبْتَلًى بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ فَكَانَ أَحَقَّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ مَنْزِلَةَ خَدَمِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ نَسَبَهُ الشَّارِحُ إلَى الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَمَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مِنْ تَفَضُّلِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ نَسَبَهُ فِي الْمُحِيطِ إلَى بَعْضِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ وَعَوَامَّ بَنِي آدَمَ مِنْ الْأَتْقِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَخَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ بَنِي آدَمَ، وَنَصَّ قَاضِي خَانْ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَرَضِيُّ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْأَتْقِيَاءِ مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ لَا مَنْ اتَّقَاهُ مَعَ الْمَعَاصِي فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ فَسَقَةَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - أَفْضَلُ الْخَلِيقَةِ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وِإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَرَضْوَانُ وَمَالِكٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ وَاخْتَلَفُوا أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ أَمْ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ وَقَالَا: سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلامٌ} [الرعد: 23 - 24] الْآيَةَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَزُورُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ إلَخْ) عِبَارَتُهُ وَعَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ هَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئًا وَهَذَا حَقٌّ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي السَّلَامِ صَارَتْ كَالشَّرِيعَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَلِهَذَا لَوْ سَأَلْت أُلُوفَ أُلُوفٍ مِنْ النَّاسِ إيشِ نَوَيْت بِسَلَامِك؟ لَا يَكَادُ يُجِيبُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا فِيهِ طَائِلٌ إلَّا الْفُقَهَاءُ، وَفِيهِمْ نَظَرٌ انْتَهَتْ (قَوْلُهُ يَعُمَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ إذْ قَوْلُهُ حِينَئِذٍ وَالْإِمَامُ تَكْرَارٌ مَحْضٌ (قَوْلُهُ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هُنَا إلَخْ) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْأَصْلِ تَصْنِيفًا (قَوْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ: لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْأَوَّلَ قَسَّمَ الْبَشَرَ إلَى قِسْمَيْنِ: خَوَاصُّ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَوَامُّ وَهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَا الْمَلَائِكَةُ، وَالثَّانِي قَسَّمَهُمْ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: خَوَاصُّ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَوْسَاطٌ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَعَوَامُّ وَهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ قِسْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّ الْأَوَّلَ جَعَلَ عَوَامَّ الْبَشَرِ الَّذِينَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْأَوْسَاطُ عَلَى الثَّانِي أَفْضَلَ مِمَّنْ عَدَا خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ، وَالثَّانِيَ جَعَلَ أَوْسَاطَ الْبَشَرِ أَفْضَلَ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَذَا عَوَامُّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْعِبَارَتَانِ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّ أَوْسَاطَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ الرَّوْضَةُ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَنْ عَدَا الْأَوْسَاطَ مِنْ الْبَشَرِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ هُمْ كَالْأَوْسَاطِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ اخْتِيَارُهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَوَامِّ مَا يَشْمَلُ الْأَوْسَاطَ وَمَنْ دُونَهُمْ لِقَوْلِ قَاضِي خَانْ عَمَّا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَرْضِيُّ لِيَتَوَارَدَ الِاخْتِيَارَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ مِنْ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ وَأَوْسَاطَهُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَكِ وَأَوْسَاطِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا مَرَّ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ مُشْعِرٌ بِالْخِلَافِ وَكَلَامُ الرَّوْضَةِ يُفِيدُ الْإِجْمَاعَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ عَدَا أَوْسَاطَ الْبَشَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وَالْمَزُورُ أَفْضَلُ مِنْ الزَّائِرِ اهـ. وَالْحَفَظَةُ جَمْعُ حَافِظٍ كَكَتَبَةٍ جَمْعُ كَاتِبٍ وَسُمُّوا بِهِ لِحِفْظِهِمْ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ أَوْ لِحِفْظِهِمْ إيَّاهُ مِنْ الْجِنِّ وَأَسْبَابِ الْمَعَاطِبِ وَالثَّانِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَاخْتُلِفَ فِي نِيَّةِ الْحَفَظَةِ فَقِيلَ يَنْوِي الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ، وَقِيلَ الْحَفَظَةَ الْخَمْسَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسَةً مِنْهُمْ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَوَاحِدٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبَانِ أَعْمَالَهُ وَوَاحِدٌ أَمَامَهُ يُلَقِّنُهُ الْخَيْرَاتِ وَوَاحِدٌ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَوَاحِدٌ عَنْ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَنْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَفِي بَعْضِهَا «مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ سِتُّونَ مَلَكًا» ، وَفِي بَعْضِهَا «مِائَةٌ وَسِتُّونَ» وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِمُوَافَقَتِهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَنْوِي فِي الْمَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ عَنْ عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَأَشْبَهَ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - اهـ. مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَدَدُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الرُّسُلِ فَقَالَ بَعْدَمَا سُئِلَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ: إنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَالرُّسُلُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمْعًا غَفِيرًا كَذَا فِي الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَمْ يُعَارِضْ قَوْله تَعَالَى {وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] وَاخْتُلِفَ فِي الْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ هَلْ يَتَبَدَّلَانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقِيلَ يَتَبَدَّلَانِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَكِنْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، وَقِيلَ لَا يَتَغَيَّرَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا وَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِمَا، فَقِيلَ: فِي الْفَمِ، وَإِنَّ اللِّسَانَ قَلَمُهُمَا وَالرِّيقَ مِدَادُهُمَا لِلْحَدِيثِ «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجْلِسُ الْمَلَكَيْنِ الْحَافِظَيْنِ» إلَى آخِرِهِ، وَقِيلَ تَحْتَ الشَّعْرِ عَلَى الْحَنَكِ، وَقِيلَ الْيَمِينُ وَالْيَسَارُ، ثُمَّ قَالُوا: إنَّ كَاتِبَ السَّيِّئَاتِ يُفَارِقُهُ عِنْدَ الْغَائِطِ وَالْجِمَاعِ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ، وَفِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ سَيِّئَةً فِيهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكْتُبَانِهِ، فَقِيلَ: مَا فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ وَعَزَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ إلَى مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: يَكْتُبَانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا مَتَى يُمْحَى الْمُبَاحُ، فَقِيلَ: آخِرَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا تُمْحَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ وَالْمَكْتُوبَ فِيهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْسَعَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَذَكَرَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ لَا يَنْوِي الْكَتَبَةَ إذْ لَيْسُوا مَعَهُ، وَإِنَّمَا يَنْوِي الْحَافِظِينَ لَهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَلِذَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ وَالْكَتَبَةَ، لِيَعُمَّ كُلَّ مُصَلٍّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَدْ قَالُوا: إنْ كَانَ إمَامًا وَكَانَتْ صَلَاةً يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَتَحَوَّلُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي) أَيْ التَّعْلِيلُ الثَّانِي لِتَسْمِيَتِهِمْ حَفَظَةً (قَوْلُهُ ثُمَّ قَالُوا إنَّ كَاتِبَ السَّيِّئَاتِ يُفَارِقُهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَجَنَّبُونَ الْإِنْسَانَ عِنْدَ غَائِطِهِ، وَعِنْدَ جِمَاعِهِ قُلْت: وَيَحْتَاجُ الْجَزْمُ بِهَذَا إلَى وُجُودِ سَمْعِيٍّ ثَابِتٍ يُفِيدُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْخَلَاءِ يَبْسُطُ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ أَيُّهَا الْمَلَكَانِ الْحَافِظَانِ عَلَيَّ اجْلِسَا هَاهُنَا فَإِنِّي قَدْ عَاهَدْت اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِي الْخَلَاءِ لَكَانَ فِيهِ رَدٌّ لِهَذَا لَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ كَلَامُهُ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُفَارِقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَلَكَانِ مَعًا اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَزَادَ أَنَّهُمَا يَكْتُبَانِ مَا حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِعَلَامَةٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي ذَلِكَ إلَى دَلِيلٍ فَلْيُرَاجَعْ مَا دَلِيلُ الْمُفَارَقَةِ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَ صَاحِبُ الْبَحْرِ تَخْصِيصَهَا بِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ كَذَا فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لِلْمَدَارِيِّ. (قَوْلُهُ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقُ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ» كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ نَظَرٌ بَلْ الْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَكِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَة، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِيَّايَ» الْحَدِيثَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي مُصَلَّاهُ فَإِنَّمَا يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَالْبُزَاقُ عَنْ يَسَارِهِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الشَّيْطَانِ» وَلَمْ يَزِدْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبُزَاقِ عَنْ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهَا. اهـ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَكْتُبُهُ مَلَكُ السَّيِّئَاتِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ فِيهَا مَا يَكُون سَيِّئَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِمُلَازَمَةِ الْمَلَكِ لَهُ تَلَبُّسَهُ بِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِوُجُودِ مَا يَكْتُبُهُ وَلِمُفَارَقَتِهِ تَلَبُّسَهُ بِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَلَكُ السَّيِّئَاتِ مُفَارِقًا لَهُ فِي حَالِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَلَكَانِ مُفَارِقَيْنِ لَهُ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُهُ. كَذَا فِي حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لِلْمَدَارِيِّ

عَنْ مَكَانِهِ إمَّا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ خَلْفَهُ وَالْجُلُوسُ مُسْتَقْبِلًا بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا يَقْعُدُ مَكَانَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْحَرَفَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحِذَائِهِ مُصَلٍّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ فِي الْأَخِيرِ وَالِاسْتِقْبَالُ إلَى الْمُصَلِّي مَكْرُوهٌ هَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتَارَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ اسْتِحْبَابَ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا، وَيَمِينُ الْقِبْلَةِ مَا بِحِذَاءِ يَسَارِ الْمُسْتَقْبِلِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ «كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» . (قَوْلُهُ وَجَهَرَ بِقِرَاءَةِ الْفَجْرِ وَأُولَى الْعِشَاءَيْنِ، وَلَوْ قَضَاءً وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَيُسِرُّ فِي غَيْرِهَا كَمُتَنَفِّلٍ بِالنَّهَارِ وَخُيِّرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ كَمُتَنَفِّلٍ بِاللَّيْلِ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْقِرَاءَةِ وَصِفَتِهَا وَقَدَّمَ صِفَتَهَا مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمَفْرُوضَ وَغَيْرَهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَهُ وَيَسُبُّونَ مَنْ أَنْزَلَ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] » أَيْ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك كُلِّهَا وَلَا تُخَافِتْ بِهَا كُلِّهَا {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} [الإسراء: 110] بِأَنْ تَجْهَرَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَتُخَافِتَ بِصَلَاةِ النَّهَارِ فَكَانَ يُخَافِتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْإِيذَاءِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَيَجْهَرُ فِي الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْأَكْلِ، وَفِي الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ لِكَوْنِهِمْ رُقُودًا، وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُمَا بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ لِلْكُفَّارِ بِهَا قُوَّةٌ، وَهَذَا الْعُذْرُ وَإِنْ زَالَ بِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْحُكْمُ بَاقٍ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَسْتَغْنِي عَنْ بَقَاءِ السَّبَبِ وَلِأَنَّهُ أَخْلَفَ عُذْرًا آخَرَ، وَهُوَ كَثْرَةُ اشْتِغَالِ النَّاسِ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا اهـ. وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْجَهْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ لِلْمُوَاظَبَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَخْصِيصُهُ بِالْإِمَامِ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ هُنَا: وَخُيِّرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يَجْهَرُ، فَأَفَادَ أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ قَالُوا: وَلَا يُجْهِدُ الْإِمَامُ نَفْسَهُ بِالْجَهْرِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: الْإِمَامُ إذَا جَهَرَ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ فَقَدْ أَسَاءَ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَأَلْحَقَ بِالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ التَّرَاوِيحَ وَالْوِتْرَ فِي رَمَضَانَ لِلتَّوَارُثِ الْمَنْقُولِ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمَا الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْأُخْرَيَانِ مِنْ الْعِشَاءِ وَجَمِيعُ رَكَعَاتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ بِالنَّهَارِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْفَاءُ مُطْلَقًا وَالْمُتَنَفِّلَ بِاللَّيْلِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَمَّا إنْ كَانَ إمَامًا فَالْجَهْرُ وَاجِبٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ الْإِخْفَاءُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْفَاءُ فَالْمُنْفَرِدُ أَوْلَى وَذَكَرَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ أَيْضًا اسْتِدْلَالًا بِعَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْجَهْرَ وَالْإِسْمَاعَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ وَاجِبًا قَدْ يَكُونُ آكَدُ مِنْ وَاجِبٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُنَطْ وُجُوبُ السَّهْوِ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ لَا بِآكَدِ الْوَاجِبِ وَلَا بِرُتْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْهُ فَحَيْثُ كَانَتْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُنْفَرِدِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ، وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ أَيْضًا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ، وَفِي قَوْلِهِ: فِيمَا يَجْهَرُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ فِي الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَالْمُتَنَفِّلُ بِاللَّيْلِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ تَقْيِيدِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَى هَذَا مِنْ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَعْتَذِرُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ اهـ. وَهَذَا عَجِيبٌ إذْ هُوَ مَذْكُورٌ هُنَا تَبَعًا لِلشَّارِحِ هَذَا، وَفِي السِّرَاجِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّخْيِيرَ اعْتِبَارًا بِالْفَرْضِ قَالَ: وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِتَرْكِهَا السُّجُودُ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ أَقُولُ: وُجُوبُ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذُكِرَتْ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْبُرْجَنْدِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ إمَامٌ فَجَهَرَ كَمَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ: وَيُلَائِمُهُ مَا فِي الْمُحِيطِ إذَا جَهَرَ الْمُنْفَرِدُ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ كَانَ مُسِيئًا، وَفِي صَلَاةِ الْجَهْرِ يَتَخَيَّرُ كَذَا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَاَلَّذِي جَزَمَ الْحَلْوَانِيُّ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا سَهْوَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ إذَا خَافَتَ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ وَبِالْعَكْسِ وَسَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي بَابِهِ اهـ. قُلْتُ: فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَا فِي الْعِنَايَةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا كَالنِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ وَفِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا جَوَابُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ

الْجَهْرِيَّةِ إذَا فَاتَتْ وَقَضَاهَا نَهَارًا كَمَا هُوَ حُكْمُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ، وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ الْإِخْفَاءَ حَتْمًا؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ مُخْتَصٌّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا، وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا بِعِلَلٍ شَتَّى وَعِلَّةُ الْجَهْرِ هُنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْقَضَاءِ كَالْأَدَاءِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ سُبِقَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ الْجَهْرَ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ كَالْمُنْفَرِدِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْأَصْلِ: رَجُلٌ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ وَاقْتَدَى بِهِ بَعْدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثَانِيًا وَيَجْهَرُ اهـ. يَعْنِي إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً وَلَمْ يَجْهَرْ الْمُصَلِّي، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا بَقِيَ صَارَ وَاجِبًا بِالِاقْتِدَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَذْكَارِ فِيهِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ ذِكْرًا وَجَبَ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ كَتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَمَا وُضِعَ لِلْعَلَامَةِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ كَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ إذَا كَانَ إمَامًا أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَالْمُقْتَدِي فَلَا يَجْهَرَانِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ جَهَرَ بِهِ، وَكَذَا الْقُنُوتُ فِي مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْإِخْفَاءَ بِهِ وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ مِثْلَ التَّشَهُّدِ وَآمِينَ وَالتَّسْبِيحَاتِ؛ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْعَلَامَةُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْجَهْرِ وَالْأَخِفَّاءِ لِلِاخْتِلَافِ مَعَ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَفِي الْبَدَائِعِ: مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِمُحَمَّدٍ إشَارَةٌ إلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ شَاءَ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ اهـ. وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجَهْرَ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَالْمُخَافَتَةَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَكَذَا كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَوُجُوبِ السَّجْدَةِ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَا يَقَعُ، وَإِنْ صَحَّحَ الْحُرُوفَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْإِمَامُ إذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَا يَكُونُ جَهْرًا وَالْجَهْرُ أَنْ يَسْمَعَ الْكُلُّ اهـ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ اللِّسَانِ لَكِنَّ فِعْلَهُ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ بِالْحُرُوفِ وَالْحُرُوفُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلصَّوْتِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ النَّفَسِ فَإِنَّ النَّفَسَ الْمَعْرُوضَ بِالْقَرْعِ فَالْحَرْفُ عَارِضٌ لِلصَّوْتِ لَا لِلنَّفَسِ فَمُجَرَّدُ تَصْحِيحِهَا بِلَا صَوْتٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQإذَا خَافَتَ فِيمَا يَجْهَرُ لِأَنَّ الْجَهْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا لِأَنَّ الْمُخَافَتَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِنَفْيِ الْمُغَالَطَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: الْمُنْفَرِدُ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ عَلَيْهِ السَّهْوُ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ سَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَالْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْمِنَحِ: عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي وُجُوبِ الْمُخَافَتَةِ (قَوْلُهُ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْإِمَامِ) التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْجَهْرِ وَإِلَّا فَالْإِمَامُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ الْجَهْرُ كَمَا مَرَّ لَا مُخَيَّرٌ (قَوْلُهُ إلَى أَنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ إلَخْ) أَقْحَمَ لَفْظَ أَدْنَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ أَعْلَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَأَعْلَى الْمُخَافَتَةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَالثَّانِي مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنْ يَكُونَ إسْمَاعُ نَفْسِهِ جَهْرًا وَمُخَافَتَةً مَعَ أَنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَادَ بِالْغَيْرِ الْوَاحِدُ لِيَكُونَ أَعْلَى الْجَهْرِ إسْمَاعَ الْكَثِيرِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا قِيلَ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهَا أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَيَكُونُ إسْمَاعُ الْغَيْرِ جَهْرًا أَوْ مُخَافَتَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهَا تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَلَعَلَّهُ لِهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ إشْعَارًا بِأَنَّ أَعْلَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ فَقَطْ وَهَذَا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي نَصْرِ بْنِ سَلَّامٍ فَزَادَ أَدْنَى إشَارَةً إلَى أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ أَصْلًا اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَعْلَى الْمُخَافَتَةِ لَيْسَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ بَلْ أَنْ يَقْرَأَ فِي قَلْبِهِ بِلَا تَحْرِيكِ لِسَانٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَلَوْ قَرَأَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالْحُرُوفِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مُشْكِلٌ وَجَعَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ قَوْلَ الْفَضْلِيِّ وَكَأَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَهُ اهـ. أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الْمِعْرَاجِ الْفَضْلِيِّ مَعَ الْهِنْدُوَانِيُّ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عِنْدَ الْهِنْدُوَانِيُّ مَا لَمْ تَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ بِحَيْثُ سَمِعَ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مِمَّنْ بِقُرْبِهِ وَبِقَوْلِهَا الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ أَيْ مَنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ فَرْدٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا أَوْ مُتَعَسِّرًا فَظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَا إشْكَالَ فِيهِ بَلْ هُوَ

إيمَاءٌ إلَى الْحُرُوفِ بِعَضَلَاتِ الْمَخَارِجِ لَا حُرُوفٍ فَلَا كَلَامَ. بَقِيَ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَلْزَمَ فِي مَفْهُومِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَصِلَ إلَى السَّمْعِ بَلْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ سَمَاعُهُ بَعْدَ وُجُودِ الصَّوْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ اهـ. فَاخْتَارَ أَنَّ قَوْلَ بِشْرٍ وَالْهِنْدُوَانِي مُتَّحِدَانِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَالَ الْكَرْخِيُّ: إنَّ الْقِرَاءَةَ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَقَالَ بِشْرٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ، وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لَهُ، زَادَ فِي الْمُجْتَبَى فِي النَّقْلِ عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ أُذُنَاهُ وَمَنْ بِقُرْبِهِ اهـ. وَنَقَلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّ الْأَصَحَّ هَذَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ قَوْلًا رَابِعًا بَلْ هُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيُّ الْأَوَّلِ، وَفِي الْعَادَةِ أَنَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ يَكُونُ لِمَنْ هُوَ بِقُرْبِهِ أَيْضًا، وَفِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فِي شَرْحِ مُخْتَلِفَاتِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدِي أَنَّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُكْتَفَى بِسَمَاعِهِ، وَفِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ سَمَاعُ غَيْرِهِ، مَثَلًا فِي الْبَيْعِ لَوْ أَدْنَى الْمُشْتَرِي صِمَاخَهُ إلَى فَمِ الْبَائِعِ وَسَمِعَ يَكْفِي، وَلَوْ سَمِعَ الْبَائِعُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ الْمُشْتَرِي لَا يَكْفِي، وَفِيمَا إذَا حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ وُجُودُ الْكَلَامِ مَعَهُ وَلَمْ يُوجَدْ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَكَ السُّورَةَ أُولَى الْعِشَاءِ قَرَأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَعَ الْفَاتِحَةِ جَهْرًا، وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ لَا) أَيْ لَا يَقْرَؤُهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَهُمَا: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّورَةُ فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ السُّورَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُرَبَّعَةٌ فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقْضِي الْفَاتِحَةَ دُونَ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ قَرَأَهَا تَبَعًا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي الْوُجُوبِ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ وَصَرَّحَ فِي الْأَصْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ ـــــــــــــــــــــــــــــQجَارٍ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيِّ وَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ، تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ إنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ) أَقُولُ: وَبِهِ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ إسْمَاعِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَافَتَةٌ إلَّا بِرَفْعِ صَوْتِهِ جِدًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَصَمَّ فَيُقَالُ عَلَيْهِ مَا حَقِيقَةُ الْمُخَافَتَةِ فِي حَقِّهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْجَهْرِ إسْمَاعَ غَيْرِهِ وَكَيْفَ يَسُوغُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ إمَامًا وَكَانَ ثَمَّ مَانِعٌ مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِ أَوْ كَانَ مَنْ اقْتَدَى بِهِ أَصَمُّ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ تَرَكَ الْجَهْرَ الْوَاجِبَ وَصَلَاتُهُ نَاقِصَةٌ، وَاَلَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ خَيْرَ الدِّينِ الرَّمْلِيَّ بَحَثَ فِي فَتَاوِيهِ بِنَحْوِ مَا قُلْته وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْبَحْرِ: هَذَا وَدَعْوَى خِلَافِ الظَّاهِرِ لِمَا قَالَهُ الْكَمَالُ بَعِيدٌ إذْ أَغْلَبُ الشُّرَّاحِ لَمْ يَنْقُلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا ثَالِثًا بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْكَرْخِيِّ وَالْهِنْدُوَانِي مَعَ ظُهُورِ وَجْهِ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ وَكَوْنِهِ وَسَطًا إذْ يَبْعُدُ اشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ السَّمَاعِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آلَتِهِ وَرُبَّمَا تَخَلَّفَ مَعَ حَقِيقَةِ الْجَهْرِ وَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَتِهِ تَقْلِيلًا لِلْأَقْوَالِ بَلْ إنْ ادَّعَى وُجُوبَ الْمَصِيرِ إلَيْهِ فَهُوَ مُتَّجِهٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بِهِ صَمَمٌ لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ جَهْرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ مَعَهُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ فَإِنَّهُ مَعَ التَّعْوِيلِ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ لَوْ أَخَذَ فِيهِ هَذَا الشَّرْطَ لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ كُلِّ خَاصٍّ وَعَامٍّ فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ مَا اسْتَظْهَرَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، وَالْمَحَلُّ مُحْتَمَلٌ لِزِيَادَةِ الْبَحْثِ وَلَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى لِأَنَّ الْأَسْمَاعَ تُضْرِبُ عَمَّا فِيهِ إطَالَةٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِمَبْحَثِ السَّمَاعِ. وَالْحَاصِلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: قَوْلٌ لِلْكَرْخِيِّ وَقَوْلٌ لِلْهِنْدُوَانِيِّ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الْهِنْدُوَانِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ إلَخْ) حَرَّرَ فِي الشرنبلالية عَنْ الْكَافِي وَالْمُحِيطِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ أَعْنِي الْهِنْدُوَانِيُّ وَالْفَضْلِيَّ (قَوْلُهُ فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ) إذْ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ، ثُمَّ يَقْضِي الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ السُّورَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَنُوقِضَ بِتَرَتُّبِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عَلَى السُّورَةِ الَّتِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ لَا مَحَالَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ

مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْ الْفَاتِحَةِ فَهِيَ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِهَا؛ لِأَنَّ السُّورَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَالْفَاتِحَةَ فِي الْأَوَّلِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ أَصْرَحُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ الْإِخْبَارَ إنَّمَا يَكُونُ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ لَوْ كَانَ مِنْ الشَّارِعِ أَمَّا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَلْ وَالْأَمْرُ مِنْهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكَانَ الْمَذْهَبُ الِاسْتِحْبَابَ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ شَنِيعٌ وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى وَصَحَّحَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسُّورَةِ فَقَطْ وَجَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَوَابِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ الصَّوَابَ قَوْلًا بِعَدَمِ التَّغْيِيرِ وَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ تَلْتَحِقُ بِمَوْضِعِهَا تَقْدِيرًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يُرَتِّبُهُمَا؟ فَقِيلَ: يُقَدِّمُ السُّورَةَ، وَقِيلَ: الْفَاتِحَةَ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ، وَفِي قَوْلِهِ مَعَ الْفَاتِحَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ السُّورَةِ لَيْسَ لَهُ تَرْكُ الْفَاتِحَةِ فَتَصِيرُ وَاجِبَةً كَالسُّورَةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَقَرَأَ السُّورَةَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيُعِيدُ السُّورَةَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِهَا تَكُونُ فَرْضًا كَالسُّورَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَذَكَّر السُّورَةَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيُعِيدُ الرُّكُوعَ. (قَوْلُهُ وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ) هِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتْ الْمُعْجِزَةُ آيَةً لِدَلَالَتِهَا عَلَى النُّبُوَّةِ وَصِدْقِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ، وَتُقَالُ الْآيَةُ لِكُلِّ جُمْلَةٍ دَالَّةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ تَعَالَى وَلِكُلِّ كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ بِفَصْلٍ تَوْقِيفِيٍّ لَفْظِيٍّ، وَقِيلَ: جَمَاعَةُ حُرُوفٍ وَكَلِمَاتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِزَيْنِ الْعَرَبِ فِي بَعْضٍ، وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي الْكَشَّافِ وَالْآيَةُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَرْجَمَةٌ، أَقَلُّهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ صُورَةً اهـ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] فَإِنَّهَا آيَةٌ، وَلِهَذَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّلَاةَ بِهَا وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ، وَفِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَشَايِخُ مَا فِي الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ مِنْهُ وَإِلَّا آيَةٌ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُشْبِهْ قَصْدَ خِطَابِ أَحَدٍ وَصَحَّحَهُ الْقُدُورِيُّ وَرَجَّحَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فِي الْمَاهِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَرَجَّحَهُ فِي الْأَسْرَارِ بِأَنَّهُ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] لَا يُتَعَارَفُ قُرْآنًا، وَهُوَ قُرْآنٌ حَقِيقَةً فَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ حُرِّمَتَا عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَمِنْ حَيْثُ الْعَدَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا يَكُونُ قُرْآنًا حَقِيقَةً وَعُرْفًا فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا لَا يُتَعَارَفُ قُرْآنًا وَالِاحْتِيَاطُ أَمْرٌ حَسَنٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ، وَعِنْدَهُمَا بِالْعَكْسِ. أَطْلَقَ الْآيَةَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ أَمَّا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: لَا يَخْفَى أَنَّ أَمْرَ الْمُجْتَهِدِ نَاشِئٌ مِنْ أَمْرِ الشَّارِعِ فَكَذَا إخْبَارُهُ، نَعَمْ، قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَأَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِحْبَابَ وَتَكُونُ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَا فِي الْأَصْلِ كَمَا أُرِيدَ بِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ) أَيْ خَمْسَةٌ صُورَةً وَلَفْظًا وَإِلَّا فَهِيَ سِتَّةٌ لِأَنَّ أَصْلَ يَلِدُ يُولَدُ قَالَ فِي النَّهْرِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ آيَ الْإِخْلَاصِ أَرْبَعٌ وَقِيلَ: خَمْسٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْحَوَاشِي بِنَاءً عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الْمُطْلَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَدْنَى بِمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَحَقِّقُ، وَأَمَّا الْأَعْلَى الْكَامِلُ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ وَلِذَا اكْتَفَى فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ بِمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ أَصْلُهُمَا دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْكَامِلِ مِنْهُمَا وَإِلَّا كَانَتْ الطُّمَأْنِينَةُ فَرْضًا لَا وَاجِبَةً تَأَمَّلْ، وَمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً فِي رَكْعَتَيْنِ يَجُوزُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُنْيَةِ، يُفِيدُ أَرْجَحِيَّةَ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ وَتَعْلِيلَ الزَّيْلَعِيِّ لَهَا وَجَوَابَنَا عَنْ النَّظَرِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى إلَخْ) مَعْنَاهُ أَنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ قَارِئٍ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ وَكَوْنَهُ قَارِئًا بِذَلِكَ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ هَذَا قَارِئٌ لَمْ يُخْطِئْ الْمُتَكَلِّمُ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ قَارِئًا عُرْفًا، وَأَجَازَ الْآيَةَ الْقَصِيرَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُعَدُّ بِهِ قَارِئًا بَلْ يُعَدُّ بِهَا قَارِئًا عُرْفًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي قِيَامِ الْعُرْفِ فِي عَدِّهِ قَارِئًا بِالْقَصِيرَةِ قَالَا: لَا يُعَدُّ، وَهُوَ يَمْنَعُ. نَعَمْ ذَلِكَ مَبْنَاهُ عَلَى رِوَايَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْقُرْآنِ

فَشَمِلَ الطَّوِيلَةَ وَالْقَصِيرَةَ وَالْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ وَمَا كَانَ مُسَمَّاهُ حَرْفًا فَيَجُوزُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] {ص} [ص: 1] {ق} [ق: 1] {ن} [القلم: 1] وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى عَادًّا لَا قَارِئًا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي {ص} [ص: 1] وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ {ص} [ص: 1] لَيْسَ بِآيَةٍ لِعَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِهَا عَلَيْهَا، وَأَمَّا فِي نَحْوِ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] فَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ {ص} [ص: 1] وَنَحْوَهُ حَرْفٌ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّهُ غَلَطٌ فَإِنَّهَا كَلِمَةٌ مُسَمَّاهَا حَرْفٌ وَلَيْسَ الْمَقْرُوءَ، وَإِنَّمَا الْمَقْرُوءُ صَادٌ وَقَافٌ وَنُونٌ وَأَفَادَ لَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رَكْعَةٍ وَنِصْفَهَا فِي أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَا قَرَأَ آيَةً طَوِيلَةً، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآيَاتِ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ تَعْدِلُهَا فَلَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ آيَةٍ وَصَحَّحَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَعُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّ كَوْنَ الْمَقْرُوءِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ النِّصْفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الْمَقْرُوءُ يَبْلُغُ مَا يُعَدُّ بِقِرَاءَتِهِ قَارِئًا عُرْفًا وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِرَارًا حَتَّى بَلَغَ قَدْرَ آيَةٍ تَامَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْآيَةَ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالُوا: وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا مَنْ يُحْسِنُ ثَلَاثَ آيَاتٍ إذَا كَرَّرَ آيَةً وَاحِدَةً ثَلَاثًا فَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ عِنْدَهُمَا وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَفِي الْمُضْمَرَات شَرْحِ الْقُدُورِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ حِفْظَ قَدْرِ مَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَحِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَحِفْظُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. (قَوْلُهُ وَسُنَّتُهَا فِي السَّفَرِ الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَحَالَةَ الْعَجَلَةِ وَالْقَرَارِ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْإِطْلَاقُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعَجَلَةِ فِي السَّيْرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَمْنٍ وَقَرَارٍ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَالظُّهْرُ كَالْفَجْرِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ جِدًّا، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا عَلِمْته مِنْ إطْلَاقِ الْجَامِعِ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ عَلَى أَمْنٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُضْمَرَاتِ وَأَمَّا الْمَسْنُونُ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا فَسَيَأْتِي وَالْمَكْرُوهُ نَقْصُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَحَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ ثَابِتَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَمَا قِيلَ لَوْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَنَحْوَهَا وَقَعَ الْكُلُّ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُشْكِلٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ إلَّا فَرْضًا فَأَيْنَ بَاقِي الْأَقْسَامِ اهـ. وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْإِيقَاعِ اهـ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ لَكَانَ أَوْلَى إذْ كَلَامُهُ بِظَاهِرِهِ يُفِيدُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ اهـ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ قِرَاءَةَ مَا ذَكَرَهُ هِيَ السُّنَّةُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَقْرُوءِ وَاجِبًا إذْ الشَّيْءُ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى إلَى عَدِّهِمْ التَّثْلِيثَ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ مِنْ السُّنَنِ مَعَ أَنَّ أَصْلَ الْغُسْلِ فَرْضٌ (قَوْلُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الْقِرَاءَةُ فِي الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ وَالْمِقْدَارُ الْخَاصُّ مِنْهُ أُخْرَى، وَقَدْ أَمْكَنَ مُرَاعَاةُ الْأَوْلَى فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ شُرَّاحِهَا كَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ كَانَ هُوَ وَالْمُقِيمُ سَوَاءً فِي أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُرَاعَاةِ سُنِّيَّةِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّطْوِيلِ وَالْمُقِيمُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ؟ قُلْت: قِيَامُ السَّفَرِ أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ لَا مَعَ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ؟ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ ذِكْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَالِانْشِقَاقِ لَيْسَ لِعَدَدِ آيَاتِهِمَا بَلْ لِأَنَّهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِسُورَةِ الْبُرُوجِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَدَعْوَى أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْمُوَاظَبَةِ إنْ أُرِيدَ مُطْلَقُهَا مَنَعْنَاهُ أَوْ الْمُؤَكَّدَةُ فَبَعْدَ تَسْلِيمِهِ لَيْسَ مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَإِقْرَارُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ عَلَى مَا فِيهَا وَجَزْمُ الشَّارِحِ بِهِ وَغَيْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ اهـ. أَقُولُ: قَوْلُهُ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ إنْ أَرَادَ مُطْلَقَ الْمُفَصَّلِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَجْرِ وَالسُّنَّةُ فِيهِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَإِنْ أَرَادَ الطِّوَالَ مِنْهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخِرًا بَلْ لِأَنَّهُمَا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْبُرُوجَ مِنْ الْأَوْسَاطِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْكَافِي فَالظَّاهِرُ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ مِنْ حَمْلِهِ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ فِي الْحَضَرِ يُجْعَلُ طَوِيلًا فِي السَّفَرِ وَلَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْوَسَطِ وَالطَّوِيلِ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَيَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَسَطُ مِنْ الْمُفَصَّلِ يُجْعَلُ كَالطِّوَالِ مِنْهُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي الشرنبلالية وَتَكَلَّفَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الِانْشِقَاقِ

وَقَرَارٍ صَارَ كَالْمُقِيمِ سَوَاءً، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ السُّنَّةَ وَالسَّفَرَ، وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ لَكِنَّ التَّحْدِيدَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبُرُوجِ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَمْ يَنْقُلُوهُ وَكَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي السَّفَرِ شَيْئًا لَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّتِهِ إلَّا لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ وَشَمِلَ سُورَةَ الْكَوْثَرِ فَمَا فِي الْحَاوِي مِنْ تَعْيِينِهِ بِمِقْدَارِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَصَاعِدًا مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى إخْرَاجِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ التَّعْمِيمِ وَالتَّفْوِيضِ إلَى مَشِيئَتِهِ بِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ الْحَاصِلِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِسُورَةٍ دُونَ سُورَةٍ يَدُلُّ عَلَى الشُّمُولِ. (قَوْلُهُ وَفِي الْحَضَرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ لَوْ فَجْرًا أَوْ ظُهْرًا وَأَوْسَاطُهُ لَوْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَقِصَارُهُ لَوْ مَغْرِبًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ كِتَابُ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ اقْرَأْ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ قِصَارُ الْمُفَصَّلِ وَلِأَنَّ مَبْنَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْعَجَلَةِ وَالتَّخْفِيفُ أَلْيَقُ بِهَا وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّأْخِيرُ، وَقَدْ يَقَعَانِ فِي التَّطْوِيلِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُسْتَحَبٍّ فَيُؤَقَّتُ فِيهِمَا بِالْأَوْسَاطِ، وَالطِّوَالُ وَالْقِصَارُ بِكَسْرِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا جَمْعُ طَوِيلَةٍ وَقَصِيرَةٍ كَكِرَامٍ وَكَرِيمَةٍ، وَأَمَّا الطُّوَالُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الرَّجُلُ الطَّوِيلُ وَالْأَوْسَاطُ جَمْعُ وَسَطٍ بِفَتْحِ السِّينِ مَا بَيْنَ الْقِصَارِ وَالطِّوَالِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُفَصَّلَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ طِوَالٌ، وَمِنْهَا إلَى لَمْ يَكُنْ أَوْسَاطٌ، وَمِنْهَا آخِرَ الْقُرْآنِ قِصَارٌ وَبِهِ صَرَّحَ فِي النُّقَايَةِ وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ فِيهِ، وَقِيلَ لِقِلَّةِ النُّسُوخِ فِيهِ وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مَا يُسَنُّ فِي حَقِّ الْإِمَامِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَأَفَادَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ الْمُفَصَّلِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْفَتَاوَى قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَشَايِخُنَا اسْتَحْسَنُوا قِرَاءَةَ الْمُفَصَّلِ لِيَسْتَمِعَ الْقَوْمُ وَيَتَعَلَّمُوا اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ عَدَدَ الْآيَاتِ الَّتِي تُقْرَأُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَذْكُورَةِ فِي الْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الطِّوَالِ فَحَمَلَهُ عَلَى مَا قِيلَ إنَّهَا مِنْ الْأَوْسَاطِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَوْسَطِ مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ يُجْعَلُ طَوِيلًا لِلتَّخْفِيفِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِ الْهِدَايَةِ لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ أَنَّ نَحْوَ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ فِيهِ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ فِي الْمِقْدَارِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ آيَةً مَعَ التَّخْفِيفِ عَنْ طَلَبِ سِتِّينَ آيَةً فَأَكْثَرَ (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَقِيلَ سُورَةُ الْقِتَالِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْحُجُرَاتُ فَهُوَ السُّبْعُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ مِنْ " ق " وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ الْجَاثِيَةُ، وَهُوَ غَرِيبٌ فَالطِّوَالُ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الْخِلَافِ إلَى الْبُرُوجِ وَالْأَوْسَاطُ مِنْهَا إلَى لَمْ يَكُنْ وَالْقِصَارُ الْبَاقِي، وَقِيلَ الطِّوَالُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى عَبَسَ وَالْأَوْسَاطُ مِنْهَا إلَى وَالضُّحَى وَالْبَاقِي الْقِصَارُ اهـ. وَقِيلَ غَيْرُهَا قَالَ الرَّمْلِيُّ وَنَظَمَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ الْأَقْوَالَ فِي الْمُفَصَّلِ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ مُفَصَّلُ قُرْآنٍ بِأَوَّلِهِ أَتَى ... خِلَافٌ فَصَافَّاتٌ وَقَافٌ وَسَبِّحْ وَجَاثِيَةٌ مُلْكٌ وَصَفٌّ قِتَالُهَا ... وَفَتْحٌ ضُحَى حُجُرَاتُهَا ذَا الْمُصَحَّحْ زَادَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ قَوْلَيْنِ فَأَوْصَلَهَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا: الرَّحْمَنُ قَالَ حَكَاهُ ابْنُ السَّيِّدِ فِي أَمَالِيهِ عَلَى الْمُوَطَّإِ وَالْإِنْسَانُ اهـ. (تَنْبِيهٌ) الْغَايَةُ لَيْسَتْ مِمَّا قَبْلَهَا فَالْبُرُوجُ مِنْ الْأَوْسَاطِ لَا الطِّوَالِ لِمَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَرَأَ فِي الْعَصْرِ فِي الْأُولَى الْبُرُوجَ، وَفِي الثَّانِيَة سُورَةَ الطَّارِقِ» اهـ. كَذَا فِي الشرنبلالية أَقُولُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَلَا يَخْفَى دُخُولُ الْغَايَةِ فِي الْمُغَيَّا هُنَا اهـ. وَنَقَلَ مِثْلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ خُرُوجُهَا فِيمَا عَدَا الْآخِرَ لِمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ آخِرَ الْمُفَصَّلِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ بِلَا خِلَافٍ وَيُمْكِنُ إرْجَاعُ كَلَامِ النَّهْرِ وَالْبُرْجُنْدِيِّ إلَيْهِ، وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْإِشَارَةُ بِهُنَا إلَى جَمِيعِ حُدُودِ الْمُفَصَّلِ وَلَا مَحْذُورَ فِي التَّوْزِيعِ بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا أَوْصَلَ إلَى التَّوْفِيقِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَقَدْ حَمَلَ الرَّمْلِيُّ كَلَامَ النَّهْرِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. أَقُولُ: لَكِنَّ كَلَامَ النَّهْرِ فِيمَا مَرَّ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ الطِّوَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي عِبَارَتِهَا حَيْثُ رَدَّ عَلَى أَخِيهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ عَدَدَ الْآيَاتِ الَّتِي تُقْرَأُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَتَقَدَّمَ عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمُفَصَّلِ سُنَّةٌ وَمِقْدَارُ الْخَاصِّ سُنَّةٌ أُخْرَى لَكِنْ فِي السِّرَاجِ عَنْ الْمُحِيطِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمَذْكُورَ مُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ. وَالْفَرْضُ آيَةٌ، الْوَاجِبُ الْفَاتِحَةُ وَسُورَةٌ، وَالْمَسْنُونُ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَأَوْسَاطُهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَقِصَارُهُ فِي الْمَغْرِبِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ إذَا كَانَ مُقِيمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا أَوْ الْفَاتِحَةَ وَمَعَهَا آيَةٌ أَوْ آيَتَانِ.

لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالْمَشَايِخِ وَالْمَنْقُولُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سِوَى الْفَاتِحَةِ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ آيَةً وَاقْتَصَرَ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَرَوَى الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى مِائَةٍ وَوَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالُوا يُعْمَلُ بِالرِّوَايَاتِ كُلِّهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهِ، فَقِيلَ: مَا فِي الْمُجَرَّدِ مِنْ الْمِائَةِ مَحْمَلُ الرَّاغِبِينَ وَمَا فِي الْأَصْلِ مَحْمَلُ الْكَسَالَى أَوْ الضُّعَفَاءِ وَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ السِّتِّينَ مَحْمَلُ الْأَوْسَاطِ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إلَى طُولِ اللَّيَالِيِ وَقِصَرِهَا وَإِلَى كَثْرَةِ الْأَشْغَالِ، وَقِلَّتِهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مَحْمَلَ اخْتِلَافِ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُسَالَى، فَيُجْعَلُ قَاعِدَةً لِفِعْلِ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِنَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فِي الْحَضَرِ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانُوا كُسَالَى؛ لِأَنَّ الْكُسَالَى مَحْمَلُهَا اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ قَالَ مَشَايِخُنَا إذَا كَانَتْ الْآيَاتُ قِصَارًا فَمِنْ السِّتِّينَ إلَى مِائَةٍ وَإِذَا كَانَتْ أَوْسَاطًا فَخَمْسِينَ وَإِذَا كَانَتْ طِوَالًا فَأَرْبَعِينَ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الظُّهْرَ كَالْفَجْرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِالطِّوَالِ وَذُكِرَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ أَنَّ الظُّهْرَ كَالْعَصْرِ يَقْرَأُ فِيهِ بِالْأَوْسَاطِ وَأَمَّا فِي عَدَدِ الْآيَاتِ فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الظُّهْرَ كَالْفَجْرِ فِي الْعَدَدِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ، وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاشْتِغَالِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَالِ وَعَيَّنَهُ فِي الْحَاوِي بِأَنَّهُ دُونَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَأَمَّا عَدَدُ الْآيِ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَعِشْرُونَ آيَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً فِيهِمَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا قَدْرُ مَا فِي الْمَغْرِبِ فَفِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ سُورَةٌ قَصِيرَةٌ خَمْسُ آيَاتٍ أَوْ سِتُّ آيَاتٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ إلَى الْأَصْلِ وَذَكَرَ فِي الْحَاوِي أَنَّ حَدَّ التَّطْوِيلِ فِي الْمَغْرِبِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسُ آيَاتٍ أَوْ سُورَةٌ قَصِيرَةٌ وَحْدُ الْوَسَطِ وَالِاخْتِصَارِ سُورَةٌ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ تَقْدِيرٌ مُعَيَّنٌ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَقْتِ وَحَالِ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ مِقْدَارَ مَا يَخِفُّ عَلَى الْقَوْمِ وَلَا يُثْقِلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّمَامِ وَهَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. (قَوْلُهُ وَتُطَالُ أُولَى الْفَجْرِ فَقَطْ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ وَهَذَا أَعْنِي إطَالَةَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِلتَّوَارُثِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَيُعِينُ الْإِمَامُ الْجَمَاعَةَ بِتَطْوِيلِهَا رَجَاءَ أَنْ يُدْرِكُوهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُمْ بِالنَّوْمِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُخْتَصَرُ حَدَّ التَّطْوِيلِ وَبَيَّنَهُ فِي الْكَافِي بِأَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ أَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَالتَّفَاوُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَا بَأْسَ بِهِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ. اهـ. وَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ قَدْرَ النِّصْفِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَحَدُّ الْإِطَالَةِ فِي الْفَجْرِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي الْأُولَى مِنْ ثَلَاثِينَ إلَى سِتِّينَ آيَةً، وَفِي قَوْلِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ التَّطْوِيلُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» وَاسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْعَصْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ عَشَرَ آيَةً» فَإِنَّهُ نَصٌّ ظَاهِرٌ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَنْظُرُ إلَخْ) أَيْ فَيَقْرَأُ فِي الشِّتَاءِ مِائَةً، وَفِي الصَّيْفِ أَرْبَعِينَ، وَفِي الْخَرِيفِ وَالرَّبِيعِ خَمْسِينَ إلَى سِتِّينَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكُسَالَى الضُّعَفَاءُ وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ فِي أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الضُّعَفَاءُ فَجَازَ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حَالَهُمْ إذَا صَلُّوا مَعَهُ (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَعَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ. (قَوْلُهُ بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ) وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَهْنَسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَغَرِيبٌ وَلِذَا قَالَ تِلْمِيذُهُ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ إطَالَةَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مَسْنُونَةٌ وَلَمْ أَرَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ فَلْيُرَاجَعْ اهـ. أَقُولُ: بَلْ نَقَلَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُنِّيَّتِهَا. (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ فِي الْخُلَاصَةِ قَدْرَ النِّصْفِ) اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ كَلَامَ الْخُلَاصَةِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْكَافِي إذْ لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى سِتِّينَ، وَفِي الثَّانِيَة ثَلَاثِينَ كَانَ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَدْرِ النِّصْفِ لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ مَا فِي الثَّانِيَةِ نِصْفُ مَا فِي الْأُولَى فَلَيْسَ قَوْلًا آخَرَ مُغَايِرًا لِمَا فِي الْكَافِي كَمَا يُشْعِرُ بِهِ مُقَابَلَتُهُ لَهُ، تَدَبَّرْ

الْمُسَاوَاةِ فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ فِيهِ نَاشِئًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَالتَّسْمِيَةِ وَقِرَاءَةِ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَبَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَأَتَّى فِي قَوْلِهِ وَهَكَذَا الصُّبْحُ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّشْبِيهِ فِي أَصْلِ الْإِطَالَةِ لَا فِي قَدْرِهَا فَهُوَ غَيْرُ الْمُتَبَادَرِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ أَحَبُّ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ قَوْلُهُمَا بِاسْتِنَانِ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْفَجْرِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يُثْبِتَاهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَالْأَحَبُّ قَوْلُهُمَا لَا قَوْلُهُ وَحَيْثُ ظَهَرَ قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا كَانَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْفَتَاوَى الْإِمَامُ إذَا طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِكَيْ يُدْرِكَهَا النَّاسُ لَا بَأْسَ إذَا كَانَ تَطْوِيلًا لَا يُثْقِلُ عَلَى الْقَوْمِ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إنْ كَانَ لِقَصْدِ الْخَيْرِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِلَّا فَفِيهِ بَأْسٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ، وَفِي نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ تَسْتَوِي الرَّكْعَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَقَيَّدَ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّ إطَالَةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى تُكْرَهُ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّفَاوُتُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ، فَإِنْ كَانَ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَإِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنْ الْأُخْرَى بِآيَةٍ كَذَا فِي الْكَافِي وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «قِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَطْوَلُ مِنْ الْأُولَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَإِنَّ الْأُولَى تِسْعَ عَشَرَةَ آيَةً وَالثَّانِيَةَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ آيَةً، وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا أَوْ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ لَا يُوصَفُ بِهَا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِاسْتِنَانِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَيَّدَ بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُسَوَّى فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ بَيْنَ رَكَعَاتِهَا فِي الْقِرَاءَةِ إلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَوْ الْأَثَرُ كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِكَرَاهَةِ تَطْوِيلِ رَكْعَةٍ مِنْ التَّطَوُّعِ وَنَقْصِ أُخْرَى وَأَطْلَقَ فِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ عَدَمَ كَرَاهَةِ إطَالَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهَا سَهْلٌ اخْتَارَهُ أَبُو الْيُسْرِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ) ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ هَكَذَا: وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهَذَا أَحَبُّ كَمَا فِي الْفَجْرِ اهـ. وَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ لَفْظَ " هَذَا أَحَبُّ " مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ اهـ. أَيْ صَاحِبُ الْمُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطِيلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا (قَوْلُهُ وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ إلَخْ) قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِلْحَلَبِيِّ، وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى وَالْعَصْرِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْهُمَزَةَ يُكْرَهُ لِأَنَّ الْأُولَى ثَلَاثُ آيَاتٍ وَالثَّانِيَةَ تِسْعُ آيَاتٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فَزَادَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى بِسَبْعٍ لَكِنَّ السَّبْعَ فِي السُّوَرِ الطِّوَالِ يَسِيرٌ دُونَ الْقِصَارِ لِأَنَّ السِّتَّ هُنَا ضِعْفُ الْأَصْلِ وَالسَّبْعُ ثَمَّةَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ اهـ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْإِطَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَاحِشَةُ الطُّولِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَدِ الْآيَاتِ اهـ. كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ. وَأَقُولُ: قَوْلُهُ لِأَنَّ السِّتَّ هُنَا أَيْ فِي الْهُمَزَةِ ضِعْفُ الْأَصْلِ أَيْ الْعَصْرِ وَقَوْلُهُ وَالسَّبْعُ ثَمَّةَ أَيْ فِي هَلْ أَتَى أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ أَيْ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ سَبِّحْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ زِيَادَةٌ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِ الْقُنْيَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الثَّلَاثَ آيَاتٍ إنَّمَا تُكْرَهُ فِي السُّوَرِ الْقِصَارِ لِظُهُورِ الطُّولِ فِيهَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ ظُهُورًا بَيِّنًا، وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِمَا دُونَ النِّصْفِ لَا تُكْرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً ظُهُورًا تَامًّا تُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَقِيقَةِ، وَلِوُرُودِ مِثْلُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَلَا تَغْفُلْ عَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْآيَاتِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ تَقَارُبِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِهَا فَالْمُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ بِالْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَإِلَّا فَأَلَمْ نَشْرَحْ لَك ثَمَانُ آيَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَانُ آيَاتٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْأُولَى فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا قُلْنَا مِنْ ظُهُورِ الزِّيَادَةِ وَالطُّولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ الْآيُ لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمُ وَالْحُرُوفُ وَقِسْ عَلَى هَذَا اهـ. وَبِهَذَا الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّقْدِيرُ بِالْكَلِمَاتِ عِنْدَ التَّفَاوُتِ بِطُولِ الْآيِ وَقِصَرِهَا انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الشرنبلالية قَالَ إذْ التَّفَاوُتُ

لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] أَرَادَ بِعَدَمِ التَّعْيِينِ عَدَمَ الْفَرْضِيَّةِ وَإِلَّا فَالْفَاتِحَةُ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَشَارَ إلَى كَرَاهَةِ تَعْيِينِ سُورَةٍ لِصَلَاةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ كَتَعْيِينِ سُورَةِ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِي فَجْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي الْوِتْرِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِغَيْرِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ لَمْ يُفَصِّلْ، وَهُوَ إيهَامُ التَّفْضِيلِ وَهَجْرُ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ والإسبيجابي مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا رَآهُ حَتْمًا يُكْرَهُ غَيْرُهُ أَمَّا لَوْ قَرَأَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا كَرَاهَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ اهـ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلَ كَرَاهَةِ الْمُدَاوَمَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ لَا هَجْرُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْبَاقِي فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ حَنَفِيَّةُ الْعَصْرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ فَإِنَّ الْإِيهَامَ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَلِذَا قَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَظَاهِرُ هَذَا إفَادَةُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيهَامَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَلِّي نَفْسِهِ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْوِتْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ إمَامًا أَوْ لَا، فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إيهَامُ التَّعْيِينِ، وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ الْمَشَايِخُ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي فَهُوَ مَوْجُودٌ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ إمَامًا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّائِي كَالْقَرِيبِ) لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» فَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ} [المزمل: 20] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ إجْمَاعًا فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِعُمُومِ الْحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَإِنْ قُلْت: حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْفَاتِحَةِ عَمَلًا بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ قُلْت: التَّخْصِيصُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْمُورِينَ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِالظَّنِّيِّ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّلَاةَ الْجَهْرِيَّةَ وَالسِّرِّيَّةَ، وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُسْتَحْسَنُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا صَرَّحَ فِي كُتُبِهِ بِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِهِمَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ خَلْفَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُطْلِقُوا اسْمَ الْحُرْمَةِ عَلَيْهَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَهَا إلَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا وَدَعْوَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ مَمْنُوعَةٌ بَلْ الِاحْتِيَاطُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَسَادُ الصَّلَاةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْكَلِمَاتُ لِتَفَاوُتِ آيَاتِهِمَا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ مِنْ غَيْرِ تَقَارُبٍ وَتَفَاوُتُهُمَا فِي الْكَلِمَاتِ يَسِيرٌ (قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ إلَخْ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّهُ أَيْ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ اهـ. وَمُقْتَضَى جَعْلِ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ ذَلِكَ دُونَ هَجْرِ الْبَاقِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّعْيِينُ لِلْمُنْفَرِدِ لِانْتِفَاءِ الْإِيهَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَنَظَرَ فِيهِ بِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: قَدْ عَلَّلَ الْمَشَايِخُ بِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا عِلَّتَانِ وَبِهَذَا اتَّجَهَ مَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ) أَيْ يَسْتَمِعُ الْمُؤْتَمُّ، وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ مَا ذُكِرَ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَكَذَا الْإِمَامُ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ أَمَّ فِي الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَفِي الْفَرْضِ كَذَلِكَ، وَفِي النَّفْلِ يَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذُ مِنْ النَّارِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا وَيَتَفَكَّرُ فِي آيَةِ الْمَثَلِ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حَدِيثَ «حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنَّهُ صَلَّى مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ إلَّا سَأَلَ فِيهَا وَمَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ إلَّا تَعَوَّذَ فِيهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُ فِي النَّافِلَةِ، وَهُمْ صَرَّحُوا بِالْمَنْعِ إلَّا أَنَّهُمْ عَلَّلُوا بِالتَّطْوِيلِ عَلَى الْمُقْتَدِي وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَّ مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ فَعَلَهُ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ وَالْكُسُوفِ وَإِلَّا فَالتَّجَمُّعُ فِي النَّافِلَةِ مَكْرُوهٌ وَفِي غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقَعْ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْمَقْرُوءِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي الْآيَةِ صِيغَتَيْ عُمُومٍ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَمَا، وَالتَّخْصِيصُ حَصَلَ لِلْأُولَى فَيَلْحَقُهَا التَّخْصِيصُ ثَانِيًا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ) أَيْ فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى مَا قَالُوهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ

[باب الإمامة]

بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَهُ، فَأَقْوَاهُمَا الْمَنْعُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ إلَى آخِرِهِ إلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا أُمِرُوا بِهِمَا فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحَاصِلُ الْآيَةِ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَا أَمْرَانِ: الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ فَيُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ وَالثَّانِي لَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا، وَلَمَّا كَانَ الْعِبْرَةُ إنَّمَا هُوَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَجَبَ الِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ فِي اللَّيْلِ جَهْرًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا: الصَّبِيُّ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَهْلُهُ يَشْتَغِلُونَ بِالْأَعْمَالِ وَلَا يَسْتَمِعُونَ إنْ كَانَ شَرَعُوا فِي الْعَمَلِ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ لَا يَأْثَمُونَ وَإِلَّا أَثِمُوا وَقَوْلُهُ " وَإِنْ " لِلْوَصْلِ، وَآيَةُ التَّرْغِيبِ هِيَ مَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ أَوْ الرَّحْمَةِ، وَآيَةُ التَّرْهِيبِ مَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، وَالتَّرْهِيبُ التَّخْوِيفُ، وَفِي عِبَارَتِهِ رِعَايَةُ الْأَدَبِ حَيْثُ قَالَ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَسْأَلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَتَعَوَّذُ النَّارَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْأَلْ وَيَتَعَوَّذْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالرَّحْمَةِ إذَا اسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ وَوَعْدُهُ حَتْمٌ وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ خُصُوصًا الْمُتَشَاغِلُ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ بِالدُّعَاءِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ قَرَأَ رَاجِعٌ إلَى الْإِمَامِ، وَكَذَا فِي خَطَبَ وَصَلَّى وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ الْمُؤْتَمِّ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْخَلَلِ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى مَا إذَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ آيَةَ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ} [الأحزاب: 56] فَإِنَّ السَّامِعَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ سِرًّا ائْتِمَارًا لِلْأَمْرِ وَجَعْلُ الْبَعِيدِ كَالْقَرِيبِ لِلْخَطِيبِ فِي أَنَّهُ يَسْكُتُ هُوَ الِاحْتِيَاطُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ (بَابُ الْإِمَامَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ شَرَائِطِ صِحَّتِهَا. الثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِ كَمَالِهَا. الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ. الرَّابِعُ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا. الْخَامِسُ فِي بَيَانِ أَقَلِّهَا. السَّادِسُ فِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ لَهُ. السَّابِعُ فِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ. الثَّامِنُ فِي حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَحَاصِلُهُ مُجْمَلًا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ تَضْمِينُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ وَلَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا مُفَصَّلًا فِي قَوْلِهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقِ النَّفْي وَمَا هُنَا كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ صَاحِبِ الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إلَخْ) وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ خَطَبَ إلَخْ ظَاهِرُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَرَأَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِيهَا، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ أَوْ خَطَبَ وَأَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاقِعَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يُنْصِتُوا إذَا خَطَبَ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَجَابَ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَرَأَ هُوَ الْإِمَامُ وَخَطَبَ هُوَ الْخَطِيبُ، وَهُوَ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ غَيْرُ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ مُنْلَا خُسْرو بِأَنَّ الْمُؤْتَمَّ بِمَعْنَى مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَأْتَمَّ وَقَوْلُهُ أَوْ خَطَبَ عَطْفٌ عَلَى قَرَأَ الْمَحْذُوفِ وَالْمَعْنَى لَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا قَرَأَ إمَامُهُ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ إذَا خَطَبَ إمَامُهُ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةَ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى التَّجَوُّزِ فِي الْمُؤْتَمِّ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ خُسْرو التَّجَوُّزُ فِي الْإِمَامِ أَيْضًا وَتَقْيِيدُ مَنْعِ الْمُؤْتَمِّ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِمَا إذَا خَطَبَ مَعَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ لِلْخُطْبَةِ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ. وَأَجَابَ ابْنُ كَمَالْ بَاشَا عَنْ اعْتِرَاضِ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ نَزَّلَ مَنْ حَضَرَهَا مَنْزِلَةَ الْمُؤْتَمِّ فَلَا دَلَالَةَ فِي أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِعَتَيْنِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَا اتِّجَاهَ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ لِانْعِدَامِ التَّنْزِيلِ الْمَذْكُورِ فَتَدَبَّرْ اهـ. (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إلَّا أَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي عَدَمَهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَرُدَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ حَالَةَ الْخُطْبَةِ كُرِهَ أَيْضًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي السِّرَاجِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِمَا يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمَاعُ فَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا [بَابُ الْإِمَامَةِ] [شَرَائِطِ صِحَّة الْإِمَامَة] (بَابُ الْإِمَامَةِ) . وَهِيَ صُغْرَى

[صفة الإمامة في الصلاة]

وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ بِنَاءَ الْإِمَامَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَسَيَأْتِي مُفَصَّلًا مَعَ بَيَانِ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ. وَأَمَّا صِفَتُهَا فَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ قَوِيَّةٌ تُشْبِهُ الْوَاجِبَ فِي الْقُوَّةِ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ وَنَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ عَنْ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا، وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ مِنْهُمْ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَيْسَ مُخَالِفًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ خُصُوصًا مَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ الْمُوَاظَبَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ مَعَ النَّكِيرِ عَلَى تَارِكِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّأْكِيدِ الْوُجُوبَ لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا فَإِنْ ائْتَمَرُوا وَإِلَّا يَحِلُّ مُقَاتَلَتُهُمْ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْزِيرُ عَلَى تَارِكِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَيَأْثَمُ الْجِيرَانُ بِالسُّكُوتِ، وَفِيهَا لَوْ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ فَهُوَ مُسِيءٌ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ كُرِهَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعَمَلِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ حَرَامٌ يَعْنِي حَالَةَ الْأَذَانِ، وَإِنْ عَمِلَ بَعْدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِالْإِسْرَاعِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُجْهِدْ نَفْسَهُ وَالسَّكِينَةُ أَفْضَلُ فِيهَا اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَمِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ لَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ. اهـ. وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهِ أَنَّ مَعْنَاهُ حَبْسُ مَالِهِ عَنْهُ مُدَّةً ثُمَّ دَفْعُهُ لَهُ لَا أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَجْنَاسِ أَنَّ تَارِكَ الْجَمَاعَةِ يَسْتَوْجِبُ إسَاءَةً وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ وَمَجَانَةً، أَمَّا إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ تَرَكَهَا بِتَأْوِيلٍ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَكُبْرَى فَالصُّغْرَى اقْتِدَاءُ الْغَيْرِ بِالْمُصَلِّي وَالْكُبْرَى اسْتِحْقَاقُ تَصَرُّفٍ عَامٍّ كَمَا فِي السِّيَرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَائِطَ الْقُدْوَةِ مُفَصَّلَةٌ: الْأُولَى: أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ مَعَ اخْتِلَافِهَا كَالتَّحَلُّقِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ صَحَّ. الثَّانِي: عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِ إمَامِهِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ انْتِقَالَاتُهُ لَمْ يَصِحَّ. الثَّالِثُ: اتِّحَادُ مَوْقِفِهِمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ لَمْ يَصِحَّ وَالْمَسْجِدُ مَكَانٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَبَاعَدَ وَفِنَاؤُهُ مُلْحَقٌ بِهِ. الرَّابِعُ: نِيَّةُ الْمَأْمُومِ الِاقْتِدَاءَ مُقَارِنَةً لِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حَالُ الْإِمَامِ أَدْنَى مِنْ حَالِ الْمَأْمُومِ فِي الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَوْ كَانَ حَالُ الْإِمَامِ أَعْلَى صَحَّ وَيُعَادُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفَسَدَ إلَخْ. السَّادِسُ: مُشَارَكَةُ الْإِمَامِ فِي الْأَرْكَانِ، فَإِنْ سَبَقَهُ الْمَأْمُومُ بِرُكْنٍ وَلَمْ يُشَارِكْهُ إمَامُهُ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. السَّابِعُ: عَدَمُ مُحَاذَاةِ امْرَأَةٍ لَهُ إنْ نَوَى إمَامُهُ إمَامَتَهَا. الثَّامِنُ: عِلْمُهُ بِحَالِ إمَامِهِ مِنْ إقَامَةٍ وَسَفَرٍ فَلَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ لَمْ تَصِحَّ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يَصِحُّ لَهُ الدُّخُولُ بِنِيَّةِ إمَامِهِ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ فَرْضٍ عَلَى فَرْضٍ آخَرَ. الْعَاشِرُ: صِحَّةُ صَلَاةِ إمَامِهِ. اهـ. كَذَا فِي هَامِشِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مَعْزُوًّا إلَى خَطِّ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِهِ قُلْتُ وَبَقِيَ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ، وَقَدْ عَدَّهَا الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ فَقَالَ وَشُرُوطُ الْإِمَامَةِ لِلرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ كَالرُّعَافِ وَالْفَأْفَأَةِ وَالتَّمْتَمَةِ وَاللَّثَغِ وَفَقْدِ شَرْطٍ كَطَهَارَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ اهـ. وَقَدْ نَظَمْت شُرُوطَ الْقُدْوَةِ وَالْإِمَامَةِ السِّتَّةَ عَشَرَ بِقَوْلِي أَخِي إنْ تَرْمُ إدْرَاكَ شَرْطٍ لِقُدْوَةٍ ... فَذَلِكَ عَشْرٌ قَدْ أَتَاك مُعَدَّدًا تَأَخُّرُ مُؤْتَمٍّ وَعِلْمُ انْتِقَالِ مَنْ ... بِهِ ائْتَمَّ مَعْ كَوْنِ الْمَكَانَيْنِ وَاحِدًا وَكَوْنُ إمَامٍ لَيْسَ دُونَ تَبِيعِهِ ... بِشَرْطٍ وَأَرْكَانٌ وَنِيَّةُ الِاقْتِدَا مُشَارِكَةٌ فِي كُلِّ رُكْنٍ وَعِلْمُهُ ... بِحَالِ إمَامٍ حَلَّ أَمْ سَارَ مُبْعَدًا وَأَنْ لَا تُحَاذِيَهُ الَّتِي مَعَهُ اقْتَدَتْ ... وَصِحَّةُ مَا صَلَّى الْإِمَامُ مَنْ ابْتِدَا كَذَاك اتِّحَادُ الْفَرْضِ هَذَا تَمَامُهَا ... وَسِتُّ شُرُوطٍ لِلْإِمَامَةِ فِي الْمَدَى بُلُوغٌ وَإِسْلَامٌ وَعَقْلٌ ذُكُورَةٌ ... قِرَاءَةُ مُجْزٍ وَانْتِفَا مَانِعٍ اقْتِدَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [صِفَة الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمُفِيدِ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَسُنَّةٌ لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ تَسْمِيَتُهَا وَاجِبَةً وَسُنَّةً مُؤَكَّدَةً سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ إثْمًا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْخُرَاسَانِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ يَأْثَمُ إذَا اعْتَادَ التَّرْكَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ وَالْأَحْكَامُ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ أَنَّ تَارِكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَيَأْثَمُ الْجِيرَانُ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْكَامُ الْوَاجِبِ، وَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ تَرْتِيبَ الْوَعِيدِ فِي الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مُقَيَّدٌ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى التَّرْكِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ» كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ، نَحْوُ بَنُو فُلَانٍ يَأْكُلُونَ الْبُرَّ أَيْ عَادَتُهُمْ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْحُضُورَ أَحْيَانَا وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا» اهـ. (قَوْلُهُ إذَا تَرَكَهَا اسْتِخْفَافًا) أَيْ تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الِاسْتِخْفَافِ الَّذِي هُوَ الِاحْتِقَارُ فَإِنَّهُ كُفْرٌ

الْأَهْوَاءِ أَوْ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِ الْمُقْتَدِي لَا يُرَاعِي مَذْهَبَهُ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْإِسَاءَةَ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ اهـ. وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ عَنْ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ رَجُلٌ يَشْتَغِلُ بِتَكْرَارِ الْفِقْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ لَا يُعْذَرُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ أَيْضًا رَجُلٌ يَشْتَغِلُ بِتَكْرَارِ اللُّغَةِ فَتَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ لَا يُعْذَرُ بِخِلَافِ تَكْرَارِ الْفِقْهِ قِيلَ جَوَابُهُ الْأَوَّلُ فِيمَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ تَهَاوُنًا وَالثَّانِي فِيمَنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَى تَرْكِهَا اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّةَ أَحْكَامِهَا فَمِنْهَا أَنَّ أَقَلَّهَا اثْنَانِ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِمَا الِاجْتِمَاعُ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا يَعْقِلُ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بَيْتِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إلَّا لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا وَتَجِبُ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، وَتُسَنُّ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا، وَفِي الْكُسُوفِ وَالتَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا فِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَنَصَّ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ عَلَى أَنَّهَا فِيهَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ غَرِيبٌ وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى قَوْلٍ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ وَقِيلَ لَا، وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَفِي الْخُلَاصَةِ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوِتْرِ خَارِجَ رَمَضَانَ يُكْرَهُ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْجَمَاعَةِ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي يُكْرَهُ فِي الْأَصْلِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَمَّا إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إنْ كَانَ سِوَى الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ لَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَرْبَعِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ اهـ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْعِيدَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيهَا فَهِيَ شَرْطُ الصِّحَّةِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ الْعِيدَيْنِ وُجُوبًا وَصِحَّةً شَرَائِطُ الْجُمُعَةِ إلَّا الْخُطْبَةَ فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مُنْفَرِدًا كَالْجُمُعَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمِنْهَا حُكْمُ تَكْرَارِهَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَفِي الْمَجْمَعِ وَلَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ إلَخْ) سَيَأْتِي خِلَافُهُ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ الثَّوَابَ وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْفَضْلِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. قُلْتُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا سَيَأْتِي عَنْ الْحَلْوَانِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْأَذَانِ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ بِالْقِدَمِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ فَلِذَا صَحَّحُوا خِلَافَ مَا قَالَهُ هُنَا أَيْضًا. (قَوْلُهُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوِتْرِ خَارِجَ رَمَضَانَ يُكْرَهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُوتِرُ بِجَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ وَإِنَّ الْكَرَاهَةَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ إلَخْ) لَا مَحَلَّ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هُنَا، وَإِنَّمَا مَحِلُّهَا فِيمَا بَعْدُ عِنْدَ ذِكْرِ حُكْمِ تَكْرَارِهَا (قَوْلُهُ وَمِنْهَا حُكْمُ تَكْرَارِهَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ إلَخْ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ تَقْلِيلَهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْآخَرُونَ فِيهَا كَالْأَوَّلِينَ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ صَلَّوْا وُحْدَانًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ إذَا كَثُرَ الْقَوْمُ أَمَّا إذَا صَلَّوْا وُحْدَانًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ فَإِنْ صَلَّى فِيهِ قَوْمٌ مِنْ الْغُرَبَاءِ بِالْجَمَاعَةِ فَلِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلُّوا بَعْدَهُمْ بِجَمَاعَةٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ حَقُّهُمْ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ نَصْبُ الْمُؤَذِّنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُمْ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِمْ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِدُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ مَعْلُومٌ فَكَانَتْ حُرْمَتُهُ أَخَفَّ، وَلِهَذَا لَا يُقَامُ فِيهِ بِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرِّبَاطِ فِي الْمَفَاوِزِ وَهُنَاكَ تُعَادُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَهَذَا كَذَلِكَ اهـ. بِحُرُوفِهِ وَمِثْلُهُ فِي الْحَقَائِقِ وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ فِي الْأَذَانِ عَنْ الْكَافِي وَالْمِفْتَاحِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ السِّرَاجِ، أَقُولُ: وَمُفَادُ هَذِهِ النُّقُولِ كَرَاهَةُ التَّكْرَارِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ بِدُونِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ قَاضِي خَانْ الْمَارِّ يُصَلِّي بِغَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَنَّهُ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا لَا بِالْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا اهـ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ مَا نَقَلَهُ الرَّمْلِيُّ عَنْ رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ السِّنْدِيِّ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَالْعُبَابِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ثَانِيَةٍ اتِّفَاقًا. قَالَ وَفِي بَعْضِهَا إجْمَاعًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا وَأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا إنْكَارُهُ صَرِيحًا حِينَ حَضَرَ الْمَوْسِمَ بِمَكَّةَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنْهُمْ الشَّرِيفُ الْغَزْنَوِيُّ وَأَنَّهُ أَفْتَى الْإِمَامُ أَبُو قَاسِمٍ الْجَانُّ الْمَالِكِيُّ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ وَعَدَمِ جَوَازِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَرُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ

نُكَرِّرُهَا فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي مَسْجِدٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا بِقَوْمٍ كَثِيرٍ أَمَّا إذَا صَلَّى وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا إذَا صَلَّى فِي غَيْرِ مَقَامِ الْإِمَامِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنَّمَا يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي أَمَّا إذَا كَانَ خُفْيَةً فِي زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ لَا بَأْسَ بِهَا فِي مَسْجِدٍ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ مَسْجِدٌ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ وَلَا مُؤَذِّنٌ وَيُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ فَوْجًا فَوْجًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ صَلَّى بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ مُخَافَتَةً ثُمَّ ظَهَرَ بَقِيَّتُهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ اهـ. وَمِنْهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَلَا تَجِبُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَمَرِيضٍ وَزَمِنٍ وَأَعْمَى، وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ وَيَحْمِلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ وَحَقَّقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ لَا الْجَمَاعَةِ وَتَسْقُطُ بِعُذْرِ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ، وَذَكَرَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ مِنْهَا الْمَطَرَ وَالرِّيحَ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَأَمَّا فِي النَّهَارِ فَلَيْسَتْ الرِّيحُ عُذْرًا وَكَذَا إذَا كَانَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ كَانَ إذَا خَرَجَ يَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ غَرِيمُهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ كَانَ يَخَافُ الظُّلْمَةَ أَوْ يُرِيدُ سَفَرًا وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَخْشَى أَنْ تَفُوتَهُ الْقَافِلَةُ أَوْ يَكُونُ قَائِمًا بِمَرِيضٍ أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ وَكَذَا إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ وَكَذَا إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِذَا فَاتَتْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا بَلْ إنْ أَتَى مَسْجِدًا لِلْجَمَاعَةِ آخَرَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ وَيُصَلِّي بِهِمْ يَعْنِي وَيَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا تَتَبُّعُهَا وَسُئِلَ الْحَلْوَانِيُّ عَمَّنْ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ أَحْيَانًا هَلْ يَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا قَالَ لَا وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا بِلَا عُذْرٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ جَمَاعَةِ مَسْجِدِ حَيِّهِ وَجَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَإِذَا كَانَ مَسْجِدَانِ يَخْتَارُ أَقْدَمَهُمَا فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْأَقْرَبُ فَإِنْ صَلَّوْا فِي الْأَقْرَبِ وَسَمِعَ إقَامَةَ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ لَا يَخْرُجُ وَإِلَّا فَيَذْهَبُ إلَيْهِ وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ تَفْرِيعٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَقْرَبِ مُطْلَقًا لَا عَلَى مِنْ فَضَّلَ الْجَامِعَ فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَفَقِّهًا فَمَجْلِسُ أُسْتَاذِهِ لِدَرْسِهِ أَوْ مَجْلِسُ الْعَامَّةِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ. وَأَمَّا حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَقَدْ ذُكِرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا قِيَامُ نِظَامِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ شُرِعَتْ الْمَسَاجِدُ فِي الْمَحَالِّ لِتَحْصِيلِ التَّعَاهُدِ بِاللِّقَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ بَيْنَ الْجِيرَانِ، ثَانِيهَا دَفْعُ حَصْرِ النَّفْسِ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَحْدَهَا، ثَالِثُهَا تَعَلُّمُ الْجَاهِلِ مِنْ الْعَالِمِ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] فَهِيَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا فَضَائِلُهَا فَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ «صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَتِهِمْ وَأَنَّهُ بِكُلِّ رَجُلٍ فِي صُفُوفِهِمْ تُزَادُ فِي صَلَاتِهِمْ صَلَاةٌ تَعْنِي إذَا كَانُوا أَلْفَ رَجُلٍ يُكْتَبُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَلْفُ صَلَاةٍ. (قَوْلُهُ وَالْأَعْلَمُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) أَيْ أَوْلَى بِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَعْلُومَ وَفَسَّرَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِالْفِقْهِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ وَيَقْرَبُ مِنْهُ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَوَّلِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْفِقْهِ غَيْرَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ أَكْثَرِهِمْ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ لَمْ تُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْكِتَابِ فَمُجْمَلَةٌ وَقَدَّمَ أَبُو يُوسُفَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَنُقِلَ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَضَرُوا الْمَوْسِمَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ وَتَسْقُطُ بِعُذْرِ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ إلَخْ) أَقُولُ: قَدْ أَوْصَلَهَا فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ الدُّرَّ الْمُخْتَارِ إلَى عِشْرِينَ، وَقَدْ نَظَمْتهَا بِقَوْلِي خُذْ عُدَّ أَعْذَارًا لِتَرْكِ جَمَاعَةٍ ... عِشْرِينَ نَظْمًا قَدْ أَتَى مِثْلَ الدُّرَرْ مَرَضٌ وَإِقْعَادٌ عَمًى وَزَمَانَةٌ ... مَطَرٌ وَطِينٌ ثُمَّ بَرْدٌ قَدْ أَضَرّ قَطْعٌ لِرِجْلٍ مَعَ يَدٍ أَوْ دُونَهَا ... فَلْجٌ وَعَجْزُ الشَّيْخِ قَصْدٌ لِلسَّفَرْ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ كَذَا مِنْ ظَالِمٍ ... أَوْ دَائِنٍ وَشَهِيُّ أَكْلٍ قَدْ حَضَرْ وَالرِّيحُ لَيْلًا ظُلْمَةٌ تَمْرِيضُ ذِي ... أَلَمٍ مُدَافَعَةً لِبَوْلٍ أَوْ قَذَرْ ثُمَّ اشْتِغَالٌ لَا بِغَيْرِ الْفِقْهِ فِي ... بَعْضٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عُذْرٌ مُعْتَبَرْ.

[الأحق بالإمامة في الصلاة]

الْأَقْرَأَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يُقْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ أَقْرَأَهُمْ كَانَ أَعْلَمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ بِأَحْكَامِهِ فَقُدِّمَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا كَذَلِكَ فِي زَمَانِنَا فَقَدَّمْنَا الْأَعْلَمَ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُفْتَقَرُ إلَيْهَا لِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَالْعِلْمَ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْمَذْهَبِ حَدِيثُ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» وَكَانَ ثَمَّةَ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ» وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَكْثَرُ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَعْلَمِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي عِلْمِ الصَّلَاةِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَظٌّ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ فَهُوَ أَوْلَى اهـ. وَقَيَّدَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَعْلَمَ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَرِعًا وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْقَهَ مِنْهُ وَقَيَّدَ الشَّارِحُ وَجَمَاعَةٌ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِأَنْ يَكُونَ حَافِظًا مِنْ الْقُرْآنِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِأَنْ يَكُونَ حَافِظًا قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ وَالْوَاجِبِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا لَكِنَّ الْقَوَاعِدَ لَا تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِالتَّرْكِ وَيُوَرِّثُ النُّقْصَانَ فِي الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَقْرَأُ) مُحْتَمِلٌ لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَحْفَظُهُمْ لِلْقُرْآنِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ، الثَّانِي أَحْسَنَهُمْ تِلَاوَةً لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ تَجْوِيدِ قِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيلِهَا وَقَدْ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَوْرَعُ) أَيْ الْأَكْثَرُ اجْتِنَابًا لِلشُّبُهَاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى أَنَّ الْوَرَعَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ وَالتَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَرَعَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْهِجْرَةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَمَّا انْتَسَخَتْ بَعْدَهُ أَقَمْنَا الْوَرَعَ مَقَامَهَا وَاسْتَثْنَى فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِهَا بَعْدَهُ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَكِنَّ الَّذِي نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى مِنْهُ إذَا اسْتَوَيَا فِيمَا قَبْلَهَا. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَسَنُّ) لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَلِصَاحِبٍ لَهُ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ مَنْ امْتَدَّ عُمُرُهُ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ طَاعَةً وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَنِّ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ قَوْلِهِ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا» فَعَلَى هَذَا لَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ قَرِيبًا عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي تَقْدِيمِ الْأَوْرَعِ عَلَى الْأَسَنِّ وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ وَالْآخَرُ أَوْرَعَ فَالْأَكْبَرُ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِسْقٌ ظَاهِرٌ اهـ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ إلَّا لِمُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ، وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (قَوْلُهُ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَظَرَ فِيهِ بِرِوَايَةِ الْحَاكِمِ عِوَضَ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَأَفْقَهُهُمْ فِقْهًا وَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلَوْ صَحَّ فَإِنَّمَا مُفَادُهُ أَنَّ الْأَقْرَأَ أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ فَصَارَ الْحَاصِلُ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحْكَامِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ عَلَى مَا ادَّعَى وَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا أَوَّلًا يَقْتَضِي فِي رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مُتَبَحِّرٌ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالْآخَرُ مُتَبَحِّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ وَمِنْهَا أَحْكَامُ الْكِتَابِ أَنَّ التَّقْدِمَةَ لِلثَّانِي لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ فِي الْفُرُوعِ عَكْسُهُ بَعْدَ إحْسَانِ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ، وَالتَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُفِيدُهُ حَيْثُ قَالَ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحْتَاجُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَالْقِرَاءَةَ لِرُكْنٍ وَاحِدٍ، وَثَانِيًا يَكُونُ النَّصُّ سَاكِتًا عَنْ الْحَالِ بَيْنَ مَنْ انْفَرَدَ بِالْعِلْمِ عَنْ الْأَقْرَئِيَّةِ بَعْدَ إحْسَانِ الْمَسْنُونِ وَمَنْ انْفَرَدَ بِالْأَقْرَئِيَّةِ عَنْ الْعِلْمِ لَا كَمَا ظَنَّ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَعْلَمُ مُطْلَقًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بَلْ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَقْرَئِيَّةُ وَالْأَعْلَمِيَّةُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَادَ بِلَفْظِ الْأَقْرَأِ الْأَعْلَمَ فَقَطْ أَيْ الَّذِي لَيْسَ بِأَقْرَأَ مَجَازًا فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَقْرَأَ غَيْرَ أَنَّ الْأَقْرَأَ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ إذْ ذَاكَ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ بِالْأَقْرَئِيَّةِ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْأَعْلَمِيَّةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا النَّصُّ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْحَالِ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ الْأَعْلَمُ أَوْلَى إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ حَافِظًا لِمِقْدَارِ الْوَاجِبِ أَيْضًا لِظُهُورِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَكْمِيلِ صَلَاتِهِ بَلْ حِفْظُ الْمَسْنُونِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَيْضًا اهـ. أَقُولُ: بِاعْتِرَافِهِ أَنَّ الْمَسْنُونَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَيْضًا خَرَجَ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْفَضَائِلِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْدَمُ وَرَعًا قُدِّمَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ أَعْنِي الْعِلْمَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْوَرَعَ وَالسِّنَّ وَقَدْ ذَكَرُوا أَوْصَافًا أُخَرَ فَفِي الْمُحِيطِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ قَالُوا أَحْسَنُهُمَا خُلُقًا أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَأَحْسَنُهُمَا وَجْهًا أَوْلَى وَفَسَّرَ الشُّمُنِّيُّ الْخُلُقَ بِالْإِلْفِ بَيْنَ النَّاسِ وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا بِأَكْثَرِهِمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ الْمُحْدِثِينَ، وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ صَبَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَهُ وَقُدِّمَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَسَبُ عَلَى صَبَاحَةِ الْوَجْهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَشْرَفَهُمْ نَسَبًا وَزَادَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَوْصَافًا ثَلَاثَةً أُخْرَى وَهِيَ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْبَرَهُمْ رَأْسًا وَأَصْغَرَهُمْ عُضْوًا، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْثَرُهُمْ مَالًا أَوْلَى حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُهُمْ جَاهًا أَوْلَى وَزَادَ فِي الْمِعْرَاجِ ثَانِيَ عَشَرَ وَهُوَ أَنْظَفُهُمْ ثَوْبًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسَافِرِ مَعَ الْمُقِيمِ قِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَقِيلَ الْمُقِيمُ أَوْلَى وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي رَجُلَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحَقِّيَّةِ إلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَوْ قَدَّمُوا غَيْرَ الْأَقْرَأِ مَعَ وُجُودِهِ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَسَاءُوا وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُونَ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُونَا فِي بَيْتِ شَخْصٍ أَمَّا إذَا كَانَا فِي بَيْتِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ وَيُؤَذِّنَ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا عَامَّةٌ كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيُقَدَّمُ الْوَالِي عَلَى الْجَمِيعِ وَعَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ وَصَاحِبِ الْبَيْتِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ أَوْلَى مِنْ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْلَى مِنْ الْمُعِيرِ اهـ. وَفِي تَقْدِيمِ الْمُسْتَعِيرِ نَظَرٌ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ بِخِلَافِ الْمُؤَجِّرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ إنْ كَانَتْ الْكَرَاهِيَةُ لِفَسَادٍ فِيهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. اهـ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْرِيمِيَّةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ فِي صُورَةِ الْكَرَاهَةِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا» وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ «وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ» كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ. (قَوْلُهُ وَكُرِهَ إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَالْأَعْمَى وَوَلَدِ الزِّنَا) بَيَانٌ لِلشَّيْئَيْنِ الصِّحَّةِ وَالْكَرَاهَةِ أَمَّا الصِّحَّةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ لِلصَّلَاةِ مَعَ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَمِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَكَفَى بِهِ فَاسِقًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ أَفْسَقُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِخَبِيثَاتِهَا وَجِئْنَا بِأَبِي مُحَمَّدٍ لَغَلَبْنَاهُمْ وَإِمَامَةُ عِتْبَانُ بْنِ مَالِكٍ الْأَعْمَى لِقَوْمِهِ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاسْتِخْلَافُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى عَلَى الْمَدِينَةِ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى قِلَّةِ رَغْبَةِ النَّاسِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهَؤُلَاءِ فَيُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ الْمَطْلُوبِ تَكْثِيرُهَا تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ وَالْغَالِبُ عَلَى الْأَعْرَابِ الْجَهْلُ وَالْفَاسِقُ لَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ وَالْأَعْمَى لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ وَلَيْسَ لِوَلَدِ الزِّنَا أَبٌ يُرَبِّيهِ وَيُؤَدِّبُهُ وَيُعَلِّمُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ. أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ فِي هَؤُلَاءِ وَقَيَّدَ كَرَاهَةَ إمَامَةِ الْأَعْمَى فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ، فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ فَهُوَ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ تَقْدِيمُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرِّجَالِ الصَّالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْهُ حِينَئِذٍ وَلَعَلَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ أَفْضَلَ مَنْ كَانَ يَؤُمُّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQعَنْ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ فَأَكْبَرُهُمْ رَأْسًا وَأَصْغَرُهُمْ عُضْوًا) لِيَنْظُرَ مَا الْمُرَادُ بِالْعُضْوِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ (قَوْلُهُ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ لَكِنْ بِلَا عِوَضٍ بِخِلَافِهَا وَإِذَا رَجَعَ خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ.

[إمامة العبد والأعرابي والفاسق والمبتدع والأعمى وولد الزنا]

أَيْضًا وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا إذَا كَانَ الْأَعْرَابِيُّ أَفْضَلَ الْحَاضِرِينَ كَانَ أَوْلَى وَلِهَذَا قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَرَادَ بِالْأَعْرَابِيِّ الْجَاهِلَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كَرَاهَةِ إمَامَةِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ وَوَلَدِ الزِّنَا إذَا كَانَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ فَلَا كَرَاهَةَ إذَا لَمْ يَكُونَا مُحْتَقَرَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ لِلْكَرَاهَةِ وَالْأَعْرَابِيُّ مَنْ يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا، وَأَمَّا مَنْ يَسْكُنُ الْمُدُنَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ وَفِي الْمُجْتَبَى وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ لِقَوْلِهِ فِي الْأَصْلِ إمَامَةُ غَيْرِهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ وَهَكَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَفِي الْفَتَاوَى لَوْ صَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَنَالُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ لَكِنْ لَا يَنَالُ كَمَا يَنَالُ خَلْفَ تَقِيٍّ وَرِعٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَلَمْ يَجِدْهُ الْمُخَرِّجُونَ نَعَمْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَرْفُوعًا «إنْ سَرَّكُمْ أَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ صَلَاتَكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا تَعَذَّرَ مَنْعُهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ خَلْفَهُ، وَفِي غَيْرِهَا يَنْتَقِلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمِعْرَاجِ بِأَنَّ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ يَجِدُ إمَامًا غَيْرَهُ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَلَى هَذَا فَيُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ إذَا تَعَدَّدَتْ إقَامَتُهَا فِي الْمِصْرِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ التَّحَوُّلِ حِينَئِذٍ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنْ قُلْتُ: فَمَا الْأَفْضَلِيَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ أَوْ الِانْفِرَادُ؟ قِيلَ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَاسِقِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَوْلَى لِمَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِانْفِرَادُ أَوْلَى لِجَهْلِهِمْ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ غَيْرِهِمْ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِهَؤُلَاءِ التَّقَدُّمُ وَيُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالِاقْتِدَاءُ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِمْ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ مُعْتَقٌ وَحُرٌّ أَصْلِيٌّ فَالْحُرُّ الْأَصْلِيُّ أَوْلَى بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَهُوَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ وَهِيَ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ اسْمٌ مِنْ ابْتَدَعَ الْأَمْرَ إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَحْدَثَهُ كَالرِّفْقَةِ مِنْ الِارْتِفَاقِ وَالْخِلْفَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى مَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ أَوْ نُقْصَانٌ مِنْهُ اهـ. وَعَرَّفَهَا الشُّمُنِّيُّ بِأَنَّهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ الْمُتَلَقَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ حَالٍ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَاسْتِحْسَانٍ وَجُعِلَ دِينًا قَوِيمًا وَصِرَاطًا مُسْتَقِيمًا اهـ. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُبْتَدِعِ فَشَمِلَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ هُوَ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُجْتَبَى وَغَيْرِهَا بِأَنْ لَا تَكُونَ بِدْعَتُهُ تُكَفِّرُهُ، فَإِنْ كَانَتْ تُكَفِّرُهُ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ لَا تَجُوزُ وَعِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ هَكَذَا وَفِي الْأَصْلِ الِاقْتِدَاءُ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ جَائِزٌ إلَّا الْجَهْمِيَّةَ وَالْقَدَرِيَّةَ وَالرَّوَافِضَ الْغَالِي وَمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَالْخَطَّابِيَّةَ وَالْمُشَبِّهَةَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا وَلَمْ يَغْلُ فِي هَوَاهُ حَتَّى يُحْكَمَ بِكُفْرِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَتُكْرَهُ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يُنْكِرُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يُنْكِرُ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ أَوْ يُنْكِرُ الرُّؤْيَةَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُرَى لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَالْمُشَبِّهُ إنْ قَالَ إنَّ لِلَّهِ يَدًا أَوْ رِجْلًا كَمَا لِلْعِبَادِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَالرَّافِضِيُّ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ أَنْكَرَ الْإِسْرَاءَ مِنْ مَكَّةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ أَنْكَرَ الْمِعْرَاجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ اهـ. وَأَلْحَقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عُمَرَ بِالصِّدِّيقِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ بِإِنْكَارِ الْخِلَافَةِ إنْكَارُ اسْتِحْقَاقِهِمَا الْخِلَافَةَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا إنْكَارُ وُجُودِهَا لَهُمَا وَعَلَّلَ لِعَدَمِ كُفْرِهِ فِي قَوْلِهِ لَا كَالْأَجْسَامِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إطْلَاقُ لَفْظِ الْجِسْمِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُوهِمٌ لِلنَّقْصِ فَرَفَعَهُ بِقَوْلِهِ لَا كَالْأَجْسَامِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ تَنْهَضُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْإِيهَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَهُ عَلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ [إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَالْأَعْمَى وَوَلَدِ الزِّنَا] (قَوْلُهُ وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا إلَخْ) وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ إلَخْ قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ غَلَبَةُ الْجَهْلِ فِيهِمْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ هَؤُلَاءِ تَنْفِيرَ الْجَمَاعَةِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ الْكَرَاهَةُ فِيمَنْ سِوَى الْفَاسِقِ لِلتَّنْفِيرِ وَالْجَهْلِ ظَاهِرٌ وَفِي الْفَاسِقِ أَوْلَى لِظُهُورِ تَسَاهُلِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عِلَّتَانِ وَمُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْجَهْلِ لَكِنْ وَرَدَ فِي الْأَعْمَى نَصٌّ خَاصٌّ وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِإِطْلَاقِهِمْ وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَعْمَى. (قَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَعْرَابِيُّ وَوَلَدُ الزِّنَا وَالْأَعْمَى فَالْكَرَاهَةُ فِيهِمْ دُونَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا هُنَا أَوْجَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ الْغَالِي) الَّذِي فِي الْفَتْحِ الْغَالِيَةُ

التَّشْبِيهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَقِيلَ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ الْإِطْلَاقِ أَيْضًا وَهُوَ حَسَنٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّكْفِيرِ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْفُرُ فِي لَفْظَيْنِ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ هُوَ جِسْمٌ، وَيَصِيرُ مُبْتَدِعًا فِي الثَّالِثِ هُوَ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِكُفْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ عَدَمِ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ كُلِّهِمْ مَحْمَلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَقَدَ نَفْسَهُ كُفْرٌ فَالْقَائِلُ بِهِ قَائِلٌ بِمَا هُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ قَوْلِهِ ذَلِكَ عَنْ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ لَكِنَّ جَزْمَهُمْ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ لَا يُصَحِّحُ هَذَا الْجَمْعَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ خَلْفَهُمْ عَدَمُ الْحِلِّ أَيْ عَدَمُ حِلِّ أَنْ يَفْعَلَ وَهُوَ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. بِخِلَافِ مُطْلَقِ اسْمِ الْجِسْمِ مَعَ التَّشْبِيهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِاخْتِيَارِهِ إطْلَاقَ مَا هُوَ مُوهِمٌ لِلنَّقْصِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَلَوْ نَفَى التَّشْبِيهَ لَمْ يَبْقَى مِنْهُ إلَّا التَّسَاهُلُ وَالِاسْتِخْفَافُ بِذَلِكَ اهـ. وَهَكَذَا اسْتَشْكَلَ هَذِهِ الْفُرُوعَ مَعَ مَا صَحَّ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُحَقِّقُ سَعْدٍ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، وَفِيمَا أَجَابَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ فِيمَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَنَحْوَهَا بِأَنَّهُ كَافِرٌ يَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ فَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي بَابِ الْبُغَاةِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمَنْقُولَةَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ التَّكْفِيرِ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ عَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا حَتَّى لَمْ يَحْكُمُوا بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَسَبَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِهِ عَنْ تَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ اهـ. وَذُكِرَ فِي الْمُسَايَرَةِ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِجَهْمٍ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ حَمْلًا عَلَى التَّشْبِيهِ وَهُوَ مُخْتَارُ الرَّازِيّ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِهَا لِلْكَمَالِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ أَنَّ عَدَمَ تَكْفِيرِهِمْ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَشْيَاءَ ضَلَّلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَصَارُوا فِرَقًا مُتَبَايَنِينَ إلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجْمَعُهُمْ وَيَعُمُّهُمْ اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ جَزَمَ بِحِكَايَتِهِ عَنْهُ الْحَاكِمُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ الْمُنْتَقَى وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَكْفِيرِ أَحَدٍ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الْمَنْقُولَةَ مِنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا بِصَرِيحِ التَّكْفِيرِ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ تَفْرِيعَاتِ الْمَشَايِخِ كَأَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْفَتَاوَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ. وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ مَحْمَلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَقَدَ نَفْسَهُ كُفْرٌ إلَخْ) قَالَ الْحَلَبِيُّ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْقُولُ عَلَى مَا عَدَا غُلَاةَ الرَّوَافِضِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ فَإِنَّ أَمْثَالَهُمْ لَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ بَذْلُ وُسْعٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْإِلَهُ أَوْ بِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَلِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّخْفِ إنَّمَا هُوَ مُبْتَدَعٌ بِمَحْضٍ الْهَوَى وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ قَالَ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] فَلَا يَتَأَتَّى مِنْ مِثْلِ الْإِمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَنْ لَا يَحْكُمَا بِأَنَّهُمْ مِنْ أَكْفَرِ الْكَفَرَةِ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُمَا فِي مِثْلِ مَنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كُفْرًا كَمُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ فِي الْكَلَامِ وَكَمُنْكِرِ خِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ وَالسَّابِّ لَهُمَا فَإِنَّ فِيهِ إنْكَارَ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ بِاتِّهَامِهِمْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةَ الْبُطْلَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ فَبِسَبَبِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَدَّى إلَيْهَا اجْتِهَادُهُمْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِمْ مَعَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ كُفْرٌ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْغُلَاةِ فَتَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَيْفَ يَرُدُّهُ مَعَ إمْكَانِ حَمْلِ كَافِرٍ عَلَى مَعْنَى قَائِلٍ بِمَا هُوَ كُفْرٌ وَلَا يُنْكِرُ أَنَّهُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ خِلَافِ ظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذِهِ الْمَقَالَةُ رَدَّهَا الْبَزَّازِيُّ فِي الْفَتَاوَى بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ فَرَاجِعْهُ. اهـ. قُلْتُ: وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا سَلَفَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِكَذَا، وَكَذَا فَذَلِكَ لِلتَّخْوِيفِ وَالتَّهْوِيلِ لَا لِحَقِيقَةِ الْكُفْرِ وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ وَحَاشَا أَنْ يَلْعَبَ أُمَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي عُلَمَاءَ الْأَحْكَامِ بِالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ بَلْ لَا يَقُولُونَ إلَّا الْحَقَّ الثَّابِتَ عَنْ سَيِّدِ الْأَنَامِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ أَوْ شَرَعَهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ الْعِظَامِ أَوْ قَالَهُ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَاَلَّذِي حَرَّرْته هُوَ مُخْتَارُ مَشَايِخِي الشَّافِينَ لِدَاءِ النِّغَامِ بَوَّأَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ دَارَ السَّلَامِ وَكُلَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّهْرِ وَالْأَيَّامِ مَا بَقِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ اهـ. حَرَّرَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ أَفَنْدِي أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ بِمَا نُقِلَ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ مِنْ عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِالذَّنْبِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ تَأَمَّلْ.

[جماعة النساء في الصلاة]

أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِبِدْعَةٍ كَمُنْكِرِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ أَفْعَالَ عِبَادِهِ وَجَوَازِ رُؤْيَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنَّا مَنْ كَفَّرَهُمْ أَمَّا مَنْ خَرَجَ بِبِدْعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَمُنْكِرِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ لِلْأَجْسَامِ وَالْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ فَلَا نِزَاعَ فِي كُفْرِهِمْ لِإِنْكَارِهِمْ بَعْضَ مَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ ضَرُورَةً اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ يُمْنَعُ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَخُوضُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَيُنَاظِرُ صَاحِبَ الْأَهْوَاءِ وَحَمَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِالْمُنَاظَرَةِ أَنْ يُزِلَّ صَاحِبَهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ بِهِ إلَى الْحَقِّ وَهِدَايَةَ الْخَلْقِ فَهُوَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَيَنْدَفِعُ الْبَلَاء عَنْ الْخَلْقِ بِهِدَايَتِهِ وَاهْتِدَائِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ الشَّافِعِيَّةِ فَحَاصِلُ مَا فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مُرَاعِيًا لِلشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ عِنْدَنَا فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ أَصْلًا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْوِتْرِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلشَّافِعِيَّةِ بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ مُخَالِفٍ لِلْمَذْهَبِ كَذَلِكَ. (قَوْله وَتَطْوِيلُ الصَّلَاةِ) أَيْ وَكُرِهَ لِلْإِمَامِ تَطْوِيلُهَا لِلْحَدِيثِ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» وَاسْتَثْنَى الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهَا التَّطْوِيلُ حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ وَأَرَادَ بِالتَّطْوِيلِ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فَيَقْرَأُ يَسِيرًا فِي الْفَجْرِ كَغَيْرِهَا، وَفِي الْمُضْمَرَاتِ شَرْحُ الْقُدُورِيِّ أَيْ لَا يَزِيدُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَلَا يُثْقِلُ عَلَى الْقَوْمِ وَلَكِنْ يُخَفِّفُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّمَامِ وَالِاسْتِحْبَابِ اهـ. وَذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثًا وَعَلَّلَ لَهُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ التَّطْوِيلِ وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ هِيَ الْمَسْنُونَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ مَا نَهَى عَنْهُ غَيْرَ مَا كَانَ دَأْبُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْفَجْرِ فَلَمَّا فَرَغَ قِيلَ لَهُ أَوْجَزْت قَالَ سَمِعْت بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيت أَنْ تَفْتَتِنُ أُمُّهُ» وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَجِّلَهُمْ عَنْ إكْمَالِ السُّنَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِلْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ إلَّا لِصَارِفٍ وَلِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْغَيْرِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْقَوْمُ يُحْصَوْنَ أَوْ لَا رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَأَطْلَقَ فِي التَّطْوِيلِ فَشَمِلَ إطَالَةَ الْقِرَاءَةِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ الْأَدْعِيَةِ وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يُطِيلُ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي إذَا لَمْ يَعْرِفْهُ، فَإِنْ عَرَفَهُ فَلَا وَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ شِرْكٌ أَيْ رِيَاءٌ. (قَوْلُهُ وَجَمَاعَةُ النِّسَاءِ) أَيْ وَكُرِهَ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ وَهُوَ قِيَامُ الْإِمَامِ وَسَطَ الصَّفِّ فَيُكْرَهُ كَالْعُرَاةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ لِلْمُوَاظَبَةِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ مُوجِبٌ لِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِثْمِ وَيَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فِي جَمَاعَةِ الْعُرَاةِ بِالْأَوْلَى وَاسْتَثْنَى الشَّارِحُونَ جَمَاعَتَهُنَّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ مَكْرُوهٌ فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ لِفِعْلِ الْفَرْضِ أَوْ تَرْكِ الْفَرْضِ لِتَرْكِهِ فَوَجَبَ الْأَوَّلُ بِخِلَافِ جَمَاعَتِهِنَّ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ صَلَّيْنَ فُرَادَى فَقَدْ تَسْبِقُ إحْدَاهُنَّ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْبَاقِيَاتِ نَفْلًا وَالتَّنَفُّلُ بِهَا مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ فَرَاغُ تِلْكَ مُوجِبًا لِفَسَادِ الْفَرِيضَةِ لِصَلَاةِ الْبَاقِيَاتِ كَتَقْيِيدِ الْخَامِسَةِ بِالسَّجْدَةِ لِمَنْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ وَأَفَادَ أَنَّ إمَامَةَ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ صَحِيحَةٌ وَاسْتَثْنَى فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَسْأَلَةً وَهِيَ مَا لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَخَلْفَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَسَدَتْ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْإِمَامِ وَالْمُقَدَّمَةِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ أَمَّا فَسَادُ صَلَاةِ الرِّجَالِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فَسَادُ صَلَاةِ النِّسَاءِ فَلِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي تَحْرِيمَةٍ كَامِلَةٍ فَإِذَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُكْرَهُ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْمُجْتَبَى هَكَذَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ الشَّافِعِيَّةِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَمِيلُ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْ الْمَنِيَّ الَّذِي أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِلَّا فَيَجُوزُ وَقِيلَ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْمُحَقِّقُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ وَالرَّمْلِيُّ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالتَّطْوِيلِ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ (قَوْلُهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ) جَزَمَ بِهِ فِي النَّهْرِ، وَقَالَ وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةَ عَلَى مَا يَعُمُّ التَّحْرِيمَ وَالتَّنْزِيهَ فِيهِ مُؤَاخَذَةٌ ظَاهِرَةٌ (قَوْلُهُ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ أَوْ لَا) الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ لَا سِيَّمَا التَّحْرِيمِيَّةُ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ وَكَيْفَ يُقَالُ بِالْإِطْلَاقِ وَالْحُكْمُ مُشَارٌ فِي الْحَدِيثِ إلَى تَعْلِيلِهِ بِمَا يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ. [جَمَاعَةُ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ فَيُكْرَهُ كَالْعُرَاةِ) أَيْ فَتُكْرَهُ جَمَاعَتُهُنَّ كَجَمَاعَةِ الْعُرَاةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ) أَيْ لِأَنَّ جَمَاعَتَهُنَّ فَرِيضَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِفِعْلِ الْفَرْضِ، وَأَطْلَقَ الْفَرْضَ عَلَى الْوَاجِبِ لِقَوْلِهِ فَوَجَبَ الْأَوَّلُ أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَوَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ وَلَزِمَ لَمَّا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمَحْذُورَيْنِ ثَبَتَ وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَهُوَ جَمَاعَتُهُنَّ هَذَا وَلَا يَخْفَى مَا فِي تَسْمِيَةِ جَمَاعَتِهِنَّ بِالْفَرْضِ مِنْ الْبُعْدِ، وَكَذَا بِالْوَاجِبِ لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِيهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ

انْتَقَلُوا إلَى تَحْرِيمَةٍ نَاقِصَةٍ لَمْ يَجُزْ كَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ آخَرَ (قَوْلُهُ فَإِنْ فَعَلْنَ تَقِفُ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ كَالْعُرَاةِ) لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَعَلَتْ كَذَلِكَ وَحُمِلَ فِعْلُهَا الْجَمَاعَةَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ زِيَادَةَ الْكَشْفِ وَأَرَادَ بِالتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ تَقِفُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَوْ تَقَدَّمَتْ أَثِمَتْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ فَإِذَا تَوَسَّطَتْ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ وَإِنَّمَا أَرْشَدُوا إلَى التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهِيَةً مِنْ التَّقَدُّمِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا عِنْدَنَا لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ عَدَمُ التَّأَخُّرِ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ الْإِمَامُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَفِي الْوَاوِ مَعَ السِّينِ الْوَسَطُ بِالتَّحْرِيكِ اسْمٌ لِعَيْنِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الشَّيْءِ كَمَرْكَزِ الدَّائِرَةِ، وَبِالسُّكُونِ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِدَاخِلِ الدَّائِرَةِ مَثَلًا وَلِذَلِكَ كَانَ ظَرْفًا فَالْأَوَّلُ يُجْعَلُ مُبْتَدَأً وَفَاعِلًا وَمَفْعُولًا بِهِ وَدَاخِلًا عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرِّ وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الثَّانِي تَقُولُ وَسَطُهُ خَيْرٌ مِنْ طَرَفِهِ وَاتَّسَعَ وَسَطُهُ وَضَرَبْت وَسَطَهُ وَجَلَسْت فِي وَسَطِ الدَّارِ، وَجَلَسْت وَسْطَهَا بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ، وَيُوصَفُ بِالْأَوَّلِ مُسْتَوِيًا فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتَيْنِ وَسَطًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ أَعْتِقَ عَبْدَيْنِ وَسَطًا، وَقَدْ بُنِيَ مِنْهُ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَقِيلَ لِلذَّكَرِ الْأَوْسَطُ وَلِلْمُؤَنَّثِ الْوُسْطَى قَالَ تَعَالَى {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] يَعْنِي الْمُتَوَسِّطَ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ، وَقَدْ أَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ وَهُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ إطْعَامٍ أَوْ كِسْوَتِهِمْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى الْعَصْرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ. وَضَبَطُهُ هُنَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِسُكُونِ السِّينِ لَا غَيْرُ، وَفِي الصِّحَاحِ كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسْطٌ بِالتَّسْكِينِ كَجَلَسْتُ وَسْطَ الْقَوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فِيهِ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ كَجَلَسْتُ وَسَطَ الدَّارِ وَرُبَّمَا سُكِّنَ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ اهـ. وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْوَسْطُ بِالسُّكُونِ ظَرْفُ مَكَان وَبِفَتْحِ السِّينِ اسْمٌ تَقُولُ وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ بِسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِ الطَّاءِ فَهَذَا ظَرْفٌ وَإِذَا فَتَحْت السِّينَ رَفَعْت الطَّاءَ وَقُلْتُ: وَسَطُ رَأْسِهِ دُهْنٌ فَهَذَا اسْمٌ اهـ. وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالتَّشْبِيهُ بِالْعُرَاةِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْإِفْرَادِ وَأَفْضَلِيَّةِ قِيَامِ الْإِمَامِ وَسَطَهُنَّ، وَأَمَّا الْعُرَاةُ فَيُصَلُّونَ قُعُودًا وَهُوَ أَفْضَلُ وَالنِّسَاءُ قَائِمَاتٍ، وَفِي الْخُلَاصَةِ يُصَلُّونَ قُعُودًا بِإِيمَاءٍ، وَإِنْ صَلَّوْا بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِجَمَاعَةٍ أَجْزَأَهُمْ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ فِي بَيْتٍ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ وَلَا مَحْرَمٌ مِنْهُ مِثْلَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَأُخْتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَلَا يُكْرَهُ وَكَذَلِكَ إذَا أَمَّهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ وَإِطْلَاقُ الْمَحْرَمِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ تَغْلِيبٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ. (قَوْلُهُ وَيَقِفُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِهِ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى بِهِ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي مُحَاذَاةِ الْيَمِينِ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِمَا عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَجْعَلُ أُصْبُعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ وَأَفَادَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ يَعْنِي اتِّفَاقًا، وَلَوْ وَقَفَ خَلْفَهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا الْكَرَاهَةُ، وَأَطْلَقَ فِي الْوَاحِدِ فَشَمِلَ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالتَّشْبِيه إلَخْ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ وُقُوفَهُ وَسْطَهُمْ وَاجِبٌ كَالنِّسَاءِ لِأَنَّهُ شَبَّهَ صَلَاتَهُمْ وَقِيَامَ إمَامِهِمْ بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ عَلَّلَ قَبْلَهُ كَرَاهَةَ جَمَاعَتِهِنَّ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ جَمَاعَتَهُنَّ لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ زِيَادَةَ كَشْفٍ وَفِي التَّوَسُّطِ تَرْكَ الْمَقَامِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَصَدْرُ عِبَارَتِهِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ كَالْعُرَاةِ فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَلَا يَقَعُ بَصَرُ بَعْضِهِمْ عَلَى عَوْرَةِ الْبَعْضِ لِأَنَّ السَّتْرَ يَحْصُلُ بِهِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى لِإِمَامِهِمْ إذَا أَمَّهُمْ أَنْ يَقُومَ وَسْطَهُمْ وَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ جَازَ وَحَالُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَحَالِ النِّسَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطَيْنِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُصَلُّونَ بِالْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُمْ يَتَوَصَّلُونَ إلَى إقَامَتِهَا مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَكْرُوهٍ بِأَنْ يُقَدِّمُوا إمَامَهُمْ وَيَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ قُلْنَا غَضُّ الْبَصَرِ مَكْرُوهٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ كَقِيَامِ الْإِمَامِ وَسْطَ الصَّفِّ فَصَحَّ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَصَّلُونَ إلَى إقَامَتِهَا بِدُونِ ارْتِكَابِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ فَتَرْكُ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهِ فَعُلِمَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ التَّشْبِيهَ إلَخْ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ بَلْ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْإِفْرَادِ إلَخْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَالْإِفْرَادُ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ بَلْ الْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ الْوُجُوبُ، وَكَذَا قَوْلُ الْمَبْسُوطَيْنِ أَوْلَى لِقَوْلِهِمَا: وَحَالُهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَحَالِ النِّسَاءِ تَأَمَّلْ. وَفِي النَّهْرِ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيمَاءٌ إلَى كَرَاهَةِ جَمَاعَةِ الْعُرَاةِ أَيْضًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِاتِّحَادِ اللَّازِمِ وَهُوَ إمَّا تَرْكُ وَاجِبِ التَّقَدُّمِ أَوْ زِيَادَةُ الْكَشْفِ كَذَا فِي الْفَتْحِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَوْلَى لِإِمَامِ الْعُرَاةِ أَنْ يَقِفَ وَسْطَهُمْ، وَمُقْتَضَى مَا فِي الْفَتْحِ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمًا بِالْأُولَى وَهُوَ أَوْلَى اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأُولَى فِي كَلَامِ السِّرَاجِ وَالْخُلَاصَةِ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْمَبْسُوطَيْنِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْمَحْرَمِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ تَغْلِيبٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الزَّوْجَ مَحْرَمٌ مُسْتَنِدًا لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَحْرَمُ الزَّوْجُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[وقوف المأمومين في الصلاة خلف الإمام]

لَا تَكُونُ إلَّا خَلْفَهُ فَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا، وَإِنْ كَانَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ أَقَامَ الرَّجُلَيْنِ خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ الرَّجُلَيْنِ «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَالْيَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا» وَهُوَ دَلِيلُ الْأَفْضَلِيَّةِ وَمَا وَرَدَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ تَوَسَّطَهُمَا فَهُوَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلَانِ فَإِمَامُهُمْ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَقَدَّمَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَّا أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى مَيْمَنَةِ الصَّفِّ أَوْ عَلَى مَيْسَرَتِهِ أَوْ قَامَ فِي وَسَطِ الصَّفِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُكْرَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَمَا فِي النُّقَايَةِ لَكَانَ أَوْلَى وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ لِشُمُولِ الزَّائِدِ الِاثْنَيْنِ وَالْأَكْثَرَ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَجَاءَ ثَالِثٌ وَجَذَبَ الْمُؤْتَمَّ إلَى نَفْسِهِ بَعْدَ مَا كَبَّرَ الثَّالِثُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْقَدَمِ لَا لِلرَّأْسِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْصَرَ مِنْ الْمُقْتَدِي تَقَعُ رَأْسُ الْمُقْتَدِي قُدَّامَ الْإِمَامِ يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا بِقَدَمِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا وَكَذَا فِي مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَقْدَامُ صِغَرًا وَكِبَرًا فَالْعِبْرَةُ بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ وَالْأَصَحُّ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَكْثَرُ قَدَمِ الْمُقْتَدِي لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ جَاءَ وَالصَّفُّ مُتَّصِلٌ انْتَظَرَ حَتَّى يَجِيءَ الْآخَرُ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ جَذَبَ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْذِيهِ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ خَلْفَ الصُّفُوفِ جَازَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَامَ خَلْفَ الصَّفِّ فَدَبَّ رَاكِعًا حَتَّى الْتَحَقَ بِالصَّفِّ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَا أَبَا بَكْرَةَ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا فِي الدِّينِ» ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ أَوَّلًا ثُمَّ يَجْذِبُهُ، وَلَوْ جَذَبَهُ أَوَّلًا فَتَأَخَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ هُوَ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الَّذِي تَأَخَّرَ ذَكَرَهُ الزَّنْدَوَسْتِيُّ فِي نَظْمِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا إجَابَةٌ بِالْفِعْلِ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِجَابَةِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ أَجَابَ بِالْقَوْلِ فَسَدَتْ كَمَا إذَا أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْقِيَامُ وَحْدَهُ أَوْلَى فِي زَمَانِنَا لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَى الْعَوَامّ. (قَوْلُهُ وَيَصُفُّ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» وَلِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ مُفْسِدَةٌ فَيُؤَخَّرُونَ، وَلِيَلِنِي أَمْرُ الْغَائِبِ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَالْأَحْلَامُ جَمْعُ حُلْمٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ أُرِيدَ بِهِ الْبَالِغُونَ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْحُلُمَ سَبَبُ الْبُلُوغِ، وَالنُّهَى جَمْعُ نُهْيَةٍ وَهِيَ الْعَقْلُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَنَاثَى كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ لِنُدْرَةِ وُجُودِهِ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ يَقُومُ الرِّجَالُ صَفًّا مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ثُمَّ الصِّبْيَانُ بَعْدَهُمْ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ الْإِنَاثُ ثُمَّ الصَّبِيَّاتُ الْمُرَاهِقَاتُ، وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. قِيلَ وَلَيْسَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ بِحَاصِرٍ لِجُمْلَةِ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فَإِنَّهَا تَنْتَهِي إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا وَالتَّرْتِيبُ الْحَاصِرُ لَهَا أَنْ يُقَدَّمَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ، ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ، ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ، ثُمَّ الْحَرَائِرُ الْكِبَارُ، ثُمَّ الْحَرَائِرُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْإِمَاءُ الْكِبَارُ، ثُمَّ الْإِمَاءُ الصِّغَارُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مُتُونًا وَشُرُوحًا تَقْدِيمُ الرِّجَالِ عَلَى الصِّبْيَانِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا فَإِنَّ الصَّبِيَّ الْحُرَّ وَإِنْ كَانَ لَهُ شَرَفُ الْحُرِّيَّةِ لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا قُرْبُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ نَعَمْ يُقَدَّمُ الْبَالِغُ الْحُرُّ عَلَى الْبَالِغِ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيُّ الْحُرُّ عَلَى الصَّبِيِّ الْعَبْدِ وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْأَمَةِ الْبَالِغَةِ وَالصَّبِيَّةُ الْحُرَّةُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الْأَمَةِ لِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَلَمْ أَرَ صَرِيحًا حُكْمَ مَا إذَا صَلَّى وَمَعَهُ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ وَالِاثْنَانِ خَلْفَهُ وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ وَيَكُونَانِ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ قَالَ فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الصَّبِيَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مُنْفَرِدًا عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [وُقُوف الْمَأْمُومِينَ فِي الصَّلَاة خَلْف الْإِمَام] (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُكْرَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي تَوَسُّطِهِ الصَّفَّ تَنْزِيهِيَّةٌ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْلَى فَيَنْبَغِي وَاَلَّذِي فِي النَّهْرِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ قَالَ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي وَجْهِ كَرَاهَةِ إمَامَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ وَهُوَ قِيَامُ الْإِمَامِ وَسْطَ الصَّفِّ (قَوْلُهُ وَالزَّائِدُ خَلْفَهُ) هُوَ الَّذِي فِي النُّقَايَةِ وَقَوْلُهُ لِشُمُولِ الزَّائِدِ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْأَوْلَوِيَّةِ وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقَدُّمُهُ عَلَى مَا زَادَ بِالْأَوْلَى اهـ. وَهُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا بِقَدَمِهِ أَوْ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا) أَقُولُ: أَفْرَدَ الْقَدَمَ فَأَفَادَ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ تُعْتَبَرُ بِوَاحِدَةٍ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَمِدًا عَلَى قَدَمٍ وَاحِدَةٍ فَالْعِبْرَةُ لَهَا وَلَوْ اعْتَمَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُحَاذِيَةً وَالْأُخْرَى مُتَأَخِّرَةً فَلَا كَلَامَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْأُخْرَى مُتَقَدِّمَةً فَهَلْ يَصِحُّ نَظَرًا لِلْمُحَاذِيَةِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْمُتَقَدِّمَةِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَقَدْ رَأَيْت فِيهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافَ تَرْجِيحٍ. (قَوْلُهُ لِيَلِنِي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ

صَفِّ الرِّجَالِ بَلْ يَدْخُلُ فِي صَفِّهِمْ وَأَنَّ مَحَلَّ هَذَا التَّرْتِيبِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ حُضُورِ جَمْعٍ مِنْ الرِّجَالِ وَجَمْعٍ مِنْ الصِّبْيَانِ فَحِينَئِذٍ تُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا تَتَأَخَّرُ عَنْ الصُّفُوفِ كَجَمَاعَتِهِنَّ، وَيَنْبَغِي لِلْقَوْمِ إذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَتَرَاصُّوا وَيَسُدُّوا الْخَلَلَ وَيُسَوُّوا بَيْنَ مَنَاكِبِهِمْ فِي الصُّفُوفِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْمِلُوا مَا يَلِي الْإِمَامَ مِنْ الصُّفُوفِ، ثُمَّ مَا يَلِي مَا يَلِيهِ وَهَلُمَّ جَرًّا وَإِذَا اسْتَوَى جَانِبَا الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَقُومُ الْجَائِي عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ الْيَمِينُ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَنْ يَسَارِهِ وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً سَدَّهَا وَإِلَّا فَيَنْتَظِرُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أُقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَدَّ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ غُفِرَ لَهُ» . وَفِي أَبِي دَاوُد عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» وَبِهَذَا يُعْلَمُ جَهْلُ مَنْ يَسْتَمْسِكُ عِنْدَ دُخُولِ دَاخِلٍ بِجَنْبِهِ فِي الصَّفِّ وَيَظُنُّ أَنَّ فَسْحَهُ لَهُ رِيَاءٌ بِسَبَبِ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهِ بَلْ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ وَإِقَامَةٌ لِسَدِّ الْفُرُجَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الصَّفِّ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ اهـ وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْقِيَامُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي، وَفِي الثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الثَّالِثِ هَكَذَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْزَلَ الرَّحْمَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُنْزِلُهَا أَوَّلًا عَلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ تَتَجَاوَزُ عَنْهُ إلَى مَنْ بِحِذَائِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إلَى الْمَيَامِنِ، ثُمَّ إلَى الْمَيَاسِرِ، ثُمَّ إلَى الصَّفِّ الثَّانِي وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «يُكْتَبُ لِلَّذِي خَلْفَ الْإِمَامِ بِحِذَائِهِ مِائَةُ صَلَاةٍ وَلِلَّذِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ صَلَاةً وَلِلَّذِي فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ خَمْسُونَ صَلَاةً وَلِلَّذِي فِي سَائِرِ الصُّفُوفِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً» . وَجَدَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فُرْجَةً دُونَ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيَخْرِقَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ لِتَقْصِيرِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَسُدُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ حَاذَتْهُ مُشْتَهَاةٌ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً فِي مَكَان مُتَّحِدٍ بِلَا حَائِلٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ إنْ نَوَى إمَامَتَهَا) بَيَانٌ لِفَائِدَةِ تَأْخِيرِهَا وَلِحُكْمِ مُحَاذَاتِهَا لِلرَّجُلِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسُدَ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا وَبِمُحَاذَاةِ الْأَمْرَدِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ السَّابِقُ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْعَجُوزَ خَلْفَ الصَّفِّ» ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُحَاذَاةَ مُفْسِدَةٌ مَا تَأَخَّرَتْ الْعَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ خَلْفَ الصَّفِّ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا وَمُفْسِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَالْحَنَفِيَّةُ يَذْكُرُونَهُ مَرْفُوعًا وَالْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ مَنَعَ رَفْعَهُ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يُفِيدُ افْتِرَاضَ تَأَخُّرِهِنَّ عَنْ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ آحَادًا وَقَعَ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا بِالتَّأَخُّرِ بَعْدَمَا دَخَلَتْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQيَجُوزُ إثْبَاتُ الْيَاءِ مَعَ فَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَحَذْفُ الْيَاءِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَانْظُرْ لِمَا كَتَبْنَا فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى الْعَيْنِيِّ. (قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ غَيْرَهُ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ لِمَا قَدْ عَلِمْت اهـ. قُلْتُ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي كِتَابِهِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَالَ لَمْ أَرَهَا الْآنَ لِأَصْحَابِنَا وَنَقَلَ فُرُوعًا عَنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْهِبَةِ مِنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ مَعَهُ دَرَاهِمُ فَأَرَادَ أَنْ يُؤْثِرَ الْفُقَرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى الشِّدَّةِ فَالْإِيثَارُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْضَلُ اهـ. وَفِي حَاشِيَتِهَا لِلسَّيِّدِ الْحَمَوِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ نَقْلًا عَنْ النِّصَابِ وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ بِالدُّخُولِ إلَى الْمَسْجِدِ مَكَانَهُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْلُ عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ اهـ. قَالَ فَهَذَا مُفِيدٌ لِجَوَازِ الْإِيثَارِ فِي الْقُرْبِ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ. (قَوْلُهُ وَالْحَنَفِيَّةُ يَذْكُرُونَهُ مَرْفُوعًا إلَخْ) قَالَ الْبَلْبَانِيُّ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَعَزَاهُ إلَى كِتَابِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَإِنَّمَا عَزَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ سَنَدٌ بِالْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ أَشَارَ فِي كِتَابِهِ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ فِي أُصُولِهِ الَّتِي سَمِعَهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ مَذْكُورٌ فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْمُصَنَّفَةِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي بَعْضِ مَا تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْمُوَفَّقُ بْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ اسْتِدْلَالَ عَامَّةِ الْفُحُولِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَالْعُدُولِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفُقَهَائِنَا مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِي الْمُخَالِفِينَ عَلَى رَدِّ مِثْلِهِ يَرْفَعُ وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّمُ ضَعْفَهُ كَيْفَ وَإِطْلَاقُهُمْ الْقَوْلَ بِشُهْرَتِهِ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ انْقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ طَرِيقُ سَنَدِهِ كَمَا فِي مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ مِنْ النُّصُوصِ اهـ.

الصَّلَاةِ وَنَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا فَقَدْ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا أَشَارَ إلَيْهَا بِالتَّأَخُّرِ فَلَمْ تَتَأَخَّرْ تَرَكَتْ حِينَئِذٍ فَرْضَ الْمَقَامِ فَبَطَلَتْ صَلَاتُهَا دُونَهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّقَدُّمُ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَهَذَا فِي مُحَاذَاةِ غَيْرِ الْإِمَامِ، أَمَّا فِي مُحَاذَاةِ إمَامِهَا فَصَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي الْبَيْتِ إنْ كَانَ قَدَمُهَا بِحِذَاءِ قَدَمِ الزَّوْجِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمَا بِالْجَمَاعَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ إذَا حَاذَتْ إمَامَهَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَأَمَّا مُحَاذَاةُ الْأَمْرَدِ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ صَرَّحَ الْكُلُّ بِعَدَمِ الْفَسَادِ إلَّا مَنْ شَذَّ وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلَا فِي الدِّرَايَةِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرُ مَعْلُولٍ بِعُرُوضِ الشَّهْوَةِ بَلْ هُوَ لِتَرْكِ فَرْضِ الْمَقَامِ وَلَيْسَ هَذَا فِي الصَّبِيِّ وَمَنْ تَسَاهَلَ فَعَلَّلَ بِهِ صَرَّحَ بِنَفْيِهِ فِي الصَّبِيِّ مُدَّعِيًا عَدَمَ اشْتِهَائِهِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَدَ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ عَوْرَةٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ الَّذِي يُلْحِقُهُ بِالْمَرْأَةِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُحَاذَاةِ السَّاقُ وَالْكَعْبُ فِي الْأَصَحِّ وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْقَدَمَ اهـ. وَهُوَ قَاصِرُ الْإِفَادَةِ فَإِنَّهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تُفْسِدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةٍ إذَا وَقَفَتْ فِي الصَّفِّ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَمَنْ عَنْ يَسَارِهَا وَمَنْ خَلْفَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيمَنْ خَلْفَهَا فَالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ لِلْمُحَاذَاةِ مَا فِي الْمُجْتَبَى وَالْمُحَاذَاةُ الْمُفْسِدَةُ أَنْ تَقُومَ بِجَنْبِ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ أَوْ قُدَّامَهُ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مُمَاسَّةَ بَدَنِهَا لِبَدَنِهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بَلْ أَنْ تَكُونَ عَنْ جَنْبِهِ بِلَا حَائِلٍ وَلَا فُرْجَةٍ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْحَائِلِ وَالْفُرْجَةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى الدُّكَّانِ دُونَ الْقَامَةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ الْمُحَاذَاةِ لِبَعْضِ بَدَنِهَا لِكَوْنِهَا عَنْ جَنْبِهِ وَلَيْسَ هُنَا مُحَاذَاةٌ بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ وَلَا بِالْقَدَمِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ فِي بَيْتِهَا مَعَ زَوْجِهَا إنْ كَانَتْ قَدَمَاهَا خَلْفَ قَدَمِ الزَّوْجِ إلَّا أَنَّهَا طَوِيلَةٌ يَقَعُ رَأْسُهَا فِي السُّجُودِ قِبَلَ رَأْسِ الْإِمَامِ جَازَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقَدَمِ اهـ. وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ: وَحَدُّ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوٌ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الظُّلَّةِ وَالرَّجُلُ بِحِذَائِهَا أَسْفَلَ مِنْهَا أَوْ خَلْفَهَا إنْ كَانَ يُحَاذِي الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَقَيَّدَ بِالْمُشْتَهَاةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُشْتَهَاةِ لَا تُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْمُشْتَهَاةِ وَصَحَّحَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالسِّنِّ مِنْ السَّبْعِ عَلَى مَا قِيلَ أَوْ التِّسْعِ عَلَى مَا قِيلَ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ تَصْلُحَ لِلْجِمَاعِ بِأَنْ تَكُونَ ضَخْمَةً عَبْلَةً وَالْعَبْلَةُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَهُوَ قَاصِرٌ) أَيْ اعْتِبَارُ السَّاقِ وَالْكَعْبِ أَوْ الْقَدَمِ وَفِي النَّهْرِ أَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَاصِرٌ لِأَنَّ مَنْ خَلْفَهَا إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ مُحَاذِيًا لَهَا كَمَا قَيَّدَ بِهِ الشَّارِحُ وَذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ أَيْضًا وَصَرَّحَ بِهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي كَافِيهِ يَعْنِي بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ. نَعَمْ هَذَا التَّخْصِيصُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَمُقْتَضَى دَلِيلِهِمْ الْإِطْلَاقُ اهـ. أَقُولُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ تَتَحَقَّقُ فِيمَنْ خَلْفَهَا أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي مُسَامِتًا لَهَا بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ أَيْ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ عَنْ يَمْنَةٍ أَوْ يَسْرَةٍ فَلَوْ كَانَ خَلْفَهَا لَكِنَّهُ مُنْحَرِفٌ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً لَمْ يَكُنْ مُحَاذِيًا لَهَا بِالسَّاقِ وَالْكَعْبِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ لِوُجُودِ الْفُرْجَةِ بِذَلِكَ الِانْحِرَافِ وَهَذَا الْمَعْنَى سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَاذَاةِ الْقَدَمُ فَقَطْ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ عَنْ قَاضِي خَانْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ فِي السِّرَاجِ عَنْ النِّهَايَةِ نَصَّ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوًا مِنْهَا هُوَ قَدَمُهَا لَا غَيْرُهَا فَإِنَّ مُحَاذَاةَ غَيْرِ قَدَمِهَا لِشَيْءٍ مِنْ الرَّجُلِ لَا يُسَبِّبُ فَسَاد صَلَاتِهِ اهـ. لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُهُ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ إلَخْ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْفَسَادُ بِمُحَاذَاةِ أَيِّ عُضْوٍ مِنْهَا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ السَّاقَ وَالْكَعْبَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ شَرَطْنَا الْمُحَاذَاةَ مُطْلَقًا لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ الْأَعْضَاءِ وَبَعْضَهَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ الْمُحَاذَاةَ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوًا مِنْهَا عُضْوٌ مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الظُّلَّةِ وَرَجُلٌ بِحِذَائِهَا أَسْفَلَ مِنْهَا إنْ كَانَ يُحَاذِي الرَّجُلَ شَيْءٌ مِنْهَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الرَّجُلِ اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِتَكُونَ قَدَمُ الْمَرْأَةِ مُحَاذِيَةً لِلرَّجُلِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوًا مِنْهَا هُوَ قَدَمُ الْمَرْأَةِ لَا غَيْرُهَا فَإِنَّ مُحَاذَاةَ غَيْرِ قَدَمِهَا الشَّيْءَ مِنْ الرَّجُلِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ صَلَاةِ الرَّجُلِ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ فِي أَوَاسِطِ فَصْلِ مَنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَمِنْ لَا يَصِحُّ وَقَالَ الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي الْبَيْتِ إلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعُضْوِ غَيْرُ مُرَادٍ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَقَلَ فِي السِّرَاجِ كَلَامَ النِّهَايَةِ وَأَقَرَّهُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ ثَانِيًا عَنْ قَاضِي خَانْ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ وَحَدُّ الْمُحَاذَاةِ إلَخْ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا أَيْضًا بِدَلِيلِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَإِنَّ تَعْيِينَ هَذِهِ الصُّورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعُضْوِ الْمَرْأَةِ الْقَدَمُ لَا غَيْرُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقَدَمِ) أَيْ وَهِيَ هُنَا غَيْرُ مُحَاذِيَةٍ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ قَدَمِهَا عَنْهُ أَمَّا لَوْ وَقَفَتْ إلَى جَنْبِهِ مُحَاذِيَةً لَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ تَكُنْ

الْمَرْأَةُ التَّامَّةُ الْخَلْقِ وَأَطْلَقَهَا فَشَمِلَتْ الْأَجْنَبِيَّةَ وَالزَّوْجَةَ وَالْمَحْرَمَ وَالْمُشْتَهَاةَ حَالًا أَوْ مَاضِيًا مُرَاهِقَةً أَوْ بَالِغَةً فَدَخَلَتْ الْعَجُوزُ الشَّوْهَاءُ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْعَاقِلَةِ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا فَلَمْ يُوجَدْ الِاشْتِرَاكُ وَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا فَسَادَ وَقَيَّدَ الصَّلَاةَ بِالْإِطْلَاقِ وَهِيَ مَا عُهِدَ مُنَاجَاةً لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهِيَ ذَاتُ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ الْإِيمَاءِ لِلْعُذْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحَاذَاةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا تَفْسُدُ وَقَيَّدَ بِالِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّ مُحَاذَاةَ الْمُصَلِّيَةِ لِمُصَلٍّ لَيْسَ فِي صَلَاتِهَا لَا تُفْسِدُ صَلَاتَهُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ الِاشْتِرَاكَ بِالتَّحْرِيمَةِ وَالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّاحِقَ إذَا حَاذَتْهُ اللَّاحِقَةُ عِنْدَ الذَّهَابِ إلَى الْوُضُوءِ أَوْ عِنْدَ الْمَجِيءِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ الصَّلَاةِ فَلَا فَسَادَ وَإِنْ وُجِدَ الِاشْتِرَاكُ حَالَةَ الْمُحَاذَاةِ تَحْرِيمَةً لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ أَدَاءً حَالَةَ الْمُحَاذَاةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَيْسَتْ حَالَةَ الْأَدَاءِ وَكَذَا الْمَسْبُوقُ إذَا حَاذَتْهُ الْمَسْبُوقَةُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عِنْدَ قَضَاءِ مَا سُبِقَا بِهِ لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِي إلَّا فِي مَسَائِلَ سَنَذْكُرُهَا، وَإِنْ وُجِدَ الِاشْتِرَاكُ فِي التَّحْرِيمَةِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاشْتِرَاكِ فِي التَّحْرِيمَةِ تَحْصِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تُدْرِكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ لَوْ سَبَقَهَا بِرَكْعَةٍ أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ فَحَاذَتْهُ فِيمَا أَدْرَكَتْ تُفْسِدُ عَلَيْهِ اهـ. فَالْمُشَارَكَةُ فِي التَّحْرِيمَةِ بِنَاءُ صَلَاتِهَا عَلَى صَلَاةِ مَنْ حَاذَتْهُ أَوْ عَلَى صَلَاةِ إمَامِ مَنْ حَاذَتْهُ فَحِينَئِذٍ لَا تُمْكِنُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْأَدَاءِ بِدُونِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ فَلِذَا ذَكَرُوا الْمُشَارَكَةَ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً وَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْمُشَارَكَةِ فِي الْأَدَاءِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ لَوْ قِيلَ بَدَلَ مُشْتَرَكَةٍ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً مُشْتَرَكَةٍ أَدَاءً وَيُفَسِّرُهَا بِأَنْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامٌ فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ حَالَةَ الْمُحَاذَاةِ أَوْ أَحَدُهُمَا إمَامٌ لِلْآخَرِ لَعَمَّ الِاشْتِرَاكَيْنِ اهـ. قُلْنَا نَعَمْ يَعُمُّ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ أَدَاءُ الِاشْتِرَاكِ تَحْرِيمَةً فَلِهَذَا ذَكَرُوهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ إمَّا مُدْرِكٌ أَوْ لَاحِقٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ أَوْ لَاحِقٌ مَسْبُوقٌ أَوْ مَسْبُوقٌ غَيْرُ لَاحِقٍ فَالْمُدْرِكُ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكَعَاتِ كُلَّهَا مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا حَاذَتْهُ أَبْطَلَتْ صَلَاتَهُ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً، وَاللَّاحِقُ الْغَيْرُ الْمَسْبُوقِ هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَفَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ زَحْمَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا زَالَ عُذْرُهُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بِالْعُذْرِ، ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ إنْ لَمْ يَفْرُغْ وَهَذَا وَاجِبٌ لَا شَرْطٌ حَتَّى لَوْ عَكَسَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فَلَوْ نَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَاسْتَيْقَظَ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالثَّالِثَةِ بِلَا قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فِيهَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ صَلَّى مَعَهُ الرَّابِعَةَ، وَإِنْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ صَلَّى الرَّابِعَةَ وَحْدَهَا بِلَا قِرَاءَةٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فَلَوْ تَابَعَ الْإِمَامَ، ثُمَّ قَضَى الثَّالِثَةَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ صَحَّ وَأَثِمَ وَمِنْ حُكْمِهِ أَنَّهُ مُقْتَدٍ حُكْمًا فِيمَا يَقْضِي، وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَلْزَمُهُ سُجُودٌ بِسَهْوِهِ وَإِذَا تَبَدَّلَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَدَخَلَ مِصْرَهُ لِلْوُضُوءِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَنْقَلِبُ أَرْبَعًا وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَقَدْ جَعَلُوا فِعْلَهُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQبَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ أَوْ حَائِلٌ (قَوْلُهُ فَحِينَئِذٍ لَا تُمْكِنُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْأَدَاءِ بِدُونِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ) حَاصِلُهُ أَنَّ بَيْنَهُمَا الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ الْمُطْلَقَ، وَالْمُشَارَكَةُ فِي التَّحْرِيمَةِ أَعَمُّ لِانْفِرَادِهَا فِي الْمَسْبُوقَيْنِ وَعَدَمُ انْفِرَادِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَدَاءِ بِنَاءٌ عَلَى مَا فَسَرُّوهَا بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامٌ فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ إمَّا حَقِيقَةً كَالْمُقْتَدِيَيْنِ وَإِمَّا حُكْمًا كَاللَّاحِقِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ آخَرَ فَاقْتَدَى وَاحِدٌ بِالْخَلِيفَةِ فَالشَّرِكَةُ فِي الْأَدَاءِ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الَّذِي اقْتَدَى بِالْخَلِيفَةِ وَبَيْنَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَكُلِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَهُمْ إمَامًا فِيمَا يُؤَدُّونَهُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ وَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِي التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بِالْخَلِيفَةِ بَنَى تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْخَلِيفَةِ، وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَبْنُوا تَحْرِيمَتَهُمْ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْخَلِيفَةِ فَلَمْ تُوجَدْ بَيْنَهُمْ الشَّرِكَةُ تَحْرِيمَةً وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَحَاذَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى تَفْسُدُ بِاعْتِبَارِ الشَّرِكَةِ فِي الْأَدَاءِ لَا التَّحْرِيمَةِ، وَقَدْ يُقَالُ الشَّرِكَةُ فِيهَا أَيْضًا ثَابِتَةٌ تَقْدِيرًا فَلَمْ تَنْفَرِدْ الْمُشَارَكَةُ أَدَاءً وَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ أَنَّهُ لَا تُمْكِنُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْأَدَاءِ بِدُونِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِهِ فِي مَقَامِ تَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ فَكَانَ التَّصْرِيحُ أَوْلَى تَقْرِيبًا عَلَى الْأَفْهَامِ وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ فَلِهَذَا ذَكَرُوا إلَخْ فَافْهَمْ تَغْنَمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيْءِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ لَازِمًا لِشَيْءٍ ظَاهِرٌ، وَمَا وَقَعَ هُنَا فِي النَّهْرِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يُجْدِي نَفْعًا غَيْرُ ظَاهِرٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَلَامًا مُتَنَاقِضًا حَذْفُهُ أَوْلَى مَعَ أَنَّهُ رَجَعَ آخِرًا إلَى مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا. وَأَجَابَ ابْنُ كَمَالٍ بَاشَا كَمَا فِي الشرنبلالية بِأَنَّهُمْ أَفْرَدُوا كُلًّا بِالذِّكْرِ تَفْصِيلًا لِمَحِلِّ الْخِلَافِ عَنْ مَحَلِّ الْوِفَاقِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ تَحْرِيمَةً شَرْطٌ اتِّفَاقًا وَالِاشْتِرَاكَ أَدَاءً شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ اهـ.

الْأُصُولِ أَدَاءً شَبِيهًا بِالْقَضَاءِ فَلِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقَضَاءِ وَمِمَّا أُلْحِقَ بِاللَّاحِقِ الْمُقِيمُ إذَا اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ كَاللَّاحِقِ، وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَلَا يَقْتَدِي بِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَأَمَّا اللَّاحِقُ الْمَسْبُوقُ فَهُوَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ وَفَاتَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ بِعُذْرٍ، وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ اللَّاحِقَ هُوَ مَنْ فَاتَهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَشْمَلَ اللَّاحِقُ الْمَسْبُوقَ وَتَعْرِيفُهُمْ اللَّاحِقَ بِأَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَفَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا بِعُذْرٍ تَسَاهُلٌ اهـ. لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُقِيمُ إذَا اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فَإِنَّهُ لَاحِقٌ وَلَمْ يَشْمَلْهُ تَعْرِيفُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَةً وَحُكْمُهُ إذَا زَالَ عُذْرُهُ مَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيمَا أَدْرَكَ مَا نَامَ فِيهِ، ثُمَّ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ، وَلَوْ تَابَعَ فِيمَا بَقِيَ، ثُمَّ قَضَى الْفَائِتَ، ثُمَّ مَا نَامَ فِيهِ أَجَزْنَاهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْإِثْمِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَقَطْ فَهُوَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ أَحْكَامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَصَحَّ اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ وَقَالُوا لَوْ اقْتَدَيَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَا فَذَهَبَا لِلْوُضُوءِ، ثُمَّ حَاذَتْهُ فِي الْقَضَاءِ يُنْظَرُ، فَإِنْ حَاذَتْهُ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ لِلْإِمَامِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِمَا تَقْدِيرًا لِكَوْنِهِمَا لَاحِقَيْنِ فِيهِمَا، وَإِنْ حَاذَتْهُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لَا تَفْسُدُ لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا مَسْبُوقَيْنِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ اللَّاحِقَ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي أَوَّلًا مَا لَحِقَ فِيهِ، ثُمَّ مَا سُبِقَ فِيهِ وَهَذَا عِنْدَ زُفَرَ ظَاهِرٌ وَعِنْدَنَا، وَإِنْ صَحَّ عَكْسُهُ لَكِنْ يَجِبُ هَذَا بِاعْتِبَارِهِ تَفْسُدُ وَقَيَّدَ بِاتِّحَادِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ فَلَا فَسَادَ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ أَوْ لَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ كَانَ عَلَى الدُّكَّانِ أَوْ الْحَائِطِ وَهُوَ قَدْرُ قَامَةٍ وَهِيَ عَلَى الْأَرْضِ لَا تَفْسُدُ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَكَانِ وَهَكَذَا فِي الْكَافِي قَالَ فِي النَّوَازِلِ قَوْمٌ صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ ظُلَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَبِحِذَائِهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ نِسَاءٌ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَكَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قُدَّامَهُمْ نِسَاءٌ فَإِنَّهَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ صَفٌّ مِنْ النِّسَاءِ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ الِاقْتِدَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي الْمُجْتَبَى اقْتَدَيْنَ عَلَى رَفَّةِ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَهُ صُفُوفُ الرِّجَالِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ وَقَيَّدَ بِعَدَمِ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَائِلٌ فَلَا فَسَادَ وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّجُلِ أَوْ مُقَدِّمَتُهُ؛ لِأَنَّ أَدْنَى أَحْوَالِ الصَّلَاةِ الْقُعُودُ فَقَدَّرْنَا الْحَائِلَ بِهِ وَهُوَ قَدْرُ ذِرَاعٍ كَذَلِكَ فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أُسْطُوَانَةٌ أَوْ سُتْرَةٌ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ أَوْ عُودٌ أَوْ قَصَبَةٌ مُنْتَصِبَةٌ لِلسُّتْرَةِ أَوْ حَائِطٌ أَوْ دُكَّانٌ قَدْرَ الذِّرَاعِ لَا تَفْسُدُ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ أَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَغِلَظُهُ مِثْلُ غِلَظِ الْأُصْبُعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْفُرْجَةَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا وَأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ بِلَا حَائِلٍ فَإِنَّهَا تُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْفُرْجَةَ كَالْحَائِلِ وَأَدْنَاهَا قَدْرُ مَا يَقُومُ فِيهَا الرَّجُلُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى دُكَّانٍ قَدْرَ قَامَةِ الرَّجُلِ وَالْآخَرُ أَسْفَلَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُحَاذَاةِ وَصَرَّحَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ تَسَعُ الرَّجُلَ أَوْ أُسْطُوَانَةٌ قِيلَ لَا تَفْسُدُ، وَكَذَا إذَا قَامَتْ أَمَامَهُ وَبَيْنَهُمَا هَذِهِ الْفُرْجَةُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى عَنْ صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَوْ قَامَتْ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمُحَقِّقُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْفَوَاتَ بِالنَّوْمِ أَوْ الزَّحْمَةِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ لِمَا أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لَاحِقُونَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِعُذْرٍ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ سَبَقَ إمَامَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَضَى رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُقِيمُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى تَعْرِيفِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ اللَّاحِقَ الْمَسْبُوقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ نَوَى قَضَاءَ مَا سُبِقَ بِهِ أَوَّلًا أَنْ يَنْعَكِسَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا اللَّاحِقُ الْمَسْبُوقَ وَمِنْهَا لَوْ نَسِيَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى أَتَى بِهَا الْمَسْبُوقُ لَا اللَّاحِقُ وَمِنْهَا لَوْ ضَحِكَ الْإِمَامُ أَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا فِي مَوْضِعِ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ وَفِي اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَسَادِ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْفَجْرِ كُنْت مُحْدِثًا فِي الْعِشَاءِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ وَفِي اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ، وَمِنْهَا لَوْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مُخَالَفَةَ تَحْرِيمَتِهِمَا لِتَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ وَفِي اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ، وَمِنْهَا لَوْ تَذَكَّرَ الْمَسْبُوقُ فَائِتَةً عَلَيْهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَفِي اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا لَوْ كَانَا مُتَيَمِّمَيْنِ فَرَأَيَا مَاءً أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ الْفَجْرُ أَوْ الْعِيدُ، وَمِنْهَا لَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ فَسَدَتْ فِي الْمَسْبُوقِ لَا فِي اللَّاحِقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْهَا لَوْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَسَدَتْ فِي اللَّاحِقِ وَبَنَى الْمَسْبُوقُ، وَمِنْهَا لَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ فَائِتَةً بَعْدَ فَرَاغِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ وَإِلَّا ظَهَرَ فِي صَلَاةِ اللَّاحِقِ الْفَسَادُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا اتَّفَقُوا إلَخْ) أَصْلُ الْإِشْكَالِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الدِّرَايَةِ السَّابِقَةِ وَلَا يَبْعُدُ النَّظَرُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْقِيلِ إذْ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُفْسِدَ

امْرَأَةٌ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ، وَقَدْ نَوَى إمَامَتَهَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ، وَإِنْ قَامَتْ فِي الصَّفِّ تَفْسُدُ صَلَاةُ رَجُلَيْنِ مِنْ جَانِبَيْهَا وَصَلَاةُ رَجُلٍ خَلْفَهَا، وَلَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ وَلَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهَا، وَلَوْ كَانَ صَفٌّ مِنْ النِّسَاءِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالرِّجَالِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الرِّجَالِ بِالْإِمَامِ وَيَجْعَلُ حَائِلًا، وَلَوْ كَانَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ ثِنْتَانِ مِنْ النِّسَاءِ تَفْسُدُ صَلَاةُ رَجُلٍ عَنْ يَمِينِهِمَا وَصَلَاةُ رَجُلٍ عَنْ يَسَارِهِمَا وَصَلَاةُ رَجُلَيْنِ خَلْفَهُمَا فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ ثَلَاثَةٌ تَفْسُدُ صَلَاةُ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ خَلْفَهُنَّ إلَى آخِرِ الصُّفُوفِ وَوَاحِدٍ عَنْ أَيْمَانِهِنَّ وَوَاحِدٍ عَنْ يَسَارِهِنَّ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ جَمْعٌ صَحِيحٌ فَصَارَ كَالصَّفِّ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ فِي حَقِّ مَنْ صِرْنَ حَائِلَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ لَوْ كَبَّرَتْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَرَكَعَتْ فِي الصَّفِّ الثَّانِي وَسَجَدَتْ فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا وَخَلْفَهَا فِي كُلِّ صَفٍّ؛ لِأَنَّهَا أَدَّتْ فِي كُلِّ صَفٍّ رُكْنًا مِنْ الْأَرْكَانِ فَصَارَ كَالْمَدْفُوعِ إلَى صَفِّ النِّسَاءِ، وَوَجْهُ إشْكَالِهِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي هُوَ خَلْفَهَا أَوْ الصَّفَّ الَّذِي هُوَ خَلْفَهُنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فُرْجَةٌ قَدْرَ قَامَةِ الرَّجُلِ، وَقَدْ جَعَلُوا الْفُرْجَةَ كَالْحَائِلِ فِيمَنْ عَنْ جَانِبِهَا أَوْ خَلْفَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ خَلْفَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْجَةٍ مُحَاذِيًا لَهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ قَدْرُ قَامَةِ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ قَامَتْ الْمَرْأَةُ وَسَطَ الصَّفِّ فَإِنَّهَا تُفْسِدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةٍ: وَاحِدٍ عَنْ يَمِينِهَا وَوَاحِدٍ عَنْ يَسَارِهَا وَوَاحِدٍ خَلْفَهَا بِحِذَائِهَا وَلَا تُفْسِدُ صَلَاةَ الْبَاقِينَ اهـ. فَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلْفَهَا مُحَاذِيًا لَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فُرْجَةٌ، وَكَذَا صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ الشَّارِحُ فَقَالَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ يُفْسِدَانِ صَلَاةَ رَجُلَيْنِ خَلْفَهُمَا بِحِذَائِهِمَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ عَلَى سُتْرَةٍ أَوْ رَفٍّ وَالْمَرْأَةُ قُدَّامَهُ تُفْسِدُ سَوَاءٌ كَانَ قَدْرَ قَامَةِ الرَّجُلِ أَوْ دُونَهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّفِّ سُتْرَةٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُتْرَةٌ قَدْرَ ذِرَاعٍ لَا تُفْسِدُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ اهـ. وَقَدَّمْنَا عَنْ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَفُّ النِّسَاءِ عَلَى الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ مِنْ الرِّجَالِ اهـ. قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَهُ أَقُولُ: لَوْ حُمِلَ الْفَسَادُ فِي الصَّفِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّجَالُ بِحِذَائِهِنَّ لَاسْتَقَامَ، وَقَدْ قَيَّدَ الشَّارِحُ فَسَادَ مَنْ خَلْفَ الِاثْنَتَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ بِحِذَائِهِمَا وَلَا فَرْقَ يَظْهَرُ فَتَدَبَّرْهُ أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاثْنَتَيْنِ وَبَيْنَ الصَّفِّ فِي التَّقْيِيدِ بِالْمُحَاذَاةِ وَهَذَا مَيْلٌ إلَى مَا جَمَعَ بِهِ أَخُوهُ الْمُؤَلِّفَ بِقَوْلِهِ الْآتِي فَتَعَيَّنَ إلَخْ (قَوْلُهُ قَدْرَ قَامَةِ الرَّجُلِ) قَدْ فَسَّرَ الْفُرْجَةَ فِيمَا مَرَّ بِأَنْ تَكُونَ قَدْرَ مَا يَقُومُ بِهِ الرَّجُلُ وَهَذَا الْقَدْرُ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ قَامَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِقَدْرِ الْقَامَةِ مَا مَرَّ يَكُونُ تَسَاهَلَ بِالتَّعْبِيرِ وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إلَى ثَبْتٍ وَنُقِلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُرْجَةِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَامَةَ مُحَرَّفَةٌ مِنْ مَقَامٍ فَإِنَّهُ فِي الْفَتْحِ عَبَّرَ بِهِ حَيْثُ قَالَ وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحَائِلِ وَأَدْنَاهَا قَدْرُ مَقَامِ الرَّجُلِ (قَوْلُهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يُحْمَلَ إلَخْ) يُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ قَوْلُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْمَارُّ فِي تَقْيِيدِ عَدَمِ الْفَسَادِ إذَا قَامَتْ أَمَامَهُ وَبَيْنَهُمَا هَذِهِ الْفُرْجَةُ فَأَشَارَ بِهَذِهِ إلَى الْفُرْجَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ مَا تَسَعُ الرَّجُلَ وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَقَالَ الْحَقُّ أَنَّ تَقَدُّمَهَا عَلَى مَنْ خَلْفَهَا بِإِزَائِهَا مُفْسِدٌ كَيْفَمَا كَانَ وَحَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا كَمَا قَدَّمَهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ فَلَا يُعَارِضُهُ مَا عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْبَقَّالِي؛ لِأَنَّهُ مَحْكِيٌّ بِقِيلَ، وَمَا عَيَّنَهُ وَإِنْ صَحَّ فِي الْمَرْأَةِ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ خَلْفَهَا قَرِيبًا مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ مَا يَسَعُ الرَّجُلَ، وَكَذَا الْمَرْأَتَانِ لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الثَّلَاثِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِبُطْلَانِ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ إلَى آخِرِ الصُّفُوفِ فَإِنَّ مَنْ فِي الصَّفِّ الثَّانِي وَمَنْ بَعْدَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ حَائِلٌ وَمَعَ ذَلِكَ حَكَمُوا بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَقَوْلُهُ فَقَدْ شُرِطَ إلَخْ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُحَاذَاةَ صَادِقَةٌ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَلَوْ كَانَتْ الْمُحَاذَاةُ مُسْتَلْزِمَةً لِعَدَمِ الْفُرْجَةِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِمْ وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا أَوْ فُرْجَةً تَسَعُ رَجُلًا بَعْدَ قَوْلِهِمْ وَإِنْ حَاذَتْهُ مَعْنَى اهـ. أَقُولُ: قَوْلُ هَذَا الْمُعْتَرِضِ لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الثَّلَاثِ إلَخْ يُؤْخَذُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ وَلَوْ كَانَ صَفٌّ تَامٌّ مِنْ النِّسَاءِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَوَرَاءَهُنَّ صُفُوفٌ مِنْ الرِّجَالِ فَسَدَتْ صَلَاةُ تِلْكَ الصُّفُوفِ كُلِّهَا وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ تَفْسُدَ صَلَاةُ صَفٍّ وَاحِدٍ لَا غَيْرُ لِوُجُودِ الْحَائِلِ فِي حَقِّ بَاقِي الصُّفُوفِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَثَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ قَوْلِهِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ طَرِيقٌ أَوْ نَهْرٌ أَوْ صَفٌّ مِنْ نِسَاءٍ فَلَيْسَ هُوَ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الثَّلَاثَ كَالصَّفِّ وَلَكِنْ فِي حَقِّ مَنْ حَلَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ فَأَفَادَ أَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ ذَلِكَ وَلَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ لِمَا ذُكِرَ، هَذَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّوْفِيقِ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ خَلْفَهَا بِحِذَائِهَا مُلْتَصِقًا بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ الْفَهْمِ جِدًّا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُمْ الصَّفَّ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ فِيهِ وَالْعَادَةُ فِي الصُّفُوفِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فُرْجَةٌ يُمْكِنُ سُجُودُ الصَّفِّ الْمُتَأَخِّرِ فِيهَا وَهَذِهِ الْفُرْجَةُ أَكْثَرُ مِمَّا يَسَعُ الرَّجُلَ بَلْ الْمُرَادُ بِاشْتِرَاطِ فَسَادِ مَنْ خَلْفَهَا بِأَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا لَهَا أَنْ يَكُونَ مُسَامِتًا لَهَا مَنْ خَلْفَهَا احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِ الْمُسَامِتِ بِأَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ وَقَوْلُهُ فِي السِّرَاجِ وَسَطَ الصَّفِّ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا قَامَتْ فِي طَرَفِهِ فَإِنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةٍ بَلْ اثْنَيْنِ مَنْ فِي جَانِبِهَا وَمَنْ خَلْفَهَا.

[حضور النساء الجماعات ومجالس الوعظ]

النَّوَازِلِ أَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ بِحِذَائِهِمْ لَا تَفْسُدُ وَقَيَّدَ بِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ إمَامَتَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ حَاذَتْهُ مُطْلَقًا وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ مُشْتَرَكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ إلَّا بِنِيَّةِ الْإِمَامِ إمَامَتَهَا فَإِذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا وَجَرَى أَكْثَرُهُمْ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ حَتَّى فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفَسَادُ مِنْ جِهَتِهَا بِتَقْدِيرِ مُحَاذَاتِهَا فَاشْتُرِطَ الْتِزَامُهُ وَالْمَأْمُومُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهَا فِيهِمَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الْوُقُوفِ بِجَنْبِ الْإِمَامِ لِلِازْدِحَامِ وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تُؤَدِّيَهَا وَحْدَهَا وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامِ وَقْتَ الشُّرُوعِ لَا بَعْدَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهَا عِنْدَ النِّيَّةِ فِي رِوَايَةٍ وَيُشْتَرَطُ فِي أُخْرَى كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ إلَى أَنَّهَا لَوْ اقْتَدَتْ بِهِ مُقَارِنَةً لِتَكْبِيرِهِ مُحَاذِيَةً لَهُ وَقَدْ نَوَى إمَامَتَهَا لَمْ تَنْعَقِدْ تَحْرِيمَةُ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّلَاةِ إذَا قَارَنَ الشُّرُوعَ مَنَعَ مِنْ الِانْعِقَادِ وَلَوْ نَوَى إمَامَةَ النِّسَاءِ إلَّا وَاحِدَةً فَهُوَ كَمَا نَوَى فَإِذَا حَاذَتْهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ صَلَاتِهِمَا حَتَّى لَوْ اقْتَدَتْ بِهِ فِي الظُّهْرِ وَهُوَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَحَاذَتْهُ أَبْطَلَتْ صَلَاتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا يَصِحُّ نَفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فَكَانَ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ لَكِنْ هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي بَقَاءِ أَصْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَسَادِ الِاقْتِدَاءِ وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِ، وَفِي نَظَائِرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهَا فِي رُكْنٍ كَامِلٍ لِلْخِلَافِ فِيهِ فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُحَاذَاةُ مُفْسِدَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ وَفِي الْمَجْمَعِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يُفْسِدُهَا بِالْمُحَاذَاةِ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ وَاشْتَرَطَ مُحَمَّدٍ أَدَاءَ الرُّكْنِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا اتِّحَادَ الْجِهَةِ قَالُوا وَلَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَتْ كَمَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَة وَبِالتَّحَرِّي فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ فَلَا فَسَادَ بِالْمُحَاذَاةِ. (قَوْلُهُ وَلَا يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاتُهَا فِي قَعْرِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا وَصَلَاتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ مِنْ خُرُوجِهِنَّ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الشَّابَّةَ وَالْعَجُوزَ وَالصَّلَاةَ النَّهَارِيَّةَ وَاللَّيْلِيَّةَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَالْفَتْوَى الْيَوْمُ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا لِظُهُورِ الْفَسَادِ وَمَتَى كُرِهَ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُكْرَهَ حُضُورُ مَجَالِسِ الْوَعْظِ خُصُوصًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ تَحَلَّوْا بِحِلْيَةِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى. ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ الْكُلِّ فِي الْكُلِّ إلَّا الْعَجَائِزَ الْمُتَفَانِيَةَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي دُونَ الْعَجَائِزِ الْمُتَبَرِّجَاتِ وَذَوَاتِ الرَّمَقِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْفَتْوَى الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فَإِنَّهُمَا نَقَلُوا أَنَّ الشَّابَّةَ تُمْنَعُ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْعَجُوزُ فَلَهَا حُضُورُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ، وَقَالَا يَخْرُجُ الْعَجَائِزُ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِمَا فَالْإِفْتَاءُ بِمَنْعِ الْعَجُوزِ فِي الْكُلِّ مُخَالِفٌ لِلْكُلِّ فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ إلَى سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: زِيَارَةُ الْوَالِدَيْنِ وَعِيَادَتُهُمَا وَتَعْزِيَتُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَزِيَارَةُ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً أَوْ غَسَّالَةً أَوْ كَانَ لَهَا عَلَى آخَرَ حَقٌّ تَخْرُجُ بِالْإِذْنِ وَبِغَيْرِ الْإِذْنِ وَالْحَجُّ عَلَى هَذَا، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ زِيَارَةِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ وَعِيَادَتِهِمْ وَالْوَلِيمَةِ لَا يَأْذَنُ لَهَا وَلَا تَخْرُجُ، وَلَوْ أَذِنَ وَخَرَجَتْ كَانَا عَاصِيَيْنِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَنَقَلَ فِي الْمُجْتَبَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إمَامَةُ الصَّبِيِّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ فِي أُخْرَى) عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ فَلِذَا اسْتَظْهَرَ الْمُؤَلِّفُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا يَصِحُّ نَفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَمُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ صِحَّةِ الشُّرُوعِ إذَا فَسَدَ الِاقْتِدَاءُ فَكَيْفَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا نَفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فَكَانَ الصَّوَابُ إسْقَاطَ قَوْلِهِ هُنَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ صِحَّةِ اقْتِدَائِهَا نَفْلًا مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلْمَذْهَبِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي ذَلِكَ كَلَامٌ وَتَحْقِيقٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ مَا هُنَا مِنْ صِحَّةِ الشُّرُوعِ لَا مَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَمُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ. [حُضُور النِّسَاء الْجَمَاعَاتِ ومَجَالِسِ الْوَعْظِ] (قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْفَتْوَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهَا لِقِيَامِ الْحَامِلِ وَهُوَ فَرْطُ الشَّهْوَةِ غَيْرَ أَنَّ الْفَسَقَةَ لَا يَنْتَشِرُونَ فِي الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ نَائِمُونَ فَإِذَا فُرِضَ انْتِشَارُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِغَلَبَةِ فِسْقِهِمْ كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا بَلْ تَحَرِّيهِمْ إيَّاهَا خَوْفَ التَّرَائِي كَانَ الْمَنْعُ فِيهَا أَظْهَرَ مِنْ الظُّهْرِ وَإِذَا مُنِعَتْ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فَمَنْعُهَا مِنْ حُضُورِ الْوَعْظِ وَالِاسْتِسْقَاءُ أَوْلَى وَأَدْخَلَهُ الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَمَاعَاتِ وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى.

[اقتداء رجل بامرأة أو صبي في الصلاة]

فَلِأَنَّ صَلَاتَهُ نَفْلٌ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ لِمَا سَيَأْتِي، قَيَّدَ بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ صَحِيحٌ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا اقْتِدَاءُ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ صَحِيحٌ وَقَيَّدَ بِالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالرَّجُلِ جَائِزٌ سَوَاءٌ نَوَى الْإِمَامَةَ أَوْ لَا، وَبِالْخُنْثَى فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي رَجُلًا فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهُوَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَدَّمُ وَلَا يَقُومُ وَسْطَ الصَّفِّ حَتَّى لَا تَفْسُدَ صَلَاتُهُ بِالْمُحَاذَاةِ، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى لَا يَجُوزُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَالْمُقْتَدِي رَجُلًا كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَقَيَّدَ بِفَسَادِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَامَّةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَطْلَقَ فَسَادَ الِاقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ فَشَمِلَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الْبَالِغِ مَضْمُونٌ حَتَّى يَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا أَفْسَدَهُ وَنَفْلَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ حَتَّى لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالْإِفْسَادِ فَيَكُونُ نَفْلُ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ بِالظَّانِّ أَيْ بِمَنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَرْضًا، ثُمَّ تَبَيَّنَّ خِلَافُهُ فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ صَحِيحٌ نَفْلًا مَعَ أَنَّ نَفْلَ الْمُقْتَدِي مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْإِفْسَادِ حَتَّى يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَنَفْلُ الْإِمَامِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ عَلَى الظَّانِّ فَإِنَّ زُفَرَ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ فَاعْتُبِرَ الظَّنُّ الْعَارِضُ عَدَمًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَمَشَايِخُ بَلْخٍ جَوَّزُوا اقْتِدَاءَ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الْمَظْنُونِ، وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ، وَفِي النِّهَايَةِ وَالِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ هَلْ هِيَ صَلَاةٌ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا تَخَلُّقًا، وَلِهَذَا لَوْ صَلَّتْ الْمُرَاهِقَةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقِيلَ هِيَ صَلَاةٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَهْقَهَ الْمُرَاهِقُ فِي الصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ اهـ. فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُخْتَارُ عَدَمَ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ اقْتَدَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا يَكُونُ تَطَوُّعًا وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ صِحَّةُ الشُّرُوعِ وَسَيَأْتِي اخْتِلَافُ التَّصْحِيحِ فِيهِ، وَفِي نَظَائِرِهِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَجْنُونِ بِالْأَوْلَى لَكِنْ شَرَطَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنْ يَكُونَ مُطْبِقًا أَمَّا إذَا كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي حَالَةِ الْإِفَاقَةِ قَالَ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالسَّكْرَانِ. (قَوْلُهُ وَطَاهِرٍ بِمَعْذُورٍ) أَيْ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ طَاهِرٍ بِصَاحِبِ الْعُذْرِ الْمُفَوِّتِ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْمَعْذُورِ وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ بِمَعْنَى تَضْمَنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي، وَقَيَّدَ الْمَعْذُورَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنْ يُقَارِنَ الْوُضُوءَ الْحَدَثُ أَوْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا تَوَضَّأَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَصَلَّى كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعْلَمُ بِهِ فَسَادُ اقْتِدَاءِ الْخُنْثَى بِالْمَرْأَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ فَيَكُونُ فِيهِ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ لِظُهُورِهَا (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ نَفْلَ الْمُقْتَدِي مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ كَذَلِكَ فِي السِّرَاجِ، وَقَالَ فَلَوْ خَرَجَ الظَّانُّ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي الْقَضَاءُ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُقْتَدِي بِخُرُوجِ إمَامِهِ مِنْهَا أَيْ بِإِفْسَادِهِ لَهَا وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ حَيْثُ قَالَ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ رَجُلٌ افْتَتَحَ الظُّهْرَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ يُرِيدُ بِهِ التَّطَوُّعَ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ فَرَفَضَ صَلَاتَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ اقْتَدَى بِهِ اهـ. (قَوْلُهُ فَاعْتُبِرَ الظَّنُّ الْعَارِضُ عَدَمًا) إنَّمَا كَانَ عَارِضًا؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ غَيْرُ مُمْتَدٍّ عَرَضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الْمُطْلَقَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا اهـ. وَالْمُرَادُ بِالسُّنَنِ الْمُطْلَقَةِ السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ وَصَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْوِتْرُ عِنْدَهُمَا وَالْكُسُوفَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ عِنْدَهُمَا، وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا يَعْنِي الْبُخَارِيِّينَ، وَقَوْلُهُ وَمِنْهُمْ إلَخْ أَيْ قَالُوا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي السُّنَنِ، وَكَذَا فِي النَّفْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيَجُوزُ فِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِمَا تَقَرَّرَ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ النَّهْرِ حَيْثُ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَجَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالْمَنْعَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا التَّرَاوِيحُ فَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا اهـ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى التَّرَاوِيحِ. (قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ هُوَ الثَّانِي بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُرَاهِقَة لَوْ حَاذَتْ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ تُفْسِدُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ مَا فِي الدِّرَايَةِ ظَاهِرًا فِي تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ صِحَّةُ الشُّرُوعِ) أَيْ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ حَيْثُ قَالَ ثَمَّ أَفْسَدَهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الشُّرُوعِ سَابِقَةً عَلَى الْإِفْسَادِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ أَيْضًا حَيْثُ قَصَرَ الْفَسَادَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الشُّرُوعِ وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ الِاقْتِدَاءُ فَلَا يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِفَسَادِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَدَمُ صِحَّةِ الشُّرُوعِ بِزِيَادَةِ لَفْظَةِ عَدَمِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ سَيَذْكُرُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ تَحْتَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَمُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ أَنَّهُ فِي السِّرَاجِ صَحَّحَ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا.

[اقتداء المفترض بإمام متنفل أو بإمام يصلي فرضا غير فرض المقتدي]

الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرِ وَقَيَّدَ بِالطَّاهِرِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْمَعْذُورِ صَحِيحٌ إنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَعَهُ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ فَكَانَ الْإِمَامُ صَاحِبَ عُذْرَيْنِ وَالْمَأْمُومَ صَاحِبُ عُذْرٍ، وَكَذَا لَا يُصَلِّي مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ خَلْفَ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَجُرْحٌ لَا يَرْقَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرَيْنِ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ سَلَسَ الْبَوْلِ وَالْجُرْحَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّحِدِ، وَكَذَا سَلَسُ الْبَوْلِ وَاسْتِطْلَاقُ الْبَطْنِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَاقْتِدَاءُ الْمُسْتَحَاضَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ بِالضَّالَّةِ لَا يَجُوزُ كَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِالْمُشْكِلِ اهـ. لَعَلَّهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ حَائِضًا أَمَّا إذَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّحِدِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِمَامَةُ الْمُفْتَصِدِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ صَحِيحَةٌ إذَا كَانَ يَأْمَنُ خُرُوجَ الدَّمِ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَقَارِئٍ بِأُمِّيٍّ) أَيْ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ حَافِظِ الْآيَةِ مِنْ الْقُرْآنِ بِمَنْ لَا يَحْفَظُهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْأُمِّيِّ فَهُوَ عِنْدَنَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَإِنَّمَا فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ عَدَمِ رُكْنِهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي وَسَيَأْتِي أَنَّ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ الْإِمَامِ تَفْسُدُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالْأَخْرَسِ بِالْأَوْلَى وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْأُمِّيِّ بِالْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ وَإِلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْأَخْرَسِ بِالْأُمِّيِّ. (قَوْلُهُ وَمُكْتَسٍ بِعَارٍ) لِأَنَّ صَلَاةَ الْعَارِي جَائِزَةٌ مَعَ فَقْدِ الشَّرْطِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَوْ قَالَ وَلَا مَسْتُورِ الْعَوْرَةِ خَلْفَ الْعَارِي لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِالسِّرْوَالِ أَوْ نَحْوِهِ لَا يُسَمَّى مُكْتَسِيًا فِي الْعُرْفِ وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمُكْتَسِي خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ اهـ. لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي السَّرَاوِيلِ هَلْ يَكُونُ كِسْوَةً شَرْعًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؟ وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَيْ لَا يَكُونُ كِسْوَةً، قَيَّدَ بِالْمُكْتَسِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَّ الْعَارِي عُرَاةً وَلَابِسِينَ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ بِمِثْلِهِ وَبِصَحِيحٍ بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ إذَا أَمَّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا فَإِنَّ صَلَاةَ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ إذَا اقْتَدَى بِقَارِئٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ وَلَيْسَتْ طَهَارَةُ الْإِمَامِ وَسُتْرَتُهُ طَهَارَةً وَسُتْرَةً لِلْمَأْمُومِ حُكْمًا فَافْتَرَقَا (قَوْلُهُ وَغَيْرِ مُومِئٍ بِمُومِئٍ) أَيْ فَسَدَ اقْتِدَاءُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمَا لِلْعُذْرِ لِقُوَّةِ حَالِ الْمُقْتَدِي، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُومِئِ بِالْمُومِئِ صَحِيحٌ لِلْمُمَاثَلَةِ كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ وَمُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ وَبِمُفْتَرِضٍ آخَرَ) أَيْ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِإِمَامٍ مُتَنَفِّلٍ أَوْ بِإِمَامٍ يُصَلِّي فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ، وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَام فِي الْأُولَى وَهُوَ مُشَارَكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاتِّحَادِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الثَّانِيَةِ وَاَلَّذِي صَحَّ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا وَتَرَجَّحَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْلًا وَبِقَوْمِهِ فَرْضًا لِقَوْلِهِ حِينَ شَكَوْا تَطْوِيلَهُ بِهِمْ يَا مُعَاذُ إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِك كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَشَرَعَ لَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَلَا يُصَلِّي بِقَوْمِهِ أَوْ الصَّلَاةُ بِقَوْمِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ وَلَا يُصَلِّي مَعَهُ. هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ أَفَادَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ إذَا صَلَّى مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا تَمْتَنِعُ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا بِالِاتِّفَاقِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الْفَرْضِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اتِّحَادَ الصَّلَاتَيْنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُمْكِنَهُ الدُّخُولُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَعَهُ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنْ يَجُوزَ اقْتِدَاءُ مَنْ بِهِ السَّلَسُ بِمَنْ فِيهِ انْفِلَاتُ الرِّيحِ وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ لِاخْتِلَافِ عُذْرِهِمَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِمَحْضِ اخْتِلَافِ عُذْرِهِمَا لَا بِكَوْنِ الْإِمَامِ صَاحِبَ عُذْرَيْنِ وَالْمُقْتَدِي صَاحِبَ عُذْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فَتَدَبَّرْهُ اهـ. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ هُوَ ظَاهِرُ تَعْبِيرِهِمْ بِاتِّحَادِ الْعُذْرِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْهِدَايَةِ فِيمَا سَبَقَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْمَعْذُورِ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ، وَكَذَا قَوْلُ النِّهَايَةِ الْأَصْلُ فِي جِنْس هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْإِمَامِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَوْ مِثْلَهُ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْعِنَايَةِ. هَذَا وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي السِّرَاجِ مَا نَصُّهُ وَيُصَلِّي مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ خَلْفَ مِثْلِهِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى مَنْ بِهِ السَّلَسُ خَلْفَ مَنْ بِهِ السَّلَسُ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرَيْنِ وَالْمُؤْتَمَّ صَاحِبُ عُذْرٍ وَاحِدٍ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لَعَلَّهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّعْلِيلَ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ حَيْثُ قَالَ مَنْ جَوَّزَ اقْتِدَاءَ الضَّالَّةِ بِالضَّالَّةِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا لِاحْتِمَالِ اقْتِدَائِهَا بِالْحَائِضِ اهـ وَذَكَرَ رِوَايَتَيْنِ فِي اقْتِدَاءِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمِثْلِهِ. (قَوْلُهُ وَكَذَا صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ بِمِثْلِهِ وَبِصَحِيحٍ) أَيْ وَكَذَا ائْتِمَامُ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ بِمِثْلِهِ وَبِصَحِيحٍ وَالْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ. [اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِإِمَامٍ مُتَنَفِّلٍ أَوْ بِإِمَامٍ يُصَلِّي فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِ الْمُقْتَدِي] (قَوْلُهُ يُصَلِّي فَرْضًا غَيْرَ فَرْضِ الْمُقْتَدِي) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ آخَرَ لَيْسَ صِفَةً لِمُفْتَرِضٍ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ فَرْضًا آخَرَ.

فِي صَلَاتِهِ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونَ صَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمِّنَةً لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» أَيْ تَتَضَمَّنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي وَأَشَارَ بِمَنْعِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ إلَى مَنْعِ اقْتِدَاءِ النَّاذِرِ بِالنَّاذِرِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ نَفْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ فَقَطْ إلَّا إذَا نَذَرَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ مَا نَذَرَهُ الْآخَرُ فَاقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلِاتِّحَادِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا التَّطَوُّعَ ثُمَّ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي قَضَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لِلِاخْتِلَافِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى مَنْ أَفْسَدَ بِمَنْ يُصَلِّي مَنْذُورَةً إلَّا إذَا كَانَ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْسَدَاهُ، ثُمَّ قَضَيَاهُ بِالِاقْتِدَاءِ يَجُوزُ لِلِاتِّحَادِ، وَمُصَلِّيَا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَالنَّاذِرَيْنِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ هَذَا غَيْرُ طَوَافِ الْآخَرِ وَهُوَ السَّبَبُ فَهُوَ اقْتِدَاءُ الْوَاجِبِ بِالنَّفْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَشَارَ بِمَنْعِ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ آخَرَ إلَى مَنْعِ اقْتِدَاءِ النَّاذِرِ بِالْحَالِفِ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَةَ أَقْوَى مِنْ الْمَحْلُوفِ بِهَا لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ قَصْدًا وَوُجُوبُ الْمَحْلُوفِ بِهَا عَارِضٌ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ، وَلِهَذَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الْحَالِفِ بِالْحَالِفِ وَالْحَالِفِ بِالنَّاذِرِ وَصُورَةُ الْحَلِفِ بِهَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَأُصَلِّيَنَّ رَكْعَتَيْنِ، وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْحَالِفِ بِالْمُتَطَوِّعِ أَوْ الْمُفْتَرِضِ جَائِزٌ بِخِلَافِ اقْتِدَاءِ النَّاذِرِ بِالْمُتَطَوِّعِ أَوْ الْمُفْتَرِضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْحَالِفِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهَا نَفْلًا بِالْحَلِفِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا وَاجِبَةٌ لِتَحَقُّقِ الْبِرِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ خَلْفَ الْمُتَطَوِّعِ، وَلَوْ اقْتَدَى مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْوِتْرِ فِيهِ بِمَنْ يَرَى سُنِّيَّتَهُ صَحَّ لِلِاتِّحَادِ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِقَادِ، وَلَوْ اقْتَدَى مَنْ يُصَلِّي سُنَّةً بِمَنْ يُصَلِّي سُنَّةً أُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْقَبْلِيَّةَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُجْتَبَى وَأَطْلَقَ فِي مَنْعِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فَشَمِلَ الِاقْتِدَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَفِي بَعْضِهَا وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَاقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فَسَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ قَبْلَ السُّجُودِ فَاسْتَخْلَفَهُ صَحَّ وَيَأْتِي بِالسَّجْدَتَيْنِ وَيَكُونَانِ نَفْلًا لِلْخَلِيفَةِ حَتَّى يُعِيدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَفَرْضًا فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ لِمَنْعِ النَّفْلِيَّةِ فِي حَقِّ الْخَلِيفَةِ بَلْ هُمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ تَرَكَهُمَا فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ فَلَزِمَهُ مَا لَزِمَهُ وَكَذَا لَا يَرِدُ الْمُتَنَفِّلُ إذَا اقْتَدَى بِالْمُفْتَرِضِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ أَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُنْتَفَلِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ لِكَوْنِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي أَخَذَتْ حُكْمَ الْفَرْضِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ، وَلِذَا لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَلِذَا لَوْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ، وَالتَّحْقِيقُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ مَحْظُورَةٌ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهَا مَفْرُوضَةٌ؟ فَالْحَقُّ أَنَّ الْإِيرَادَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَسْبُوقِ بِالْمَسْبُوقِ وَلَا اللَّاحِقِ بِاللَّاحِقِ، وَكَذَا الْمُقِيمَانِ إذَا اقْتَدَيَا بِالْمُسَافِرِ، ثُمَّ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ صَلَّيَا الظُّهْرَ وَنَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَامَةَ صَاحِبِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا، وَلَوْ نَوَيَا الِاقْتِدَاءَ فَسَدَتْ وَمِنْ مُخْتَلِفَيْ الْفَرْضِ الظُّهْرُ خَلْفَ الْجُمُعَةِ أَوْ عَكْسُهُ، وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ مَنْ اقْتَدَى فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْفِرَادُ كَالْمَسْبُوقِ إذَا اقْتَدَى بِمَسْبُوقٍ أَوْ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَمَا إذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَلَمْ يَعُدْ الْمَسْبُوقُ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّمَانِيَةِ فَسَدَ الِاقْتِدَاءُ، وَلَمْ يُذْكَرْ هَلْ يَصِيرُ شَارِعًا أَوْ لَا لِلِاخْتِلَافِ قَالُوا فِيهِ رِوَايَتَانِ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ وَفِي الْمُحِيطِ الصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ يَعْنِي عَدَمَ الشُّرُوعِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَطَوِّعًا لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنْ يُقَالَ إنْ فَسَدَ لَفَقَدَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَمُصَلِّيَا) تَثْنِيَةُ مُصَلٍّ مَرْفُوعٌ بِالْأَلِفِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَسَقَطَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ كَنُونِ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ كَالنَّاذِرَيْنِ خَبَرٌ. (قَوْلُهُ فَشَمِلَ الِاقْتِدَاءَ إلَخْ) رَدٌّ لِمَا قِيلَ إنَّمَا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ لَا فِي بَعْضِهِمَا مُسْتَدِلًّا بِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَبِالْفَرْعِ الَّذِي بَعْدَهُ (قَوْلُهُ لِمَنْعِ النَّفْلِيَّةِ) أَيْ نَفْلِيَّةِ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الْوُرُودِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْعَامَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَمَنَعُوا نَفْلِيَّةَ السَّجْدَتَيْنِ بَلْ هُمَا فَرْضٌ عَلَى الْخَلِيفَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ فَالْحَقُّ أَنَّ الْإِيرَادَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ) أَيْ الْإِيرَادُ الثَّانِي قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَحُظِرَتْ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ إيَّاهَا عَنْهُ وَلَوْ صَحَّ مَا ادَّعَاهُ لَبَطَلَ تَعْلِيلُهُمْ عَدَمَ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ بَعْدَ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَلَمْ يَعُدْ الْمَسْبُوقُ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ انْفِرَادُهُ بِأَنْ كَانَ لَمْ يَسْجُدْ لِلرَّكْعَةِ وَإِلَّا فَلَا يُتَابِعُهُ وَإِنْ تَابَعَهُ فَسَدَتْ

شَرْطُ الصَّلَاةِ كَالطَّاهِرِ خَلْفَ الْمَعْذُورِ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَارِعًا فِيهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْقَضَاءِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِهِ فَصَارَ كَالظَّانِّ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي حَقِّ بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ اهـ. وَيَرُدُّ هَذَا التَّفْصِيلَ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي كَافِيهِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا نَوَتْ الْعَصْرَ خَلْفَ مُصَلِّي الظُّهْرِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهَا وَلَمْ تُفْسِدْ عَلَى الْإِمَامِ صَلَاتَهُ اهـ. فَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صِحَّةِ شُرُوعِهَا لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ رَجُلٌ قَارِئٌ دَخَلَ فِي صَلَاةِ أُمِّيٍّ تَطَوُّعًا أَوْ فِي صَلَاةِ امْرَأَةٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ تَامَّةٍ اهـ. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ تَصْحِيحُ الْمُحِيطِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ الْكَافِيَ جَمَعَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ مِنْ الْحَائِلِ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالْإِمَامِ طَرِيقٌ يَمُرُّ فِيهِ النَّاسُ أَوْ نَهْرٌ عَظِيمٌ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً عَلَى الطَّرِيقِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ، وَقَدَّمَ قَبْلَهُ أَنَّ صَفَّ النِّسَاءِ مُفْسِدٌ لِصَلَاةِ الصُّفُوفِ الَّتِي وَرَاءَهُ كُلِّهَا اسْتِحْسَانًا فَالْمَانِعُ ثَلَاثَةٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ حَائِطٌ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ اهـ. أَطْلَقَ فِي الْحَائِطِ فَشَمِلَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَمَا يَشْتَبِهُ فِيهِ حَالُ الْإِمَامِ أَوْ لَا لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا بِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى الْإِمَامِ فَهُوَ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَلَمْ يُشْتَبَهْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَوْ قَامَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَاقْتَدَى بِالْإِمَامِ أَوْ فِي الْمِئْذَنَةِ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمَا بَابٌ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَبِهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَبِهُ فَعَلَى الْخِلَافِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ اخْتَارَ الصِّحَّةَ، وَكَذَا عَلَى جِدَارٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQكَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَيَرُدُّ هَذَا التَّفْصِيلَ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ قَدَّمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُحَاذَاةِ عَنْ السِّرَاجِ أَنَّ الصَّحِيحَ فَسَادُ صَلَاتِهِ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِمَا سَيَأْتِي وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ حَيْثُ قَالَ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ هَلْ يَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا، وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّ لِلصَّلَاةِ جِهَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَلَهَا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَعَزَاهُ الزَّيْلَعِيُّ إلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ قَالَ قَالُوا فِيهِ رِوَايَتَانِ لَكِنْ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ لَا يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهَا يَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَاةُ الْفَرْضِ أَيْ لَمْ تُجْزِهَا هَذِهِ الصَّلَاةُ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ الَّتِي نَوَتْهَا مَعَ الْإِمَامِ لِفَسَادِ اقْتِدَائِهَا وَإِنْ صَحَّ شُرُوعُهَا نَفْلًا، وَلِذَا قَالَ وَلَمْ تُفْسِدْ عَلَى الْإِمَامِ صَلَاتَهُ أَيْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا وَعِبَارَةُ الْحَاكِمِ الثَّانِيَةُ أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ أَفْسَدَهَا صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ شُرُوعِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ تَامَّةٍ يُفِيدُ دُخُولَهُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ أَيْ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ نَفْلًا غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْقَضَاءِ وَهَذَا يَرُدُّ تَفْصِيلَ الزَّيْلَعِيِّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْفَسَادَ فِي عِبَارَةِ الْحَاكِمِ الثَّانِيَةِ لِفَقْدِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَمَعَ هَذَا دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ شُرُوعِهِ فِي نَفْلٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ كَلَامَ الْحَاكِمِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ مِنْ تَصْحِيحِ الشُّرُوعِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَسَدَ اقْتِدَاؤُهُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ تَصْحِيحُ السِّرَاجِ وَهُوَ مَا نَصَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى. (قَوْلُهُ أَطْلَقَ فِي الْحَائِطِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ، فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا ذَلِيلًا بِأَنْ كَانَ طُولُهُ دُونَ الْقَامَةِ وَعَرْضُهُ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَى مَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَا يَمْنَعُ لِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَابٌ أَوْ كُوَّةٌ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى الْإِمَامِ مِنْهُ وَهُوَ مَفْتُوحٌ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَسْدُودًا أَوْ الْكُوَّةُ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ النُّفُوذُ مِنْهَا أَوْ مُشَبَّكَةً فَإِنْ كَانَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ لَا يَمْنَعُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا اخْتَارَهُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ بِأَنْ كَانَ عَرِيضًا طَوِيلًا وَلَيْسَ فِيهِ ثُقْبٌ مَنَعَ اهـ. (قَوْلُهُ فَشَمِلَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْحَائِطُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) فِي الْخَانِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا وَعَلَيْهِ بَابٌ مَفْتُوحٌ أَوْ ثُقْبٌ لَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ يُمْكِنُهُ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً صَحَّ الِاقْتِدَاءُ فِي قَوْلِهِمْ. زَادَ فِي الْخُلَاصَةِ قَوْلَهُ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَابٌ مَسْدُودٌ أَوْ ثُقْبٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الْبَنْجَرَةِ لَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ لَا يُمْكِنُهُ لَكِنْ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا لِاشْتِبَاهِ حَالِ الْإِمَامِ وَعَدَمِهِ لَا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ مُتَابَعَةٌ وَمَعَ الِاشْتِبَاهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُتَابَعَةُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْفَيْضِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَاَلَّذِي يُصَحِّحُ هَذَا الِاخْتِيَارَ مَا رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - اهـ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.

[اقتداء متوضئ بمتيمم]

بَيْنَ دَارِهِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَدَى مِنْ سَطْحِ دَارِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي الصَّحْرَاءِ وَبَيْنَهُمَا قَدْرُ صَفَّيْنِ فَصَاعِدًا لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَدُونَهُ يَصِحُّ وَصَحَّحَ أَنَّ النَّهْرَ الْعَظِيمَ مَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وَفِي الْمُجْتَبَى وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَا تَصِحُّ فِي دَارِ الضِّيَافَةِ إلَّا إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ اهـ. وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ مِنْ صَحْنِ الْخَانْقَاهْ الشَّيْخُونِيَّةِ بِالْإِمَامِ فِي الْمِحْرَابِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ؛ لِأَنَّ الصَّحْنَ فِنَاءُ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْخَلَاوِي السُّفْلِيَّةِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَهَا فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَشْتَبِهْ حَالُ الْإِمَامِ، وَأَمَّا اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْخَلَاوِي الْعُلْوِيَّةِ بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ حَتَّى الْخَلْوَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَوْقَ الْإِيوَانِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ أَبْوَابَهَا خَارِجَةٌ عَنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ اشْتَبَهَ حَالُ الْإِمَامِ أَوْ لَا كَالْمُقْتَدِي مِنْ سَطْحِ دَارِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ. (قَوْلُهُ لَا اقْتِدَاءُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ) أَيْ لَا يَفْسُدُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الِاقْتِدَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهَا فَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إلَى فَسَادِهِ، وَذَهَبَا إلَى صِحَّتِهِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْخَلْفِيَّةَ هَلْ هِيَ بَيْنَ الْآلَتَيْنِ وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَبِهِ قَالَا أَوْ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ فَعِنْدَهُ هُوَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَعِنْدَهُمَا الطَّهَارَتَانِ سَوَاءٌ وَتَمَامُهُ فِي الْأُصُولِ وَتَرَجَّحَ الْمَذْهَبُ بِفِعْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ صَلَّى بِقَوْمِهِ بِالتَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَهُمْ مُتَوَضِّئُونَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالْإِعَادَةِ حِينَ عَلِمَ، وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مَعَ الْمُتَوَضِّئِينَ مَاءٌ أَوْ لَا لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُتَوَضِّئِينَ مَاءٌ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ يُبْتَنَى عَلَى فَرْعٍ إذَا رَأَى الْمُتَوَضِّئُ الْمُقْتَدِي بِمُتَيَمِّمٍ مَاءً فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِوُجُودِ الْمَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ أَنَّ مَحَلَّ الْفَسَادِ عِنْدَهُمْ إذَا ظَنَّ عِلْمَ إمَامِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ فَسَادَ صَلَاةِ إمَامِهِ بِذَلِكَ. اهـ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ جِهَةَ الْإِطْلَاقِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَوَقُّتِهَا وَجِهَةَ الضَّرُورَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَصِيرَ إلَيْهَا ضَرُورَةُ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ جِهَةَ الضَّرُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ احْتِيَاطًا وَجِهَةَ الْإِطْلَاقِ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ احْتِيَاطًا وَهُمَا اعْتَبَرَا جِهَةَ الْإِطْلَاقِ هُنَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَجِهَةَ الضَّرُورَةِ فِي الرَّجْعَةِ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ جَوَازُ إمَامَةِ مَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَتَيَمُّمِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَدَى مِنْ سَطْحِ دَارِهِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ سَطْحِ دَارِهِ كَثِيرُ التَّخَلُّلِ فَصَارَ الْمَكَانُ مُخْتَلِفًا أَمَّا فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَتَخَلَّلْ إلَّا الْحَائِطُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ كَذَا فِي الدُّرَرِ إذْ لَا فَاصِلَ مِنْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ أَوْ نَهْرٍ كَبِيرٍ كَذَا فِي شَرْحِ الدُّرَرِ لِلشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ قَالَ فِي الشرنبلالية هَذَا خِلَافُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِرِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحَدَثِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْصُلُ بِهِ اخْتِلَافُ الْمَكَانِ فَلَا يُعَدُّ فَاصِلًا كَمَا لَوْ اقْتَدَى عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ حَائِطٌ وَلَمْ يَحْصُلْ اشْتِبَاهٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَكَانِ مَانِعٌ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَبِهْ لَا يَمْنَعُ وَلَا عِبْرَةَ بِالْوُصُولِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا الْفَاصِلُ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ فَضَاءٍ فَإِنَّهُ مَانِعٌ وَلَوْ لَمْ يَشْتَبِهْ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ. (قَوْلُهُ وَصَحَّحَ أَنَّ النَّهْرَ الْعَظِيمَ مَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَذَكَرَ كَثِيرٌ فِي الطَّرِيقِ أَنَّهُ مَا تَمُرُّ فِيهِ الْعَجَلَةُ (قَوْلُهُ وَأَمَّا اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْخَلَاوِي الْعُلْوِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية تَفْرِيعٌ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِمَا قَالَهُ فِي الْبُرْهَانِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ كَبِيرٌ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ مِنْهُ إلَى الْإِمَامِ وَلَكِنْ لَا يَشْتَبِهُ حَالُهُ عَلَيْهِ بِسَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةٍ لِانْتِقَالَاتِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ اهـ. وَعَلَى الصَّحِيحِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمَحَالِّ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْغَزْنَوِيِّ وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَالُ الْإِمَامِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ لَكِنْ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَالُ الْإِمَامِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ اهـ. وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ؛ لِأَنَّ لِسَطْحِ الْمَسْجِدِ حُكْمَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ الْكُلُّ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ سَطْحِ دَارِهِ تَأَمَّلْ [اقْتِدَاءُ مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ] (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ عَلَّلَ الشَّارِحُ الْبُطْلَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ بِأَنَّ إمَامَهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَاءِ بِإِخْبَارِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَسَادِ هُنَا هُوَ فَسَادُ الْوَصْفِ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ الْمُتَوَضِّئُ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ أَوْ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ فَائِتَةٌ لَا يَذْكُرُهَا أَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَالْمُقْتَدِي يَعْلَمُ فَقَهْقَهَ الْمُقْتَدِي كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّارِحُ أَنْ يَبْطُلَ الْأَصْلُ أَيْضًا إذْ الْفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطٍ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَتَأَمَّلْ. اهـ. .

[اقتداء غاسل بماسح في الصلاة]

الْمُتَوَضِّئِينَ. (قَوْلُهُ وَغَاسِلٍ بِمَاسِحٍ) لِاسْتِوَاءِ حَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، وَإِنْ جُعِلَ فِي حَقِّهَا مَعْدُومًا لِلضَّرُورَةِ. أَطْلَقَ الْمَاسِحَ فَشَمِلَ مَاسِحَ الْخُفِّ وَمَاسِحَ الْجَبِيرَةِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ (قَوْلُهُ وَقَائِمٍ بِقَاعِدٍ وَبِأَحْدَبَ) أَيْ لَا يَفْسُدُ اقْتِدَاءُ قَائِمٍ بِقَاعِدٍ وَبِأَحْدَبَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُهُمَا وَحَكَمَ مُحَمَّدٌ بِالْفَسَادِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَهُمَا اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَهُمْ قِيَامٌ وَهُوَ آخِرُ أَحْوَالِهِ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إمَامًا وَأَبُو بَكْرٍ مُبَلِّغًا لِلنَّاسِ تَكْبِيرَهُ وَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْمُؤَذِّنِينَ أَصْوَاتَهُمْ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــQ [اقْتِدَاء غَاسِلٍ بِمَاسِحٍ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَبِهِ اسْتَدَلَّ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ خُصُوصَ الرَّفْعِ الْكَائِنِ فِي زَمَانِنَا بَلْ أَصْلُ الرَّفْعِ لِإِبْلَاغِ الِانْتِقَالَاتِ أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الَّذِي تَعَارَفُوهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ فَإِنَّهُ غَالِبًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ بَائِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ؛ لِأَنَّهُمْ بَالِغُونَ فِي الصِّيَاحِ زِيَادَةً عَلَى حَاجَةِ الْإِبْلَاغِ وَالِاشْتِغَالِ بِتَحْرِيرَاتِ النَّغَمِ إظْهَارًا لِلصِّنَاعَةِ النَّغَمِيَّةِ لَا إقَامَةً لِلْعِبَادَةِ وَالصِّيَاحُ مُلْحَقٌ بِالْكَلَامِ الَّذِي بِسَاطُهُ ذَلِكَ الصِّيَاحُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لَا تَفْسُدُ وَلِمُصِيبَةٍ بَلَغَتْهُ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَعْرِضُ بِسُؤَالِ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ إنْ كَانَ يُقَالُ إنَّ الْمُرَادَ إذَا حَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا تَفْسُدُ، وَفِي الثَّانِي لِإِظْهَارِهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا فَقَالَ وَامُصِيبَتَاهُ أَوْ أَدْرِكُونِي أَفْسَدَ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَهُنَا مَعْلُومٌ أَنَّ قَصْدَهُ إعْجَابُ النَّاسِ بِهِ وَلَوْ قَالَ اعْجَبُوا مِنْ حُسْنِ صَوْتِي وَتَحْرِيرِي فِيهِ أَفْسَدَ وَحُصُولُ الْحَرْفِ لَازِمٌ مِنْ التَّلْحِينِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَصْدُرُ مِمَّنْ فَهِمَ مَعْنَى الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا نَوْعُ لَعِبٍ فَإِنَّهُ لَوْ قَدَرَ فِي الشَّاهِدِ سَائِلُ حَاجَةٍ مِنْ مَلِكٍ أَدَّى سُؤَالَهُ وَطَلَبَهُ بِتَحْرِيرِ النَّغَمِ فِيهِ مِنْ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَالتَّغْرِيبِ وَالرُّجُوعِ كَالتَّغَنِّي نُسِبَ أَلْبَتَّةَ إلَى قَصْدِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّعِبِ إذْ مَقَامُ طَلَبِ الْحَاجَةِ التَّضَرُّعُ لَا التَّغَنِّي اهـ. وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ، وَقَدْ أَجَادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا أَوْضَحَ وَأَفَادَ اهـ. أَقُولُ: فِي كَوْنِ الصِّيَاحِ بِمَا هُوَ ذُكِرَ مُلْحَقًا بِالْكَلَامِ فَيَكُونُ مُفْسِدًا وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهُ أَوْ بَاءِ أَكْبَرُ نُظِرَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي السِّرَاجِ بِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ فَوْقَ حَاجَةِ النَّاسِ فَقَدْ أَسَاءَ اهـ. وَالْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ لَا تُوجِبُ فَسَادًا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ يَئُولَ بِالْآخِرَةِ إلَى أَنَّ الْإِفْسَادَ إنَّمَا حَصَلَ بِحُصُولِ الْحَرْفِ لَا بِمُجَرَّدِ رَفْعِ الصَّوْتِ زِيَادَةً عَلَى حَاجَةِ الْإِبْلَاغِ وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا ارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ لِمُصِيبَةٍ بَلَغَتْهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا ذُكِرَ بِصِيغَةٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ وَالْمُفْسِدُ لِلصَّلَاةِ الْمَلْفُوظُ لَا عَزِيمَةُ الْقَلْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ ارْتِفَاعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ لِمُصِيبَةٍ بَلَغَتْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ فَيَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ مُنْقَطِعٌ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهَا أَنْ يَقِيسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ زَيْنُ بْنُ نُجَيْمٍ فِي رَسَائِلِهِ كَذَا ذَكَرَ السَّيِّدُ أَحْمَدُ الْحَمَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَوْلُ الْبَلِيغُ فِي حُكْمِ التَّبْلِيغِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قُلْت - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - الْحَقُّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ مِنْ النَّظَرِ فَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الْفَسَادَ مَبْنِيًّا عَلَى مُجَرَّدِ الرَّفْعِ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِ بِمَا فِي السِّرَاجِ بَلْ بَنَاهُ عَلَى زِيَادَةِ الرَّفْعِ الْمُلْحَقِ بِالصِّيَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النَّغَمِ مَعَ قَصْدِ إظْهَارِهِ لِذَلِكَ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ إقَامَةِ الْعِبَادَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ إلَخْ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ مَبْنَى الْفَسَادِ مَا مَرَّ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ حُرُوفٌ زَائِدَةٌ فَمُجَرَّدُ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْفَسَادِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ أَوَّلِ كَلَامِهِ وَآخِرِهِ حَيْثُ قَالَ فَإِنَّهُ لَوْ قَدَرَ فِي الشَّاهِدِ إلَخْ فَقَوْلُهُ وَحُصُولُ الْحَرْفِ لَازِمٌ مِنْ التَّلْحِينِ بَيَانٌ لِشَيْءٍ يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ الْمُفْسِدُ مِمَّا قَدْ يَكُونُ مُفْسِدًا فِي نَفْسِهِ وَإِنْ فُرِضَ عَدَمُ إفْسَادِ الْمَلْزُومِ بِأَنْ يَمُدَّ هَمْزَةَ الْجَلَالَةِ أَوْ بَاءَ أَكْبَرُ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا ذُكِرَ بِصِيغَةِ إلَخْ كَلَامٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بَانِيًا عَلَيْهِ عَدَمَ الْفَسَادِ فِيمَا لَوْ فَتَحَ الْمُصَلِّي عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ أَوْ أَجَابَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ أَمَعَ اللَّهِ إلَهٌ أَوْ أَخْبَرَ بِمَا سَرَّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ بِمَا يُعْجِبُهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَلَى قَصْدِ الْجَوَابِ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَالْمَذْهَبُ الْفَسَادُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فِي الْأُولَى وَفِيمَا بَقِيَ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ مَنَاطَ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ عِنْدَهُمَا كَوْنُهُ لَفْظًا أُفِيدَ بِهِ مَعْنَى لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ لَا كَوْنُهُ وُضِعَ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِعَزِيمَتِهِ مَمْنُوعٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ قَالَ فِي النَّهْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُنُبَ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ جَازَ. اهـ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَشْيَاءَ تُفْسِدُ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ كِتَابٌ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيَى فَقَالَ يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَنَحْوَهَا مِمَّا سَيَأْتِي وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ مُنْقَطِعٌ إلَخْ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ هُوَ تَخْرِيجٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَصْلِهِمَا كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمَشَايِخِ كَقَاضِي خَانْ وَأَضْرَابِهِ مِنْ تَخْرِيجِهِمْ مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَصْلٍ ظَاهِرٍ وَمِثْلُهُ مَا يَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ كَذَا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَاسِ كَيْفَ يُسَوَّغُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ

[اقتداء متنفل بمفترض في الصلاة]

الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَلَيْسَ هُوَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ قِيَامٌ مِنْ وَجْهٍ كَالرُّكُوعِ لِانْتِصَابِ أَحَدِ نِصْفَيْهِ وَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُنْحَنَى مِنْ الْهَرَمِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِيمَاءُ فَإِنَّهُ بَعْضُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِالْمُومِئِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، وَلِهَذَا جَازَ تَرْكُهُ فِي النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَجَازَ أَنْ يَسُدَّ النَّاقِصُ مَسَدَّهُ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ فَكَانَ حَالُ الْإِمَامِ مِثْلَ حَالِ الْمُقْتَدِي فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ نِهَايَةُ التَّعَبُّدِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُمَا رُكْنَانِ مَقْصُودَانِ، وَقَدْ فَاتَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ الْمُومِئِ وَلِأَنَّ الْقُعُودَ يُسَمَّى قِيَامًا يُقَالُ لِمَنْ قَعَدَ نَاهِضًا عَنْ نَوْمِهِ قَامَ عَنْ فِرَاشِهِ وَقَامَ عَنْ مَضْجَعِهِ وَيُقَالُ لِلْمُضْطَجِعِ قُمْ وَاقْرَأْ فَإِذَا نَهَضَ وَقَعَدَ يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ بِالْقِيَامِ بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى سُجُودًا، وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى فَرْقًا إجْمَالِيًّا وَهُوَ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَلَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِيمَاءِ وَالسُّجُودِ وَلَا بَيْنَ الْقُعُودِ وَالِاسْتِلْقَاءِ، وَفِي الْحَقَائِقِ الْخِلَافُ فِي قَاعِدٍ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُومِئُ وَالْقَوْمُ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ الِاقْتِدَاءُ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ حَيْثُ كَانَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ أَمَّا فِي النَّفْلِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ فِي التَّرَاوِيحِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْأَحْدَبِ فَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا بَلَغَ حَدَبُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ وَمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ وَلَا خِلَافَ فِي الثَّانِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوَّلِ فَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَحْدَبِ لِلْقَائِمِ هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَقِيلَ يَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْقَاعِدِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ اسْتِوَاءُ النِّصْفِ الْأَعْلَى، وَفِي الْحَدَبِ اسْتِوَاءُ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ اقْتِدَاءَ الْقَاعِدِ خَلْفَ مِثْلِهِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الِاقْتِدَاءُ بِالْأَعْرَجِ أَوْ مَنْ بِقَدَمِهِ عِوَجٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ النَّازِلِ بِالرَّاكِبِ، وَلَوْ صَلَّوْا عَلَى الدَّابَّةِ بِجَمَاعَةٍ جَازَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ وَمُومِئٍ بِمِثْلِهِ) أَيْ لَا يَفْسُدُ اقْتِدَاءُ مُومِئٍ بِمُومِئٍ لِاسْتِوَاءِ حَالِهِمَا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُومِئُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُضْطَجِعًا وَالْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقُوَّةِ حَالِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ مُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ، وَفِي الشُّرَّاحِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ رَدًّا لِمَا صَحَّحَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ مِنْ الْجَوَازِ عِنْدَ الْكُلِّ. (قَوْلُهُ وَمُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ) أَيْ لَا يَفْسُدُ اقْتِدَاءُ مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ وَالْقِرَاءَةُ فِي النَّفْلِ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ نَفْلًا فِي الْفَرْضِ لَكِنْ إنَّمَا تَكُونُ فَرْضًا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَمَّا إذَا كَانَ مُقْتَدِيًا فَلَا؛ لِأَنَّهَا مَحْظُورَةٌ كَذَا فِي الْغَايَةِ وَلِأَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ صَارَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ فِي الْقِرَاءَةِ فَكَانَتْ نَفْلًا فِيهِمَا فِي حَقِّهِ كَإِمَامِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ اقْتِدَاءَ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ اخْتِلَافًا وَأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQمَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ انْقَطَعَ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ) أَيْ ضَعْفُ مَا صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَصِحُّ عِنْدَهُمَا إمَامَةُ الْقَاعِدِ لِلْقَائِمِ وَالْأَحْدَبُ لَيْسَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْقَاعِدِ فَتَصْحِيحُ عَدَمِ الْجَوَازِ غَيْرُ ظَاهِرٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ التَّصْحِيحُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَحْدَبِ لِلْقَائِمِ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ يَصِحُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ. فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَيْ مِنْ قَوْلَيْ مُحَمَّدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّهْرِ قَالَ وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا فَجَزَمَ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. [اقْتِدَاءُ مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضِ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ اخْتِلَافًا إلَخْ) قَالَ فِي الشرنبلالية قُلْتُ: لَيْسَ فِي عِبَارَةِ قَاضِي خَانْ نَفْيُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالْمَكْتُوبَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ إذَا صَلَّى التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً غَيْرَ التَّرَاوِيحِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ وَلَمْ يَنْوِ التَّرَاوِيحَ وَلَا صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِرَجُلٍ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ الْمَكْتُوبَةَ وَلَا صَلَاةَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. اهـ. وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ مَنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَلَى الْقَلْبِ يَجُوزُ اهـ. نَعَمْ مَا نَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ لِقَاضِي خَانْ صَرَّحَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ فَقَالَ لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ بِمَنْ يُصَلِّي نَافِلَةً غَيْرَ التَّرَاوِيحِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِهَا عَنْ التَّرَاوِيحِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لِمَا سَنَذْكُرُ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى كُلِّ شَفْعٍ يُكْرَهُ اهـ. أَقُولُ: حَيْثُ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ إذَا صَلَّى التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمُتَنَفِّلِ بِغَيْرِهَا لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ يَكُونُ ذَلِكَ تَصْحِيحًا لِعَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ مُصَلِّي

[اقتدى أمي وقارئ بأمي أو استخلف أميا في الأخريين]

الْجَوَازِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُتَنَفِّلِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ، وَفِي اقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ فِي الْوِتْرِ بِمَنْ يَرَاهُ سُنَّةً اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ فِي شَفْعِ التَّرْوِيحَةِ، ثُمَّ أَمَّهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّفْعِ جَازَ، وَكَذَا إذَا اقْتَدَى فِي سُنَّةِ الْعِشَاءِ بِمَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ أَوْ فِي السُّنَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِمَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ صَحَّ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ فَالْمُرَادُ بِالْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِالْفَرْضِ لَا الْإِعَادَةُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ الْجَابِرَةُ لِلنَّقْصِ فِي الْمُؤَدَّى فَلَوْ قَالَ بَطَلَتْ لَكَانَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْمَعْدُومِ مُحَالٌ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الْإِمَامَ عَدِمَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا، وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ أَخْبَرَهُمْ الْإِمَامُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ شَهْرًا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ لَا يَلْزَمُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِكُفْرِهِ، وَقَوْلُ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ فَكَيْفَ قَوْلُ الْكَافِرِ اهـ. وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ إذَا صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ عَمْدًا لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي قَوْلٍ بِسُنِّيَّتِهَا، وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْلِمَ الْجَمَاعَةَ بِحَالِهِ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْإِمَام الْإِعْلَامُ إذَا كَانُوا قَوْمًا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَلَوْ أَمَّ قَوْمًا مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ يَجِبُ الْإِخْبَارُ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ بِلِسَانِهِ أَوْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ؛ لِأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ خَطَإٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَعَنْ الْوَبَرِيِّ يُخْبِرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَنَظِيرُهُ إذَا رَأَى غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ. اهـ. . (قَوْلُهُ وَإِنْ اقْتَدَى أُمِّيٌّ وَقَارِئٌ بِأُمِّيٍّ أَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ أَمَّ قَوْمًا مَعْذُورِينَ وَغَيْرَ مَعْذُورِينَ فَصَارَ كَمَا إذَا أَمَّ الْعَارِي عُرَاةً وَلَابِسِينَ وَلَهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِالْقَارِئِ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَهُ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي. قَيَّدَ بِالِاقْتِدَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي الْأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا رَغْبَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ لَوْ افْتَتَحَ الْأُمِّيُّ، ثُمَّ حَضَرَ الْقَارِئُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ بَعْدَ افْتِتَاحِ الْقَارِئِ فَلَمْ يَقْتَدِ بِهِ وَصَلَّى مُنْفَرِدًا الْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ وَأَشَارَ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ إلَى صِحَّةِ شُرُوعِ الْقَارِئِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي فَرْضِ التَّحْرِيمَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يُقَالُ لِمَ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُقْتَدِي إذَا أَفْسَدَ، وَقَدْ صَحَّ شُرُوعُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّرَاوِيحِ بِالْمُفْتَرِضِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ أَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ التَّعْيِينِ وَالْإِمَامُ غَيْرُ مُعَيِّنٍ لِلتَّرَاوِيحِ سَوَاءٌ كَانَ مُصَلِّيًا نَفْلًا أَوْ فَرْضًا فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ التَّرَاوِيحِ مِنْ الْمُقْتَدِي، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوِيهِ ضِمْنَ رِسَالَةٍ فَقَالَ فَصْلٌ إذَا صَلَّى التَّرَاوِيحَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ وِتْرًا أَوْ نَافِلَةً غَيْرَ التَّرَاوِيحِ اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ بَنَى هَذَا الِاخْتِلَافَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي النِّيَّةِ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ إنَّ التَّرَاوِيحَ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّتِهَا فَلَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ وَهِيَ بِخِلَافِ نِيَّتِهِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ إنَّهَا تَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هُنَا إنَّهُ يَصِحُّ وَالْأَصَحُّ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْعِشَاءِ وَبَنَى عَلَيْهَا التَّرَاوِيحَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ اهـ. ثُمَّ رَاجَعْت الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةَ فَوَجَدْت فِيهَا مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فَظَهَرَ أَنَّ فِي نُسْخَةِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ سَقْطًا وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ بِأَنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَحْدَثَ ثُمَّ صَلَّى أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَامُ عَنْ نَفْسِهِ وَكَانَ عَدْلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُدِبَ فَقَطْ كَذَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ بَطَلَتْ لَكَانَ أَوْلَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْبُطْلَانُ يُؤْذِنُ بِسَبْقِ الصِّحَّةِ. نَعَمْ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَا يُجْتَزَى بِمَا أَدَّاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحْدِثَ كَمَا عَرَفْت لَيْسَ قَيْدًا فَلَوْ قَالَ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ بِإِمَامِهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ أَعَادَهَا لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا لَوْ أَخَلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ وَالْعِبْرَةُ لِرَأْيِ الْمُقْتَدِي حَتَّى لَوْ رَأَى عَلَى الْإِمَامِ نَجَاسَةً أَقَلَّ مِنْ الدِّرْهَمِ وَاعْتَقَدَ الْمُقْتَدِي أَنَّهُ مَانِعٌ وَالْإِمَامُ خِلَافُهُ أَعَادَ وَفِي عَكْسِهِ وَالْإِمَامُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ لَا يُعِيدُ، وَلَوْ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَإِذَا قَطْرَةٌ مِنْ دَمٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ أَعَادَ الْمُقْتَدِي لِفَسَادِ صَلَاتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (قَوْلُهُ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّهُ سَكَتَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ صَوَابُهُ لَا؛ لِأَنَّهُ سَكَتَ إلَخْ فَحَرْفُ النَّفْيِ سَاقِطٌ مِنْ خَطِّهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ فِي الْحَاوِي الزَّاهِدِي (يو) عَلِمَ الْإِمَامُ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ لَا يَسَعُهُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ (صبح) تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ (حك) لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ؛ لِأَنَّهُ مَا سَكَتَ عَنْ مَعْصِيَةٍ بَلْ خَطَأٍ مَعْفُوٍّ عَنْهُ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ جَوَابِ (يو صبح) وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو يُوسُفَ وَسَوَاءٌ كَانَ فَسَادُ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ صَلَاتِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ الْإِمَامَ إخْبَارُهُمْ بِذَلِكَ أَصْلًا. اهـ. . [اقْتَدَى أُمِّيٌّ وَقَارِئٌ بِأُمِّيٍّ أَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ] (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ)

[باب الحدث في الصلاة]

شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْأُمِّيِّ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَصَحَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ عَدَمَ صِحَّةِ شُرُوعِهِ، وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ بِالْقَهْقَهَةِ وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ مَا إذَا عَلِمَ الْأُمِّيُّ أَنَّ خَلْفَهُ قَارِئًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا الْحَالُ بَيْنَ الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَشَمِلَ مَا إذَا نَوَى الْأُمِّيُّ إمَامَةَ الْقَارِئِ أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ تَرْكُ الْفَرْضِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الرَّغْبَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ الْفَسَادَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ وَالْأَخْرَسَ إذَا اقْتَدَيَا بِالْأَخْرَسِ فَهُوَ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ شُرُوعُ الْقَارِئِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الِاسْتِوَاءِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ أَمَّ مَنْ يَقْرَأُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ الْقَارِئِينَ جَازَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَالْأَخْرَسُ إذَا أَمَّ خُرْسَانًا جَازَتْ صَلَاتُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي إمَامَةِ الْأَخْرَسِ الْأُمِّيَّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ اهـ فَالْحَاصِلُ أَنَّ إمَامَةَ الْإِنْسَانِ لِمُمَاثِلِهِ صَحِيحَةٌ إلَّا إمَامَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِمِثْلِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلِمَنْ دُونَهُ صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا وَلِمَنْ فَوْقَهُ لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِتَأَدِّي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ فَلَا تَخْلُو عَنْ الْقِرَاءَةِ إمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلَا تَقْدِيرَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَدْ اسْتَحْلَفَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ. أَمَّا صَلَاةُ الْإِمَامِ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا، وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا قَدَّمَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَيْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ أَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ وَقِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَسَائِلِ الْأُمِّيِّ قُدْرَةَ الْغَيْرِ مَعَ أَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْقَادِرَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ لَيْسَ بِقَادِرٍ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ أَمَّا هُنَا الْأُمِّيُّ قَادِرٌ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْقَارِئِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْقَارِئِ فَيُنَزَّلُ قَادِرًا عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ تَحَرَّمَ نَاوِيًا أَنْ يَؤُمَّ أَحَدًا فَائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْأُمِّيُّ فِي اللُّغَةِ مَنْسُوبٌ إلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ وَلَا تَقْرَأُ فَاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأُمِّيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ كُلُّ الِاجْتِهَادِ فِي تَعَلُّمِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا فَهُوَ آثِمٌ وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ فِي إخْرَاجِ الْحَرْفِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ وَسُئِلَ ظَهِيرُ الدِّينِ عَنْ الْقِيَامِ هَلْ يَتَقَدَّرُ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ لَا، وَكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي اللَّاحِقِ فِي الشَّافِي اهـ. أَيْ فِي الْكِتَابِ الْمُسَمَّى بِالشَّافِي لِلْبَيْهَقِيِّ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِمَامَةُ الْأَلْثَغِ لِغَيْرِهِ ذَكَرَ الْفُضَيْلِيُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى عَدَمَ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ) ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ الْعَوَارِضِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ فَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يُفْسِدُهَا وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدَثَ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْأَعْضَاءِ إلَى غَايَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُزِيلِ. (قَوْلُهُ وَمَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ تَوَضَّأَ وَبَنَى) وَالْقِيَاسُ فَسَادُهَا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِيهَا وَالْمَشْيُ وَالِانْحِرَافُ يُفْسِدَانِهَا فَأَشْبَهَ الْحَدَثُ الْعَمْدَ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ مُرْسَلًا وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَذْهَبُنَا ثَابِتٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً فَوَجَبَ تَرْكُ الْقِيَاسِ بِهِ وَالْبَلْوَى فِيمَا يَسْبِقُ دُونَ مَا يَتَعَمَّدُهُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، ثُمَّ لِجَوَازِ الْبِنَاءِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ سَمَاوِيًّا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ وَهُوَ مَا لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي الشرنبلالية فِيهِ مُخَالَفَةٌ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّصْحِيحِ اهـ. أَيْ لِأَنَّ تَعْلِيلَ الْهِدَايَةِ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْفَتْحِ وَحَرَّرْنَا الْمَقَامَ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ عَلَى شَرْحِ التَّنْوِيرِ فَرَاجِعْهُ. [بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ مَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا تَعْرِيفٌ بِالْحُكْمِ وَعَرَّفَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ يَحِلُّ فِي الْأَعْضَاءِ يُزِيلُ الطَّهَارَةَ. قَالَ وَحُكْمُهُ الْمَانِعِيَّةُ لِمَا جُعِلَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ الْمَنْوِيُّ رَفْعُهُ عِنْدَ الْوُضُوءِ دُونَ الْمَعْذُورِ وَالْمُتَيَمِّمِ. (قَوْلُ الْمُصَنِّفُ مَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ تَوَضَّأَ وَبَنَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: يَعْنِي تَوَضَّأَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَوْ عِيدَ وَلَوْ بِنَاءً، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْهُ وَمِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِ فِيهِ تَيَمَّمَ لِبُعْدِهِ مِيلًا إلَخْ اهـ. أَقُولُ: وَفِي الذَّخِيرَةِ سُئِلَ الْقَاضِي الْإِمَامُ مَحْمُودٌ الْأُوزْجَنْدِيُّ عَمَّنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَ وَانْصَرَفَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ قَالَ لَا. قِيلَ لِلذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ حُكْمُ الصَّلَاةِ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا فِي الصَّلَاةِ. قِيلَ لِمَ لَا تَفْسُدُ بِالضَّرْبَةِ لِلتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ قَالَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ مُفِيدًا اهـ.

فِيهِ وَلَا فِي سَبَبِهِ فَلَا يَبْنِي بِشَجَّةٍ وَعَضَّةٍ، وَلَوْ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ طُوبَةٌ مِنْ سَطْحٍ أَوْ سَفَرْجَلَةٌ مِنْ شَجَرٍ أَوْ تَعَثَّرَ فِي شَيْءٍ مَوْضُوعٍ فِي الْمَسْجِدِ فَأَدْمَاهُ وَصَحَّحُوا عَدَمَ الْبِنَاءِ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ عُطَاسِهِ أَوْ تَنَحْنُحِهِ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْ الْمَرْأَةِ كُرْسُفُهَا مَبْلُولًا بِغَيْرِ صُنْعِهَا بَنَتْ وَبِتَحْرِيكِهَا لَا تَبْنِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ فَلَا يَبْنِي مَنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ حَدَثٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ مِنْ خَارِجٍ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدَثُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فَلَا يَبْنِي بِإِغْمَاءٍ وَقَهْقَهَةٍ وَهَذَا وَالثَّانِي سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَإِدْخَالُ الْكَلَامِ هُنَا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ مُفْسِدٌ لَا حَدَثٌ لِكَوْنِ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ بَعْدَهُ. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فَلَوْ فَعَلَهُ اسْتَقْبَلَ كَمَا لَوْ اسْتَقَى الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ عَلَى الْمُخْتَارِ أَوْ كَانَ دَلْوُهُ مُتَخَرِّقًا فَخَرَزَهُ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَاءً لِلْوُضُوءِ فَذَهَبَ إلَى مَاءٍ أَبْعَدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ النِّسْيَانِ وَنَحْوِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَاءُ الْقَرِيبُ فِي بِئْرٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِلَّا إذَا كَانَ قَلِيلًا قَدْرَ صَفَّيْنِ كَمَا إذَا وَجَدَ مَشْرَعَةً مِنْ الْمَاءِ فَتَرَكَهَا وَذَهَبَ إلَى أُخْرَى بِجَنْبِهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي، وَكَذَا لَوْ رَدَّ الْبَابَ عَلَيْهِ بِالْيَدَيْنِ لَا لِقَصْدِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَلَوْ كَانَ لَهُ لَا تَفْسُدُ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا، وَكَذَا لَوْ حَمَلَ آنِيَةً لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِيَدَيْهِ فَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ وَرَجَعَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ شَيْئًا فَذَهَبَ وَأَخَذَهُ فَسَدَتْ، وَلَوْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا إذَا كَشَفَتْ الْمَرْأَةُ ذِرَاعَيْهَا لِلْوُضُوءِ وَهُوَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْهُ لِنَفْسِهِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوْلَى وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِ لَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ طُوبَةٌ إلَخْ) ، وَكَذَا إذَا مَسَّ قُرُوحَهُ شَيْءٌ فَسَالَتْ أَوْ دَخَلَ الشَّوْكُ رِجْلَهُ أَوْ جَبْهَتَهُ فَسَالَ مِنْهَا الدَّمُ أَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِحَجَرٍ فَشَجَّهُ فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَسْتَأْنِفُ عِنْدَهُمَا وَلَا يَبْنِي وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْنِي كَمَا فِي السِّرَاجِ، وَنَحْوُهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ أَصَابَ الْمُصَلِّي حَدَثٌ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِأَنْ شَجَّهُ إنْسَانٌ اسْتَقْبَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَبْنِي، وَقَالَ النَّاطِفِيُّ فِي هِدَايَتِهِ رَأَيْت فِي صَلَاةِ الْأَثَرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ تُصِيبُهُ بُنْدُقَةٌ أَوْ حَجَرٌ فِي صَلَاتِهِ فَشَجَّهُ فَغَسَلَهُ يَبْنِي فَصَارَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ إسْمَاعِيلُ قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ. وَلَوْ سَقَطَ مِنْ السَّطْحِ مَدَرٌ فَشَجَّ رَأْسَهُ إنْ كَانَ بِمُرُورِ الْمَارِّ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَإِنْ كَانَ لَا بِمُرُورِ الْمَارِّ فَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ يَبْنِي بِلَا خِلَافٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى الْخِلَافِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. أَقُولُ: عُلِمَ بِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ الْبِنَاءِ مُطْلَقًا وَأَقُولُ: يُقَاسُ عَلَيْهِ وُقُوعُ السَّفَرْجَلَةِ، فَإِنْ كَانَ بِهَزِّهَا فَعَلَى الْخِلَافِ وَإِلَّا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَبْنِي بِلَا خِلَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ (قَوْلُهُ وَصَحَّحُوا عَدَمَ الْبِنَاءِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذُكِرَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِلْحَلَبِيِّ مَسْأَلَةُ الْعُطَاسِ وَالتَّنَحْنُحِ وَالْخِلَافُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَبْنِي يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْعُطَاسِ لِكَوْنِهِ سَمَاوِيًّا وَإِنْ أَحْدَثَ بِتَنَحْنُحِهِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي. (قَوْلُهُ وَإِدْخَالُ الْكَلَامِ هُنَا إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا وَقَعَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ ذَكَرَ الْكَلَامَ وَالْقَهْقَهَةَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ فَقَالَ وَلَا يَبْنِي لِقَهْقَهَةٍ وَكَلَامٍ وَاحْتِلَامٍ فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي الْحَدَثِ وَالْكَلَامُ مُفْسِدٌ لَا حَدَثٌ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ الْقَهْقَهَةِ لِكَوْنِ مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ أَيْضًا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ بَعْدَ الْحَدَثِ فَلِذَا ذَكَرَهُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ شَرْطَ الْبِنَاءِ كَوْنُهُ حَدَثًا سَمَاوِيًّا مِنْ الْبَدَنِ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْغُسْلِ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ وَلَا فِي سَبَبِهِ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ مُنَافٍ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ثُمَّ أَخَذَ الْمُحْتَرَزَاتِ فَقَالَ فَلَا يَبْنِي بِشَجَّةٍ وَعَضَّةٍ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا لِقَهْقَهَةٍ وَكَلَامٍ وَاحْتِلَامٍ، فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ وَمَا مَعَهُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ بَلْ ذَكَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِلِاحْتِرَازِ وَلِبَيَانِ فَائِدَةِ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اسْتَقَى) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا تَحْتَ الشَّرْطِ الْخَامِسِ كَمَا لَا يَخْفَى قَالَ فِي السِّرَاجِ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْبِنَاءِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْبِئْرِ وَيَبْنِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ آخَرُ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا يَبْنِي مَعَ الِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا وَبِقُرْبِهِ بِئْرُ مَاءٍ يَتْرُكُ الْبِئْرَ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ إنْ عَدِمَ غَيْرَهُ. اهـ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَاسِبُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ عِبَارَتِهِ اقْتَضَى بِمَفْهُومِهِ جَوَازَ الِاسْتِقَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ عِبَارَةِ السِّرَاجِ حَيْثُ جَعَلَهُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمُخَالِفٌ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ الْمَنْعِ مُطْلَقًا كَمَا عَلِمْت وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ خِلَافَ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ (قَوْلُهُ لَا لِقَصْدِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تُبْطِلُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا كَشَفَتْ الْمَرْأَةُ ذِرَاعَيْهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ الْمَرْأَةُ إذَا سَبَقَهَا الْحَدَثُ فَكَشَفَتْ ذِرَاعَيْهَا عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ جَازَ لَهَا الْبِنَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الْمُخْتَارُ.

[سبقه حدث وكان إماما في الصلاة]

الصَّحِيحُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْهُ لَمْ تَفْسُدْ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا احْتَاجَتْ إلَى الْبِنَاءِ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ عَوْرَتَهَا وَأَعْضَاءَهَا فِي الْوُضُوءِ وَتَغْسِلَ إذَا لَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ. اهـ. وَيَتَوَضَّأُ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ وَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَأْتِي بِسَائِرَ السُّنَنِ وَقِيلَ يَتَوَضَّأُ مَرَّةً مَرَّةً، وَإِنْ زَادَ فَسَدَتْ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَقُومُ بِالْكُلِّ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ غَسَلَ نَجَاسَةً مَانِعَةً أَصَابَتْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ سَبْقِ الْحَدَثِ بَنَى، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خَارِجٍ لَا يَبْنِي، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا لَا يَبْنِي، وَلَوْ أَلْقَى الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ مِنْ غَيْرِ حَدَثِهِ وَعَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّيَابِ أَجْزَأَهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ النَّاسِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَسَدَتْ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ بِالْإِشَارَةِ أَوْ اشْتَرَاهُ بِالتَّعَاطِي فَسَدَتْ. السَّادِسُ: أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ سَاعَتِهِ فَلَوْ مَكَثَ قَدْرَ أَدَاءِ رُكْنٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَتْ، وَلَوْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا كَمَا لَوْ أَحْدَثَ بِالنَّوْمِ وَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ انْتَبَهَ فَإِنَّهُ يَبْنِي أَوْ مَكَثَ لِعُذْرِ الزَّحْمَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي الْمُنْتَقَى إنْ لَمْ يَنْوِ بِمَقَامِهِ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ قُلْنَا هُوَ فِي حُرْمَتِهَا فَمَا وُجِدَ مِنْهُ صَالِحًا لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهَا انْصَرَفَ إلَى ذَلِكَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ أَخَذَهُ الرُّعَافُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ يَمْكُثُ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي. السَّابِعُ: أَنْ لَا يُؤَدِّيَ رُكْنًا مَعَ الْحَدَثِ فَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي سُجُودِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَاصِدًا الْأَدَاءَ اسْتَقْبَلَ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ فِي ذَهَابِهِ لَا إنْ سَبَّحَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَفِي الْمُجْتَبَى أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ فِي سُجُودِهِ لَا يَرْفَعُ مُسْتَوِيًا فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ بَلْ يَتَأَخَّرُ مُحْدَوْدِبًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ اهـ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الْأَدَاءِ. الثَّامِنُ: أَنْ لَا يُؤَدِّيَ رُكْنًا مَعَ الْمَشْيِ فِي حَالَةِ الرُّجُوعِ فَلَوْ قَرَأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ اسْتَقْبَلَ. التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ حَدَثُهُ السَّابِقُ بَعْدَ الْحَدَثِ السَّمَاوِيِّ فَلَوْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فَذَهَبَ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ أَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا فَرَأَى الْمَاءَ أَوْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً فَخَرَجَ الْوَقْتُ اسْتَقْبَلَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. الْعَاشِرُ: إذَا كَانَ مُقْتَدِيًا أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَرَغَ الْإِمَامُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ يَمْنَعُ جَوَازَ الِاقْتِدَاءِ فَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا خُيِّرَ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالْإِتْمَامِ فِي مَكَانِ الْوُضُوءِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَرَغَ إمَامُهُ فَلَا يَعُودُ فَلَوْ عَادَ اخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَانِعٌ فَلَهُ الِاقْتِدَاءُ مِنْ مَكَانِهِ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَتَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَدَثِ السَّمَاوِيِّ وَهُوَ صَاحِبُ تَرْتِيبٍ. الثَّانِيَ عَشَرَ إذَا كَانَ إمَامًا لَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً اسْتَقْبَلَ. (قَوْلُهُ وَاسْتَخْلَفَ لَوْ إمَامًا) مَعْطُوفٌ عَلَى تَوَضَّأَ أَيْ مَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ وَكَانَ إمَامًا فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا مَكَانَهُ يَأْخُذُ بِثَوْبِ رَجُلٍ إلَى الْمِحْرَابِ أَوْ يُشِيرُ إلَيْهِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَهُ مُحْدَوْدِبَ الظَّهْرِ وَاضِعًا يَدَهُ فِي أَنْفِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ قَدْ رَعَفَ لِيَنْقَطِعَ عَنْهُ كَلَامُ النَّاسِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَلَوْ تَرَكَ رُكُوعًا يُشِيرُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ سُجُودًا يُشِيرُ بِوَضْعِهَا عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ قِرَاءَةً يُشِيرُ بِوَضْعِهَا عَلَى فَمِهِ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ يُشِيرُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَبِأُصْبُعَيْنِ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ وَلِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِوَضْعِ أُصْبُعِهِ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاللِّسَانِ وَلِلسَّهْوِ عَلَى صَدْرِهِ وَقِيلَ يُحَوِّلُ رَأْسَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ الِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ فَالْأَفْضَلُ الِاسْتِخْلَافُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي الْبِنَاءُ صِيَانَةً لِلْجَمَاعَةِ وَلِلْمُنْفَرِدِ الِاسْتِقْبَالُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّسَفِيِّ إلَخْ) قَالَ قَاضِي خَانْ هُوَ الصَّحِيحُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ كُشِفَتْ الْعَوْرَةَ فِي الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً كَذَا فِي الشرنبلالية (قَوْلُهُ لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ بِالْإِشَارَةِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالسِّرَاجِ اهـ. وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الشرنبلالية بِمَسْأَلَةِ دَرْءِ الْمَارِّ بِالْإِشَارَةِ وَبِمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ عَنْ الْغَايَةِ طُلِبَ مِنْ الْمُصَلِّي شَيْءٌ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ بِنَعَمْ أَوْ بِلَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَكَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ قَالَ نُقِلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ فَسَدَتْ قَالَ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُهُمْ مِمَّا فِي الظَّهِيرِيَّةِ صَافَحَ الْمُصَلِّي إنْسَانًا بِنِيَّةِ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ قَالَ فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ أَيْضًا إذَا رَدَّ بِالْإِشَارَةِ إلَى آخِرِ مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ تَرْجِيحِ عَدَمِ الْفَسَادِ بِالْإِشَارَةِ قَالَ فِي الشرنبلالية فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِطَلَبِ الْمَاءِ بِالْإِشَارَةِ كَرَدِّ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ بِالْإِشَارَةِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَرَأَ فِي ذَهَابِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ سَبَقَ الْحَدَثُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ مَعَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَكُونُ رُكْنًا إلَّا فِي الْقِيَامِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمِعْرَاجِ قَالَ وَفِي الْمُجْتَبَى أَحْدَثَ فِي قِيَامِهِ فَسَبَّحَ ذَاهِبًا أَوْ جَائِيًا لَمْ تَفْسُدْ وَلَوْ قَرَأَ فَسَدَتْ وَقِيلَ إنَّمَا تَفْسُدُ إذَا قَرَأَ ذَاهِبًا وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ، وَالْمُخْتَارُ مَا قُلْنَا وَلَوْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ لَا تَفْسُدُ بِالْقِرَاءَةِ اهـ. . [سَبَقَهُ حَدَثٌ وَكَانَ إمَامًا فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ صِيَانَةً لِلْجَمَاعَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَقَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِ بِمَا إذَا كَانَ لَا يَجِدُ جَمَاعَةً أُخْرَى وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَيَنْبَغِي وُجُوبُهُ عِنْدَ الضِّيقِ

تَحَرُّزًا عَنْ الْخِلَافِ وَصَحَّحَهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتُونِ أَنَّ الِاسْتِئْنَافَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْكُلِّ فَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِخْلَافُ صِيَانَةً لِصَلَاةِ الْقَوْمِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ لَا يَخْرُجُ الْإِمَامُ عَنْ الْإِمَامَةِ بِمُجَرَّدِهِ، وَلِهَذَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ إنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ وَخَلِيفَتُهُ قَائِمٌ فِي الْمِحْرَابِ وَلَمْ يُؤَدِّ رُكْنًا فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ الْخَلِيفَةُ وَيَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَلَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ وَخَلِيفَتُهُ لَمْ يُؤَدِّ رُكْنًا فَالْإِمَامُ هُوَ الثَّانِي، ثُمَّ الِاسْتِخْلَافُ حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ، وَلَوْ تَقَدَّمَ رَجُلَانِ فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَى مَكَانِ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوْلَى، وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ رَجُلًا وَالْقَوْمُ رَجُلًا فَمَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ نَوَيَا مَعًا الْإِمَامَةَ جَازَ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِخَلِيفَةِ الْإِمَامِ وَفَسَدَتْ عَلَى الْمُقْتَدِي بِخَلِيفَةِ الْقَوْمِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ خَلِيفَةَ الْإِمَامِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَلِيفَةَ الْقَوْمِ فَاقْتَدَوْا بِهِ ثُمَّ نَوَى الْآخَرُ فَاقْتَدَى بِهِ الْبَعْضُ جَازَ صَلَاةُ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْآخَرِينَ، وَلَوْ قَدَّمَ بَعْضُ الْقَوْمِ رَجُلًا وَالْبَعْضُ رَجُلًا فَالْعِبْرَةُ لِلْأَكْثَرِ، وَلَوْ اسْتَوَيَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ نَوَى الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ مِنْ سَاعَتِهِ صَارَ إمَامًا فَتَفْسُدُ صَلَاةُ مَنْ كَانَ مُتَقَدِّمَهُ دُونَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فِي صَفِّهِ وَمَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ إمَامًا إذَا قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَخَرَجَ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْخَلِيفَةُ إلَى مَكَانِهِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ، وَشَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ وَالْقَوْمِ أَنْ يَصِلَ الْخَلِيفَةُ إلَى الْمِحْرَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ عَنْ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُحَمَّدٌ حَالَ الْإِمَامِ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا، وَذَكَرَ أَبُو عِصْمَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فِي الْمَسْجِدِ وَاسْتَخْلَفَ مِنْ الرَّحْبَةِ، وَفِيهَا قَوْمٌ جَازَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ إذَا كَانَتْ الرَّحْبَةُ مُتَّصِلَةً بِالْمَسْجِدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ رَجُلًا فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ لِلْإِمَامَةِ إنْ قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا قَامَ الْخَلِيفَةُ مَقَامَهُ صَارَ الْأَوَّلُ مُقْتَدِيًا بِهِ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَوْ تَكَلَّمَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْقَوْمِ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُقْتَدِيًا بِالْخَلِيفَةِ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِلْخَلِيفَةِ الِاسْتِخْلَافُ إذَا أَحْدَثَ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْخَلِيفَةُ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ إنْ قَدَّمَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ فِي مَكَانِ الْإِمَامَةِ وَالْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ، وَلَوْ تَذَكَّرَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَقَدَّمَ آخَرَ وَلَمْ يُقِمْ فِي مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ جَازَ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ أَحْدَثَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ مَا قَامَ فِي مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ فَانْصَرَفَ فَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ دَخَلَ الْأَوَّلُ مُتَوَضِّئًا فَقَدَّمَهُ جَازَ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ الْخَلِيفَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ حَتَّى أَحْدَثَ فَدَخَلَ الْأَوَّلُ فَقَدَّمَهُ لَمْ يَجُزْ وَالْمَسْأَلَةُ مُتَأَوَّلَةٌ وَتَأْوِيلُهَا إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلٌ آخَرُ سِوَاهُ، وَلَوْ كَبَّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى النِّيَّةِ فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتُونِ فِي الِاسْتِئْنَافِ وَكَلَامَ شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمُتُونِ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ الِاسْتِئْنَافُ مَعْنَاهُ إذَا اسْتَخْلَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَلَاتَهُ وَلَا يَبْنِيَ عَلَى مَا صَلَّى فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الِاسْتِخْلَافِ وَاجِبًا. نَعَمْ يُنَافِيهِ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُسْتَصْفَى مِنْ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ أَفْضَلُ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ عَدَمُ وُجُوبِهِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي الْوُجُوبُ لِئَلَّا تَفُوتَ الْجَمَاعَةُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ) هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا نَوَى الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ مِنْ سَاعَتِهِ أَيْ لَمْ يَنْوِ تَأْخِيرَ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِحْرَابِ وَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ سَاعَتِهِ أَنَّهُ نَوَى حِينَ الِاسْتِخْلَافِ فَلَا يُتَصَوَّرُ خُرُوجُ الْإِمَامِ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ إلَخْ لَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ وَشَرْطُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَلِيفَةِ وَالْقَوْمِ أَنْ يَصِلَ الْخَلِيفَةُ إلَى الْمِحْرَابِ إلَخْ) يَعْنِي أَوْ يَنْوِيَ الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ حِينَ الِاسْتِخْلَافِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ إلَخْ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ بِقِيَامِهِ مَقَامَهُ يَصِيرُ إمَامًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَسَيَأْتِي الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إمَامًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ (قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ عَنْ الْمَسْجِدِ) أَيْ أَوْ يُجَاوِزَ الصُّفُوفَ فِي الصَّحْرَاءِ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنْ لَا يَصِيرَ مُقْتَدِيًا إلَخْ) الَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ لَا يَخْرُجُ الْإِمَامُ عَنْ الْإِمَامَةِ بِمُجَرَّدِهِ إلَخْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُؤَدِّ الْخَلِيفَةُ رُكْنًا يَبْقَى عَلَى إمَامَتِهِ لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقُمْ الْخَلِيفَةُ مَقَامَهُ نَاوِيًا الْإِمَامَةَ اهـ. لَكِنْ يُنَافِيهِ عِبَارَةُ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ السَّابِقَةُ هُنَاكَ فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِمَامَةِ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْخَلِيفَةُ رُكْنًا وَإِنْ كَانَ قَائِمًا مَقَامَهُ نَاوِيًا الْإِمَامَةَ إلَّا أَنْ تُحْمَلَ تِلْكَ الْعِبَارَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْخَلِيفَةُ الْإِمَامَةَ وَإِنْ كَانَ قَامَ مَقَامَهُ وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا قَامَ مَقَامَهُ وَنَوَى الْإِمَامَةَ لِمَا فِي الدِّرَايَةِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَكُونُ إمَامًا مَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ (قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ) أَيْ لِخُلُوِّ مَقَامِ الْإِمَامِ

الْخَلِيفَةُ يَنْوِي الِاسْتِقْبَالَ جَازَتْ صَلَاةُ مَنْ اسْتَقْبَلَ وَفَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ، وَكَذَا صَلَاةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ تَفْسُدُ إنْ بَنَى عَلَى صَلَاةِ نَفْسِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ نَوَى الثَّانِي بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَى الْمِحْرَابِ أَنْ لَا يَكُونَ خَلِيفَةً لِلْأَوَّلِ وَيُصَلِّيَ صَلَاةَ نَفْسِهِ لَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ صَلَاةَ مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْإِمَامُ الْمُحْدِثُ عَلَى إمَامَتِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ يَقُومُ خَلِيفَتُهُ مَقَامَهُ أَوْ يَسْتَخْلِفُ الْقَوْمُ غَيْرَهُ أَوْ يَتَقَدَّمُ بِنَفْسِهِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلَانِ وَجَدَا فِي السَّفَرِ مَاءً قَلِيلًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ نَجِسٌ وَقَالَ الْآخَرُ هُوَ طَاهِرٌ فَتَوَضَّأَ أَحَدُهُمَا وَتَيَمَّمَ الْآخَرُ، ثُمَّ أَمَّهُمَا مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقْتَدِيَيْنِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ فَلَوْ رَجَعَ الْإِمَامُ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ يَقْتَدِي بِمَنْ يَظُنُّهُ طَاهِرًا اهـ. ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْ الْإِمَامَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا إمَامٌ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ أَمَّ رَجُلًا فَأَحْدَثَا مَعًا وَخَرَجَا مِنْ الْمَسْجِدِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. فَبَقَاؤُهُمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ إمَامٍ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إنْ تَقَدَّمَ فَفِي اعْتِقَادِ الْمُتَوَضِّئِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ لِطَهَارَةِ الْمَاءِ عِنْدَهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُتَوَضِّئُ فَفِي اعْتِقَادِ الْمُتَيَمِّمِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَفِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ حَصِرَ عَنْ الْقِرَاءَةِ) أَيْ جَازَ لِمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ الِاسْتِخْلَافُ إذَا كَانَ إمَامًا كَمَا جَازَ لِلْإِمَامِ الِاسْتِخْلَافُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَحَصِرَ بِوَزْنِ تَعِبَ فِعْلًا وَمَصْدَرًا الْعِيُّ وَضِيقُ الصَّدْرِ وَيُقَالُ حَصِرَ يَحْصَرُ حِصْرًا مِنْ بَابِ عَلِمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَصَرَ فِعْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مِنْ حَصَرَهُ إذَا حَبَسَهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَمَعْنَاهُ مُنِعَ وَحُبِسَ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِسَبَبِ خَجَلٍ أَوْ خَوْفٍ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِالْوَجْهَيْنِ حَصَلَ لِي السَّمَاعُ، وَقَدْ وَرَدَتْ اللُّغَتَانِ بِهِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ كَالصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْكَارُ الْمُطَرِّزِيُّ ضَمَّ الْحَاءِ فَهُوَ فِي مَكْسُورِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَا يَجِيءُ لَهُ مَفْعُولٌ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لَا فِي مَفْتُوحِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ لِلْمَفْعُولِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَى الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ خَجَلٍ يَعْتَرِيهِ أَمَّا إذَا نَسِيَ الْقِرَاءَةَ أَصْلًا لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أُمِّيًّا وَاسْتِخْلَافُ الْأُمِّيِّ لَا يَجُوزُ هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَلَهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي الْحَدَثِ بِعِلَّةِ الْعَجْزِ وَهُوَ هُنَا أَلْزَمُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْقِرَاءَةِ غَيْرُ نَادِرٍ وَأَشَارَ بِالْمَنْعِ عَنْ الْقِرَاءَةِ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ مِقْدَارَ الْفَرْضِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ بِصِيغَةِ قِيلَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِمَا صَرَّحُوا فِي فَتْحِ الْمُصَلِّي عَلَى إمَامِهِ بِأَنَّهَا لَا تَفْسُدُ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقْتَدِيَيْنِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَاحِبَهُ مُحْدِثٌ بِهِ، أَفْتَى أَئِمَّةُ بَلْخٍ كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ تَيَمُّمِ الْقُنْيَةِ قَالَ فَإِطْلَاقُ فَسَادِ صَلَاةِ الْقَوْمِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ هَذَا وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمَّ صَبِيًّا وَامْرَأَةً ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَذَهَبَ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ وَأَتَمَّ كُلٌّ صَلَاةَ نَفْسِهِ أَنْ يَصِحَّ بِجَامِعٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْإِمَامَةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ ضَعِيفٌ بَلْ صَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ لِخُلُوِّ مَكَانِ الْإِمَامِ وَلِذَا أَطْلَقَهُ الْكَثِيرُ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مَا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ أَقُولُ: الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ صَلَاتُهُ لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّتِهَا مِنْ حَيْثُ نَفْسُ الْأَمْرِ، وَأَمَّا الْمُتَوَضِّئُ وَالْمُتَيَمِّمُ فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُمَا مِنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَالتَّيَمُّمُ صَحِيحٌ وَالْوُضُوءُ بَاطِلٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْمُقْتَدِي بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ وَاعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ وَاحِدًا فَحُكْمُهُ الِانْفِرَادُ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي صُورَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ فَذَهَبَ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَيْسَ غَيْرَهُمَا فَبِهِمَا لَا يَتَأَتَّى الِاسْتِخْلَافُ وَمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الضَّعْفِ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ مُلَاحَظَةِ الْمُدْرِكِ فَلْيُتَدَبَّرْ اهـ. وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَحُكْمُهُ الِانْفِرَادُ أَيْ الِاسْتِقْلَالُ بِالِاسْتِخْلَافِ كَمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مَتْنًا. قُلْتُ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَنْحَلُّ عُرَا الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ (قَوْلُهُ يَقْتَدِي بِمَنْ ظَنَّهُ طَاهِرًا) أَيْ يَقْتَدِي الْإِمَامُ بِمَنْ ظَنَّهُ مِنْهُمَا أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَنَّهُ مُتَطَهِّرًا تَكُونُ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً فِي زَعْمِهِ فَيَقْتَدِي بِهِ لِتَعَيُّنِهِ لِلِاسْتِخْلَافِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَفِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ كَمَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ بِالْإِجْمَاعِ إلَخْ) أَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ صَلَاةِ الْقَوْمِ وَلَا حُكْمَ صَلَاتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ صَلَاتَهُمْ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ إمَامَهُمْ صَارَ أُمِّيًّا وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَأَمَّا صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَدْ رَأَيْت فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْقَارِئَ إذَا صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ فَنَسِيَ الْقِرَاءَةَ وَصَارَ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَسْتَقْبِلُهَا وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا تَفْسُدُ وَيَبْنِي عَلَيْهَا اسْتِحْسَانًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ اهـ

قَرَأَ الْإِمَامُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا، فَكَذَلِكَ هُنَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ مُطْلَقًا وَقَيَّدَ بِالْمَنْعِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَ الْإِمَامَ وَجَعٌ فِي الْبَطْنِ فَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا لَمْ يَجُزْ فَلَوْ قَعَدَ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ جَازَ، وَلَوْ صَارَ الْإِمَامُ حَاقِنًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فَذَكَرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَهُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحَصْرِ فِي الْقِرَاءَةِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْحَاقِنُ الَّذِي لَهُ بَوْلٌ كَثِيرٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ، ثُمَّ عِنْدَهُمَا إذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ بِلَا قِرَاءَةٍ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأُمِّيِّ وَهَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَبِهِ صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ الْحَصْرَ لَمَّا كَانَ نَادِرًا أَشْبَهَ الْجَنَابَةَ وَبِهَا لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ فَكَذَا بِالْحَصْرِ اهـ. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ أَنَّهُ جَعَلَ الْحَصْرَ عَنْ الْقِرَاءَةِ كَالْجَنَابَةِ وَنُقِلَ عَنْهُمَا أَنَّهُ يُتِمُّهَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَكَذَا الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْبَائِعِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَنْهُمَا رِوَايَتَيْنِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِظَنِّ الْحَدَثِ أَوْ جُنَّ أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ) أَمَّا فَسَادُهَا بِالْخَرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِتَوَهُّمِ الْحَدَثِ وَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَلِوُجُودِ الْمُنَافِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَالْقِيَاسُ فَسَادُهَا بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ مُطْلَقًا لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنْ اسْتَحْسَنُوا بَقَاءَهَا عِنْدَ عَدَمِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَأُلْحِقَ قَصْدُ الْإِصْلَاحِ بِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ بِالْخُرُوجِ، وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا حَوَّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِفَسَادِهَا أَلْيَقُ بِقَوْلِهِمَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ بِعَدَمِ فَسَادِ صَلَاتِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْخُرُوجِ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ بِتَوَهُّمِ الْحَدَثِ، وَأَمَّا مَنْ حَوَّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَهُوَ مُتَمَرِّدٌ عَاصٍ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ فَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ أَلْيَقُ بِقَوْلِ الْكُلِّ كَمَا لَا يَخْفَى، قَيَّدَ بِظَنِّ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ افْتَتَحَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الْخُفَّيْنِ فَظَنَّ أَنَّ مُدَّةَ مَسْحِهِ قَدْ انْقَضَتْ أَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا فَرَأَى سَرَابًا فَظَنَّهُ مَاءً أَوْ كَانَ فِي الظُّهْرِ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْفَجْرَ أَوْ رَأَى حُمْرَةً فِي ثَوْبِهِ فَظَنَّ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ فَانْصَرَفَ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الِانْصِرَافَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ، وَلِهَذَا لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ يَسْتَقْبِلُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَالِاسْتِخْلَافُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَيُبْطِلُهَا وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالظَّنِّ دُونَ التَّوَهُّمِ؛ لِأَنَّهُ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَالْوَهْمُ هُوَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ وَصَوَّرَ مَسْأَلَةَ الظَّنِّ الشُّمُنِّيُّ بِأَنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ أَنْفِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ رَعْفٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّنِّ دَلِيلٌ بِأَنْ شَكَّ فِي خُرُوجِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ هُنَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ فِي الْفَتْحِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْآتِي وَالْفَسَادُ هُنَا لِلْعَمَلِ الْكَثِيرِ بِلَا حَاجَةٍ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ بَاقِيَةٌ وَلِذَا أَيَّدَ فِي الشرنبلالية كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّهُ كَتَبَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ نَفْسَ الْفَتْحِ لَا يُفْسِدُ فَلَا يُفْسِدُ أَيْضًا هُنَا؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ فَلَوْ أَفْسَدَ إنَّمَا يُفْسِدُ لَا لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَكِنْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَهُنَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَلَا يُفْسِدُ اهـ. وَالِاحْتِيَاجُ لِمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ وَالْحَاقِنُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْ يُدَافِعُ الْغَائِطَ وَبِالزَّايِ مَنْ يُدَافِعُهُمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْحَاذِقُ مَنْ يَدْفَعُ وَمَنْ أَثْبَتَهُ فِي الْبَوْلِ فَفِيهِمَا أَوْ فِي الْغَائِطِ أَوْلَى (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ) أَيْ مَنْ حُصِرَ عَنْ الْقِرَاءَةِ (قَوْلُهُ قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ) هُوَ الْإِمَامُ السِّغْنَاقِيُّ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَكَذَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (قَوْلُهُ وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ إلَخْ) وَذَلِكَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ تَدَافُعًا قَالَ فِي النَّهْرِ إذْ تَمَامُهَا بِلَا قِرَاءَةٍ يُؤْذِنُ بِصِحَّتِهَا وَكَوْنُهُ كَالْجَنَابَةِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَنْهُمَا رِوَايَتَيْنِ) وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّارِحِ كَالْجَنَابَةِ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ رَاجِعٌ إلَى مُجَرَّدِ النُّدُورِ فَقَطْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يُتِمُّهَا مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَيَصِحُّ كَلَامُهُ (قَوْلُهُ وَالِاسْتِخْلَافُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَخْلَفَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ لِوُجُودِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ فَإِنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِقِيَامِ الْعُذْرِ فَكَانَ الِاسْتِخْلَافُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَحْتَاجُ لِصِحَّتِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ وَقِيَامِ الْعُذْرِ اهـ. (قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّنِّ دَلِيلٌ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي التَّوَهُّمِ بِالْأَوْلَى مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِخِلَافِهِ وَلَفْظُهُ إمَامٌ تَوَهَّمَ أَنَّهُ رَعَفَ فَاسْتَخْلَفَ الْغَيْرَ فَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاءً وَلَمْ يَكُنْ دَمًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَدَّى رُكْنًا مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامَةَ مَرَّةً ثَانِيَةً وَلَكِنَّهُ يَقْتَدِي بِالْخَلِيفَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى رُكْنًا لَكِنَّهُ قَامَ فِي الْمِحْرَابِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بَحَثَهُ لَا يُسَاعِدُهُ هَذَا الْمَنْقُولُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ صُورَةُ

رِيحٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ مُطْلَقًا بِالِانْحِرَافِ عَمَلًا بِمَا هُوَ الْقِيَاسُ لَكِنِّي لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَإِنَّمَا فِي التَّجْنِيسِ لَوْ شَكَّ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَخْلَفَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ خَافَ سَبْقَ الْحَدَثِ فَانْصَرَفَ، ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَالِاسْتِئْنَافُ لَازِمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ، وَالدَّارُ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ وَالْجَبَّانَةُ كَالْمَسْجِدِ إذْ لَهُ حُكْمُ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ كَذَا قَالُوا إلَّا فِي الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا إنْ خَرَجَتْ عَنْ مُصَلَّاهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهَا وَلَيْسَ الْبَيْتُ لَهَا كَالْمَسْجِدِ لِلرَّجُلِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا وَالْبَيْتُ لَهَا كَالْمَسْجِدِ لِلرَّجُلِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ فَمِقْدَارُ الصُّفُوفِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ إنْ مَشَى يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ خَلْفًا، وَإِنْ مَشَى أَمَامَهُ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَالصَّحِيحُ هُوَ التَّقْدِيرُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَمَسْجِدُهُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ إلَّا إذَا مَشَى أَمَامَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَيُعْطَى لِدَاخِلِهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَوْجَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ أَنْ يُعْتَبَرَ مَوْضِعُ سُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُنْفَرِدٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْمُنْفَرِدُ حُكْمُهُ ذَلِكَ اهـ. وَهَذَا الْبَحْثُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمِقْدَارُ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ ضَعِيفٌ وَأَمَّا فَسَادُهَا بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالِاحْتِلَامِ فَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَهْقَهَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ، وَكَذَا لَوْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ فَأَنْزَلَ. وَمَحَلُّ الْفَسَادِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ تَعَمُّدَ الْحَدَثِ بَعْدَهُ لَا يُفْسِدُهَا فَهَذَا أَوْلَى، وَلَا يَخْلُو الْمَوْصُوفُ بِهَا عَنْ اضْطِرَابٍ أَوْ مُكْثٍ وَكَيْفَمَا كَانَ فَالصُّنْعُ مِنْهُ مَوْجُودٌ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهِ لِلْخُرُوجِ، أَمَّا فِي الِاضْطِرَابِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْمُكْثِ فَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مُؤَدِّيًا جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَالْأَدَاءُ صُنْعٌ مِنْهُ، وَفِي الْعِنَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ بِانْفِرَادِهِ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ، وَكَذَا الِاحْتِلَامُ الْمُنْفَرِدُ عَنْ النَّوْمِ وَهُوَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَيَانًا لِلْمُرَادِ اهـ. فَعَلَى هَذَا الِاحْتِلَامُ هُوَ الْبُلُوغُ أَعَمُّ مِنْ الْإِنْزَالِ أَوْ السِّنِّ فَالْمُرَادُ فِي الْمُخْتَصَرِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمُصَلِّي إذَا نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ فَاضْطَجَعَ قِيلَ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ اهـ. وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا عَبَّرَ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَغَيْرِهِ دُونَ الْفَسَادِ لِمَا أَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا لَيْسَ مَقْصُودًا فَيُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَفْسَدَهَا قَصْدًا فَإِنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيمَا أَدَّاهُ بَلْ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّ قَطْعَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ (قَوْلُهُ، وَإِنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوُضُوءِ لِيَأْتِيَ بِهِ فَالْوُضُوءُ وَالسَّلَامُ وَاجِبَانِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ كُرِهَ تَحْرِيمًا. وَالشُّرُوطُ الَّتِي ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّكِّ بِالْأَوْلَى مَعَ تَعْبِيرِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ الظَّنِّ ثَانِيًا بِالتَّوَهُّمِ، وَأَمَّا مَا فِي التَّجْنِيسِ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمُدَّعِي لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ الشَّكُّ فِي ذَاتِهَا لِيَكُونَ اسْتِخْلَافُهُ نَاشِئًا عَنْ الرَّفْضِ فَلَا يَصِحُّ فَلْيُتَأَمَّلْ. كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ أَقُولُ: مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ هُوَ ظَنٌّ لَا تَوَهُّمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَاءً وَلَمْ يَكُنْ دَمًا فَالتَّوَهُّمُ فِي عِبَارَةِ الْمُحِيطِ بِمَعْنَى الظَّنِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى دَلِيلٍ فَهُوَ مُسَاوٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الشُّمُنِّيِّ (قَوْلُهُ فَعُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: أَغْلَبُ الْكُتُبِ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ حَتَّى قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ وَإِنْ تَقَدَّمَ إمَامُهُ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِنَاءٌ وَلَا سُتْرَةٌ، فَإِنْ تَقَدَّمَ مِقْدَارَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ جَاوَزَ الصُّفُوفَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ وَصَلَّى مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ، فَإِنْ جَاوَزَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ مِثْلَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ خَرَجَ عَنْ الصُّفُوفِ وَجَاوَزَ أَصْحَابَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ اهـ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا فِي الْهِدَايَةِ ضَعِيفًا وَأَغْلَبُ الْكُتُبِ عَلَى اعْتِمَادِهِ فَرَاجِعْ الْكُتُبَ يَظْهَرُ لَك ذَلِكَ. (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا قَالَ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي الْبِدَايَةِ الَّتِي هِيَ مَتْنُ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ بِانْفِرَادِهِ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَقْوَالًا وَاخْتِلَافَ تَصْحِيحٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ فِي نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَالْمَرِيضِ فِي الصَّلَاةِ اخْتِلَافًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْقَضُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَنَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ فِي النَّوْمِ مُضْطَجِعًا الْحَالُ لَا يَخْلُو إنْ غَلَبَتْ عَيْنَاهُ فَنَامَ ثُمَّ اضْطَجَعَ فِي حَالَةِ نَوْمِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَلَوْ تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَشَايِخِنَا اهـ فَرَاجِعْ الْمَنْقُولَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا أَطْلَقَهُ هُنَا. اهـ. (قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا الِاحْتِلَامُ هُوَ الْبُلُوغُ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ الِاحْتِلَامُ اسْمٌ لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ خَاصٍّ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَفْسَ الْبُلُوغِ لَكَانَ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ وَغَيْرِهِ بُلُوغُ الصَّبِيِّ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحِلِّهِ وَكَأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ ذِكْرُ النَّوْمِ مَعَهُ وَلَا يَكُونُ تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ وَلَا سِيَّمَا وَالْكِتَابُ أَلَّفَهُ لِوَلَدِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ أَشَارَ إلَى نَحْوِهِ فِي الْمُغْرِبِ بِقَوْلِهِ

قَدَّمْنَاهَا لِصِحَّةِ الْبِنَاءِ لَا بُدَّ مِنْهَا لِلسَّلَامِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَوْرًا أَوْ أَتَى بِمُنَافٍ بَعْدَهُ فَاتَهُ السَّلَامُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ إمَامًا اسْتَخْلَفَ مَنْ يُسَلِّمُ بِالْقَوْمِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَمَّدَهُ أَوْ تَكَلَّمَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) أَيْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَحْدَثَ يَعْنِي الرَّجُلَ، وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ تَمَّتْ فَرَائِضُهَا، وَلِهَذَا لَمْ تَفْسُدْ بِفِعْلِ الْمُنَافِي وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَتِمَّ بِسَائِرِ مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ بِلَفْظِ السَّلَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ تَكُونُ مُؤَدَّاةً عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ فَتُعَادُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَهُ يَتَوَضَّأُ وَيُسَلِّمُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى أَتَى بِمُنَافٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ وَعِنْدَهُمَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يَكَادُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِمُنَافٍ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا بِصُنْعِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَإِنَّمَا ثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا لَا بِصُنْعِهِ كَالْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَشَمِلَ تَعَمُّدُ الْحَدَثِ الْقَهْقَهَةَ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَبَطَلَ وُضُوءُهُ لِوُجُودِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَصَارَ كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَذَا لَوْ قَهْقَهَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَإِنْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ قَهْقَهَ الْقَوْمُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ دُونَهُمْ لِخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِحَدَثِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ قَهْقَهَتِهِمْ بَعْدَ سَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِسَلَامَةٍ فَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُمْ، وَإِنْ قَهْقَهُوا مَعًا أَوْ الْقَوْمُ ثُمَّ الْإِمَامُ فَعَلَيْهِمْ الْوُضُوءُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثِ الْإِمَامِ عَمْدًا اتِّفَاقًا، وَلِهَذَا لَا يُسَلِّمُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِسَلَامِهِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَأَمَّا بِكَلَامِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ كَالسَّلَامِ فَيُسَلِّمُونَ وَتَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُمْ بِالْقَهْقَهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَالْحَدَثِ الْعَمْدُ فَلَا سَلَامَ وَلَا نَقْضَ بِهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ وَبَطَلَتْ إنْ رَأَى مُتَيَمِّمٌ مَاءً) أَيْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَا عِبْرَةَ بِالرُّؤْيَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْقُدْرَةِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمَهُ فِي بَابِهِ وَإِنَّمَا بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَانَ شَرْطُ الْبَقَاءِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ وَكَالْمُكَفِّرِ بِالصَّوْمِ إذَا أَيْسَرَ لَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ فَكَأَنَّهُ شَرَعَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ بِوُضُوءٍ تَامٍّ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا رَأَى الْمُتَيَمِّمُ قَبْلَ سَبْقِ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْبُطْلَانُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ وَاخْتَارَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَبْنِي دُونَ فَسَادٍ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُتَعَاقِبَةَ كَالْبَوْلِ ثُمَّ الرُّعَافِ ثُمَّ الْقَيْءِ إذَا أَوْجَبَتْ أَحْدَاثًا مُتَعَاقِبَةً يُجْزِئُهُ عَنْهَا وُضُوءٌ وَاحِدٌ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الرُّعَافِ فَبَالَ، ثُمَّ رَعَفَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَحْنَثُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُوجِبُ كَمَا قَدَّمْنَا النَّظَرَ فِيهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَالْأَوْجَهُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ الْحَقُّ فِي اعْتِقَادِي لَكِنَّ كَلَامَ النِّهَايَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَلَا تَتَفَرَّغُ مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِهِ اهـ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْفَرْعِ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا الِاسْتِقْبَالَ بِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ الْحَدَثُ السَّابِقُ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ شَرَعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا تُوجِبُ أَحْدَاثًا أَوْ حَدَثًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُتَيَمِّمِ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَوَضِّئٌ يُصَلِّي خَلْفَ مُتَيَمِّمٍ فَرَأَى الْمُؤْتَمُّ الْمَاءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعِلْمِهِ أَنَّ إمَامَهُ قَادِرٌ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْحَالِمُ الْمُحْتَلِمُ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ عَمَّ فَقِيلَ لِمَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ حَالِمٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ.

[رأى الإمام المتيمم ماء]

عَلَى الْمَاءِ بِإِخْبَارِهِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، وَلَوْ قَالَ وَبَطَلَتْ إنْ رَأَى مُتَيَمِّمٌ أَوْ الْمُقْتَدَى بِهِ مَاءً لَشَمِلَ الْكُلَّ اهـ. وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ بِالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى مَاءً لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي لَمْ تَبْطُلْ أَصْلًا وَإِنَّمَا بَطَلَ وَصْفُهَا وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ وَكَلَامُهُ فِي بُطْلَانِ أَصْلِهَا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ أَوْ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ فَائِتَةٌ لَا يَذْكُرُهَا وَالْمُؤْتَمُّ يَذْكُرُهَا أَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ وَالْمُؤْتَمُّ يَعْلَمُهُ فَقَهْقَهَ الْمُؤْتَمُّ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَرْضِيَّةَ مَتَى فَسَدَتْ لَا تَنْقَطِعُ التَّحْرِيمَةُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ اهـ وَأَيْضًا نَفْيُ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا رَأَى مَاءً لَا يَضُرُّهُ فَقَدْ أَفَادَ. (قَوْلُهُ أَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ يَمْضِي عَلَى الْأَصَحِّ فِي صَلَاتِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغَسْلِ وَلَا مَاءَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ تَفْسُدُ. اهـ. وَاخْتَارَ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ أَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ) بِأَنْ كَانَا وَاسِعَيْنِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى الْمُعَالَجَةِ فِي النَّزْعِ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْخُفِّ بِلَفْظِ الْمُثَنَّى اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْخُفِّ الْوَاحِدِ لِمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِهِ مِنْ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ نَاقِضٌ لِلْمَسْحِ وَلِذَا أَفْرَدَهُ فِي الْمَجْمَعِ. (قَوْلُهُ أَوْ تَعَلَّمَ أُمِّيٌّ سُورَةً) وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ وَهِيَ الْأُمَّةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ فَاسْتُعِيرَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْمُرَادُ بِالتَّعَلُّمِ تَذَكُّرُهُ إيَّاهَا بَعْدَ النِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّعْلِيمِ وَذَلِكَ فِعْلٌ يُنَافِي الصَّلَاةَ فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا وَقِيلَ سَمِعَهُ بِلَا اخْتِيَارٍ وَحَفِظَهُ بِلَا صُنْعٍ بِأَنْ سَمِعَ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ مَثَلًا مِنْ قَارِئٍ فَحَفِظَهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى التَّلَبُّسِ بِمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ كَذَا قَالُوا وَقَوْلُهُ سُورَةً وَقَعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْآيَةَ تَكْفِي وَهُمَا وَإِنْ قَالَا بِافْتِرَاضِ ثَلَاثِ آيَاتٍ لَمْ يَشْتَرِطَا السُّورَةَ وَأَطْلَقَ فَشَمِلَ كُلَّ مُصَلٍّ، وَفِيمَا إذَا كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ قَارِئٍ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالْقِرَاءَةِ حَقِيقَةً فَوْقَ الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ حُكْمًا فَلَا يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ وَصَحَّحَهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ الْأُمِّيُّ إذَا تَعَلَّمَ سُورَةً خَلْفَ الْقَارِئِ فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ فَقَدْ تَكَامَلَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ وَآخِرَهَا وَبِنَاءُ الْكَامِلِ عَلَى الْكَامِلِ جَائِزٌ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا وَبِهِ نَأْخُذُ. (قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَ عَارٍ ثَوْبًا) أَيْ ثَوْبًا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ كَانَتْ فِيهِ وَعِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ وَلَكِنَّ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ طَاهِرٌ وَهُوَ سَاتِرٌ لِلْعَوْرَةِ (قَوْلُهُ أَوْ قَدَرَ مُومٍ) أَيْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ آخِرَ صَلَاتِهِ أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ (قَوْلُهُ أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً) أَيْ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى إمَامِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ التَّرْتِيبُ بَعْدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [رَأَى الْإِمَام المُتَيَمِّمٌ مَاءً] (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَعْمَلَ الْبُطْلَانَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ أَعْنِي إعْدَامَ الْفَرْضِ فَبَقِيَ الْأَصْلُ وَإِلَّا فَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُقْتَدِي بِمُتَيَمِّمٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا خِلَافُ زُفَرَ وَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا قَوْلُ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ اهـ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى مُخْتَارِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا فَسَدَ الِاقْتِدَاءُ لِفَقْدِ شَرْطٍ كَطَاهِرٍ بِمَعْذُورٍ لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ تَنْعَقِدُ نَفْلًا غَيْرَ مَضْمُونٍ فَهُنَا لَمَّا فُقِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ الْوُضُوءُ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي مِنْ أَصْلِهَا، لَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْمُحِيطِ، وَقَدْ يُقَالُ مَا فِي الْمُحِيطِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي اعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي فَكَيْفَ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِقَهْقَهَتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ اقْتِدَائِهِ عَدَمُ بَقَاءِ تَحْرِيمَتِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ إمَامِهِ فَسَدَ اقْتِدَاؤُهُ فَبَقِيَ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى خِلَافِ مُخْتَارِ الزَّيْلَعِيِّ لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ أَنَّ الَّذِي فَسَدَ هُوَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ الِاقْتِدَاءِ مُتَنَفِّلًا فَبَقِيَ كَلَامُهُ مُشْكِلًا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إذَا رَأَى مَاءً لَا يَضُرُّهُ فَقَدْ أَفَادَ) يَعْنِي أَنَّهُ يُفِيدُ الِاحْتِرَازَ عَمَّا لَوْ كَانَ مُتَوَضِّئًا وَرَأَى الْمَاءَ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ (قَوْلُهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ) وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ وَيَجْرِي فِيهِ مَا مَرَّ قَالَ فِي النَّهْرِ وَصَحَّحَ الشَّارِحُ وَالْحَدَّادِيُّ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْمُحِيطِ فِي الْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ مَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ (قَوْلُهُ كَذَا قَالُوا) كَأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لِبُعْدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي التَّعَلُّمِ دَائِمًا وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ يَبْعُدُ عَادَةً تَعَلُّمُهُ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِأَنَّ عَلَيْهِ سَتْرَهَا بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَصَرَّحَ بِمِثْلِ مَا هُنَا فِي خِزَانَةِ السُّرُوجِيِّ وَفِي الْجَوْهَرَةِ لَا تَبْطُلُ إجْمَاعًا

الْمَأْمُومَ إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَى إمَامِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْهَا الْإِمَامُ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ لَا أَصْلُهَا، وَكَذَا إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ فَإِنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنَّمَا انْقَلَبَتْ نَفْلًا لِمَا عُرِفَ أَنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَصْلِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، ثُمَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ قَطْعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ تَبْقَى مَوْقُوفَةً إنْ صَلَّى بَعْدَهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَهُوَ يَذْكُرُ الْفَائِتَةَ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً اهـ. فَذِكْرُ الْمُصَنِّفَ لَهَا فِي سِلْكِ الْبَاطِلِ اعْتِمَادٌ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْفَوَائِتِ. (قَوْلُهُ أَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا) يَعْنِي عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ عَدَمُ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ فِي حَقِّ الْقَارِئِ لَا بِالِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ حَتَّى جَازَ اسْتِخْلَافُهُ الْقَارِئَ وَاخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا فَسَادَ بِالِاسْتِخْلَافِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِالْإِجْمَاعِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي وَغَايَةِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ اسْتِخْلَافَ الْأُمِّيِّ فِعْلٌ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُخْرَجًا مِنْهَا وَكَوْنُهُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لَهَا إنَّمَا هُوَ فِي مُطْلَقِ الِاسْتِخْلَافِ، وَأَمَّا الِاسْتِخْلَافُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ اسْتِخْلَافُ الْأُمِّيِّ فَهُوَ مُنَافٍ لَهَا (قَوْلُهُ أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ فَسَادِهَا بِطُلُوعِهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ الْفَسَادَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ النَّهْيُ، فَيَجِبُ حَمْلُ مَا رَوَوْا عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ فِي الْبُطْلَانِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الدُّخُولَ عِنْدَهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ مِثْلَهُ قُلْنَا هَذَا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ وَقْتًا مُهْمَلًا بَيْنَ خُرُوجِ الظُّهْرِ وَدُخُولِ الْعَصْرِ فَإِذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ عِنْدَهُمَا وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ وَعِنْدَهُ بَاطِلَةٌ كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَلَمْ يَقُولُوا أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ مَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارَ مَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ مَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ وَعِنْدَهُ إذَا صَارَ مِثْلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ سَقَطَتْ جَبِيرَتُهُ عَنْ بُرْءٍ أَوْ زَالَ عُذْرُ الْمَعْذُورِ) قَيَّدَ بِالْبُرْءِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهَا لَا عَنْ بُرْءٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ اتِّفَاقًا لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِهِ وَالْمُرَادُ بِزَوَالِ الْعُذْرِ اسْتِمْرَارُ انْقِطَاعِهِ وَقْتًا كَامِلًا فَإِذَا انْقَطَعَ عُذْرُهُ بَعْدَ الْقُعُودِ فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ دَامَ وَقْتًا كَامِلًا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَوَقَعَ الِانْقِطَاعُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ انْقِطَاعٌ هُوَ بُرْءٌ فَيَظْهَرُ الْفَسَادُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَقْضِيهَا وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَالصَّلَاةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا اثْنَيْ عَشَرَ مَسْأَلَةً وَلَقَبُهَا اثْنَا عَشَرِيَّةٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ غَيْرُ جَائِرٍ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى صَدْرِ الْعَدَدِ الْمُرَكَّبِ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَمًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي فَنِّهِ فَيُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ عَلَمًا عَلَى رَجُلٍ أَوْ غَيْرِهِ خَمْسِيٌّ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى بِهِ وَأُرِيدَ بِهِ الْعَدَدُ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْجُزْأَيْنِ حِينَئِذٍ مَقْصُودَانِ بِالْمَعْنَى فَلَوْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا اخْتَلَّ الْمَعْنَى، وَلَوْ لَمْ يُحْذَفْ اُسْتُثْقِلَ، قَالُوا وَقَدْ زِيدَ عَلَيْهَا مَسَائِلُ فَمِنْهَا إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالثَّوْبِ النَّجِسِ فَوَجَدَ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا وَجَدَ الْعَارِي ثَوْبًا، وَمِنْهَا مَا إذَا كَانَ يُصَلِّي الْقَضَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْأَوْقَاتُ الْمَكْرُوهَةُ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَسْأَلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ، وَمِنْهَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ عَلَى الْمَعْذُورِ وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى ظُهُورِ الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَمِنْهَا الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ فَأُعْتِقَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ تَسْتَتِرْ مِنْ سَاعَتِهَا وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا فَسَادَ بِالِاسْتِخْلَافِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ) الْأَصْوَبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ شَامِلٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا حُكْمًا لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ وَاَلَّذِي فِيهِ خِلَافُ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ مَا لَوْ كَانَ بَعْدَهُ لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ قَالُوا وَقَدْ زِيدَ عَلَيْهَا مَسَائِلُ) الْقَائِلُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَصَاحِبُ الدُّرَرِ لَكِنَّهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا وَهِيَ مَا عَدَا الثَّالِثَةَ، وَكَذَا ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَالَ وَنَوَّعَ دُخُولَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عَلَى مُصَلِّي الْقَضَاءِ بِالزَّوَالِ وَتَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ طُلُوعُهَا وَنَقَلَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ أَيْضًا عَنْ الذَّخِيرَةِ لَوْ سَلَّمَ الْأُمِّيُّ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ السَّهْوِ فَعَادَ إلَيْهِ فَلَمَّا سَجَدَ تَعَلَّمَ سُورَةً فَسَدَتْ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا عِنْدَهُمَا فَتَصِيرُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ وَلَوْ سَلَّمَ ثُمَّ تَعَلَّمَ سُورَةً ثُمَّ تَذَكَّرَ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْكِتَابِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ اهـ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ

إذَا وَجَدَ الْعَارِي ثَوْبًا فَفِي التَّحْقِيقِ لَا زِيَادَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى ظُهُورِ الْحَدَثِ السَّابِقِ وَقُوَّةِ حَالِهِ بَعْدَ ضَعْفِهَا وَطُرُوِّ الْوَقْتِ النَّاقِصِ عَلَى الْكَامِلِ، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إذَا بَطَلَتْ لَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ وَهُوَ مَا إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي بُطْلَانِهَا بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ فَشَمِلَ مَا قَبْلَ الْقُعُودِ وَمَا بَعْدَهُ وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهَا فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا فِي حُدُوثِهَا بَعْدَهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْبُطْلَانِ، وَقَالَا بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مُفْسِدٌ لَهَا فَصَارَ كَالْحَدَثِ وَالْكَلَامِ، وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ التَّمَامِ فَلَا فَسَادَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَذَهَبَ الْبَرْدَعِيُّ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إلَّا بِتَرْكِ فَرْضٍ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ سِوَى الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَامَّةُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ مِنْهَا لَيْسَ بِفَرْضٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ «إذَا قُلْتُ: هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، فَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ الْبَرْدَعِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا كَمَا زَعَمَهُ لَاخْتَصَّ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَهُوَ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِالْبُطْلَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُغَيِّرَةٌ لِلْفَرْضِ فَاسْتَوَى فِي حُدُوثِهَا أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَآخِرُهَا أَصْلُهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْأَقْطَعُ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ إلَّا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّهُ يَقِيسُهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ مَعْنًى مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ حَصَلَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ اهـ. وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ بَعْدَ الْفَجْرِ مُغَيِّرٌ لِلْفَرْضِ مِنْ الْفَرْضِ إلَى النَّفْلِ كَرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَإِنَّهَا مُغَيِّرَةٌ لِلْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ فَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ إلَى الْوُضُوءِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الصَّلَاةِ، وَكَذَا سَائِرُ أَخَوَاتِهَا بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَاطِعٌ لَا مُغَيِّرٌ وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ وَالْقَهْقَهَةُ مُبْطِلَةٌ لَا مُغَيِّرَةٌ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا إلَى شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّأْسِيسِ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَجَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَهُمَا بِأَنَّ اقْتِضَاءَ الْحُكْمِ الِاخْتِيَارُ لِيَنْتَفِيَ الْجَبْرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقَاصِدِ لَا فِي الْوَسَائِلِ، وَلِهَذَا لَوْ حُمِلَ مُغْمًى عَلَيْهِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ فَفِي التَّحْقِيقِ لَا زِيَادَةَ) نَازَعَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَبَحَثَ فِيمَا أَوَّلَ بِهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَسَائِلُ الْبَهِيَّةُ الزَّكِيَّةُ عَلَى الْمَسَائِلِ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ نَجِسَةٌ يَلْزَمُهُ السَّتْرُ بِهِ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِ وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَانَ الْبُطْلَانُ لِعَدَمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ حِينَئِذٍ لَا لِتَرْكِ السِّتْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَتِرًا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا بِهِ مِنْ النَّجَسِ ثُمَّ لَزِمَ إزَالَتُهُ، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ فِي الْأَمَةِ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ السَّاتِرِ فَلَمَّا أُعْتِقَتْ وَهُوَ مَعَهَا لَزِمَهَا لِزَوَالِ الرِّقِّ لَا لِوُجُودِ مَا كَانَ مُنْعَدِمًا، قَالَ ثُمَّ أَقُولُ: إنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ دُخُولُ وَقْتِ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ، وَقَدْ ذُكِرَ مَعْدُودًا وَكَانَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يَتْرُكَ ذِكْرَهُ مِنْ أَصْلِ الْعَدِّ فَتَرْجِعُ الْمَسَائِلُ إلَى إحْدَى عَشَرَةَ وَهُوَ خِلَافُ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ. اهـ. وَقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ثُمَّ أَقُولُ: الْجَوَابَ عَمَّا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ فِي الثَّالِثَةِ لَكِنَّهُ تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ أَيْضًا وَيُقَالُ عَلَيْهِ أَيْضًا إنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ الْمَسَائِلِ ظُهُورَ الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا رُؤْيَةَ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ وَمَا يُشْبِهُهُ لَاسْتَغْنَوْا بِذَلِكَ عَنْ مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخُفِّ وَمَسْأَلَةِ سُقُوطِ الْجَبِيرَةِ فَذِكْرُ أَحَدِهَا يُغْنِي عَنْ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحَدَثِ السَّابِقِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهَا عَلَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ نَفْسَهُ ذَكَرَ فِي بَابِ الْعِيدِ أَنَّ حُكْمَهُ كَالْجُمُعَةِ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَذَكَرَ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى الْمَسَائِلِ مَعَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى مَسْأَلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَسْأَلَةِ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَعَنْ هَذَا وَنَحْوِهِ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ فِيمَا ذَكَرُوهُ زَادَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ مَسْأَلَةٍ لِوُجُودِ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ فِيهَا وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِعْلَ الْمُصَلِّي الَّذِي يُفْسِدُ الصَّلَاةَ بِوُجُودِهِ فِيهَا قَبْلَ الْجُلُوسِ إذَا وُجِدَ بَعْدَ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ لَا يُفْسِدُهَا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا مِثْلَ الْكَلَامِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْقَهْقَهَةِ وَأَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُصَلِّي بَلْ هُوَ عَارِضٌ سَمَاوِيٌّ وَإِذَا اعْتَرَضَ يَكُونُ مُفْسِدًا بِوُجُودِهِ فِي أَثْنَائِهَا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي بُطْلَانِهَا بِهِ إذَا وُجِدَ بَعْدَ الْقُعُودِ الْأَخِيرِ فَعِنْدَهُ تَبْطُلُ وَعِنْدَهُمْ لَا، ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى افْتِرَاضِ الْخُرُوجِ بِالصُّنْعِ وَعَدَمِهِ وَأَيَّدَ كَلَامَ الْبَرْدَعِيِّ الْآتِي بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ أَصْلٌ أَصِيلٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهَا تَبْطُلُ فَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ أَوْلَى لِتَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِ بِيَقِينٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسَائِلَ الَّتِي زَادَهَا وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فَارْجِعْ إنْ أَرَدْت إلَيْهَا. (قَوْلُهُ بِأَنَّ اقْتِضَاء الْحُكْمِ الِاخْتِيَارُ إلَخْ) ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْفَتْحِ مَنْعًا لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ لِلْإِمَامِ بِقَوْلِهِ وَلَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ وَمَا لَا يُتَوَسَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا اهـ قَالَ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ

[استخلاف المسبوق في الصلاة]

إلَى الْمَسْجِد فَأَفَاقَ فَتَوَضَّأَ فِيهِ أَجْزَأَهُ عَنْ السَّعْيِ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِلتَّوَسُّلِ فَكَذَا إذَا تَحَقَّقَ الْقَاطِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِلَا اخْتِيَارٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى صَلَاةٍ أُخْرَى، وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ هُوَ قُرْبَةٌ قَاطِعٌ فَلَوْ فَعَلَ مُخْتَارًا قَاطِعًا مُحَرَّمًا أَثِمَ لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ لَا لِعَدَمِ الْفِعْلِ بَلْ لِلْأَدَاءِ مَعَ الْحَدَثِ بِالرُّؤْيَةِ، وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ وَانْقِطَاعُ الْعُذْرِ يُظْهِرُ الْحَدَثَ السَّابِقَ فَيَسْتَنِدُ النَّقْصُ فَيَظْهَرُ فِي هَذِهِ لِقِيَامِ حُرْمَتِهَا حَالَةَ الظُّهُورِ بِخِلَافِ الْمُنْقَضِيَةِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَعْلِيلِ الْبَرْدَعِيِّ وَأَمَّا عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ فَلَا يَرِدُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَعَرَضَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا، فَإِنْ سَجَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ سَلَّمَ الْقَوْمُ قَبْلَ الْإِمَامِ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ دُونَ الْقَوْمِ، وَكَذَا إذَا سَجَدَ هُوَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَسْجُدْ الْقَوْمُ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ. (قَوْلُهُ وَصَحَّ اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ) لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ لِعَجْزِهِ عَنْ السَّلَامِ فَلَوْ تَقَدَّمَ يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ الْإِمَامُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَإِذَا انْتَهَى إلَى السَّلَامِ يُقَدِّمُ مُدْرِكًا يُسَلِّمُ بِهِمْ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَسْبُوقًا بِرَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى الْخَلِيفَةُ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقْعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْإِمَامِ وَإِذَا قَرَأَ الْتَحَقَتْ بِالْأُولَيَيْنِ فَخَلَتْ الْأُخْرَيَانِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَصَارَ كَأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَإِذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَهُ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ فِيمَا سُبِقَ بِهِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَدْ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ، وَلَوْ لَمْ يُعْلِمْ الْمَسْبُوقُ الْخَلِيفَةَ كَمِّيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا الْقَوْمِ بِأَنْ كَانَ الْكُلُّ مَسْبُوقِينَ مِثْلَهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ قَائِمٌ صَلَّى الَّذِي تَقَدَّمَ رَكْعَةً وَقَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ قَامَ وَأَتَمَّ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَالْقَوْمُ لَا يَقْتَدُونَ بِهِ وَلَكِنَّهُمْ يَمْكُثُونَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ هَذَا مِنْ صَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ قَامَ الْقَوْمُ فَيَقْضُونَ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ وُحْدَانًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ آخِرُ الرَّكَعَاتِ فَحِينَ صَلَّى الْخَلِيفَةُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَلَوْ اقْتَدَوْا بِهِ فِيمَا يَقْضِي هُوَ كَانُوا اقْتَدَوْا بِمَسْبُوقٍ فِيمَا يَقْضِي فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ، وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالْقَضَاءِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا يَقْضِي هَذَا الْخَلِيفَةُ مِمَّا بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْقَوْمُ قَدْ انْفَرَدُوا قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِمْ مِنْ جَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ فَالْأَحْوَطُ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَقْعُدُ هَذَا الْخَلِيفَةُ فِيمَا بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ الْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ رَكْعَةٍ وَهَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَاقْتَدَوْا بِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَاسْتَخْلَفَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ وَالْفَرْضُ رُبَاعِيٌّ كَالظُّهْرِ وَيَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَلِيفَةُ رَكْعَتَيْنِ وَحْدَهُ وَهُمْ جُلُوسٌ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا قَامُوا وَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعًا وَحْدَهُ وَالْخَلِيفَةُ مَا بَقِيَ وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأُولَيَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْقَعْدَةُ الَّتِي لِلْإِمَامِ هِيَ الْأَخِيرَةُ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُمْ الِاقْتِدَاءُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُمْ الِانْفِرَادُ وَحَقِيقَةُ الْمَسْبُوقِ هُوَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَلَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِي إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ وَلَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ تَحْرِيمَةً فَلَوْ اقْتَدَى ـــــــــــــــــــــــــــــQفَرْضًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ لَا بِلَا اخْتِيَارِهِ، وَقَدْ يُقَالُ اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ (قَوْلُهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ) خَبَرُ قَوْلِهِ وَالْجَوَابُ وَوَجْهُ عَدَمِ اطِّرَادِ الْجَوَابِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي مِثْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إذْ لَيْسَ فِيهِ أَدَاءٌ مَعَ الْحَدَثِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَعْلِيلِ الْبَرْدَعِيِّ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ أَوَّلُ كَلَامِ الْكَمَالِ إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى تَعْلِيلِ الْبَرْدَعِيِّ وَقَوْلُهُ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْفَسَادَ إلَخْ بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ الْبَرْدَعِيَّ قَائِلٌ بِأَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ الْفِعْلِ أَيْ عَدَمِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِ الْكَمَالِ أَنَّهُ بَحْثٌ فِي دَلِيلِ الْإِمَامِ عَلَى التَّخْرِيجَيْنِ أَمَّا عَلَى تَخْرِيجِ الْبَرْدَعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ الْفِعْلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْمَقَاصِدِ لَا فِي الْوَسَائِلِ إلَخْ، وَأَمَّا عَلَى تَعْلِيلِ الْكَرْخِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْفَسَادَ لَا لِعَدَمِ الْفِعْلِ بَلْ لِلْأَدَاءِ مَعَ الْحَدَثِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَقَوْلُهُ وَالْجَوَابُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ الْإِمَامِ بِمَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَتَنَبَّهْ. [اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالْقَضَاءِ إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَكِنَّهُمْ يَمْكُثُونَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ وَبَيَانٌ لِوَجْهِهِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ) أَيْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ وَذَلِكَ حَيْثُ قَيَّدَ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ قَائِمٌ (قَوْلُهُ إحْدَاهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ وَلَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ) كَذَا فِي الْفَتْحِ لَكِنَّ الثَّانِيَةَ ظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْأُولَى فَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لِلنَّظَرِ فِي إدْخَالِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُسْتَثْنَاةِ مَجَالٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِأَحَدٍ وَلَعَلَّهُ الدَّاعِي إلَى تَرْكِ الْمُصَنِّفِ التَّعَرُّضَ لَهَا فَلْيُتَدَبَّرْ اهـ.

مَسْبُوقٌ بِمَسْبُوقٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ دُونَ الْإِمَامِ وَاسْتَثْنَى مُنْلَا خُسْرو فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَسْبُوقِ أَنَّ إمَامَهُ لَوْ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَهُ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ وَصَارَ إمَامًا اهـ. وَهُوَ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَا إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ أَصْلًا فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَلَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَهْوًا فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ فَتَابَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِيهِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّ صَلَاةَ الْمَسْبُوقِ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى فِي مَوْضِعِ الِانْفِرَادِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي زَمَانِنَا لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ فِي الْقُرَّاءِ غَالِبٌ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ تَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى الْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَتَابَعَهُ الْمَسْبُوقُ إنْ قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ لَمْ تَفْسُدْ حَتَّى يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ فَإِذَا قَيَّدَهَا بِالسَّجْدَةِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَعَدَ عَلَى الرَّابِعَةِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَسْبُوقِ مُتَابَعَتُهُ، وَلَوْ نَسِيَ أَحَدُ الْمَسْبُوقَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ كَمِّيَّةَ مَا عَلَيْهِ فَقَضَى مُلَاحِظًا لِلْآخَرِ بِلَا اقْتِدَاءٍ بِهِ صَحَّ. ثَانِيهَا لَوْ كَبَّرَ نَاوِيًا لِلِاسْتِئْنَافِ يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا قَاطِعًا لِلْأُولَى بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ عَلَى مَا يَأْتِي. ثَالِثُهَا لَوْ قَامَ لِقَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ وَعَلَى الْإِمَامِ سَجْدَتَا سَهْوٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَسْجُدَ مَعَهُ مَا لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى سَجَدَ يَمْضِي وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ لِسَهْوٍ وَغَيْرِهِ. رَابِعُهَا يَأْتِي بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ هُوَ مُنْفَرِدٌ لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا يَقْضِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ سَاهِيًا أَوْ قَبْلَهُ لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ، وَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ سَلَامُ عَمْدٍ فَتَفْسُدُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ إلَى الْقَضَاءِ قَبْلَ التَّسْلِيمَتَيْنِ بَلْ يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الْإِمَامِ بَعْدَهُمَا لِاحْتِمَالِ سَهْوٍ عَلَى الْإِمَامِ فَيَصْبِرُ حَتَّى يَفْهَمَ أَنَّهُ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ لَسَجَدَ وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَحْثًا بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ إمَّا إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يَرَاهُ قَبْلَهُ فَلَا قُلْتُ: الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فَرُبَّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ عَمَلًا بِالْجَائِزِ فَلِهَذَا أَطْلَقُوا اسْتِنْظَارَهُ وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْلَ السَّلَامِ بَعْدَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ إذَا خَافَ وَهُوَ مَاسِحٌ تَمَامَ الْمُدَّةِ لَوْ انْتَظَرَ سَلَامَ الْإِمَامِ أَوْ خَافَ الْمَسْبُوقُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْفَجْرِ أَوْ الْمَعْذُورُ خُرُوجَ الْوَقْتِ أَوْ خَافَ أَنْ يَبْتَدِرَهُ الْحَدَثُ أَوْ أَنْ تَمُرَّ النَّاسُ بَيْن يَدَيْهِ وَلَوْ قَامَ فِي غَيْرِهَا بَعْدَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ صَحَّ وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ بِالنَّصِّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَهَذِهِ مُخَالَفَةٌ لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفِيدَةِ لِلْوُجُوبِ، وَلَوْ قَامَ قَبْلَهُ قَالَ فِي النَّوَازِلِ إنْ قَرَأَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. هَذَا فِي الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِثَلَاثٍ فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ قِيَامٌ بَعْدَ تَشَهُّدِ الْإِمَامِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّهُ سَيَقْرَأُ فِي الْبَاقِيَتَيْنِ وَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي كُلِّ الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَوْ قَامَ حَيْثُ يَصِحُّ وَفَرَغَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَتَابَعَهُ فِي السَّلَامِ قِيلَ تَفْسُدُ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا تَفْسُدَ، وَإِنْ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُفْسِدًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُفْسِدٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَهُوَ كَتَعَمُّدِ الْحَدَثِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَذَكَّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى مُنْلَا خُسْرو فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: عِبَارَتُهُ فِيهَا الْمَسْبُوقُ فِيمَا يَقْضِي لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ الِانْفِرَادِ حَقِيقَةً حَتَّى يُثْنِيَ وَيَتَعَوَّذَ وَيَقْرَأَ وَجِهَةَ الِاقْتِدَاءِ حَتَّى لَا يُؤْتَمَّ بِهِ وَإِنْ صَلَحَ لِلْخِلَافَةِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا لَا بِخُصُوصِ كَوْنِهِ قَاضِيًا وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مَا حَكَمَ عَلَيْهِ هُنَا بِأَنَّهُ سَهْوٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَا يَقْتَدِي بِهِ، وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ اهـ. لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَيْك ظُهُورُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا وَإِنْ جَارَاهُ فِي الْأَشْبَاهِ فَإِنَّ قَوْلَ الدُّرَرِ فِيمَا يَقْضِي يُنَافِي مَا أَدْرَجَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا، وَكَذَا تَتِمَّةُ عِبَارَةِ الدُّرَرِ تُنَافِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ حَتَّى لَا يُؤْتَمَّ بِهِ وَتَقْطَعَ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ تَحْرِيمَتَهُ، وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى سَهْوِ إمَامِهِ وَيَأْتِي بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا يَقْضِي كَمَا هُوَ صَرِيحُ صَدْرِ كَلَامِهِ فَإِخْرَاجُ قَوْلِهِ وَإِنْ صَلَحَ لِلْخِلَافَةِ عَنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ إلَى حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا لَا يُعْتَرَضُ بِمِثْلِهِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّحْقِيقِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَامَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ قَدْرِ التَّشَهُّدِ رَمْلِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ قِيَامٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِقِيَامِ الْمَسْبُوقِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَكَأَنَّهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ لَمْ يَقُمْ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ يُعْتَبَرُ قَائِمًا حَتَّى إذَا وُجِدَ جُزْءٌ قَلِيلٌ مِنْ قِيَامٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّهُ سَيَقْرَأُ فِي الْبَاقِيَتَيْنِ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ وَأَوْضَحَ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُفْسِدٌ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ تَأَمَّلْ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَسَادُ مَا بَقِيَ وَمَا مَضَى وَمُرَادَ الثَّانِي لَا يَفْسُدُ مَا مَضَى وَيَفْسُدُ مَا بَقِيَ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ

سَجْدَةً فَإِمَّا تِلَاوِيَّةً أَوْ صُلْبِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ تِلَاوِيَّةً وَسَجَدَهَا إنْ لَمْ يُقَيِّدْ الْمَسْبُوقُ رَكْعَتَهُ بِسَجْدَةٍ فَإِنَّهُ يَرْفُضُ ذَلِكَ وَيُتَابِعُهُ وَيَسْجُدُ مَعَهُ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الْقَضَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَوْدَ الْإِمَامِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَصِرْ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ دُونَ رَكْعَةٍ فَيَرْتَفِضُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَإِذَا ارْتَفَضَتْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْفِرَادُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوَانُ افْتِرَاضِ الْمُتَابَعَةِ وَالِانْفِرَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ تَابَعَهُ بَعْدَ تَقْيِيدِهَا بِالسَّجْدَةِ فِيهَا فَسَدَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ عَدَمُ الْفَسَادِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاضَهَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ سَجْدَةً صُلْبِيَّةً وَعَادَ إلَيْهَا يُتَابِعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَسَدَتْ، وَإِنْ كَانَ قَيَّدَ رَكْعَتَهُ بِالسَّجْدَةِ تَفْسُدُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا عَادَ أَوْ لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ وَعَلَيْهِ رُكْنَانِ السَّجْدَةُ وَالْقَعْدَةُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ مُتَابَعَتِهِ بَعْدَ إكْمَالِ الرَّكْعَةِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا اقْتَدَى فِي مَوْضِعِ الِانْفِرَادِ أَوْ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعِ الِاقْتِدَاءِ تَفْسُدُ، وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَآخِرَهَا فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي أَحَدِهِمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً بِتَشَهُّدٍ؛ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، وَلَوْ تَرَكَ جَازَتْ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً وَيَقْرَأُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَيَتَشَهَّدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي الْآخِرَ فِي حَقِّ التَّشَهُّدِ وَيَقْضِي رَكْعَةً يَقْرَأُ فِيهَا كَذَلِكَ وَلَا يَتَشَهَّدُ وَفِي الثَّالِثَةِ يَتَخَيَّرُ وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَيَتَشَهَّدُ، وَلَوْ تَرَكَ فِي أَحَدِهِمَا فَسَدَتْ. وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَوْ بَدَأَ ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَوَّلَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَابَعَهُ فِي السَّلَامِ فَقَطْ وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَتِلْكَ الْمُتَابَعَةُ فِعْلُ عَمْدٍ فَإِفْسَادُهَا مَا مَضَى لَا وَجْهَ لَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُعِدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْفَتْحِ لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إنْ وَجَدَ مِنْهُ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْقَعْدَةِ الثَّانِيَةِ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ بِعَوْدِ إمَامِهِ إلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ ارْتَفَعَتْ الْقَعْدَةُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ اهـ. مُلَخَّصًا. وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَفْسَهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَعَدَمُ الْمُتَابَعَةِ فِيهَا مُفْسِدٌ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَا رُكْنٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ تَبَعًا لِلْفَتْحِ وَالدُّرَرِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي السِّرَاجِ الْمَسْبُوقُ إذَا قَامَ إلَى الْقَضَاءِ فَاَلَّذِي يَقْضِيهِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ حُكْمًا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ آخِرُهَا إلَّا فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ وَالْقُنُوتِ حَتَّى أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ فِيمَا يَقْضِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْتَفْتِحُ حَالَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْقُنُوتِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ ثَالِثَةَ الْوِتْرِ فَقَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَقْنُتُ فِيمَا يَقْضِي بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْوَجِيزِ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ وَمَا يَقْضِيهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ مَا صَلَّاهُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَقْضِيهِ فَهُوَ آخِرُهَا بَيَانُهُ إذَا سُبِقَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ فَيُصَلِّي أُخْرَى بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي أُخْرَى بِالْفَاتِحَةِ لَا غَيْرَ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّد يَقْضِي رَكْعَةً بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَيَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ خَاصَّةً وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيُحْكَى أَنَّ يَحْيَى الْبَكَّاءَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَأَلَ مُحَمَّدًا عَنْ الْمَسْبُوقِ أَنَّهُ يَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ أَمْ آخِرَهَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ وَالْقُنُوتِ آخِرَهَا وَفِي حَقِّ الْقَعْدَةِ أَوَّلَهَا فَقَالَ يَحْيَى عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ هَذِهِ صَلَاةٌ مَعْكُوسَةٌ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أَفْلَحْت فَكَانَ كَمَا قَالَ أَفْلَحَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُفْلِحْ يَحْيَى اهـ. قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لَكِنْ فِي صَلَاةِ الْجَلَّابِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ضَعِيفًا وَأَنَّهُ قَوْلُهُمَا وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً بِتَشَهُّدٍ) يَعْنِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَيَقْعُدُ فِي أَوَّلِهِمَا؛ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَقْعُدْ جَازَ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا وَلَمْ يَلْزَمْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَوْ سَهْوًا لِكَوْنِهَا أَوْلَى مِنْ وَجْهٍ اهـ. وَلَا يُخَالِفُهُ مَا نَقَلَهُ الْعَيْنِيُّ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ ثَانِيَةٌ لِهَذَا الْمَسْبُوقِ وَالْقَعْدَةُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ اهـ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَظَرَ إلَى أَوْلَوِيَّةِ الرَّكْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِرَاءَةِ فَالْقِيَاسُ الْقُعُودُ بَعْدَ مَا بَعْدَهَا وَالِاسْتِحْسَانُ الْقُعُودُ بَعْدَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ وَجْهٍ، وَالثَّانِي نَظَرَ إلَى أَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ وَإِنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَخِيرِ كَمَا مَرَّ فَالْقِيَاسُ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْقُعُودِ بَعْدَهَا وَالِاسْتِحْسَانُ بَعْدَ مَا بَعْدَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ اسْتِحْسَانًا الْحِلُّ لَا الصِّحَّةُ وَإِلَّا لَاقْتَضَى عَدَمَهَا فِي الْقِيَاسِ وَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَلَا يُنَافِي تَرْكُهُ الصِّحَّةَ عَلَى أَنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ فَقَوْلُ الرَّمْلِيِّ قَوْلُهُ لَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ تَرَكَ الْقُعُودَ الْأَخِيرَ تَأَمَّلْ اهـ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَتَدَبَّرْ.

بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِالْمَنْسُوخِ وَقَوَّاهُ بِمَا قَالُوا إنَّ الْمَسْبُوقَ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى فَرَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَرَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَاخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ انْفَرَدَ فِي مَوْضِعٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ وَهُوَ مُفْسِدٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَإِلَّا ظَهَرَ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ لِمُوَافَقَتِهِ الْقَاعِدَةَ وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي السَّهْوِ وَلَا يُتَابِعُهُ فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّلْبِيَةِ فَإِنْ تَابَعَهُ فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّلْبِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَابَعَهُ فِي التَّكْبِيرِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَالْمُرَادُ مِنْ التَّكْبِيرِ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِصِحَّةِ اسْتِخْلَافِ الْمَسْبُوقِ إلَى صِحَّةِ اسْتِخْلَافِ اللَّاحِقِ وَالْمُقِيمِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا التَّقَدُّمُ، وَإِنْ تَقَدَّمَا يُقَدِّمَا مُدْرِكًا لِلسَّلَامِ أَمَّا الْمُقِيمُ فَلِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ خَلْفَهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِتْمَامُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُمْ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ الْإِقَامَةُ بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ أَوْ بِنِيَّةِ الْخَلِيفَةِ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فِي الْأَصْلِ. أَمَّا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الْأَوَّلُ الْإِقَامَةَ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْخَلِيفَةُ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مُسَافِرٌ صَلَّى رَكْعَةً فَجَاءَ مُسَافِرٌ آخَرُ وَاقْتَدَى بِهِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ وَاسْتَخْلَفَ الْمَسْبُوقَ فَذَهَبَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ لِلْوُضُوءِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ وَالْإِمَامُ الثَّانِي نَوَى الْإِقَامَةَ أَيْضًا، ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ كَيْفَ يَفْعَلُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إذَا حَضَرَ الْأَوَّلُ يَقْتَدِي بِالثَّانِي فِي الَّذِي هُوَ بَاقِي صَلَاتِهِ فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الثَّانِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ يَقْعُدُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَيَسْتَخْلِفُ رَجُلًا مُسَافِرًا مِنْ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ بِالْقَوْمِ، ثُمَّ يَقُومُ الثَّانِي فَيُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِي وَلَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُ الْقَوْمِ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ الثَّانِي وَلَا فَرْضُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ اهـ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا اللَّاحِقُ فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ إذَا خَالَفَ الْوَاجِبَ بِأَنْ بَدَأَ بِإِتْمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَدِّمُ غَيْرَهُ لِلْإِتْمَامِ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِمَا فَاتَهُ مَعَهُ أَمَّا إذَا فَعَلَ الْوَاجِبَ بِأَنْ قَدَّمَ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ مُرَتَّبًا فَيُشِيرُ إلَيْهِمْ إذَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يُتَابِعُوهُ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يُتَابِعُونَهُ وَيُسَلِّمُ بِهِمْ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَقْدِيمُ الْغَيْرِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ انْتِظَارُهُمْ وَهُوَ مَكْرُوهٌ فَلِذَا إذَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَ رَجُلًا كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمَسْبُوقُ يُخَالِفُ اللَّاحِقَ فِي الْقَضَاءِ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فِي مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ وَالْقَعْدَةِ الْأُولَى إذَا تَرَكَهَا الْإِمَامُ، وَفِي ضَحِكِ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ السَّلَامِ، وَفِي نِيَّةِ الْإِمَامِ الْإِقَامَةَ إذَا قَيَّدَ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ. اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْمُحَاذَاةِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّاحِقِ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَتَمَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَفْسُدُ بِالْمُنَافِي صَلَاتُهُ دُونَ الْقَوْمِ) أَيْ لَوْ أَتَمَّ الْمَسْبُوقُ الْخَلِيفَةُ صَلَاةَ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ فَأَتَى بِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ ضَحِكٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ انْحِرَافٍ عَنْ الْقِبْلَةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ دُونَ صَلَاةِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ فِي حَقِّهِ وُجِدَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَفِي حَقِّهِمْ بَعْدَ إتْمَامِ أَرْكَانِهَا أَرَادَ بِالْقَوْمِ الْمُدْرِكِينَ، وَأَمَّا مَنْ حَالُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ اهـ. قُلْتُ: وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ تَجُوزُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ حَيْثُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَانَ وَجْهُ الْفَسَادِ أَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ رَكْعَةً غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهَا وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ صَحَّ كَوْنُهُ قَاضِيًا لَمَا فَسَدَتْ بِخِلَافِ الْأُولَى لِمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِيهَا فَلَمْ تَكُنْ الرَّكْعَةُ كُلُّهَا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهَا (قَوْلُهُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ وَخَلْفَهُ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ خَلْفَهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِتْمَامُ (قَوْلُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مُسَافِرٌ صَلَّى رَكْعَةً) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ وَخَلْفَهُ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ يُسَلِّمُ بِالْقَوْمِ (قَوْلُهُ وَاسْتَخْلَفَ الْمَسْبُوقُ) أَيْ الْمُسَافِرُ الْآخَرَ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً (قَوْلُهُ ثُمَّ يَقُومُ الثَّانِي) أَيْ الْإِمَامُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ خَلِيفَةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالْمَقَامُ مَقَامُ إضْمَارٍ وَلَكِنْ صَرَّحَ بِالْفَاعِلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الثَّانِي الْمُدْرِكِ. (قَوْلُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِي) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الَّذِي خَلَفَهُ الْخَلِيفَةُ الَّذِي سَلَّمَ بِالْقَوْمِ (قَوْلُهُ وَلَا فَرْضُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ صَوَابُهُ وَلَا بِنِيَّةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ اهـ. أَيْ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْعِبَارَةَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْفَتْحِ هَكَذَا وَكَمَا يُقَدِّمُ مُدْرِكًا لِلسَّلَامِ لَوْ تَقَدَّمَ كَذَا لِآخَرَانِ أَمَّا الْمُقِيمُ فَلِكَذَا، وَأَمَّا اللَّاحِقُ فَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ إلَخْ أَيْ تَقْدِيمُهُ لِلسَّلَامِ كَمَا هُوَ مَبْنَى التَّفْصِيلِ وَهَذَا أَيْضًا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ أَوَّلًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَقَدُّمَ غَيْرِهِ لِلسَّلَامِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا إذَا خَالَفَ الْوَاجِبَ فَسَقَطَ النَّظَرُ

مِثْلُ حَالِهِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَرَغَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَأْمُومًا بِالْخَلِيفَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلِذَا قَالُوا، وَلَوْ تَذَكَّرَ الْخَلِيفَةُ فَائِتَةً فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالْقَوْمِ، وَلَوْ تَذَكَّرَهَا الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ خَاصَّةً أَوْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْخَلِيفَةِ وَالْقَوْمِ، وَقَالُوا لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَنْزِلِهِ قَبْلَ فَرَاغِ هَذَا الْمُسْتَخْلَفِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ انْفَرَدَاهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ كَمَا تَفْسُدُ بِقَهْقَهَةِ إمَامِهِ لَدَى اخْتِتَامِهِ لَا بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَلَامِهِ) أَيْ كَمَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ بِحَدَثِ إمَامِهِ عَامِدًا بَعْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ بِخُرُوجِ إمَامِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَلَامِهِ بَعْدَ الْقُعُودِ، وَلَا خِلَافَ فِي الثَّانِي وَخَالَفَا فِي الْأَوَّلِ قِيَاسًا عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ اتِّفَاقًا فِي الْكُلِّ فَكَذَا الْمُقْتَدِي وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْحَدَثَ مُفْسِدٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُنْهٍ وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا لَا يَخْرُجُ الْمُقْتَدِي مِنْهَا بِسَلَامِ الْإِمَامِ وَكَلَامِهِ وَخُرُوجِهِ فَيُسَلِّمُ وَيَخْرُجُ بِحَدَثِهِ عَمْدًا فَلَا يُسَلِّمُ بَعْدَهُ، قَيَّدَ بِالْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُدْرِكِ لَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا، وَفِي صَلَاةِ اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ الْفَسَادَ وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ عَدَمَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ النَّائِمَ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ صَلَاةُ النَّائِمِ تَقْدِيرًا اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِخِلَافِ اللَّاحِقِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ كَانَ فِي الْقَوْمِ لَاحِقٌ إنْ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَامَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ وَإِلَّا تَفْسُدُ عِنْدَهُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ اخْتِتَامِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْعَمْدَ لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الْقُعُودِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ اتِّفَاقًا، وَقَيَّدُوا فَسَادَ الْمَسْبُوقِ عِنْدَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ انْفِرَادُهُ فَلَوْ قَامَ قَبْلَ سَلَامِهِ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ فَقَضَى رَكْعَةً فَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ انْفِرَادُهُ حَتَّى لَا يَسْجُدَ لَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ لِسَهْوٍ عَلَيْهِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بَعْدَ سُجُودِهِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَأَعَادَهُمَا) ؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَالسَّجْدَةُ، وَإِنْ تَمَّتْ بِالْوَضْعِ لَكِنَّ الْجَلْسَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَلَا تَتَحَقَّقُ هِيَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّ التَّمَامَ عَلَى نَوْعَيْنِ: تَمَامُ مَاهِيَّةٍ وَتَمَامٌ مُخْرِجٌ عَنْ الْعُهْدَةِ، فَالسَّجْدَةُ وَإِنْ تَمَّتْ بِالْوَضْعِ مَاهِيَّةً لَمْ تَتِمَّ تَمَامًا مُخْرِجًا عَنْ الْعُهْدَةِ اهـ. فَالْإِعَادَةُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَهِيَ مَجَازٌ عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصِحَّا فَلِذَا لَوْ لَمْ يَعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ وَدَامَ الْمُقَدَّمُ عَلَى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْمَامُ بِالِاسْتِدَامَةِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ فَقَدَّمَ غَيْرَهُ فَالْخَلِيفَةُ لَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَيُتِمُّ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِنَاءَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَرْفَعْ مُرِيدًا الْأَدَاءَ فَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الرُّكُوعِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَائِلًا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ، وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ، وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مُرِيدًا بِهِ أَدَاءَ رُكْنٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَدَاءَ الرُّكْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ. (قَوْلُهُ وَلَوْ ذَكَرَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا سَجْدَةً فَسَجَدَهَا لَمْ يُعِدْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ، وَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَافِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُعِيدُهُمَا وَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْكَنْزِ لِبَيَانِ عَدَمِ اللُّزُومِ وَمَا فِي أَصْلِهِ لِبَيَانِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْهٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَنْهَى يُنْهِي قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْمُنْهِي مَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ رَافِعًا لِلتَّحْرِيمَةِ عِنْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ كَالتَّسْلِيمِ وَالْخُرُوجِ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُمَا كَذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [الجمعة: 10] . اهـ. (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ كَانَ فِي الْقَوْمِ لَاحِقٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ إذَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ أَتَى الْمَسْبُوقُ الْخَلِيفَةَ بِمُنَافٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عَلَى الرَّاجِحِ مَعَ أَنَّهُ لَاحِقٌ وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ وَيُؤَيِّدُ مَا فِي السِّرَاجِ.

الْأَفْضَلِ لِتَقَعَ الْأَفْعَالُ مُرَتَّبَةً بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إعَادَتُهُمَا وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ وَاجِبٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي وَلَئِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا فَقَدْ سَقَطَ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ وَتَبِعَهُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِآنِ التَّرْتِيبَ السَّاقِطَ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ إنَّمَا هُوَ تَرْتِيبُ الْفَوَائِتِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهُ نَاسِيًا فَإِنَّ حُكْمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا وُجُوبَ سُجُودِ السَّهْوِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي إعَادَتِهِ لِأَجْلِ تَرْكِهِ التَّرْتِيبَ فَالْمُعَلَّلُ لَهُ عَدَمُ لُزُومِ الْإِعَادَةِ لَا عَدَمُ وُجُوبِ السُّجُودِ. أَطْلَقَ فِي السَّجْدَةِ فَشَمِلَتْ الصَّلَاتِيَّةَ وَالتِّلَاوِيَّةَ وَقَيَّدَ بِالتَّذَكُّرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ سَجْدَةً صُلْبِيَّةً فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ فَسَجَدَهَا أَوْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ السُّورَةَ فَعَادَ لِقِرَاءَتِهَا ارْتَفَضَ مَا كَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ فَرْضٌ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ السَّجْدَةَ الْمَتْرُوكَةَ عَقِبَ التَّذَكُّرِ وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا هُنَاكَ اهـ. وَبِمَا ذُكِرَ هُنَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً وَتَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً وَصَلَّى أُخْرَى وَسَجَدَ لَهَا فَتَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَةَ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَيَسْجُدُ الْمَتْرُوكَةَ، ثُمَّ يُعِيدُ مَا كَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا ارْتَفَضَتْ فَيُعِيدُهَا اسْتِحْسَانًا اهـ. فَإِنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّهَا لَا تَرْتَفِضُ وَأَنَّ الْإِعَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَمُقْتَضَى الِارْتِفَاضِ افْتِرَاضُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِافْتِرَاضِ التَّرْتِيبِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهِ. (قَوْلُهُ وَيَتَعَيَّنُ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ لِلِاسْتِخْلَافِ بِلَا نِيَّةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ، وَتَعْيِينُ الْأَوَّلِ لِقَطْعِ الْمُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحِمَ وَصَارَ الْإِمَامُ مُؤْتَمًّا إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ حَتَّى يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَمِرُّ عَلَى إمَامَتِهِ. أَطْلَقَ فِي الْمَأْمُومِ فَشَمِلَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مِثْلَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْخُنْثَى وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ وَالْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ وَالْمُقِيمِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ فِي الْقَضَاءِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ خَاصَّةً وَقِيلَ بِفَسَادِ صَلَاتِهِمَا وَالْأَصَحُّ فَسَادُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي دُونَ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَمْ تَتَحَوَّلْ عَنْهُ فَبَقِيَ إمَامًا وَبَقِيَ الْمُقْتَدِي بِلَا إمَامٍ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ لِلْإِمَامَةِ فَإِطْلَاقُ الْمُخْتَصَرِ مُنْصَرِفٌ لِمَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِخْلَافِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَخْلَفَهُ فَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُسْتَخْلَفِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمَأْمُومِ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَلَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ أَوْ الْقَوْمِ أَوْ يَتَعَيَّنُ هُوَ بِالْمُتَقَدِّمِ وَيَقْتَدِي بِهِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَا جَمِيعًا وَخَرَجَا جَمِيعًا مِنْ الْمَسْجِدِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ. اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لَمْ تَتَحَوَّلْ عَنْهُ) أَيْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْمُؤْتَمِّ لَهَا قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِمَا إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ عَلَى إمَامَتِهِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ وَعَادَ إلَى مَكَانِهِ صَحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا) لَمَّا كَانَ سَبْقُ الْحَدَثِ عَارِضًا سَمَاوِيًّا وَالْمُفْسِدَاتُ عَارِضًا كَسْبِيًّا قَدَّمَ ذَاكَ وَأَخَّرَ هَذَا وَالْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعِبَادَاتِ سَوَاءٌ (قَوْلُهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ التَّكَلُّمُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ «إنَّمَا هِيَ» وَمَا لَا يَصْلُحُ فِيهَا مُبَاشَرَتُهُ يُفْسِدُهَا مُطْلَقًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَكْرُوهُ غَيْرُ صَالِحٍ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَالنَّصُّ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الصَّلَاحِ مُطْلَقًا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ وَالْخَطَأَ وَالْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ لِإِصْلَاحِ صَلَاتِهِ أَوْ لَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ لَا وَلِهَذَا عَبَّرَ بِالتَّكَلُّمِ دُونَ الْكَلَامِ لِيَشْمَلَ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ كَمَا عَبَّرَ بِهَا فِي الْمَجْمَعِ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ هُوَ النُّطْقُ يُقَالُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَتَكَلَّمَ كَلَامًا كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَسَوَاءٌ أَسْمَعَ غَيْرَهُ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ وَصَحَّحَ الْحُرُوفَ فَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ تَفْسُدُ وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَدَمُهُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ هَلْ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الْمُحِيطِ النَّفْخُ الْمَسْمُوعُ الْمُهَجِّي مُفْسِدٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ اسْمٌ لِحُرُوفٍ مَنْظُومَةٍ مَسْمُوعَةٍ مِنْ مَخْرَجِ الْكَلَامِ لِأَنَّ الْإِفْهَامَ بِهَذَا يَقَعُ وَأَدْنَى مَا يَقَعُ بِهِ انْتِظَامُ الْحُرُوفِ حَرْفَانِ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ أَدْنَاهُ حَرْفَانِ أَوْ حَرْفٌ مُفْهِمٌ كَعِ أَمْرٌ أَوْ كَذَا ق فَإِنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِهِمَا ظَاهِرٌ وَشَمِلَ الْكَلَامَ فِي النَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا] (قَوْلُهُ وَالْفَسَادُ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعِبَادَاتِ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا خُرُوجُ الْعِبَادَةِ عَنْ كَوْنِهَا عِبَادَةً بِسَبَبِ فَوَاتِ بَعْضِ الْفَرَائِضِ وَعَبَّرُوا عَمَّا يُفَوِّتُ الْوَصْفَ مَعَ بَقَاءِ الْفَرَائِضِ مِنْ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ بِالْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (قَوْلُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهَا فِي الْمَجْمَعِ) حَيْثُ قَالَ وَنُفْسِدُهَا بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ اهـ. وَكَانَ النُّسْخَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ عَبَّرَ فِيهَا بِالْكَلَامِ بَدَلَ الْكَلِمَةِ فَقَالَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَجْمَعِ بِالْكَلَامِ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّحْوِيُّ وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللُّغَوِيُّ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ اهـ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ اللُّغَوِيَّ يَكُونُ شَامِلًا لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيُسَاوِي تَعْبِيرَ الْمُصَنِّفِ بِالتَّكَلُّمِ فَلَا يَكُونُ أَوْلَى لَكِنْ قَدْ عَلِمْت مَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَجْمَعِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَدَّعِ الْأَوْلَوِيَّةَ بَلْ دَعْوَاهُ أَنَّ التَّكَلُّمَ شَامِلٌ لِلْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْمَجْمَعِ مَفْهُومًا وَلِلْقَلِيلِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مَنْطُوقًا وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِتَقْيِيدِهِ بِالنَّحْوِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فِي عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَحْوِ ع وق

[الدعاء بما يشبه كلامنا في الصلاة]

وَغَيْرُهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى وَلَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَوَجَبَ تَقْدِيرُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ مُرَادٌ فَلَا يُرَادُ غَيْرُهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَعْمِيمُهُ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ الثَّابِتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ حِينَ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ سَاهِيًا وَتَكَلَّمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ حُجَّةً لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِي وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَا يُفْسِدُهَا فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ الْكَلَامُ فِيهَا مُبَاحًا فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ أُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ «بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَسَاقَ الْوَاقِعَةَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُضُورِهِ وَلَمْ أَرَ عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا وَأَرَادَ مِنْ التَّكَلُّمِ التَّكَلُّمَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ عَطَسَ أَوْ تَجَشَّا فَحَصَلَ مِنْهُ كَلَامٌ لَا تَفْسُدُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَدَخَلَ فِي التَّكَلُّمِ الْمَذْكُورِ قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَقَالَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يُجْزِهِ وَفِي جَامِعِ الْكَرْخِيِّ فَسَدَتْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ أَشْبَهَ التَّسْبِيحَ جَازَ. (قَوْلُهُ وَالدُّعَاءُ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا) أَفْرَدَهُ وَإِنْ دَخَلَ فِي التَّكَلُّمِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُفْسِدُهَا بِالدُّعَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا بِالتَّكَلُّمِ وَالدُّعَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا هُوَ مَا أَمْكَنَ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ كَاللَّهُمَّ أَطْعِمْنِي أَوْ اقْضِ دَيْنِي وَارْزُقْنِي فُلَانَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا اسْتَحَالَ طَلَبُهُ مِنْ الْعِبَادِ فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِنَا مِثْلَ الْعَافِيَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرِّزْقِ سَوَاءٌ كَانَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَوْ لِأَخِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَالَ أَلْ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَقَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ إنَّ أَنْصَافَ الْكَلِمَةِ مِثْلُ كُلِّ الْكَلِمَةِ تُفْسِدُ صَلَاتَهُ ثُمَّ ذَكَرَ ضَابِطًا لِلدُّعَاءِ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا فَقَالَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا دَعَا بِمَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي الْمَأْثُورِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي الْمَأْثُورِ وَلَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ لَا تَفْسُدُ اهـ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَمِّي أَوْ خَالِي ـــــــــــــــــــــــــــــQمُنْتَظِمٌ مِنْ حُرُوفٍ تَقْدِيرًا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ وَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا) . أَقُولُ: فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا فَإِنَّ رَاوِيَ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَقَدْ «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ كَانَ ثَابِتًا حِينَ قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ قُلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى بِنَا أَيْ صَلَّى بِأَصْحَابِنَا وَلَا وَجْهَ لِلْحَدِيثِ إلَّا هَذَا لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَاسْمُهُ مَشْهُورٌ شَهِدَ بَدْرًا وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ يَظْهَرُ لَك الْجَوَابُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الرِّوَايَةِ قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرِ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ صَلَاتَنَا» إلَخْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ» إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ وَأَظُنُّ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ وَدَخَلَ فِي التَّكَلُّمِ الْمَذْكُورِ قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُ مَا فِي الْمُجْتَبَى عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا أَوْ تَنْزِيهًا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ غَيْرَ الْمُبْدَلِ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ [الدُّعَاءُ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ظَاهِرُ مَا فِي الشَّرْحِ وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَيْنِيُّ أَنَّهُ قُيِّدَ فِي الدُّعَاءِ فَقَطْ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِاشْتِمَالِ الدُّعَاءِ عَلَى مَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا وَمَا لَا يُشْبِهُهُ بِخِلَافِ التَّكَلُّمِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ كَلَامَنَا كَالْمُهْمَلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ قَيْدًا فِيهِ يُخْرِجُهُ فَتَدَبَّرْ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ الْغُنَيْمِيُّ بِمَا قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّكَلُّمِ النُّطْقُ بِالْحُرُوفِ سُمِّيَ كَلَامًا أَوْ لَا فَكَأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ وَنَسِيَ أَيْضًا اعْتِرَاضَهُ عَلَى أَخِيهِ الْفَهَّامَةِ حَيْثُ قَالَ وَهَذَا أَيْ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّكَلُّمِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَجْمَعِ بِالْكَلَامِ حَيْثُ قَالَ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّحْوِيُّ وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ اللُّغَوِيَّ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ اهـ. اعْتِرَاضُهُ فَأَنْتَ تَرَاهُ اسْتَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ اللُّغَوِيُّ وَحِينَئِذٍ فَدَعْوَاهُ أَنَّ الْمُهْمَلَ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُشْبِهٌ لِكَلَامِهِمْ لُغَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ حُرُوفٌ وَقَوْلُهُ لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ قَيْدًا فِيهِ يُخْرِجُهُ قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ كَوْنَهُ قَيْدًا فِيهِ يُدْخِلُهُ اهـ. كَذَا فِي حَوَاشِي شَرْحِ مِسْكِينٍ (قَوْلُهُ وَقَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى شَطْرِ كَلِمَةٍ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِنْ قَبُحَ مَعْنَى الشَّطْرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ اهـ. وَفِي زَلَّةِ الْقَارِئِ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ كَلِمَةً فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ شَطْرَ كَلِمَةٍ فَرَجَعَ وَقَرَأَ الْأُولَى أَوْ رَكَعَ وَلَمْ يُتِمَّهَا إنْ كَانَ شَطْرُ كَلِمَةٍ لَوْ أَتَمَّهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لَا تَفْسُدْ وَإِنْ كَانَ لَوْ أَتَمَّهَا تَفْسُدْ وَلِلشَّطْرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ.

[الأنين والتأوه وارتفاع بكائه في الصلاة]

فَإِنَّهُ نُقِلَ أَنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ وَالْأَنِينُ وَالتَّأَوُّهُ وَارْتِفَاعُ بُكَائِهِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ لَا مِنْ ذِكْرِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ) أَيْ يُفْسِدُهَا أَمَّا الْأَنِينُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ آهٍ كَمَا فِي الْكَافِي وَالتَّأَوُّهُ هُوَ أَنْ يَقُولَ أَوَّهْ وَيُقَالُ أَوَّهَ الرَّجُلُ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إذَا قَالَ أَوَّهْ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَهِيَ كَلِمَةُ تَوَجُّعٍ وَرَجُلٌ أَوَّاهٌ كَثِيرُ التَّأَوُّهِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّ فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لُغَةً فَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ فِي سَائِرِهَا ثُمَّ قَدْ تُمَدُّ وَقَدْ لَا تُمَدُّ مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فَهَاتَانِ لُغَتَانِ وَلَا تُمَدُّ مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا فَهَاتَانِ أُخْرَيَانِ وَمَعَ سُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فَهَذِهِ خَامِسَةٌ وَمَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ مَفْتُوحَةً وَمَكْسُورَةً بِلَا هَاءٍ فَهَاتَانِ سَادِسَةٌ وَسَابِعَةٌ وأَوْ عَلَى مِثَالِ أَوْ الْعَاطِفَةِ فَهَذِهِ ثَامِنَةٌ وَتُمَدُّ لَكِنْ يَلِيهَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ وَمَكْسُورَةٌ بِلَا وَاوٍ فَهَاتَانِ تَاسِعَةٌ وَعَاشِرَةٌ وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ أَوَّيَاهْ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَعَدَمِهِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمَشْدُودَةِ يَلِيهَا يَاءٌ مُثَنَّاهُ ثُمَّ أَلِفٌ ثُمَّ هَاءٌ سَاكِنَةٌ وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ آوُوهُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْوَاوِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ وَحِينَئِذٍ فَتَسْمِيَةُ آهٍ أَنِينًا وَأَوْهِ تَأَوُّهًا اصْطِلَاحٌ اهـ. يَعْنِي لَا لُغَةً لِأَنَّ مِنْ لُغَاتِ التَّأَوُّهِ آهٍ وَهِيَ الْعَاشِرَةُ وَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْبُكَاءِ فَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ حُرُوفٌ وَقَوْلُهُ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَيْدٌ لِلثَّلَاثَةِ وَقَوْلُهُ لَا مِنْ ذِكْرِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ عَائِدٌ إلَى الْكُلِّ أَيْضًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِمَا فَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى إظْهَارِهِمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ إنِّي مُصَابٌ وَالدَّلَالَةُ تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَرِيحٌ يُخَالِفُهَا وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّ قَوْلَهُ آهٍ لَا يُفْسِدُ فِي الْحَالَيْنِ وَأَوْهِ يُفْسِدُ وَقِيلَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَا تُفْسِدُ، وَإِنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ تُفْسِدُ وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ مَجْمُوعَةٌ فِي قَوْلِنَا أَمَانٌ وَتَسْهِيلٌ وَنَعْنِي بِالزَّوَائِدِ أَنَّ الْكَلِمَةَ لَوْ زِيدَ فِيهَا حَرْفٌ لَكَانَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ لَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ زَوَائِدُ أَيْنَمَا وَقَعَتْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لَا يَقْوَى لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ فِي مُتَفَاهَمِهِمْ أَيْ أَهْلِ الْعُرْفِ يَتْبَعُ وُجُودَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَإِفْهَامَ الْمَعْنَى وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ الشَّارِحُونَ بِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ إنَّمَا يَجْعَلُ حُرُوفَ الزَّوَائِدِ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ إذَا قَلَّتْ لَا إذَا كَثُرَتْ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَمْعِ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَجَعَلَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَلَا يُفْسِدُ عِنْدَ الْكُلِّ كَالْمَرِيضِ إذَا لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ مِنْ الْأَنِينِ وَالتَّأَوُّهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعُطَاسِ وَالْجُشَاءِ إذَا حَصَلَ بِهِمَا حُرُوفٌ قَيَّدَ بِالْأَنِينِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَعْطَفَ كَلْبًا أَوْ هِرَّةً أَوْ سَاقَ حِمَارًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ صَوْتٌ لَا هِجَاءَ لَهُ وَقَيَّدَ بِارْتِفَاعِ بُكَائِهِ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ دَمْعُهُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ فِي كُلِّ حَالٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَالتَّأْفِيفُ كَالْأَنِينِ كَأُفْ وَتُفْ ثُمَّ أُفْ اسْمُ فِعْلٍ لِأَتَضَجَّر وَقِيلَ لِتَضَجَّرْت وَسَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ تَنْقِيَةَ مَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ التَّأْفِيفَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِعَدَمِهِ لَكِنْ فِي الْمُجْتَبَى الصَّحِيحُ أَنَّ خِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُخَفَّفِ وَفِي الْمُشَدَّدِ تَفْسُدُ عِنْدَهُمْ وَيُعَارِضُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ فِي الْحَرْفَيْنِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَفِي أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ تَفْسُدُ وَفِي ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْأَنِينُ وَالتَّأَوُّهُ وَارْتِفَاعُ بُكَائِهِ فِي الصَّلَاةِ] قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَارْتِفَاعُ بُكَائِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الصِّحَاحِ اُلْبُكَا يُمَدُّ وَيُقْصَرُ فَإِذَا مَدَدْت أَرَدْت الصَّوْتَ الَّذِي مَعَ الْبُكَاءِ وَإِذَا قَصَرْت أَرَدْت الدُّمُوعَ وَخُرُوجَهَا (قَوْلُهُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ آهٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْأَنِينُ هُوَ صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَخَصَّهُ الْعَيْنِيُّ بِالْحَاصِلِ مِنْ قَوْلِهِ آهٍ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ آهْ اهـ. وَهُوَ بِقَصْرِ الْهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ وَمِثْلُهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَزَادَ أَنَّهُ تَوَجُّعُ الْعَجَمِ وَهُوَ عَلَى وَزْنِ دَعْ اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْعِنَايَةِ حَيْثُ جَعَلَهُ حَرْفَيْنِ فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) أَقُولُ: كَانَ نُسْخَةُ الرَّمْلِيِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الصَّوَابَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ (قَوْلُهُ فَتَسْمِيَةُ آهٍ أَنِينًا وَأَوَّهْ تَأَوُّهًا اصْطِلَاحٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَفْظُ آهٍ أَمَّا عَلَى أَنَّهُ صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيِّنٌ اهـ. أَقُولُ: وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيِّنٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَفْظُ آهٍ لِأَنَّ مَا هُنَا مَمْدُودٌ وَمَا مَا مَرَّ مَقْصُورٌ كَمَا عَلِمْته مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ والشُّرُنبُلالِيَّة (قَوْلُهُ وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ مَجْمُوعَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ الشَّيْخُ شَعْبَانُ فِي تَصْحِيحِ أَلْفِيَّةِ ابْنِ مُعْطِي أَنَّهَا جُمِعَتْ عِشْرِينَ جَمْعًا وَسَرَدَهَا لَكِنْ بَعْضُهَا مُؤَاخَذٌ فِيهِ وَلَمْ يَجْمَعْهَا أَحَد أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَّا ابْنَ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ حَيْثُ قَالَ هَنَاءٌ وَتَسْلِيمٌ تَلَا يَوْمَ أُنْسِهِ ... نِهَايَةُ مَسْئُولٍ أَمَانٌ وَتَسْهِيلٌ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ تَلَا ثُلَاثِيٌّ مِنْ بَنَاتِ الْيَاءِ وَإِذَا رُسِمَ بِهَا تَكَرَّرَ مَعْنَى وَضْعِ الْيَاءِ كَمَا تَكَرَّرَ مَعْنَى وَضْعِ لَفْظِ الْهَاءِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يُؤْتِيَ بِهَا عَلَى لَفْظِ الْمُطَابَقَةِ لَفْظًا وَخَطًّا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ سَأَلْتُمُونِيهَا أَوْ قَوْلِي أَسْهَلُ مَا تَنْوِي

[التنحنح بلا عذر في الصلاة]

اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ اهـ. وَبِمَا فِيهَا انْدَفَعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الشَّارِحُونَ عَلَى الْهِدَايَةِ فِي قَوْلِهِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبُ أَوْ أَصَابَهُ وَجَعٌ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَنِينِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ يَا رَبِّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ وَسْوَسَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ لِأَمْرِ الدُّنْيَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ عَوَّذَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لِلْحُمَّى وَنَحْوِهَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمْ اهـ بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ لَا تَفْسُدُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ وَالتَّنَحْنُحُ بِلَا عُذْرٍ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحْ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَالْعُذْرُ وَصْفٌ يَطْرَأُ عَلَى الْمُكَلَّفِ يُنَاسِبُ التَّسْهِيلَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ التَّنَحْنُحُ لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَجُعِلَ عَفْوًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ فَهُوَ مُفْسِدٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْحَرْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَكِنْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ صَوْتِهِ لِلْقِرَاءَةِ أَوْ لِلْإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِيَهْتَدِيَ إمَامُهُ عِنْدَ خَطَئِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالظَّهِيرِيَّةِ اخْتِيَارُ الْفَسَادِ لَكِنْ الصَّحِيحُ عَدَمُهُ لِأَنَّ مَا لِلْقِرَاءَةِ مُلْحَقٌ بِهَا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ بِلَا عُذْرٍ وَغَرَضٍ صَحِيحٍ لَكَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعُذْرَ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ قَيَّدْنَا بِأَنْ يَظْهَرَ لَهُ حُرُوفٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا اتِّفَاقًا لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ التَّنَحْنُحَ قَصْدًا وَاخْتِيَارًا مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ عَبَثٌ لِعُرُوُّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ وَقَيَّدَ بِالتَّنَحْنُحِ لِأَنَّهُ لَوْ تَثَاءَبَ فَحَصَلَ مِنْهُ صَوْتٌ أَوْ عَطْسٌ فَحَصَلَ مِنْهُ صَوْتٌ مَعَ الْحُرُوفِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ قَالَ التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا يُفْسِدُ ظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْمَسْمُوعَ مَا يَكُونُ مُهْجًى نَحْوَ أَحْ وَتُفْ وَغَيْرَ الْمَسْمُوعِ مَا لَا يَكُونُ مُهْجًى إلَى هَذَا مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا لَمْ يَشْتَرِطُوا وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ حَتَّى قِيلَ إذَا قَالَ فِي صَلَاتِهِ مَا يُسَاقُ بِهِ الْحِمَارُ لَا تَفْسُدُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْحُرُوفُ. اهـ. وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُفْسِدْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ وَجَوَابُ عَاطِسٍ بِيَرْحَمُك اللَّهُ) أَيْ يُفْسِدُهَا لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَائِلِهِ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَجَعْلُ التَّشْمِيتِ مِنْهُ قَيْدٌ بِكَوْنِهِ جَوَابًا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْعَاطِسُ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ يَا نَفْسِي لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ خِطَابًا لِغَيْرِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ كَمَا إذَا قَالَ يَرْحَمُنِي اللَّهُ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ يَرْحَمُك اللَّهُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا وَإِنْ قَصَدَهُ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَمَحَلُّهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَوَابِ أَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْهُ بَلْ قَالَهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِ إرَادَةِ التَّفْهِيمِ فَلَوْ أَرَادَهُ تَفْسُدُ صَلَاةُ السَّامِعِ الْقَائِلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَشَرْحِهَا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْجَوَابِ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّي لَوْ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَرْحَمُك اللَّهُ فَقَالَ الْعَاطِسُ آمِينَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلَانِ يُصَلِّيَانِ فَعَطَسَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَرْحَمُك اللَّهُ فَقَالَا جَمِيعًا آمِينَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْعَاطِسِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُ لَهُ اهـ. أَيْ لَمْ يُجِبْهُ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ إذَا أَمَّنَ الْمُصَلِّي لِدُعَاءِ رَجُلٍ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَهُوَ يُفِيدُ فَسَادَ صَلَاةِ الْمُؤَمِّنِ الَّذِي لَيْسَ بِعَاطِسٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ كَمَا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَيُعَارِضُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَطُرُقٍ فِي النَّهْرِ احْتِمَالَ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ وَعَلَيْهِ فَلَا مُعَارَضَةَ [التَّنَحْنُحُ بِلَا عُذْرٍ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ لَكِنْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ التَّنَحْنُحُ لِلتَّسْبِيحِ أَوْ التَّكْبِيرُ لِلِانْتِقَالَاتِ وَهِيَ حَادِثَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ مَا لِلْقِرَاءَةِ مُلْحَقٌ بِهَا) لَا يَشْمَلُ التَّنَحْنُحَ لِإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا لَمْ يَشْتَرِطُوا) أَيْ أَنْ يَكُونَ مُهْجًى بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُهُ مَسْمُوعًا وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَشْتَرِطُ الْحُرُوفَ فِي الْإِفْسَادِ بَعْدَ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا وَعَلَى هَذَا لَوْ نَفَّرَ طَائِرًا أَوْ دَعَاهُ بِمَا هُوَ مَسْمُوعٌ اهـ. فَقَوْلُهُ حَتَّى قِيلَ إذَا قَالَ فِي صَلَاتِهِ مَا يُسَاقُ بِهِ الْحِمَارُ لَا تَفْسُدُ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَتْ لَا فِي قَوْلِهِ لَا تَفْسُدُ ثَابِتَةً فِي أَصْلِ جَمِيعِ نُسَخِ الظَّهِيرِيَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ تَفْرِيغٌ عَلَى الثَّانِي كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِيمَا عِنْدِي مِنْ نُسْخَةِ الظَّهِيرِيَّةِ ثُبُوتُهَا فَتَأَمَّلْ [تشميت العاطس فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يُجِبْهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَنْصُوبَ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُ لَهُ عَائِدٌ إلَى الْمُصَلِّي الْآخَرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الرَّجُلِ الْخَارِجِ أَيْ لِأَنَّ الْقَائِلَ يَرْحَمُك اللَّهُ إنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِلْعَاطِسِ لَا لِلْمُصَلِّي الْآخَرِ فَكَانَ قَوْلُ الْعَاطِسِ آمِينَ جَوَابًا لِلدَّاعِي لَهُ بِخِلَافِ الْمُصَلِّي الْآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ تَأْمِينُهُ جَوَابًا لَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَهُوَ يُفِيدُ فَسَادَ صَلَاةِ الْمُؤَمِّنِ الَّذِي لَيْسَ بِعَاطِسٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الثَّانِيَ تَأْمِينٌ لِدُعَائِهِ لِانْقِطَاعِهِ بِالْأَوَّلِ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ التَّعْلِيلُ اهـ. أَيْ التَّعْلِيلُ

[الفتح على غير إمامه في الصلاة]

لَا يَخْفَى وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّي إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ إنْ أَرَادَ جَوَابَهُ تَفْسُدُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ تَفْسُدُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِجَابَةَ وَكَذَلِكَ إذَا سَمِعَ اسْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى عَلَيْهِ فَهَذَا إجَابَةٌ فَتَفْسُدُ وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْمَعْ اسْمَهُ لَا تَفْسُدُ وَلَوْ قَالَ لَبَّيْكَ سَيِّدِي حِينَ قَرَأَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ حَمِدَ اللَّهَ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ بِهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ وَإِنْ شَاءَ أَعْلَنَ وَإِنْ كَانَ خَلْفَ إمَامٍ أَسَرَّ بِهِ وَحَرَّكَ لِسَانَهُ ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ مُطْلَقًا اهـ. وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي نَفْسِهِ وَالْأَحْسَنُ هُوَ السُّكُوتُ وَفِي الْقُنْيَةِ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ يَجْهَرُ الْمُؤَذِّنُ فِيهِ بِالتَّكْبِيرَاتِ فَدَخَلَ فِيهِ رَجُلٌ نَادَى الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ فَرَفَعَ الْإِمَامُ لِلْحَالِ وَجَهَرَ الْمُؤَذِّنُ بِالتَّكْبِيرِ فَإِنْ قَصَدَ جَوَابَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ عِنْدَ خَتْمِ الْإِمَامِ قِرَاءَتَهُ صَدَقَ اللَّهُ وَصَدَقَ الرَّسُولُ وَكَذَا إذَا ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُؤَذِّنِ الشَّهَادَتَيْنِ تَفْسُدُ إنْ قَصَدَ الْإِجَابَةَ اهـ. (قَوْلُهُ وَفَتْحُهُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) أَيْ يُفْسِدُهَا لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ فَلَا فَسَادَ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ أَمَّا إنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَقْرَأْ الْفَرْضَ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَرَأَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْتَحْ رُبَّمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يَكُونُ مُفْسِدًا فَكَانَ فِيهِ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ لِإِطْلَاقِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا اسْتَطْعَمَكُمْ الْإِمَامُ فَأَطْعِمُوهُ وَاسْتِطْعَامُهُ سُكُوتُهُ وَلِهَذَا لَوْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ بَعْدَمَا انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لِإِطْلَاقِ الْمُرَخِّصِ وَفِي الْمُحِيطِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَإِنْ فِيهِ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إذَا فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْفَتْحَ وَإِنْ كَانَ تَعْلِيمًا وَلَكِنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَأَنَّهُ تِلَاوَةٌ حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ مُفْسِدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَصَحَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إذَا أَخَذَ مِنْ الْفَاتِحِ بَعْد مَا انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَتْحَ عَلَى إمَامِهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ صَلَاةِ أَحَدٍ لَا الْفَاتِحِ وَلَا الْآخِذِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ حَالٍ ثُمَّ قِيلَ يَنْوِي الْفَاتِحُ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ التِّلَاوَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْوِي الْفَتْحَ دُونَ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُقْتَدِي مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَالْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ قَالُوا يُكْرَهُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إمَامِهِ مِنْ سَاعَتِهِ وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بِأَنْ يَقِفَ سَاكِتًا بَعْدَ الْحَصْرِ أَوْ يُكَرِّرَ الْآيَةَ بَلْ يَرْكَعُ إذَا جَاءَ أَوَانُهُ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى آيَةٍ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وَصْلِهَا مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى سُورَةٍ أُخْرَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي وَقْتٍ أَوَانِ الرُّكُوعِ فَفِي بَعْضِهَا اُعْتُبِرَ أَوَانُهُ الْمُسْتَحَبُّ وَفِي بَعْضِهَا اُعْتُبِرَ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ يَعْنِي إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ رَكَعَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَرَادَ مِنْ الْفَتْحِ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ تَلْقِينَهُ عَلَى قَصْدِ التَّعْلِيمِ أَمَّا إنْ قَصَدَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَلَا تَفْسُدُ عِنْدَ الْكُلِّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَأَطْلَقَ فِي الْفَتْحِ الْمَذْكُورِ فَشَمِلَ مَا إذَا تَكَرَّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْإِجَابَةَ حَصَلَتْ بِتَأْمِينِ الْعَاطِسِ فَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي تَأْمِينًا لِدُعَائِهِ وَكَلَامُ الذَّخِيرَةِ فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ مَا فِي الذَّخِيرَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا دَعَا لَهُ لِيَكُونَ جَوَابًا أَمَّا إذَا دَعَا لِغَيْرِهِ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ جَوَابًا فَلَا تَفْسُدُ اهـ. وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا فِي النَّهْرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْمِينَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَإِنَّمَا يُفْسِدُ إذَا كَانَ جَوَابًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الذَّخِيرَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ لِلْمُصَلِّي بِخِلَافِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمَدْعُوِّ لَهُ وَهُوَ الْعَاطِسُ فَقَطْ فَتَأْمِينُهُ مُفْسِدٌ بِخِلَافِ تَأْمِينِ الْآخَرِ وَيُوَضِّحُ هَذَا مَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ قَاضِي خَانْ لَوْ عَطَسَ الْمُصَلِّي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَرْحَمُك اللَّهُ فَقَالَ الْمُصَلِّي آمِينَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ أَجَابَهُ وَلَوْ قَالَ مَنْ بِجَنْبِهِ مَعَهُ أَيْضًا آمِينَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ اهـ. وَالْمُرَادُ بِمَنْ بِجَنْبِهِ أَيْ مِنْ الْمُصَلِّينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْدَ نَحْوِ وَرَقَةٍ عَنْ الْمُبْتَغَى لَوْ سَمِعَ الْمُصَلِّي مِنْ مُصَلٍّ آخَرَ {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقَالَ آمِينَ لَا تَفْسُدُ وَقِيلَ تَفْسُدُ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا سَمِعَ الْآذَانَ إلَخْ) أَدْخَلَ فِي النَّهْرِ هَذِهِ الْفُرُوعَ تَحْتَ قَوْلِهِ وَالْجَوَابُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ وَمَا سَلَكْنَاهُ أَوْلَى [الْفَتْحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِحَ كَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا انْتَهَيْت إلَى هَذَا فَبَعْدَهُ مَاذَا وَاَلَّذِي فَتَحَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا انْتَهَيْتَ إلَى هَذَا فَبَعْدَهُ هَذَا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ كَذَا فِي السِّرَاجِ (قَوْلُهُ فَفِي بَعْضِهَا اُعْتُبِرَ أَوَانُهُ الْمُسْتَحَبُّ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرُوا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُبَيٍّ هَلَّا فَتَحْتَ عَلَيَّ» مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ فِي الْفَتْحِ الْمَذْكُورَ) أَيْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ

مِنْهُ أَوْ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمَّا اُعْتُبِرَ كَلَامًا جَعَلَ نَفْسَهُ قَاطِعًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفَصَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ إنْ فَتَحَ بَعْدَ اسْتِفْتَاحٍ فَصَلَاتُهُ تَفْسُدُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْتَاحٍ فَلَا تَفْسُدُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إنَّمَا تَفْسُدُ بِالتَّكْرَارِ اهـ. وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ كَمَا سَمِعْت وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمَفْتُوحُ عَلَيْهِ مُصَلِّيًا أَوْ لَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْمُصَلِّي غَيْرُ الْإِمَامِ بِفَتْحِ مَنْ فَتَحَ عَلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِقَصْدِ الْقَارِئِ عِنْدَهُ وَفِي الْقُنْيَةِ اُرْتُجَّ عَلَى الْإِمَامِ فَفَتَحَ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِ وَتَذَكَّرَ فَإِذَا أَخَذَ فِي التِّلَاوَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْفَتْحِ لَمْ تَفْسُدْ وَإِلَّا فَتَفْسُدُ لِأَنَّ تَذَكُّرَهُ يُضَافُ إلَى الْفَتْحِ وَفَتْحُ الْمُرَاهِقِ كَالْبَالِغِ وَلَوْ سَمِعَهُ الْمُؤْتَمُّ مِمَّنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَفَتَحَهُ عَلَى إمَامِهِ يَجِبُ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الْكُلِّ لِأَنَّ التَّلْقِينَ مِنْ خَارِجٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْجَوَابُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ يُفْسِدُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ فَيُجْعَلُ جَوَابًا كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ خُصُوصَ الْجَوَابِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَلْ كُلُّ كَلِمَةٍ هِيَ ذِكْرٌ أَوْ قُرْآنٌ قَصَدَ بِهَا الْجَوَابَ فَهِيَ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا إذَا أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ ثُمَّ نَصَّ الْمَشَايِخُ عَلَى أَشْيَاءَ مُوجِبَةٍ لِلْفَسَادِ بِاتِّفَاقِهِمْ وَهُوَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي كِتَابٌ مَوْضُوعٌ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيَى فَقَالَ {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أَوْ رَجُلٌ اسْمُهُ مُوسَى وَبِيَدِهِ عَصًا فَقَالَ لَهُ {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] أَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ وَابْنُهُ خَارِجَهَا فَقَالَ {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود: 42] أَوْ طُرِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ أَوْ نُودِيَ مِنْ خَارِجِهِ فَقَالَ {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْخِطَابَ لِأَنَّهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ لَا قَارِئٌ وَهِيَ مُؤَيِّدَةٌ لِمَا قَالَاهُ وَارِدَةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَمِمَّا أُورِدَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ الْفَتْحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ وَهُوَ قُرْآنٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْفَسَادَ عِنْدَهُ فِيهِ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ التَّعْلِيمُ وَالْإِيرَادُ مَدْفُوعٌ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَقُولُ بِالْفَسَادِ بِالْفَتْحِ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَا إذَا أُخْبِرَ بِخَبَرِ يَسُوءُهُ فَاسْتَرْجَعَ لِذَلِكَ بِأَنْ قَالَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مُرِيدًا بِذَلِكَ الْجَوَابَ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي الْفَسَادَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهُ مُفْسِدٌ اتِّفَاقًا وَنَسَبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ قَاضِي خَانْ إنَّهُ الظَّاهِرُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الِاسْتِرْجَاعَ لِإِظْهَارِ الْمُصِيبَةِ وَمَا شُرِعَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهِ وَالتَّحْمِيدَ لِإِظْهَارِ الشُّكْرِ وَالصَّلَاةُ شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ وَحُكْمُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَالِاسْتِرْجَاعِ كَمَا هُوَ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَهَا لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا تَفْسُدُ وَلِأَمْرِ الْآخِرَةِ لَا تَفْسُدُ ثُمَّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْجَوَازَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْكَافِي بِصُورَةٍ بِأَنْ قِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَنَّهُ لَوْ أُخْبِرَ بِخَبَرٍ يَهُولُهُ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَرَادَ الْجَوَابَ فَسَدَتْ وَمِمَّا ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ اُرْتُجَّ عَلَى الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِ وَتَذَكَّرَ) . أَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَذَكَّرَ بِسَبَبِ الْفَتْحِ وَأَنْ يَكُونَ تَذَكَّرَ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ صَادَفَ تَذَكُّرَهُ وَفَتْحَ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَذَكُّرُهُ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ أَخْذِهِ فِي التِّلَاوَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْفَسَادِ لِأَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْأَخْذِ بِسَبَبِ الْفَتْحِ وَإِذَا كَانَ تَذَكُّرُهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ بِسَبَبِ الْفَتْحِ وَكَوْنُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْفَتْحِ فَيُضَافُ إلَيْهِ لَا عِبْرَةَ لَهُ مَعَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الدِّيَانَاتِ مِنْ الْأُمُورِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْقَضَاءِ حَتَّى يُعْتَبَرَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ قَاصِدًا الْقِرَاءَةَ لَا التَّعْلِيمَ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ الْكُلِّ وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ الْأَذَانَ فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ تَفْسُدُ إنْ أَرَادَ الْجَوَابَ وَإِلَّا فَلَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَهِيَ مُؤَيِّدَةٌ لِمَا قَالَاهُ وَأَوْرَدَهُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَسَادَ بِهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا لِلتَّغَيُّرِ بِعَزِيمَةٍ بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِطَابِ بِخِلَافِ مَا قَصَدَ بِهِ الْجَوَابَ وَلَيْسَ فِيهِ خِطَابٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَوَابِ وَقَصْدِ الْخِطَابِ بِمَا فِيهِ أَدَاةُ نِدَاءٍ أَوْ أَدَاةُ خِطَابٍ لِأَنَّ قَصْدَ الْخِطَابِ بِمَا فِيهِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَلَيْسَ ذِكْرًا بِصِيغَتِهِ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي اللَّفْظِ بِخِلَافِ مَا قَصَدَ بِهِ الْجَوَابَ وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُ رَجُلٌ مِنْ خَارِجِ الْبَابِ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ فَقَالَ {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِهِ بِقَوْلِهِ اُدْخُلْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا يَقُولَانِ إنَّ هَذِهِ الْخِطَابَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ لَا تَصِيرُ خِطَابًا لِلْحَاضِرِ الْمَخْصُوصِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ لَا تُغَيِّرُ الصِّيغَةَ الْأَصْلِيَّةَ عِنْدَهُمَا (قَوْلُهُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ عَلَى قَوْلِهِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ اعْتِبَارَ الْعَزِيمَةِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يُغَيِّرُ الصِّيغَةَ بِهَا تَأَمَّلْ

أُلْحِقَ بِالْجَوَابِ مَا فِي الْمُجْتَبَى لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ يُرِيدُ زَجْرًا عَنْ فِعْلٍ أَوْ أَمْرًا بِهِ فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا وَقَيَّدَ بِالْجَوَابِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا إذَا اسْتَأْذَنَ عَلَى الْمُصَلِّي إنْسَانٌ فَسَبَّحَ وَأَرَادَ بِهِ إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ وَكَذَا لَوْ عَرَضَ لِلْإِمَامِ شَيْءٌ فَسَبَّحَ الْمَأْمُومُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إصْلَاحُ الصَّلَاةِ فَسَقَطَ حُكْمُ الْكَلَامِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِصْلَاحِ وَلَا يُسَبِّحُ لِلْإِمَامِ إذَا قَامَ إلَى الْأُخْرَيَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ فَلَمْ يَكُنْ التَّسْبِيحُ مُفِيدًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَيَنْبَغِي فَسَادُ الصَّلَاةِ بِهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَسَادُهَا بِهِ عِنْدَ قَصْدِ الْإِعْلَامِ وَإِنَّمَا تُرِكَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ» فَلِلْحَاجَةِ لَمْ يُعْمَلْ بِالْقِيَاسِ فَعِنْدَ عَدَمِهَا يَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى قَالَ وَلَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ فِي الظُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ فَقَالَ الْمُقْتَدِي سُبْحَانَ اللَّهِ قِيلَ لَا تَفْسُدُ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ مَا إذَا أَجَابَ الْمُؤَذِّنَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ لَعَنَ الشَّيْطَانَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ ذِكْرِهِ لَا تَفْسُدُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ التَّرْغِيبِ أَوْ التَّرْهِيبِ فَقَالَ الْمُقْتَدِي صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَتْ رُسُلُهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِإِمَامِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ وَلَوْ سَمِعَ الْمُصَلِّي مِنْ مُصَلٍّ آخَرَ {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقَالَ آمِينَ لَا تَفْسُدُ وَقِيلَ تَفْسُدُ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَكَذَا بِقَوْلِهِ عِنْدَ خَتْمِ الْإِمَامِ قِرَاءَتَهُ صَدَقَ اللَّهُ وَصَدَقَ الرَّسُولُ اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ لَبَّى الْحَاجُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا تَفْسُدُ وَلَوْ أَذَّنَ فِي الصَّلَاةِ وَأَرَادَ بِهِ الْأَذَانَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ حَتَّى يَقُولَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَعْتَادُ فِي كَلَامِهِ نَعَمْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَةً لَهُ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْقُرْآنِ فَتُجْعَلُ مِنْهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُجْتَبَى وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِمْ أَيْ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْجَوَابَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَنْقُولِ مُتُونًا وَشُرُوحًا وَفَتَاوَى لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِالْقَوْلِ بِأَنْ يُخْبَرَ بِخَبَرٍ يَسُرُّهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ بِخَبَرٍ يَسُوءُهُ فَقَالَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ وَهُوَ تَصْحِيحٌ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ (قَوْلُهُ وَالسَّلَامُ وَرَدُّهُ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْعَمْدَ وَالسَّهْوَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ السَّلَامُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا وَفِي الْهِدَايَةِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَذْكَارِ فَيُعْتَبَرُ ذِكْرًا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ وَكَلَامًا فِي حَالَةِ التَّعَمُّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ اهـ. وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ وَهَكَذَا قَيَّدَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ السَّلَامَ بِالْعَمْدِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الرَّدَّ بِهِ قَالَ الشُّمُنِّيُّ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ مُفْسِدٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ لَيْسَ مِنْ الْأَذْكَارِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ وَخِطَابٌ وَالْكَلَامُ مُفْسِدٌ مُطْلَقًا اهـ. وَهَكَذَا قَيَّدَ السَّلَامَ بِالْعَمْدِ فِي الْمَجْمَعِ وَلَمْ أَرَ مِنْ مَنْ وَفَّقَ بَيْنَ الْعِبَارَاتِ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ الْمُفْسِدِ مُطْلَقًا أَنْ يَكُونَ لِمُخَاطَبٍ حَاضِرٍ فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ أَيْ نِسْيَانِ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ الْمُفْسِدِ حَالَةَ الْعَمْدِ فَقَطْ أَنْ لَا يَكُونَ لِمُخَاطَبٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِالْجَوَابِ لِأَنَّهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِفْسَادَ لَيْسَ مَنُوطًا بِأَنْ يَقْصِدَ بِالْكَلَامِ الْجَوَابَ فَقَطْ لِيَكُونَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بَلْ مَنَاطُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ كَوْنُهُ لَفْظًا أُفِيدَ بِهِ مَعْنًى لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ اهـ. وَلِذَا فَسَدَتْ بِقَوْلِهِ {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم: 12] {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] وَ {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود: 42] عِنْدَ قَصْدِ الْخِطَابِ كَمَا مَرَّ وَبِفَتْحِهِ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ جَوَابٌ فَلَيْسَ ذِكْرُ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بَلْ كُلُّ ذِكْرٍ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ خُصُوصُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ صَحَّ كَوْنُهُ احْتِرَازِيًّا عَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الْإِعْلَامَ وَإِنَّمَا لَا يُفْسِدُ لِلْحَدِيثِ الْآتِي كَمَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى قَالَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى آخَرَ هُوَ أَنَّهُ لَوْ عَادَ بَعْدَ مَا كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ فَفِي فَسَادِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ وَعَلَى عَدَمِهِ فَهُوَ مُفِيدٌ اهـ. أَيْ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفَسَادِ فَالتَّسْبِيحُ مُفِيدٌ وَسَيَأْتِي فِي السَّهْوِ تَصْحِيحُ الْمُؤَلِّفِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْفَسَادِ وَأَنَّهُ الْحَقُّ فَمَا بَحَثَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ مَا سَيُحَقِّقُهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ دَعْوَى إفَادَتِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفَسَادِ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَمْنُوعٌ عَنْ الْعَوْدِ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الْفَسَادِ لَا يَقُولُ الْأَوْلَى أَنْ يَعُودَ لِيَكُونَ مُفِيدًا كَيْفَ وَفِيهِ رَفْضُ الْفَرْضِ لِغَيْرِ جِنْسِهِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِإِمَامِهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْعَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ عَنَى الْجَوَابَ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِشْكَالِهِ اهـ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ إلَخْ) يُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الْمُصَنِّفِ الرَّدَّ عَلَى السَّلَامِ فَإِنَّهُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَلَامُ التَّحِيَّةِ وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فَلِذَا أَطْلَقَهُ

حَاضِرٍ كَمَا قَالُوا لَوْ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ سَاهِيًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى إنْسَانٍ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا وَأَمَّا السَّلَامُ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ إنْ كَانَ عَمْدًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَفِي الْقُنْيَةِ سَلَّمَ قَائِمًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ فَسَدَتْ وَقِيلَ يَبْنِي لِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الْقُعُودِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ اهـ. وَهُوَ مُقَيَّدٌ لِإِطْلَاقِهِمْ بِمَا إذَا كَانَ السَّلَامُ حَالَةَ الْقُعُودِ وَفِيهَا سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ سَاهِيًا وَدَعَا بِدُعَاءٍ كَانَ عَادَتَهُ أَعَادَ وَلَوْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَهُوَ عَادَتُهُ لَا يُعِيدُ وَلَوْ قَالَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ التَّرْوِيحَةِ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَى آخِرِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدَ قَرَأَ الْمَسْبُوقُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى الْمُحْتَاجِ نَاسِيًا فَسَدَتْ اهـ. ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا سَلَّمَ أَوْ رَدَّ بِلِسَانِهِ أَمَّا إذَا رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ فَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ سَلَّمَ إنْسَانٌ عَلَى الْمُصَلِّي فَأَشَارَ إلَى رَدِّ السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَوْ طَلَبَ إنْسَانُ مِنْ الْمُصَلِّي شَيْئًا فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَوْ قِيلَ لَهُ أَجَيِّدٌ هَذَا فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِلَا أَوْ بِنَعَمْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَفِي الْمَجْمَعِ لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ فَسَدَتْ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيَّ مَعَ سَعَةِ إطْلَاعِهِ قَالَ إنَّ بَعْضَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَدْ عَزَى إلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِالرَّدِّ بِالْيَدِ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ نَقَلَ الْفَسَادَ فِي رَدِّ السَّلَامِ بِالْيَدِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ عَدَمَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ بَلْ وَصَرِيحُ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ فَهِمَ مِنْ نَفْيِ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ الْفَسَادَ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالنُّطْقِ لَكِنْ الثَّبْتَ مَا ذَكَرْنَا اهـ. فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ فِي فَرْعٍ نَقَلَهُ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَوْ صَافَحَ الْمُصَلِّي إنْسَانًا بِنِيَّةِ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَنَقَلَ الزَّاهِدِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ حُسَامِ الْأَئِمَّةِ الْمَوْدَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ أَيْضًا إذَا رَدَّ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ كَالتَّسْلِيمِ بِالْيَدِ وَكَذَا ذَكَره الْبَقَّالِيُّ وَقَالَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ اهـ. وَيَدُلُّ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُفْسِدًا مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ قَالَ فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقُلْت لِبِلَالٍ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ يَقُولُ هَكَذَا وَبَسَطَ كَفَّهُ وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى فَوْقَ» . وَمَا «عَنْ صُهَيْبٍ مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ إشَارَةً. وَلَا أَعْلَمُهُ» قَالَ الْإِشَارَةَ بِأُصْبُعِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ فَإِنْ قُلْت إنَّهَا تَقْضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ صَرَّحُوا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَغَيْرِهَا بِكَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي وَرَدَّهُ بِالْإِشَارَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ إلَخْ) وَمِثْلُ مَا فِي الْبَدَائِعِ مَا فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ الزَّادِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْهَارُونِيَّاتِ لَوْ سَلَّمَ قَائِمًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَتَمَّ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِخِلَافِ الْقُعُودِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ سَاهِيًا فَقَالَ السَّلَامُ ثُمَّ عَلِمَ فَسَكَتَ تَفْسُدُ اهـ. وَفِي النَّهْرِ ثُمَّ رَأَيْت فِي زَادِ الْفَقِيرِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ الْهُمَامِ كَلَامًا حَسَنًا قَالَ الْكَلَامُ مُفْسِدٌ إلَّا السَّلَامَ سَاهِيًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ السَّلَامُ عَلَى إنْسَانٍ إذْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ سَاهِيًا فَقَالَ السَّلَامُ ثُمَّ عَلِمَ فَسَكَتَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بَلْ الْمُرَادُ السَّلَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا قَبْلَ إتْمَامِهَا وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ أَكْمَلَ أَمَّا إذَا سَلَّمَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ مَثَلًا سَاهِيًا بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا تَرْوِيحَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا اهـ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ) تَعْلِيلٌ لِلْفَسَادِ لَا لِقَوْلِهِ وَقِيلَ يَبْنِي كَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَقِيلَ يُبْنِي لَيْسَ مَوْجُودًا فِيمَا رَأَيْته فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الْمُحْتَاجِ) كَذَا هُوَ فِي الْقُنْيَةِ وَانْظُرْ مَا مَعْنَاهُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبَحْرِ عَلَى الْمُعْتَادِ وَفِي بَعْضِهَا عَلَى الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ) وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِبَعْضِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَهِمَ مِنْ نَفْيِ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ الْفَسَادَ أَيْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَا يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَفْسُدُ عَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ بِهَا كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالنُّطْقِ فَقَوْلُهُ مِنْ نَفْيِ الرَّدِّ مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِمِنْ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ وَقَوْلُهُ بِالْإِشَارَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّدِّ وَقَوْلُهُ الْفَسَادَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ فَهِمَ (قَوْلُهُ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَمِنْ الْعَجَبِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ حَاصِلُهُ إقْرَارُ الْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْمَذْهَبِ بَعْدَ انْتِقَادِ قَوْلِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ نَقَلَ الْفَسَادَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ نَقَلَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَهَذَا مَنْشَأُ الْعَجَبِ (قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت إنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ) ذَكَرَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرُدَّ بِالْإِشَارَةِ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا عَلَى جَابِرٍ وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ «صُهَيْبٍ سَلَّمْت عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يُصَلِّي فَرَدَّ عَلَيَّ بِالْإِشَارَةِ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ نَهْيًا لَهُ عَنْ السَّلَامِ أَوْ كَانَ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ وَهُوَ يُشِيرُ فَظَنَّهُ رَدًّا اهـ. وَفِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ

أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَنْزِيهِيَّةٌ وَفِعْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَهَا إنَّمَا كَانَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ فَلَا يُوصَفُ بِالْكَرَاهَةِ وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْكَلَامَ هُنَا إطَالَةً حَسَنَةً كَمَا هُوَ دَأْبُهُ وَحِينَئِذٍ فَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُصَافَحَةِ وَالرَّدِّ بِالْيَدِ وَقَدْ عَلَّلَ الْوَلْوَالِجِيُّ لِفَسَادِهَا بِالْمُصَافَحَةِ بِأَنَّهَا سَلَامٌ وَهُوَ مُفْسِدٌ وَعَلَّلَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهَا كَلَامٌ مَعْنًى وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّدَّ بِالْإِشَارَةِ كَلَامٌ مَعْنًى فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ حُكْمِهِمَا وَهُوَ عَدَمُ الْفَسَادِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي وَالْقَارِئِ وَالْجَالِسِ لِلْقَضَاءِ أَوْ الْبَحْثِ فِي الْفِقْهِ أَوْ التَّخَلِّي وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرَّدُّ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَصَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الْأَذَانِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْمُتَغَوِّطِ حَرَامٌ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ الدَّلِيلُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَافْتِتَاحُ الْعَصْرِ أَوْ التَّطَوُّعِ لَا الظُّهْرِ بَعْدَ رَكْعَةِ الظُّهْرِ) أَيْ يُفْسِدُهَا انْتِقَالُهُ مِنْ صَلَاةٍ إلَى أُخْرَى مُغَايَرَةً لِلْأُولَى فَقَوْلُهُ بَعْدَ رَكْعَةِ الظُّهْرِ ظَرْفٌ لِلِافْتِتَاحِ وَصُورَتُهَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ افْتَتَحَ الْعَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ بِتَكْبِيرَةٍ فَقَدْ أَفْسَدَ الظُّهْرَ وَتَفْسِيرُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ بِأَنْ بَطَلَ عَنْهُ بِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ فَالْمُنْتَقِلُ إلَى الْعَصْرِ مُتَطَوِّعٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ عِنْدَهُمَا وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى عَصْرٍ سَابِقٍ عَلَى الظُّهْرِ فَقَدْ اُنْتُقِضَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ لِلتَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عَنْ تَطَوُّعٍ لَا فَرْضٍ كَذَا فِي الْكَافِي وَإِنَّمَا بَطَلَ ظُهْرُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ نَوَى تَحْصِيلَ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ فَيَخْرُجُ عَنْهُ ضَرُورَةً لِمُنَافَاةٍ بَيْنَهُمَا فَمَنَاطُ الْخُرُوجِ عَنْ الْأُولَى صِحَّةُ الشُّرُوعِ فِي الْمُغَايِرِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ فَلِذَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي فَرْضٍ فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ أَوْ النَّفَلَ أَوْ الْوَاجِبَ أَوْ شَرَعَ فِي جِنَازَةٍ فَجِيءَ بِأُخْرَى فَكَبَّرَ يَنْوِيهِمَا أَوْ الثَّانِيَةَ يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا عَلَى الثَّانِيَةِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَكَبَّرَ لِلِانْفِرَادِ يَفْسُدُ مَا أَدَّى قَبْلَهُ وَيَصِيرُ مُفْتَتِحًا مَا أَدَّاهُ ثَانِيًا وَقَوْلُهُ لَا الظُّهْرِ يَعْنِي لَوْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ فَكَبَّرَ يَنْوِي الِاسْتِئْنَافَ لِلظُّهْرِ بِعَيْنِهَا فَلَا يَفْسُدُ مَا أَدَّاهُ فَيَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْعُدْ فِيمَا بَقِيَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ بِاعْتِبَارِهَا فَسَدَتْ الصَّلَاةُ فَلَغَتْ النِّيَّةُ الثَّانِيَةُ وَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ إذَا صَلَّى ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْدَ ذِكْرِهِ لِحَاصِلِ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرُدُّ هَذَا لِأَنَّ الرَّدَّ مُشْتَرَكٌ يُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْقَبُولِ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ سَلَامَهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَيُرَادُ بِهِ الْمُكَافَأَةُ عَلَى السَّلَامِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَبِهَذَا التَّوْفِيقِ يُسْتَغْنَى عَنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّعَسُّفِ وَجَعْلُهُ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمَيْلُ إلَى الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ سَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ سَلَامِي إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ الرَّدُّ فِيهِ بِمَعْنَى جَوَابِ التَّحِيَّةِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى عَدَمِ الْقَبُولِ وَالنَّهْيِ عَنْ السَّلَامِ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ فَلَمْ يُجِبْ سَلَامِي أَوْ لَمْ يَقْبَلْ أَوْ نَهَانِي وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ وَحَمْلُ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا أَوْلَى وَغَيْرُهُ تَعَسُّفٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِمُلْجِئٍ (قَوْلُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّدَّ بِالْإِشَارَةِ كَلَامٌ مَعْنًى) قَالَ فِي النَّهْرِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ الْفَسَادُ بِالْمُصَافَحَةِ بِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْيَدِ اهـ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَزِيدَ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ وَأَحْسَنُ مَنْ جَمَعَهَا الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ الْغَزِّيِّ فَقَالَ سَلَامُك مَكْرُوهٌ عَلَى مَنْ سَتَسْمَعُ ... وَمِنْ بَعْدِ مَا أُبْدِيَ يُسَنُّ وَيُشْرَعُ لِمُصَلٍّ وَتَالٍ ذَاكِرٍ وَمُحَدِّثٍ ... خَطِيبٍ وَمَنْ يَصْغَى إلَيْهِمْ وَيَسْمَعُ مُكَرِّرِ فِقْهٍ جَالِسٍ لِقَضَائِهِ ... وَمَنْ بَحَثُوا فِي الْعِلْمِ دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٍ أَيْضًا أَوْ مُقِيمٍ مُدَرِّسٍ ... كَذَا الْأَجْنَبِيَّاتُ الْفَتَيَاتُ تُمْنَعُ وَلَعَّابُ شِطْرَنْجٍ وَشِبْهٌ بِخُلُقِهِمْ ... وَمَنْ هُوَ مَعَ أَهْلٍ لَهُ يَتَمَتَّعُ وَدَعْ كَافِرًا وَمَكْشُوفَ عَوْرَةٍ ... وَمَنْ هُوَ فِي حَالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ وَدَعْ آكِلًا إلَّا إذَا كُنْت جَائِعًا ... وَتَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ وَقَدْ زِدْتُ عَلَيْهِ الْمُتَفَقِّهَ عَلَى أُسْتَاذِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُغَنِّيَ وَمُطَيِّرَ الْحَمَامِ وَأَلْحَقْته فَقُلْت كَذَلِكَ أُسْتَاذٌ مُغَنٍّ مُطَيِّرٌ ... فَهَذَا خِتَامٌ وَالزِّيَادَةُ تَنْفَعُ اهـ. (قَوْلُهُ فَقَدْ انْتَقَضَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ) هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا لِأَنَّ فَسَادَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى قَضَاءِ الْعَصْرِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهَا سِتًّا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا عَلَى الثَّانِيَةِ فَقَطْ) أَيْ عَلَى الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ أَيْ مَا نَوَاهُ ثَانِيًا فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ لَا فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا كَبَّرَ يَنْوِي الثَّانِيَةَ أَمَّا إذَا نَوَاهُمَا يَصِيرُ مُسْتَأْنِفًا عَلَيْهِمَا فَتَدَبَّرْ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّهْرِ وَفِي النِّهَايَةِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ وَفِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ لَوْ صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى فَوُضِعَتْ بِجَنْبِهَا فَإِنْ كَبَّرَ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةَ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْأُولَى أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ الْأُولَى عَلَى حَالِهِ يُتِمُّهَا ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ عَلَى الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ نَوَى اتِّحَادَ الْمَوْجُودِ وَهُوَ لَغْوٌ وَإِنْ كَبَّرَ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الثَّانِيَةِ يَصِيرُ رَافِضًا لِلْأُولَى شَارِعًا فِي

[القراءة من مصحف في الصلاة]

الظُّهْرَ أَرْبَعًا فَلَمَّا سَلَّمَ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْهَا سَاهِيًا ثُمَّ قَامَ وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى أَرْبَعًا وَسَلَّمَ وَذَهَبَ فَسَدَ ظُهْرُهُ لِأَنَّ نِيَّةَ دُخُولِهِ فِي الظُّهْرِ ثَانِيًا وَقَعَ لَغْوًا فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَدْ خَلَطَ الْمَكْتُوبَةَ بِالنَّافِلَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ فَإِنْ قَالَ نَوَيْت أَنْ أُصَلِّيَ إلَى آخِرِهِ فَسَدَتْ الْأُولَى وَصَارَ مُسْتَأْنِفًا لِلْمَنْوِيِّ ثَانِيًا مُطْلَقًا لِأَنَّ الْكَلَامَ مُفْسِدٌ وَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَامَ قَضَاءَ رَمَضَانَ وَأَمْسَكَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ نَوَى بَعْدَهُ نَفْلًا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ فِي الصَّلَاةِ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَهُمَا فِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَقِرَاءَتُهُ مِنْ مُصْحَفٍ) أَيْ يُفْسِدُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا هِيَ تَامَّةٌ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ انْضَافَتْ إلَى عِبَادَةٍ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَقْلِيبَ الْأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ الثَّانِي أَنَّهُ تَلَقَّنَ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَارَ كَمَا إذَا تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا الثَّانِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ عِنْدَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي الثَّانِيَ وَقَالَ إنَّهَا تَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ تَبَعًا لِمَا صَحَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَرُبَّمَا يُسْتَدَلُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَؤُمَّ النَّاسَ فِي الْمُصْحَفِ فَإِنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَأَرَادَ بِالْمُصْحَفِ الْمَكْتُوبَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ مِنْ الْمِحْرَابِ فَسَدَتْ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الثَّانِي كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَافِظًا أَوْ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَهُوَ إطْلَاقُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَفْسُدُ إذَا قَرَأَ آيَةً وَبَعْضُهُمْ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَقَالَ الرَّازِيّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ إلَّا مِنْ مُصْحَفٍ فَأَمَّا الْحَافِظُ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّرَخْسِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَأَبُو نَصْرٍ الصَّفَّارُ عَلَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مُضَافَةٌ إلَى حِفْظِهِ لَا إلَى تَلَقُّنِهِ مِنْ الْمُصْحَفِ وَجَزَمَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالنِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَهُوَ أَوْجَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا إلَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَصَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ هَلْ تَجُوزُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ اهـ. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ فِي التَّعْلِيلِ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْمُصْحَفِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْمُصْحَفِ جَائِزَةً لَمَا أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا لَا يُسَلِّمَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ حَمْلُهُ وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ فَإِذَا لَمْ يَحْفَظْ شَيْئًا عَلَى ظَهْرِ قَلْبِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْمُصْحَفِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فَلَيْسَ أُمِّيًّا لِتَجُوزَ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْفَضْلِيُّ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الْفَسَادِ تَلَقُّنُهُ وَلَوْ كَانَ مَوْضُوعًا فَحِينَئِذٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَكَانَ أُمِّيًّا وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ تَصْحِيحَ الظَّهِيرِيَّةِ مُفَرَّعٌ عَلَى الضَّعِيفِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُصَلِّي فَشَمِلَ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْإِمَامِ اتِّفَاقِيٌّ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُكْرَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّا نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ كَمَا يَفْعَلُونَ إنَّمَا الْحَرَامُ هُوَ التَّشَبُّهُ فِيمَا كَانَ مَذْمُومًا وَفِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّشْبِيهُ كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّشَبُّهَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُمَا (قَوْلُهُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ) أَيْ يُفْسِدَانِهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَعَلَّلَ قَاضِي خَانْ وَجْهَ كَوْنِهِ كَثِيرًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ عَمَلُ الْيَدِ وَالْفَمِ وَاللِّسَانِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَوْ أَخَذَ مِنْ خَارِجٍ سِمْسِمَةٍ فَابْتَلَعَهَا أَوْ وَقَعَ فِي فِيهِ قَطْرَةُ مَطَرٍ فَابْتَلَعَهَا فَإِنَّهُمْ نَصُّوا ـــــــــــــــــــــــــــــQالثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّبْيِينِ [الْقِرَاءَة مِنْ مُصْحَفٍ فِي الصَّلَاة] (قَوْلُهُ وَقَالَ الرَّازِيّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: إطْلَاقُ عَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْحَافِظِ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ أَمَّا عَلَى الْأُولَى فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَافِظِ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ وَلَوْ كَانَ يَحْفَظُ وَقَرَأَ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ قَالُوا لَا تَفْسُدُ لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ وَفِي الْفَتْحِ وَلَوْ كَانَ يَحْفَظُ إلَّا أَنَّهُ نَظَرَ وَقَرَأَ لَا تَفْسُدُ وَهَاتَانِ الْعِبَارَتَانِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِمَا اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ عَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْحَافِظِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ التَّحَرِّي قَالَ هِشَامٌ رَأَيْت عَلَى أَبِي يُوسُفَ نَعْلَيْنِ مَخْسُوفَيْنِ بِمَسَامِيرَ فَقُلْت أَتَرَى بِهَذَا الْحَدِيدِ بَأْسًا قَالَ لَا فَقُلْت إنَّ سُفْيَانَ وَثَوْرَ بْنَ يَزِيدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَرِهَا ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالرُّهْبَانِ فَقَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَهَا شَعْرٌ وَأَنَّهَا مِنْ لِبَاسِ الرُّهْبَانِ» فَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّ صُورَةَ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ صَلَاحُ الْعِبَادِ لَا يَضُرُّ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْأَحْكَامِ صَلَاحُ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْأَرْضَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِيهَا إلَّا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْأَحْكَامِ اهـ.

[الأكل والشرب في الصلاة]

عَلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ مُطْلَقًا اهـ. أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةً فَلَا يُعْفَى النِّسْيَانُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مُذَكِّرَ فِيهِ وَشَمِلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ فِي الْحَاوِي بِقَدْرِ مَا يَصِلُ إلَى الْحَلْقِ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِمَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَمَا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ اهـ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ كُلِّيًّا فَإِنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ وَكَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَفِي الصَّوْمِ يَفْسُدُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْوَلْوَالِجِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ بِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ مُعَلَّقٌ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ فَسَادِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِوُصُولِ الْمُغَذِّي إلَى جَوْفِهِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَسَادِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي قَدْرِ الْحِمَّصَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِلْءَ الْفَمِ اهـ. وَقَالُوا فِي بَابِ الصَّوْمِ لَوْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ دَمٌ وَدَخَلَ حَلْقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ إنْ كَانَ الْغَلَبَةُ لِلدَّمِ أَوْ كَانَا سَوَاءً فَطَّرَهُ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْخَارِجِ وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْبُزَاقِ لَا يَضُرُّهُ كَمَا فِي الْوُضُوءِ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَاءَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ فَعَادَ إلَى جَوْفِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إمْسَاكَهُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَعَادَهُ إلَى جَوْفِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَمُجَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قِيَاسِ الصَّوْمِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ وَإِنْ تَقَيَّأَ فِي صَلَاتِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْفَمِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مَضَغَ الْعِلْكَ كَثِيرًا فَسَدَتْ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي فَمِهِ إهْلِيلَجَةٌ فَلَاكَهَا فَإِنْ دَخَلَ فِي حَلْقِهِ مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلُوكَهَا لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ فَسَدَتْ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ وَابْتَلَعَ عَيْنَهَا فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَلَاوَتَهَا فِي فِيهِ وَابْتَلَعَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَوْ دَخَلَ الْفَانِيدُ أَوْ السُّكَّرُ فِي فِيهِ وَلَمْ يَمْضُغْهُ لَكِنْ يُصَلِّي وَالْحَلَاوَةُ تَصِلُ إلَى جَوْفِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَأَشَارَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ كَثِيرٍ فَهُوَ مُفْسِدٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مُفْسِدٌ وَالْقَلِيلَ لَا لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ فَإِنَّ فِي الْحَيِّ حَرَكَاتٌ مِنْ الطَّبْعِ وَلَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْعَمَلُ مُفْسِدًا مُطْلَقًا لَزِمَ الْحَرَجُ فِي إقَامَةِ صِحَّتِهَا وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُعَيِّنُ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدِهَا مَا اخْتَارَهُ الْعَامَّةُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَشُكُّ النَّاظِرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ كَثِيرٌ وَكُلَّ عَمَلٍ يَشْتَبِهُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّ عَامِلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ قَلِيلٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا أَصَحُّ وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ والْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ إنَّهُ الْأَحْسَنُ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إنَّهُ الصَّوَابُ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّاظِرِ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِشُرُوعِ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ إذَا رَآهُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَإِنْ شَكَّ فَهُوَ قَلِيلٌ ثَانِيهَا إنَّ مَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ عَادَةً كَثِيرٌ وَإِنْ فَعَلَهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ كَالتَّعَمُّمِ وَلُبْسِ الْقَمِيصِ وَشَدِّ السَّرَاوِيلِ وَالرَّمْيِ عَنْ الْقَوْسِ وَمَا يُقَامُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ قَلِيلٌ وَلَوْ فَعَلَهُ بِالْيَدَيْنِ كَنَزْعِ الْقَمِيصِ وَحَلِّ السَّرَاوِيلِ وَلُبْسِ الْقَلَنْسُوَةِ وَنَزْعِهَا وَنَزْعُ اللِّجَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَلَمْ يُقَيِّدْ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ مَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ بِالْعُرْفِ وَقَيَّدَ فِي الْخَانِيَّةِ مَا يُقَامُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ بِمَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ وَالْمُرَادُ بِالتَّكَرُّرِ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ حَكَّ ثَلَاثًا فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ هَذَا إذَا رَفَعَ يَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَمَّا إذَا لَمْ يَرْفَعْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَلَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ حَكٌّ وَاحِدٌ اهـ. وَهُوَ تَقْيِيدٌ غَرِيبٌ وَتَفْصِيلٌ عَجِيبٌ يَنْبَغِي حِفْظُهُ لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حُسَامِ الدِّينِ لَوْ حَكَّ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَ الْقَوْلَ الثَّانِي فِي تَحْدِيدِ الْعَمَلِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَوْ مَضَغَ الْعِلْكَ فِي صَلَاتِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ لِأَنَّ النَّاظِرَ إلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْيَدِ رَأْسًا فَضْلًا عَنْ اسْتِعْمَالِ الْيَدَيْنِ وَكَذَا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ يَعْمَلُ بِيَدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQ [الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالْخُلَاصَةِ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُفِيدٌ لِدَفْعِ الْمَنْعِ (قَوْلُهُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ) ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ هُنَا وَالتَّفْصِيلُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالْمَغْلُوبِ لَكِنْ إذَا كَانَ غَالِبًا يَكُونُ مِنْ مَسَائِلِ سَبْقِ الْحَدَثِ وَهُوَ لَا يُنَافِي عَدَمَ الْفَسَادِ (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بَعْدَ ذِكْرِ الدُّرَرِ هَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ جَازِمًا بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَتَّابِيُّ وَفِي عُمْدَةَ الْمُفْتِي ثُمَّ قَالَ بَلْ ظَاهِرُ مَا فِي الْحَاوِي آخِرًا التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ مُرَاعًى فَمَعْنَى مَا يَعْمَلُ بِالْيَدَيْنِ كَثِيرٌ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْمَلُ بِهِمَا اهـ. لَكِنْ عَلَى هَذَا يَبْقَى مَضْغُ الْعِلْكِ غَيْرُ مَعْلُومِ الْحُكْمِ وَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَدْخُلُهُ (قَوْلُهُ لَوْ مَضَغَ الْعِلْكَ فِي صَلَاتِهِ فَسَدَتْ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ الْمَضْغُ كَثِيرًا كَمَا فِي التَّجْنِيسِ

وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُبْطِلٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا قَوْلُهُمْ لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ سَرَّحَ شَعْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ لِأَنَّ دَهْنَ الرَّأْسِ وَتَسْرِيحَ الشَّعْرِ عَادَةً يَكُونُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالدَّهْنِ تَنَاوُلَهُ الْقَارُورَةَ وَصَبَّ الدُّهْنِ مِنْهَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْمُحِيطِ قَالَ وَلَوْ صَبَّ الدُّهْنَ عَلَى رَأْسِهِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا تَفْسُدُ وَتَعْلِيلُ الْوَلْوَالِجِيِّ بِأَنَّ تَسْرِيحَ الشَّعْرِ يُفْعَلُ بِالْيَدَيْنِ مَمْنُوعٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ وَلَوْ حَمَلَتْ صَبِيًّا فَأَرْضَعَتْهُ تَفْسُدُ فَهُوَ عَلَى سَائِرِ التَّفَاسِيرِ لَكِنْ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ الْمَرْأَةُ إذَا أَرْضَعَتْ وَلَدَهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ مُرْضِعَةً فَشَمِلَ مَا إذَا حُمِلَ إلَيْهَا فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الثَّدْيَ فَرَضَعَهَا وَأَمَّا إذَا ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ إنْ مَصَّ ثَلَاثًا فَسَدَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ اللَّبَنُ فَإِنْ كَانَ مَصَّةً أَوْ مَصَّتَيْنِ فَإِنْ نَزَلَ لَبَنٌ فَسَدَتْ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْمُنْيَةِ وَالْمُحِيطِ إنْ خَرَجَ اللَّبَنُ فَسَدَتْ وَإِلَّا فَلَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ وَصَحَّحَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِسَوْطٍ تَفْسُدُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالْمُنْيَةِ فَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ بَلْ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ ضَرَبَ دَابَّتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ ضَرَبَهَا ثَلَاثًا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَفْسُدُ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعِنْدِي إذَا ضَرَبَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَسَكَنَ ثُمَّ ضَرَبَ مَرَّةً أُخْرَى وَسَكَنَ ثُمَّ ضَرَبَ مَرَّةً أُخْرَى لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَشْيِ اهـ. وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثَ فِي الْحَكِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخُلَاصَةِ فَالظَّاهِرُ تَفْرِيعُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ بِمَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ قَتَلَ الْقَمْلَةَ مِرَارًا إنْ قَتَلَ قَتْلًا مُتَدَارَكًا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْقِتْلَاتِ فُرْجَةٌ لَا تَفْسُدُ فَيَصْلُحُ تَفْرِيعُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ قَبَّلَ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَسَّهَا بِشَهْوَةٍ فَسَدَتْ يَنْبَغِي تَفْرِيعُهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ الْمُصَلِّي وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ مَا يَفْعَلُ بِالْيَدَيْنِ أَوْ بِمَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا فَلَا وَهُوَ مِمَّا يُضْعِفُهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى وَكَذَا لَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ بِخِلَافِ النَّظَرِ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُصَلِّيَةُ دُونَهُ فَقَبَّلَهَا فَسَدَتْ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُصَلِّي فَقَبَّلَتْهُ وَلَمْ يَشْتَهِهَا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فَمُشْكِلٌ إذْ لَيْسَ مِنْ الْمُصَلِّي فِعْلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْفَسَادِ فِيهِمَا فَإِنْ جَعَلْنَا تَمْكِينَهُ مِنْ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِهِ اقْتَضَى الْفَسَادَ فِيهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مَا لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ النَّاظِرُ لَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَا اسْتَفْحَشَهُ الْمُصَلِّي لَكِنْ فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ وَلَوْ قَبَّلَ الْمُصَلِّيَةَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَسَدَتْ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ مُسَاوٍ لِتَقْبِيلِهِ وَتَقْبِيلِهَا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي الْمَشْيُ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لَا يُفْسِدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَلَاحِقًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي الْفَضَاءِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصُّفُوفِ هَذَا كُلُّهُ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ يَكُونُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ) سَيَأْتِي (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالدَّهْنِ تَنَاوُلُهُ إلَخْ) وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي التَّسْرِيحِ وَالْجَوَابُ تَعْلِيلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي التَّجْنِيسِ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِالْيَدَيْنِ غَالِبًا (قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَمَّا الشَّرْطِيَّةِ وَفِي بَعْضِهَا وَمَا إذَا بِدُونِ هَمْزَةٍ وَعَلَيْهَا يُتَوَجَّهُ قَوْلُ النَّهْرِ هَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَأَنَّى يُقَالُ ارْتِضَاعُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ اهـ وَيُؤَيِّدُ النُّسْخَةَ الْأُولَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهَا وَذِكْرَ الْفَاءَ فِي جَوَابِ أَمَّا (قَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ إلَى قَوْلِهِ فَمُشْكِلٌ) قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِوَجْهِ الْفَرْقِ وَفِي النَّهْرِ وَعَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ قَدْ فَرَّقَ بِأَنَّ الشَّهْوَةَ لَمَّا كَانَتْ فِي النِّسَاءِ أَغْلَبَ كَانَ تَقْبِيلُهُ مُسْتَلْزِمًا لِاشْتِهَائِهَا عَادَةً بِخِلَافِ تَقْبِيلِهَا اهـ. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ بِزِيَادَةٍ وَعِبَارَتُهُ وَفَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ وَهُوَ أَنَّ الشَّهْوَةَ غَالِبَةٌ عَلَى النِّسَاءِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهَا وَلِهَذَا حَرُمَ نَظَرُ الرَّجُلِ إلَيْهَا عِنْدَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِالشَّهْوَةِ أَوْ الشَّكِّ قَالُوا لِتَحَقُّقِ الشَّهْوَةِ مِنْهَا حُكْمًا وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ كَثِيرَ عَمَلٍ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ مُتَفَاعِلَيْنِ وَإِذَا قَبَّلَتْهُ وَلَمْ يَشْتَهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ جَانِبِهِ أَصْلًا وَيُوَشِّحُ هَذَا مَا مَرَّ مِنْ اعْتِبَارِ نُزُولِ اللَّبَنِ كَثِيرَ عَمَلٍ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى مَا لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ حَيْثُ قَالَ أَقُولُ: عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الصَّلَاةِ فَجَامَعَهَا زَوْجُهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ مَنِيٌّ وَكَذَا لَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَسَّهَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ أَمَّا لَوْ قَبَّلَتْ الْمَرْأَةُ الْمُصَلِّيَ وَلَمْ يَشْتَهِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ هَذِهِ عِبَارَةُ الْخُلَاصَةِ فَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا الْعَلَّامَةُ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ. قُلْت وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ عَلَّلَ فِي التَّجْنِيسِ (قَوْلُهُ وَفِي الْفَضَاءِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصُّفُوفِ) أَقُولُ: قَالَ فِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِ قِيَامِهِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيُعْتَبَرُ مِقْدَارُ سُجُودِهِ مِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ كَمَا فِي وَجْهِ الْقِبْلَةِ سَوَاءٌ فَمَا لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ الْمَسْجِدِ فَلَا تَفْسُدْ

إذَا لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ وَأَمَّا إذَا اسْتَدْبَرَهَا فَسَدَتْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْمُخْتَارُ فِي الْمَشْيِ أَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ أَفْسَدَهَا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ أَخَذَ حَجَرًا فَرَمَى بِهِ تَفْسُدُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ حَجَرٌ فَرَمَى لَا تَفْسُدُ وَقَدْ أَسَاءَ فَظَاهِرُهُ التَّفْرِيعُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا عَلَى تَفْسِيرِهِ بِمَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا لَوْ كَتَبَ قَدْرَ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا فَالظَّاهِرُ تَفْرِيعُهُ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ الْمُبْتَلَى بِهِ أَوْ أَنَّهُ مَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ وَأَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَسَادَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كِتَابَةِ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ بَلْ يَحْصُلُ الْفَسَادُ بِكِتَابَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْتَبِينَةٍ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ إطْلَاقُ مَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ كَتَبَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى شَيْءٍ فَسَدَتْ وَإِنْ كَتَبَ عَلَى شَيْءٍ لَا يُرَى لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى كِتَابَةً وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ لَوْ حَرَّكَ رِجْلًا لَا عَلَى الدَّوَامِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ حَرَّكَ رِجْلَيْهِ تَفْسُدُ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَحْرِيكَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمَا تَحْرِيكُ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَوْجَهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ إنْ حَرَّكَ رِجْلَيْهِ قَلِيلًا لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَسَدَتْ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا وَلَعَلَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى مَا يَعُدُّهُ الْعُرْفُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا تَخَمَّرَتْ الْمَرْأَةُ فَسَدَتْ صَلَاتُهَا وَلَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ فَتَحَ الْبَابَ الْمُغْلَقَ تَفْسُدُ وَإِنْ نَزَعَ الْقَمِيصَ لَا تَفْسُدُ وَلَوْ لَبِسَ تَفْسُدُ وَلَوْ شَدَّ السَّرَاوِيلَ تَفْسُدُ وَلَوْ فَتَحَ لَا تَفْسُدُ وَمَنْ أَخَذَ عَنَانَ دَابَّتِهِ أَوْ مَقُودَهَا وَهُوَ نَجِسٌ إنْ كَانَ مَوْضِعُ قَبْضِهِ نَجِسًا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ النَّجِسُ مَوْضِعًا آخَرَ جَازَ وَإِنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَإِنْ جَذَبَتْهُ الدَّابَّةُ حَتَّى أَزَالَتْهُ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ تَفْسُدُ وَلَوْ آذَاهُ حَرُّ الشَّمْسِ فَتَحَوَّلَ إلَى الظِّلِّ خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ لَا تَفْسُدُ وَقِيلَ فِي الثَّلَاثِ كَذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَوْ رَفَعَ رَجَلٌ الْمُصَلِّي عَنْ مَكَانِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ لَا تَفْسُدُ وَلَوْ وَضَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ تَفْسُدُ وَلَوْ زَرَّ قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً فَسَدَتْ لَا إنْ حَلَّهُ وَإِنْ أَلْجَمَ دَابَّةً فَسَدَتْ لَا إنْ خَلَعَهُ وَلَوْ لَبِسَ خُفَّيْهِ فَسَدَتْ لَا إنْ تَنَعَّلَ أَوْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ كَمَا لَوْ تَقَلَّدَ سَيْفًا أَوْ نَزَعَهُ أَوْ وَوَضَعَ الْفَتِيلَةَ فِي مِسْرَجَةٍ أَوْ تَرَوَّحَ بِمِرْوَحَةٍ أَوْ بِكُمِّهِ أَوْ سَوَّى مِنْ عِمَامَتِهِ كَوْرًا أَوْ كَوْرَيْنِ أَوْ لَبِسَ قَلَنْسُوَةً أَوْ بَيْضَةً وَالْحَاصِلُ أَنَّ فُرُوعَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ اخْتَلَفَتْ وَلَمْ تَتَفَرَّعْ كُلُّهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بَلْ بَعْضُهَا عَلَى قَوْلٍ وَبَعْضُهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَكْثَرَهَا تَفْرِيعَاتُ الْمَشَايِخِ لَمْ تَكُنْ مَنْقُولَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلِهَذَا جُعِلَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِّ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ فِي التَّجْنِيسِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَالِ أَرْبَعَةً وَذَكَرُوا قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْفَاعِلِ بِأَنْ أَفْرَدَ لَهُ مَجْلِسًا عَلَى حِدَةٍ وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ كَثْرَةُ الْمَقَالَاتِ تُؤْذِنُ بِكَثْرَةِ الْجَهَالَاتِ وَلَقَدْ صَدَقَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ قَوْلٌ بَقِيَ كَذَلِكَ مُضْطَرِبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَضْطَرِبُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لِشَيْخِنَا فِيهَا قَوْلٌ فَنَحْنُ فِيهَا هَكَذَا اهـ. وَإِلَى هُنَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّلَاةِ كَلَامُ النَّاسِ مُطْلَقًا وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ وَمِنْ الْمُفْسِدِ الْمَوْتُ وَالِارْتِدَادُ بِالْقَلْبِ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَكُلُّ حَدَثٍ عَمْدٍ وَمَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالِاحْتِلَامِ وَالْحَيْضِ ـــــــــــــــــــــــــــــQصَلَاتُهُ وَلَوْ خَطَّ حَوْلَهُ خَطًّا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْخَطِّ لَكِنْ تَأَخَّرَ عَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَوْضِعِ فَسَدَتْ لِأَنَّ الْخَطَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ لَا تَفْسُدُ إلَخْ) قَالَ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ لَوْ فَتَحَ بَابًا أَوْ أَغْلَقَهُ فَدَفَعَهُ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ بِمِفْتَاحِ غَلَقٍ أَوْ قُفْلٍ كُرِهَ ذَلِكَ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا أَغْلَقَ تَفْسُدُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ فِيهِ يَحْتَاجُ إلَى مُعَالَجَةٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَنْ أَخَذَ عَنَانَ دَابَّتِهِ إلَخْ) لَا دَخْلَ لِهَذَا الْفَرْعِ هُنَا (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فُرُوعَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ اخْتَلَفَتْ إلَخْ) أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا رَأَى مَشَايِخُ الْمَذْهَبِ الْفُرُوعَ الْمَذْكُورَةَ فَكُلٌّ مِنْهُمْ عَرَّفَ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ بِتَعْرِيفٍ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ الْفُرُوعِ وَبِضَمِّ التَّعَارِيفِ إلَى بَعْضِهَا تَنْتَظِمُ الْفُرُوعُ جَمِيعًا بِأَنْ يُقَالَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ هُوَ مَا لَا يَشُكُّ النَّاظِرُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَا كَانَ بِحَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ أَوْ مَا كَانَ يُعْمَلُ بِالْيَدَيْنِ أَوْ مَا يَسْتَكْثِرُهُ الْمُبْتَلَى بِهِ أَوْ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْفَاعِلِ بِأَنْ أَفْرَدَ لَهُ مَجْلِسًا عَلَى حِدَةٍ لَكِنْ يُمْكِنُ إدْخَالُ سَائِرِ الْفُرُوعِ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهِمَا عَنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ فَتَأَمَّلْ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّوْفِيقِ فَإِنَّ فِيهِ إحْسَانَ الظَّنِّ بِمَشَايِخِ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا مَنْقُولَةً عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَكِنْ الْمَشَايِخُ خَرَّجُوا بَعْضَهَا عَلَى الْمَنْقُولِ لَا بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَمَا كَانَ مُخَرَّجًا عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَهْلِ التَّخْرِيجِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَذْهَبِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِفِكْرِي الْقَاصِرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الشَّيْخَ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُنْيَةِ ذَكَرَ مَا ذَكَرْتُهُ حَيْثُ قَالَ وَأَكْثَرُ الْفُرُوعِ أَوْ جَمِيعُهَا مُخَرَّجٌ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ثَانِيَهُمَا لَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَا يُقَامُ بِالْيَدَيْنِ عَادَةً يَغْلِبُ ظَنُّ النَّاظِرِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا قَوْلُ مَنْ اعْتَبَرَ التَّكْرَارَ إلَى ثَلَاثٍ مُتَوَالِيَةٍ فَإِنَّ التَّكْرَارَ يُغَلِّبُ الظَّنُّ بِذَلِكَ فَلِذَا اخْتَارَهُ جُمْهُورُ الْمَشَايِخِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَذَكَرُوا قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ

وَمُحَاذَاةُ الْمَرْأَةِ بِشُرُوطِهِ وَتَرْكُ رُكْنٍ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ شَرْطٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَمَّا اسْتِخْلَافُ الْقَارِئِ لِلْأُمِّيِّ وَالْفَتْحُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَدَاخِلٌ تَحْتَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَأَمَّا تَرْكُ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِالسَّجْدَةِ وَقُدْرَةُ الْمُومِئِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَذَكُّرُ صَاحِبِ التَّرْتِيبِ الْفَائِتَةَ فِيهَا وَطُلُوعُ الشَّمْسِ فِي الْفَجْرِ وَدُخُولُ وَقْتِ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ وَنَظَائِرِهَا فَمِمَّا يُفْسِدُ وَصْفَ الْفَرْضِيَّةِ لَا أَصْلَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا فَسَادُهَا بِتَقَدُّمِ الْإِمَامِ أَمَامَ الْمُصَلِّي أَوْ طَرْحِهِ فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَوْ فِي مَكَان نَجِسٍ أَوْ سُقُوطِ الثَّوْبِ عَنْ عَوْرَتِهِ مَعَ التَّعَمُّدِ مُطْلَقًا وَمَعَ أَدَاءِ رُكْنٍ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَمَعَ الْمُكْثِ قَدْرَهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَرَاجِعٌ إلَى فَوْتِ الشَّرْطِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَلَوْ نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ وَفَهِمَهُ أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَوْ مَرَّ مَارٌّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ أَثِمَ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ فِي مِثْلِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَبِالنَّظَرِ مَعَ الْفَهْمِ لَمْ تَحْصُلْ وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَفَهِمَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الْفَهْمُ وَالْوُقُوفُ عَلَى سِرِّهِ أَطْلَقَ الْمَكْتُوبَ فَشَمِلَ مَا هُوَ قُرْآنٌ وَغَيْرُهُ لَكِنْ فِي الْقُرْآنِ لَا تَفْسُدُ إجْمَاعًا بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَشَمِلَ مَا إذَا اسْتَفْهَمَ أَوْ لَا لَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفْهِمًا لَا تَفْسُدُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَفْهِمًا فَفِي الْمُنْيَةِ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالصَّحِيحُ عَدَمُهُ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَلِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ قَالُوا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ لَا يَضَعَ جُزْءَ تَعْلِيقِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى مَا فِي الْجُزْءِ فَيَفْهَمُ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ شُبْهَةُ الِاخْتِلَافِ اهـ. وَعَبَّرَ فِي النِّهَايَةِ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ لَا يَضَعَ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ شُبْهَةَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ مُسْتَفْهِمًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَفْهِمًا فَلَا يُعَلَّلُ بِمَا ذُكِرَ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ بَلْ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِهِ إذَا خَافَ مِنْ وَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ اشْتِغَالَهُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَرَاهَةَ النَّظَرِ إلَى الْمَكْتُوبِ مُتَعَمِّدًا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مَا يَقْتَضِيهَا فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ أَنْشَأَ شِعْرًا أَوْ خُطْبَةً وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ لَا تَفْسُدُ وَقَدْ أَسَاءَ وَعَلَّلَ الْإِسَاءَةَ شَارِحُهَا بِاشْتِغَالِهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إذَا أَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ أَدَاءِ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ سَهْوًا اهـ. وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ تَرْكَ الْخُشُوعِ لَا يُخِلُّ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِالْكَمَالِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ إذَا تَفَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ فَتَذَكَّرَ شِعْرًا أَوْ خُطْبَةً فَقَرَأَهُمَا بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ اهـ. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَكْلُهُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ والولوالجية مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَفِي الْبَدَائِعِ إنْ كَانَ دُونَ الْحِمَّصَةِ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَصَاعِدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَهَكَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِمَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ وَقَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَلَوْ أَكَلَ بَعْضَ اللُّقْمَةِ وَبَقِيَ الْبَعْضُ فِي فِيهِ حَتَّى شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَابْتَلَعَ الْبَاقِيَ لَا تَفْسُدْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مِلْءَ الْفَمِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَرَى وَالشَّأْنُ فِيمَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْهَا وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا سَبَقَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا ابْتَلَعَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ أَمَّا إذَا مَضَغَهُ كَثِيرًا فَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَضْغِ الْعِلْكِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ عَبَّرَ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهَذَا الْقَائِلُ يَسْتَدِلُّ بِامْرَأَةٍ صَلَّتْ فَلَمَسَهَا زَوْجُهَا أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهَا وَكَذَا إذَا مَصَّ صَبِيٌّ ثَدْيَهَا وَخَرَجَ اللَّبَنُ تَفْسُدُ صَلَاتُهَا (قَوْلُهُ وَأَمَّا فَسَادُهَا بِتَقَدُّمِ الْإِمَامِ أَمَامَ الْمُصَلِّي) كَذَا فِي النُّسَخِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا مِنْ النَّاسِخِ وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ بِتَقَدُّمِ الْمُصَلِّي أَمَامَ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ قَالَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الرُّكْنُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي السُّجُودِ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَسُجُودُ السَّهْوِ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الرُّكْنِ عَنْ مَحِلِّهِ مُقَرَّرٌ كَمَا يَأْتِي وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ) أَقُولُ: قَدْ سَبَقَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ مَا فَوْقَ الْحِمَّصَةِ بِدُونِ مَضْغٍ يَكُونُ الْأَصَحُّ عَدَمَ الْفَسَادِ فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ وَهُوَ يَنْبَنِي إلَخْ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ مِلْءَ الْفَمِ يُفْسِدُ وَكَذَا نَحْوُهُ لَا يَشْتَرِطُ مَعَهُ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ بَلْ عِلَّتُهُ إمْكَانُ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِلَا كُلْفَةٍ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِرِيقِهِ فَلَا يُفْسِدُ إلَّا بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَفِي مَعْرِفَتِهِ الِاخْتِلَافُ الْمَعْلُومُ اهـ. وَاعْتَرَضَهُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِفَسَادِهَا بِابْتِلَاعِ سِمْسِمَةٍ تَنَاوَلَهَا مِنْ خَارِجٍ وَقَطْرَةِ مَاءٍ وَقَعَتْ فِي فَمِهِ إذْ لَمْ يُنِيطُوا فِي ذَلِكَ الْفَسَادَ بِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي فَمِهِ سُكَّرٌ أَوْ فَانِيدٌ وَابْتَلَعَ ذَوْبَهُ (قَوْلُهُ أَمَّا إذَا مَضَغَهُ كَثِيرًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ بِأَنْ تَوَالَتْ ثَلَاثُ مَضَغَاتٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ اهـ. قُلْت عَدَمُ تَقْدِيرِهِ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ بَحْثٌ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ لَا يُفْسِدُ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا دُونَ الْحِمَّصَةِ غَنِيٌّ عَنْ الْكَثِيرِ مِنْ الْمَضْغِ بَلْ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَضْغٌ لِتَلَاشِيهِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ

الْمُصَنِّفُ بِالِابْتِلَاعِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُحِيطِ والولوالجية وَكَثِيرٍ دُونَ الْأَكْلِ لَكَانَ أَوْلَى ثُمَّ إذَا كَانَ ابْتِلَاعُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ بِشَرْطِهِ عَلَى الْخِلَافِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ فَكَانَ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مُرُورُ الْمَارِّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِ الْمُصَلِّي فَإِنَّمَا لَا يُفْسِدُهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَارُّ امْرَأَةً أَوْ حِمَارًا أَوْ كَلْبًا أَوْ غَيْرَهَا لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا وَالْبُيُوتُ يَوْمئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» . وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» لَكِنْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ الْحَسَنِ لِأَنَّهُ يُرْوَى مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ثُمَّ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ عَدَمِ الْفَسَادِ الثَّانِي أَنَّ الْمَارَّ آثِمٌ لِلْحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ الرَّاوِي لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا» وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَا» وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِالْإِثْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ أَثِمَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، الثَّالِثُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمَكَانِ حَقُّهُ وَفِي تَحْرِيمِ مَا وَرَاءَهُ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمَارَّةِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَهُوَ مِنْ قَدَمِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْأَحْسَنُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ دُونَ مَا وَرَاءَهُ وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى صَلَاةَ خَاشِعٍ لَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ فَلَا يُكْرَهُ الْمُرُورُ نَحْوُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَهَى بَصَرِهِ فِي قِيَامِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي رُكُوعِهِ إلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَفِي سُجُودِهِ إلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِهِ وَفِي قُعُودِهِ إلَى حِجْرِهِ وَفِي سَلَامِهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا صَلَّى رَامِيًا بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لَمْ يُكْرَهْ وَهَذَا حَسَنٌ وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْرَ مَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ لَوْ صَلَّى بِخُشُوعٍ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرَجَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ أَشْبَهُ إلَى الصَّوَابِ لِأَنَّ الْمُصَلِّي إذَا صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ وَحَاذَى أَعْضَاءُ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ فَإِنَّ الْمُرُورَ أَسْفَلَ الدُّكَّانِ مَكْرُوهٌ وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ سُجُودِ الْمُصَلِّي فَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى مَنْ اعْتَبَرَ مَوْضِعَ السُّجُودِ فَمَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ يَمْشِي فِي كُلِّ الصُّوَرِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ فَيَئُولُ إلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بَعْدَ اعْتِبَارِهِ مَوْضِعَ السُّجُودِ شَرَطَ عَدَمَ الْحَائِلِ كَالْأُسْطُوَانَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْحَائِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِمَسْأَلَةِ الْمُرُورِ أَسْفَلَ الدُّكَّانِ اهـ. وَهُوَ تَكَلُّفٌ وَاَلَّذِي ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يُفْسِدُ بِخِلَافِ الْحِمَّصَةِ اهـ. قُلْت كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا إذَا مَضَغَهُ كَثِيرًا وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ غَنِيًّا عَنْ الْمَضْغِ وَدَعْوَى عَدَمِ تَأَتِّي الْمَضْغِ فِيهِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ فَإِنَّ الْمَضْغَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ لَوْكُ الشَّيْءِ بِالسِّنِّ وَالسِّنُّ يَشْمَلُ الثَّنَايَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَلُوكَهُ بِهَا كَثِيرًا (قَوْلُهُ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَلَى مَا قِيلَ اهـ. قُلْت تَصْرِيحُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَضْعِيفًا لَهُ وَكَأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِيُشِيرَ إلَى الْخِلَافِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَارٌ لَهُ تَصْحِيحُهُ لَهُ فِي التَّجْنِيسِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَمِنْهُمْ بِخَمْسَةٍ وَمِنْهُمْ بِأَرْبَعِينَ وَمِنْهُمْ بِمِقْدَارِ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِكَوْنِهِ مُخْتَارَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ اخْتَارَهُ فِي كِتَابِهِ التَّجْنِيسِ لَا فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْعِنَايَةِ إلَخْ) . أَقُولُ: مِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّوْفِيقَ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ وَنَصُّهَا فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمْ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ مُرُورُهُ مَكْرُوهًا وَالصَّحِيحُ مِقْدَارُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ سُجُودِهِ وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِقْدَارُ مَا بَيْنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ مَقَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا عَيْنُ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِيمَا قَرَأْنَا عَلَى شَيْخِنَا مِنْهَاجَ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يَمُرَّ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ وَهُوَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْضَحُ انْتَهَتْ عِبَارَتُهُ بِحُرُوفِهَا وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى الْمُدَّعِي مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْيِينَ مَوْضِعِ السُّجُودِ حَيْثُ جُعِلَ الْفَرْقُ فِي التَّعْبِيرِ فَقَطْ وَأَنَّ الثَّالِثَةَ أَوْضَحُ مِمَّا قَبْلَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ وَانْظُرْ إلَى الْعِبَارَةِ الثَّالِثَةِ وَإِلَى عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّك لَا تَكَادُ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا

يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الدُّكَّانِ إنَّمَا تَرِدُ عَلَيْهِ نَقْضًا لَوْ سَكَتَ عَنْهَا وَأَمَّا إذَا صَرَّحَ بِهَا فَلَا فَكَأَنَّهُ قَالَ الْعِبْرَةُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ إنْ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى دُكَّانٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَالْعِبْرَةُ لِلْمُحَاذَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا وَإِنَّمَا شَرَطَ عَدَمَ الْحَائِلِ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْحَائِلِ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ كَأَنْ يُصَلِّيَ قَرِيبًا مِنْ جِدَارٍ بِالْإِيمَاءِ لِلْمَرَضِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْجِدَارُ لَكَانَ مَوْضِعُهُ مَوْضِعَ السُّجُودِ فَلَا مُنَافَاةَ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَوْ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْحَائِلِ إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَحِلِّ الْخِلَافِ فَإِنَّ الْمُرُورَ وَرَاءَ الْحَائِلِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ اتِّفَاقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ لَا شَرْطٌ فِي الْمُرُورِ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ وَمِمَّا يُضْعِفُ تَصْحِيحَ النِّهَايَةِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ مُخْتَلِفٌ يَكُونُ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ مُخَالِفًا لِحَالَةِ الرُّكُوعِ وَفِي حَالَةِ الْجُلُوسِ مُخَالِفًا لِلْكُلِّ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ مَرَّ إنْسَانٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَهُوَ جَالِسٌ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ بَصَرَهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ حَالَةَ كَوْنِهِ خَاشِعًا وَلَوْ مَرَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُكْرَهُ لِأَنَّ بَصَرَهُ يَقَعُ عَلَيْهِ حَالَةَ خُشُوعِهِ وَأَنَّهُ لَوْ مَرَّ دَاخِلَ مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَهُوَ رَاكِعٌ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ بَصَرَهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ حَالَةَ خُشُوعِهِ وَأَنَّهُ لَوْ مَرَّ عَنْ يَمِينِهِ وَهُوَ يُسَلِّمُ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ خَاشِعًا يُكْرَهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعِ الْمُرُورِ إنَّمَا هُوَ مُنْشَأٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْكِتَابِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَحَيْثُ لَمْ يَنُصَّ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ عَلَى شَيْءٍ فَالتَّرْجِيحُ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ لِانْضِبَاطِهِ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الصَّحْرَاءَ وَالْمَسْجِدَ وَفِي الْمَسْجِدِ اخْتِلَافٌ فَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَوْ مَرَّ عَنْ بُعْدٍ فِي الْمَسْجِدِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَكَذَا صَحَّحَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ كَبِيرًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحْرَاءِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ الْفَصْلِ التَّاسِعِ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا يُكْرَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَمُرُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِمَامِ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةٌ لَا تَطَوُّعَ بَعْدَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَإِنْ شَاءَ قَامَ وَذَهَبَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحِذَائِهِ رَجُلٌ يُصَلِّي وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ مُقَابِلَ وَجْهِ الْإِمَامِ فِي حَالِ قِيَامِهِ يُكْرَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا صُفُوفٌ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَ جُلُوسَ الْإِمَامِ فِي مِحْرَابِهِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لَهُ بِمَنْزِلَةِ جُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَوْضِعِ سُجُودِهِ وَكَذَا مُرُورُ الْمَارِّ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِمَنْزِلَةِ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا بِمَنْزِلَةِ الْجَامِعِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ فَيُكْرَهُ الْمُرُورُ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّحْرَاءِ اهـ. ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الدُّكَّانِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّمَا أَوْرَدَ الْمَشَايِخُ مَسْأَلَةَ الدُّكَّانِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ لَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ فَكَانَتْ مَسْأَلَةُ الدُّكَّانِ نَقْضًا لِمَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَتَمَشَّى فِي كُلِّ الصُّوَرِ غَيْرَ مَنْقُوضٍ. اهـ. قُلْت وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِيهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى تَفْسِيرِ الْحَائِلِ بِالْجِدَارِ وَالْأُسْطُوَانَةِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ سِتَارَةً تَرْتَفِعُ إذَا سَجَدَ وَتَعُودُ إذَا قَامَ كَمَا قَالَ مُلَّا سَعْدِي. اهـ. قُلْت وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ أَقَلُّ تَكَلُّفًا مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَمِمَّا يُضْعِفُ تَصْحِيحَ النِّهَايَةِ إلَخْ) . أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَمَا قَرَّرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ غَايَةَ الْبُعْدِ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ سَابِقًا بَيَانًا لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ قَوْلُهُ وَفِي سُجُودِهِ إلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِهِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهَا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَكَذَا قَوْلُهُ وَفِي سَلَامِهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ مَعَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ عَلَى هَذَا الْمَرَامِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ بَلْ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا تَقْبَلُهُ الْأَفْهَامُ وَيَسْتَدْعِيهِ الْمَقَامُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لَوْ نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ عِبَارَتِهِ بَيَانٌ لِصَلَاةِ الْخَاشِعِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْدِيدُ بِهِ وَهَذَا مَعْنًى قَرِيبٌ يَقْبَلُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ إذَا صَلَّى رَامِيًا بِبَصَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لَمْ يُكْرَهْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَضْعُفُ مَا فِي النِّهَايَةِ مَعَ أَنَّهُ رَجَّحَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى أَنَّك عَلِمْت رُجْحَانَ رُجُوعِ مَا فِي الْهِدَايَةِ إلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا) وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ سِتِّينَ ذِرَاعًا وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْجَوَاهِرِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ مِسْكِينٍ لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ أَبِي السُّعُودِ قُلْت وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الدَّارُ وَالْبَيْتُ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُفَصِّلْ إلَخْ) هَذَا أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ عِنْدَ ذِكْرِ مَسَائِلِ السُّجُودِ

وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ أَنَّ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى السَّوَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْمُؤْثِمَ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَوْنُ ذَلِكَ الْبَيْتِ بِرُمَّتِهِ اُعْتُبِرَ بُقْعَةً وَاحِدَةً فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ مِنْ الْمُرُورِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَجْعَلُ الْبَعِيدَ قَرِيبًا اهـ. فَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ هُوَ أَمَامَ الْمُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ وَمَوْضِعُ سُجُودِهِ فِي مَسْجِدٍ كَبِيرٍ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ الدُّكَّانِ أَمَامَ الْمُصَلِّي لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا بِشَرْطِ مُحَاذَاةِ أَعْضَاءِ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا شُرِطَ هَذَا فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ وَالدُّكَّانُ مِثْلُ قَامَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ سُتْرَةٌ فَلَا يَأْثَمُ الْمَارُّ وَكَذَا السَّطْحُ وَالسَّرِيرُ وَكُلُّ مُرْتَفِعٍ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ حَدَّهُ بِقَدْرِ السُّتْرَةِ وَهُوَ ذِرَاعٌ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كُرِهَ مُرُورُ الرَّاكِبِ وَإِنْ اسْتَتَرَ بِظَهْرِ إنْسَانٍ جَالِسٍ كَانَ سُتْرَةً وَإِنْ كَانَ قَائِمًا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنْ اسْتَتَرَ بِدَابَّةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالُوا حِيلَةُ الرَّاكِبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ يَنْزِلُ فَيَصِيرُ وَرَاءَ الدَّابَّةِ وَيَمُرَّا فَتَصِيرُ الدَّابَّةُ سُتْرَةً وَلَا يَأْثَمُ وَكَذَا لَوْ مَرَّ رَجُلَانِ مُتَحَاذِيَانِ فَإِنَّ كَرَاهَةَ الْمُرُورِ وَإِثْمَهُ يَلْحَقُ الَّذِي يَلِي الْمُصَلِّيَ اهـ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامَهُ سُتْرَةً لِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ وَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ» وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ إذَا خَافَ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ إنْ يَنْصِبَ شَيْئًا وَيَسْتَتِرَ فَأَفَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى صَارِفٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّحْرَاءِ لِأَنَّهَا الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْمُرُورُ غَالِبًا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ تَرْكِ السُّتْرَةِ فِيمَا يُخَافُ فِيهِ الْمُرُورُ أَيُّ مَوْضِعٍ كَانَ. الْخَامِسُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُهَا ذِرَاعًا فَصَاعِدًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ بِقَدْرِ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» وَمُؤَخِّرَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ مِنْ كَوْرِ الْبَعِيرِ وَفَسَّرَهَا عَطَاءٌ بِأَنَّهَا ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد السَّادِسُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ غِلَظِهَا فَفِي الْهِدَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الْإِصْبَعِ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) أَيْ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرَجُّحُ مَا اخْتَارَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ مُخْتَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَكَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْمُؤَثِّمَ الْمُرُورُ إلَخْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ أَيْضًا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَالصَّحْرَاءِ (قَوْلُهُ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ) أَيْ كَاسْتِقْبَالِ وَجْهِ الْمُصَلِّي عَلَى مَا مَرَّ فِي عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ وَكَعَدِمِ جَعْلِ الْفَاصِلِ بِقَدْرِ الصَّفَّيْنِ مَانِعًا مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ كَمَا فِي الصَّحْرَاءِ (قَوْلُهُ فَيُجْعَلُ الْبَعِيدُ قَرِيبًا) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَغْيِيرٌ أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ وَهُوَ الْمُرُورُ مِنْ بَعِيدٍ بِأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الْبَعِيدُ قَرِيبًا أَيْ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي حُكْمِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (قَوْلُهُ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ الدُّكَّانِ أَمَامَ الْمُصَلِّي) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُصَوَّرٌ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ أَوْ الصَّحْرَاءِ بِأَنْ يَكُونَ فِي بَيْتٍ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ كَمَا مَرَّ وَفِي الْكَبِيرِ وَالصَّحْرَاءُ مَوْضِعُ السُّجُودِ وَمَا تَحْتَ الدُّكَّانِ لَيْسَ مَوْضِعَ السُّجُودِ كَمَا مَرَّ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ أَيْضًا وَأَنَّ حُكْمَهُ كَالْبَيْتِ وَيَكُونُ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ أَمَامَ الْمُصَلِّي دَفْعَ تَوَهُّمِ أَنَّ الدُّكَّانَ حَائِلٌ هَذَا وَمَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ مِنْ تَخْصِيصِ الْإِثْمِ بِالْمُرُورِ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ بِرِوَايَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ دُونَ رِوَايَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ حَيْثُ أَوْرَدَ وَالْمَسْأَلَةَ نَقْضًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ بِشَرْطِ مُحَاذَاةِ أَعْضَاءِ الْمَارِّ أَعْضَاءَهُ) أَيْ أَعْضَاءَ الْمُصَلِّي كُلَّهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرَهَا كَمَا قَالَ آخَرُونَ كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ حَاذَى أَقَلَّهَا أَوْ نِصْفَهَا لَمْ يُكْرَهْ وَفِي الزَّادِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا حَاذَى نِصْفُهُ الْأَسْفَلُ النِّصْفَ الْأَعْلَى مِنْ الْمُصَلِّي كَمَا إذَا كَانَ الْمَارُّ عَلَى فَرَسٍ كَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَفِيهِ أَيْضًا الدُّكَّانُ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ كَالسَّطْحِ وَالسَّرِيرِ وَهُوَ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ فِي الْأَصْلِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ كَمَا فِي الصِّحَاحِ أَوْ عَرَبِيٌّ مِنْ دَكَنْت الْمَتَاعَ إذَا نَضَدْت بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ كَمَا فِي الْمَقَابِيسِ. اهـ. (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى صَارِفٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قُلْت الصَّارِفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «عَنْ الْفَضْلِ وَالْعَبَّاسِ رَأَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَادِيَةِ لَنَا يُصَلِّي فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ» وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ عَبَّاسٍ «صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» اهـ. كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا اهـ

لِلنَّاظِرِ وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «يُجْزِئُ مِنْ السَّتْرِ قَدْرُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ» وَلِهَذَا جُعِلَ بَيَانُ الْغِلَظِ فِي الْبَدَائِعِ قَوْلًا ضَعِيفًا وَأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَرْضِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. السَّابِعُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ غَرْزُهَا إنْ أَمْكَنَ. الثَّامِنُ أَنَّ فِي اسْتِنَانِ وَضْعِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ غَرْزِهَا اخْتِلَافًا فَاخْتَارَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْإِلْقَاءِ وَعَزَاهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ وَقِيلَ يُسَنُّ الْإِلْقَاءُ وَنَقَلَهُ الْقُدُورِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قِيلَ يَضَعُهُ طُولًا لَا عَرْضًا لِيَكُونَ عَلَى مِثَالِ الْغَرْزِ. التَّاسِعُ أَنَّ السُّنَّةَ الْقُرْبُ مِنْهَا لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا» وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. الْعَاشِرُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى أَحَدِ حَاجِبَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إلَى عُودٍ أَوْ شَجَرَةٍ إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ وَلَا يَصْمُدُ إلَيْهِ صَمْدًا» أَيْ لَا يُقَابِلُهُ مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا بَلْ كَانَ يَمِيلُ عَنْهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ تُجْزِئُ عَنْ أَصْحَابِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى سُتْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ هَلْ هِيَ بِنَفْسِهَا سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ وَلَهُ أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا الْأَوَّلُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ. الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمُرُورِ وَرَاءَ السُّتْرَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ مُرُورِهِ وَرَاءَ السُّتْرَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَتَّخِذُهُ سُتْرَةً فَهَلْ يَنُوبُ الْخَطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنَابَهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ الْأُولَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَمَشَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ إذْ لَا يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ وَالثَّانِيَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَخُطُّ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا» وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِضَعْفِهِ وَتُعُقِّبَ بِتَصْحِيحِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ إنَّ السُّنَّةَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ الْمَقْصُودُ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهِ كَيْ لَا يَنْتَشِرَ. الرَّابِعَ عَشَرَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَرْضًا مِثْلَ الْهِلَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَخُطُّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ طُولًا وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِيَصِيرَ شِبْهَ ظِلِّ السُّتْرَةِ. الْخَامِسَ عَشَرَ دَرْءُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالُوا وَيَدْرَؤُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سُتْرَةً أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ وَهُوَ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالتَّسْبِيحِ وَزَادَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ مِنْهَا وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالْإِشَارَةِ لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةً قَالُوا هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُنَّ يُصَفِّقْنَ لِلْحَدِيثِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَضْرِبَ بِظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى صَفْحَةِ الْكَفِّ مِنْ الْيُسْرَى وَلِأَنَّ فِي صَوْتِهِنَّ فِتْنَةً فَكُرِهَ لَهُنَّ التَّسْبِيحُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّ تَرْكَ الدَّرْءِ أَفْضَلُ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ إنَّ الدَّرْءَ رُخْصَةٌ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَدْرَأَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَكَذَا رَوَاهُ الْمَاتُرِيدِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَمْرُ بِالدَّرْءِ فِي الْحَدِيثِ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ كَالْأَمْرِ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ اهـ. وَذَكَرَ الشَّارِحُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُقَاتَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ الْعَمَلُ فِيهَا مُبَاحًا وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْنَى الْمُقَاتَلَةِ الدَّفْعُ الْعَنِيفُ. السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إذَا أَمِنَ الْمُرُورَ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ لِأَنَّ اتِّخَاذَ السُّتْرَةِ لِلْحِجَابِ عَنْ الْمَارِّ وَلَا حَاجَةَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَارِّ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَرَكَهُ فِي طَرِيقِ الْحِجَازِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَوْلَى ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ فِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْجَهْرِيَّةَ الْعِلْمُ حَاصِلٌ بِهَا اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ دَرْءِ الْمَارِّ مَنْعُهُ عَنْ الْمُرُورِ لَا إعْلَامُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَعَ عِلْمِ الْمَارِّ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ رَفْعُ الصَّوْتِ زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ يَجْهَرُ بِهِ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّرْءِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَمَّا السِّرِّيَّةِ فَفِي الْجَهْرِ بِهَا تَرْكُ الْإِسْرَارِ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِهَذَا الْقَصْدِ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ فِي السِّرِّيَّةِ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ فِي التَّنْبِيهِ مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَةِ الْوَلْوَالِجِيِّ نَعَمْ لَوْ قِيلَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ فَقَطْ لِلْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ عَلَى مَا مَرَّ لَأَمْكَنَ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَيْ لِوُجُوبِ الْجَهْرِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَكَأَنَّهُ حَمَلَ الْجَهْرَ عَلَى أَصْلِهِ فَخَصَّهُ بِالْمُنْفَرِدِ أَيْ إذَا كَانَ يُسِرُّ لِجَوَازِهِ لَهُ دُونَ الْإِمَامِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ الرَّفْعِ بِالْجَهْرِ فَيَعُمُّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ إذَا كَانَا يَجْهَرَانِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَ إبْقَاءُ كَلَامِ الْوَلْوَالِجِيِّ عَلَى إطْلَاقِهِ

[العبث بالثوب والبدن في الصلاة]

اتِّخَاذُهَا فِي هَذَا الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ التَّرْكُ لِمَقْصُودٍ آخَرَ وَهُوَ كَفُّ بَصَرِهِ عَمَّا وَرَاءَهَا وَجَمْعُ خَاطِرِهِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهَا. اهـ. وَقَيَّدُوا بِقَوْلِهِمْ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ أَيْ فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ مَكْرُوهَةٌ وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِمَا يُفِيدُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعَ النَّاسِ عَنْ الْمُرُورِ وَالطَّرِيقُ حَقُّ النَّاسِ أُعِدَّ لِلْمُرُورِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ شَغْلُهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَقُّ الشَّغْلِ وَإِذَا اُبْتُلِيَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ وَبَيْنَ أَرْضِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ مَزْرُوعَةً فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الطَّرِيقِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَزْرُوعَةً فَإِنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ يُصَلِّي فِيهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَرْضَى بِهِ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَهُ يُسَرُّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ أَجْرًا مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ مِنْهُ وَفِي الطَّرِيقِ لَا إذْنَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ حَقُّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَإِنْ كَانَتْ لِكَافِرٍ يُصَلِّي عَلَى الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكُرِهَ عَبَثُهُ بِثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْمَكْرُوهَاتِ بَعْدَ بَيَانِ الْمُفْسِدَاتِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُفْسِدَ لِقُوَّتِهِ وَالْمَكْرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا كُرِهَ تَحْرِيمًا وَهُوَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ الْكَرَاهَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَاجِبُ يَعْنِي بِالنَّهْيِ الظَّنِّيَّ الثُّبُوتِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ الظَّنِّيِّ الثُّبُوتِ ثَانِيهِمَا الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا وَمَرْجِعُهُ إلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الْعَرَقِ فَحِينَئِذٍ إذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ إلَّا لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى النَّدْبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ نَهْيًا بَلْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعَبَثِ فَذَكَرَ الْكُرْدِيُّ أَنَّهُ فِعْلٌ فِيهِ غَرَضٌ لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ وَالسَّفَهُ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ أَصْلًا وَالْمَذْكُورُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْعَبَثَ الْفِعْلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَحِيحٍ حَتَّى قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ هُوَ مُفِيدٌ لِلْمُصَلِّي فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرِقَ فِي صَلَاةٍ فَسَلَتَ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ» أَيْ مَسَحَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِ فَكَانَ مُفِيدًا وَفِي زَمَنِ الصَّيْفِ «كَانَ إذَا قَامَ مِنْ السُّجُودِ نَفَّضَ ثَوْبَهُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً» لِأَنَّهُ كَانَ مُفِيدًا كَيْ لَا يَبْقَى صُورَةً فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُفِيدٍ فَهُوَ الْعَبَثُ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُكْرَهُ رَفْعُ الثَّوْبِ كَيْ لَا يَتَتَرَّبَ وَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ مَسْحُ التُّرَابِ عَنْ جَبْهَتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ النَّدْبُ إلَى تَتْرِيبِ الْوَجْهِ فِي السُّجُودِ فَضْلًا عَنْ الثَّوْبِ فَكَوْنُ نَفْضِ الثَّوْبِ مِنْ التُّرَابِ عَمَلًا مُفِيدًا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَأَمَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسَلْتِ الْعَرَقِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَيُكْرَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَرَقَهُ أَوْ التُّرَابَ عَنْ جَبْهَتِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَرَقِ الْمَمْسُوحِ عَرَقٌ لَمْ تَدْعُهُ حَاجَةٌ إلَى مَسْحِهِ وَبِالْكَرَاهَةِ الْكَرَاهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ فَحِينَئِذٍ ـــــــــــــــــــــــــــــQوَشُمُولِهِ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْجَهْرِ فِي مَوْضِعِ الْمُخَافَتَةِ عَفْوٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ الْمَفْهُومَةَ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُوَاجِهْ الطَّرِيقَ فَإِنَّ كَرَاهَةَ السُّتْرَةِ عِنْدَ مُوَاجَهَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ الْعَامَّةِ عَنْ الْمُرُورِ يُفِيدُ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِالْأَوْلَى تَأَمَّلْ أَوْ لِمُرَادِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُوَاجَهَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ مَكْرُوهَةٌ وَهَذَا أَظْهَرُ [الْعَبَثُ بِالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي الصَّلَاةِ] (قَوْلُهُ وَمَرْجِعُهُ إلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى) وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَيْضًا لَا بَأْسَ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَانْظُرْ مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ كُرَّاسٍ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَالْمَذْكُورُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الثَّانِيَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْكَرْدَرِيُّ وَفِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَبَثِ شَرْعًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَهُمَا مُتَّحِدٌ وَالنَّفْيُ فِي التَّعْرِيفِ الثَّانِي دَاخِلٌ عَلَى الْقَيْدِ وَالصِّحَّةِ لِكَوْنِهِ شَرْعِيًّا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ كَيْ لَا يَبْقَى صُورَةً) يَعْنِي حِكَايَةَ صُورَةِ الْأَلْيَة كَذَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ (قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَهُ) أَيْ تَعَقَّبَ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ كُلَّ عَمَلٍ هُوَ مُفِيدٌ لِلْمُصَلِّي فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ (قَوْلُهُ فَكَوْنُ نَفْضِ الثَّوْبِ مِنْ التُّرَابِ) إلَخْ) لَيْسَ فِي كَلَامِ النِّهَايَةِ دَعْوَى أَنَّ نَفْضَ الثَّوْبِ مِنْ التُّرَابِ عَمَلًا مُفِيدًا وَلَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَعَلَّهُ فَهِمَهُ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت بِمَا قَدَّمْنَا عَنْ السَّعْدِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْضَهُ مِنْ التُّرَابِ بَلْ لِإِزَالَةِ صُورَةِ الْأَلْيَة لِالْتِصَاقِ الثَّوْبِ بِهَا (قَوْلُهُ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ وَبَيْنَ الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ حَمْلَ الْمَسْحِ عَلَى مَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ يَجْعَلُهُ مِنْ الْعَبَثِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا كَمَا سَيَأْتِي فَحَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّنْزِيهِيَّةِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ وَحَمْلُ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ وَإِلَّا فَدَعْوَى الْجَوَازِ فِي الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا مَمْنُوعَةٌ قُلْت وَيَنْبَغِي التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا دَعَتْ إلَى مَسْحِهِ حَاجَةٌ وَيَكُونُ تَرْكُهُ حِينَئِذٍ أَوْلَى عَلَى نَحْوِ مَا يَأْتِي فِي قَلْبِ الْحَصَى وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ

لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ لَا بَأْسَ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ ثَبَتَ عَلَى أَنَّ بِهِ حَاجَةً إلَى مَسْحِهِ أَوْ بَيَانًا لِلْجَوَازِ اهـ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ مِنْ التُّرَابِ أَوْ الْحَشِيشِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهُ إذَا كَانَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَيَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ يُكْرَهُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَلَا يُكْرَهُ قَبْلَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ. اهـ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَهُوَ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعْرِيفِ الْعَبَثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَكَّ بِيَدِهِ فِي بَدَنِهِ إنَّمَا يَكُونُ عَبَثًا إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَمَّا إذَا أَكَلَهُ شَيْءٌ فِي بَدَنِهِ ضَرَّهُ وَأَشْغَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِحَكِّهِ وَلَا يَكُونُ مِنْ الْعَبَثِ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّارِحُونَ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَدَّمُوا مَسْأَلَةَ الْعَبَثِ لِأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ وَغَيْرَهَا نَوْعِيَّةٌ لِأَنَّ تَقْلِيبَ الْحَصَا وَالْفَرْقَعَةَ وَالتَّخَصُّرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَبَثِ وَالْكُلِّيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّوْعِيِّ وَتَعَقَّبَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْعَبَثَ بِالثَّوْبِ لَا يَشْمَلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَقْلِيبِ الْحَصَا وَغَيْرِهِ بَلْ إنَّمَا قَدَّمُوهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وُقُوعًا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الشَّامِلَ لِلتَّقْلِيبِ وَغَيْرِهِ الْعَبَثُ بِالْبَدَنِ وَلَا يَتِمُّ مَا قَالَهُ إلَّا لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْعَبَثِ بِالثَّوْبِ ثُمَّ إنَّ كَرَاهَةَ الْعَبَثِ تَحْرِيمِيَّةٌ لِمَا أَخْرَجَهُ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ مُرْسَلًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ وَالضَّحِكَ فِي الْمَقَابِرِ» وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فَمَا ظَنُّك فِي الصَّلَاةِ اهـ. وَأَرَادَ بِهِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَرَامًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا كَالْقَهْقَهَةِ وَأَجَابَ بِأَنَّ فَسَادَ الْقَهْقَهَةِ لَا بِاعْتِبَارِ حُرْمَتِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَهِيَ شَرْطٌ وَلِهَذَا لَا يُفْسِدُهَا النَّظَرُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا إلَّا إذَا كَثُرَ الْعَبَثُ فَحِينَئِذٍ يُفْسِدُهَا لِكَوْنِهِ عَمَلًا كَثِيرًا وَفِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يَحْرُمُ وَالْحَدِيثُ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَقَلْبُ الْحَصَا إلَّا لِلسُّجُودِ مَرَّةً) أَيْ كُرِهَ قَلْبُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا أُخْرِجَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَمْسَحْ الْحَصَا وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةٌ» «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت خَلِيلِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْته عَنْ تَسْوِيَةِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً أَوْ ذَرْ» وَلِأَنَّهُ نَوْعُ عَبَثٍ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ فَيُسَوِّيهِ مَرَّةً لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ يَعْنِي فِيهِ تَحْصِيلَ السُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ تَسْوِيَتَهُ مَرَّةً لِهَذَا الْغَرَضِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مَرَّةً رُخْصَةٌ وَأَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ وَفِي النِّهَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ إنَّ التَّرْكَ أَحَبُّ إلَيَّ مُسْتَدِلًّا فِي النِّهَايَةِ بِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «وَإِنْ تَرَكْتَهَا فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ سَوْدَاءَ الْحَدَقَةِ تَكُونُ لَك» اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مَرَّةً هَلْ هِيَ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ وَقَدْ تَعَارَضَ فِيهَا جِهَتَانِ فَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلسُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ كَانَتْ التَّسْوِيَةُ عَزِيمَةً وَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ تَرْكَهَا أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ كَانَ تَرْكُهَا عَزِيمَةً وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الثَّانِي وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ كَانَ تَرْكُ الْبِدْعَةِ رَاجِحًا عَلَى فِعْلِ السُّنَّةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّسْوِيَةُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَرَّةِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ وَقِيلَ يُسَوِّيهَا مَرَّتَيْنِ ذَكَرَهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي (قَوْلُهُ وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ) وَهُوَ غَمْزُهَا أَوْ مَدُّهَا حَتَّى تُصَوِّتَ وَنُقِلَ فِي الدِّرَايَةِ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِيهَا وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ تُصَلِّي» لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ بِالْحَارِثِ. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ «الضَّاحِكُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُلْتَفِتُ وَالْمُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلَعَلَّ الْمُرَادَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْصِيَةِ وَإِلَّا فَالضَّحِكُ مُبْطِلٌ لَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةُ الْفَرْقَعَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــQ (قَوْلُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنَّمَا كُرِهَ إذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَكَانَ لَا يَضُرُّهُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ (قَوْلُهُ يَعْنِي فِيهِ) أَيْ يَعْنِي صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ أَنَّ فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ تَحْصِيلَ السُّجُودِ التَّامِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِمْكَانِ لَكَانَتْ التَّسْوِيَةُ وَاجِبَةً وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ (قَوْلُهُ بَيْنَ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ) قَيَّدَ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَبِدْعَةٍ يَأْتِي بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَقَنَتَ فِي ثَالِثَتِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ

[فرقعة الأصابع في الصلاة]

تَحْرِيمِيَّةً لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الْعَبَثِ بِخِلَافِ الْفَرْقَعَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَوْ لِإِرَاحَةِ الْمَفَاصِلِ فَإِنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ كَرِهَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ بِالْحَدِيثِ اهـ. لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَارِجَهَا نَهْيٌ لَمْ تَكُنْ تَحْرِيمِيَّةً كَمَا أَسْلَفْنَاهُ قَرِيبًا وَأَلْحَقَ فِي الْمُجْتَبَى الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ وَالْمَاشِيَ إلَيْهَا بِمَنْ فِي الصَّلَاةِ فِي كَرَاهَتِهَا وَرَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُفَرْقِعَ الرَّجُلُ أَصَابِعَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ يَمْشِي إلَيْهَا» وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى كَرَاهَةِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَ إحْدَى أَصَابِعِ يَدَيْهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا مَرْفُوعًا «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ» وَنُقِلَ فِي الدِّرَايَةِ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِيهَا ثُمَّ يَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِلنَّهْيِ الْمَذْكُورِ وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا حَالَةَ السَّعْيِ إلَى الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ مُنْتَظِرًا لَهَا بِالْأَوْلَى وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْحَلَبِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حُكْمِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِمَشَايِخِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا لِلْعَبَثِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَوْ لِإِرَاحَةِ الْأَصَابِعِ وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَبَثِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا. اهـ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَبَثُ خَارِجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَالتَّخَصُّرُ) وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَهِيَ مَا فَوْقَ الطَّفْطَفَةِ وَالشَّرَاسِيفِ كَذَا فِي الْم